عرض المشاركات المصنفة بحسب التاريخ لطلب البحث بوبر. تصنيف بحسب مدى الصلة بالموضوع عرض جميع المشاركات
عرض المشاركات المصنفة بحسب التاريخ لطلب البحث بوبر. تصنيف بحسب مدى الصلة بالموضوع عرض جميع المشاركات

10/09/2026

عقلك المحافظ وعقلك المتمرد

يبدو ان استشهادي بآراء ميشيل فوكو في مقال الأسبوع الماضي ، قد أخذ الفكرة نحو منحى النقد الموجه لهذا الفيلسوف ، لا سيما القول بان تنظيره يؤول في نهاية المطاف الى رؤية عدمية ، وفي احسن الأحوال نسبية مغالية.

ميشيل فوكو  (1926 - 1984)

وكلا الرؤيتين موضع نقد عند الأخلاقيين. أما العدمية فهي (بتبسيط شديد) تنفي كل الثوابت. فليس ثمة معرفة يقينية ، ولا معنى مطابقا لموضوعه ، ولا حقيقة قائمة بذاتها ، ولا قيمة يمكن الاستناد اليها كمعيار قطعي. ومن هنا فما نظنه غاية او فضيلة أخلاقية ، هي مجرد اعتبارات صنعناها. فاذا تخلينا عنها ، انتهى وزالت قيمتها.  كأنها موضات الملابس وموديلات السيارات ، التي لها قيمة طالما اقبل عليها الناس ، فاذا تركوها بعد زمن ، ذهبت للهامش. وعليه فلا يوجد فعل صائب وفعل خطأ ، لأنه لا يوجد معيار قطعي نعتمده في التمييز بين هذا وذاك. خلاصة الرؤية العدمية إذن ، انه لا شيء يستحق الاهتمام ، ولا شيء يستحق الغضب.

اما النسبية فهي لا تنفي الثوابت ولا القيم العليا ، بل تعاملها كثوابت محلية. أي أنه لاتوجد قيمة كونية اسمها العدل او الحرية او الاخوة او الاحسان او النظام. بل لكل جماعة او بلد او زمن او دين ، مفهوم خاص للعدل ، قد يشبه مفهومه عند الجماعات الأخرى والازمنة الأخرى أو يخالفها. وكذا معاني الأفعال والصواب والخطأ.. الخ. وهذا يخالف ما تعارفت عليه مختلف الثقافات ، من وجود مجموعة محددة من القيم المجردة ، متعالية على كل الثقافات وعابرة للازمان ، وهي علامة ضرورية لتعريف الوجود الإنساني وتمييزه عن بقية المخلوقات. ان قيما مثل العدل والإحسان والكرم والتكافل والحرية والنظام ، ليست مشروطة بزمن بعينه او دين اوجماعة او حضارة بعينها. بل هي صحيحة دائما وضرورية دائما ، ولولاها لفقدت الحياة الإنسانية ابرز معانيها.

ويقول دارسو فلسفة ميشيل فوكو ، انه لم ينكر عالمية القيم ، ولا يصح وصفه بالنسبية فضلا عن العدمية. لكنه أراد توجيه الأنظار الى الأهمية الكبرى لتاريخ المعرفة ، وخيوط التجربة التاريخية التي تسهم في تشكيل الواقع ، حتى لو لم نلتفت لتأثيرها ، في الوقت المناسب. كما أراد توجيه الباحثين للتحول الجوهري في طبيعة السلطة الحديثة ، التي ما عادت تمارس العنف العاري على طريقة الدولة القديمة ، بل استبدلته بتنظيم المجتمع وتوزيع الأدوار وتقسيم العمل ، على نحو يرضي الغالبية ، لكنه في الوقت نفسه ، يقلص استقلاليتهم ، ويحول المجتمع الى ما يشبه ماكنة انتاج كبيرة ، يعمل كل جزء فيها بطريقة ميكانيكية او شبه ميكانيكية ، من دون ان يتوقف أحدنا يوما ليسأل: هل هذه هي الحياة التي أردت ان أعيشها حقا؟.

وأرى ان فوكو قد أصاب في رؤيته لتاريخ المعرفة ، وتحول المفاهيم وانتقالها من حقل دلالي الى آخر ، وتأثير الظروف الحياتية على فهم المجتمعات لذاتها ، والمعاني المرتبطة بأفعالها. لكن لعله بالغ في التقليل من دور "العقل المنشيء" حسب تعبير اندريه لالاند (1876-1963) او العقل النظري بتسمية الفلسفة القديمة. وفقا لرؤية لالاند ، الفيلسوف الفرنسي المعاصر ، يقوم "العقل المنشيء" بدور المراقب والناقد لمحتويات الذاكرة ، أي ما استقر في ذهن الانسان وبات قاعدة للتفكير.

في كل عقل انساني ثمة جانب "مالنشيء" يبتكر الحلول الإبداعية ويحرر الانسان من أسر القناعات القديمة والمسلمات الاجتماعية. لولا هذا العقل المتمرد ، لما وجدت فكرة جديدة ، وما وجد ابداع يخالف السائد. ويشهد تاريخ البشرية ان الانسان لم يتوقف يوما عن التغيير والابداع. وهذا بذاته دليل على ان العقل الذي صنعته التجربة التاريخية والمحيط الاجتماعي (وفق تصوير فوكو) ليس قدرا ولا هو صورة نهائية. فهو رغم قوته ورسوخه ، لا يستطيع مجابهة العقل الآخر (المنشيء).

السؤال اذن ، ليس ما اذا كانت رؤية فوكو صائبة ام خاطئة ، بل ما اذا كان الانسان يسمح لعقله المنشيء بالقيام بدوره المفترض ام لا.

الشرق الأوسط الخميس - 29 ربيع الأول 1448 هـ - 10 سبتمبر 2026 م

https://aawsat.com/node/5316618

مقالات ذات صلة:

اسطورة العقل الصريح والنقل الصحيح
اصلاح العقل الجمعي
اناني وناقص .. لكنه خلق الله
الانشغال بالعلم والانشغال بالجن
تبجيل العلم مجرد دعوى
تعقيب على استاذنا البليهي
تعريف مختلف للوعي/ تحييد صنم القبيلة
الثقافة كصنعة حكومية
الحكم اعتمادا على العقول الناقصة
الرزية العظمى
العقل الاخباري
عقل الصبيان
العقل المؤقت
العقل العملي
العقل المساير والعقل المتمرد
العقل في المرحلة الأوروبية
عودة الى نقاش الدور التشريعي للعقل
كتاب اخر يستحق القراءة : كارل بوبر "منطق البحث العلمي"
لماذا يرفضون دور العقل؟
ما رايك في ماء زمزم؟
مشكلة الثقافة الدولتية
من تقليد الى تقليد ، عقل معماري وعقل هدام
من العقل الجمعي الى الجهل الجمعي
من تقليد الى تقليد ، عقل معماري وعقل هدام
هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟
هل جربت صنم الكهف؟
اليد الخفية التي تدير العالم

27/08/2026

مراجعة لرؤيتين في العلم والعمل

الرؤية التي عرضها د. عبد الله الغذامي في هذه الصحيفة (11-أغسطس) شغلت ذهني جدا. اقترح الغذامي طريقة للتعامل مع مشكل يتفاقم بسرعة ، ويتلخص في تفاقم اعتماد الباحثين والطلبة ، على منصات الذكاء الصناعي في كتابة ابحاثهم ، بدل الاتكال على جهدهم ا لخاص. هذا السلوك جعل من العسير التمييز بين الاذكياء الجادين ، وبين الاغبياء الذين لا يبذلون جهدا ، ولا يؤمنون بقيمة البحث العلمي. خلاصة ما يدعو اليه الغذامي في ذلك المقال ، هو اختبار الطريق الذي يسلكه الباحث في بحثه ، بدل الانشغال بالنتائج التي توصل اليها ، حتى لو انتهى بحثه بنتائج لا ترضي توقعاتنا.

د. عبد الله الغذامي

ويقول الغذامي ان الثقافة العامة في مجتمعنا تميل للاحتفاء بالنتائج ، بغض النظر عن الطريق الذي أدى اليها. واظن ان معظمنا يعرف هذه الحقيقة. الأمهات خصوصا ، يبذلن جهدا فائقا في مساعدة أطفالهن على حل الواجبات المدرسية والمذاكرة معهم ، كي يضمنوا علامات عالية في الاختبار. وهن يعلمن أيضا عن الأموال الكثيرة ، التي تصرف على الدكاكين المتخصصة في تصميم وطباعة الملصقات والوسائل التعليمية التي تطلبها المدرسة من التلاميذ. هذه الطرق تعطيهم علامات عالية تبرر الاحتفال. لكن هل تعطينا باحثا جيدا ، مستعدا ليسهر ليله في علاج مسألة غامضة ، او اختبار تقنية جديدة؟.

ثم قرأت مقال الأستاذ سلمان الجشي بصحيفة عكاظ (23-أغسطس) والذي قدم فيه تصورا عن معنى ان يكون البلد متقدما. وقد وجدت فيه اثارة مهمة ، تأخذ رؤية الغذامي الى مساحة أوسع ، اعني تطبيق الفكرة على المسار الحياتي او التنموي لمجتمع بأكمله.

من تمام الفائدة الإشارة الى ان عالم سياسة امريكي معروف ، هو روبرت دال (1915-2014) كان قد تبنى مفهوما مقاربا ، هو التحليل الاجرائي Procedural Analysis   الذي جعله أساسا لنظرية متكاملة ، في فحص وتقييم كفاءة المجتمع السياسي. وينطلق البروفسور دال من فرضية ان الصورة النهائية لأي مجتمع سياسي ، قد تكون خداعة ، لأنها تحجب عن اعيننا المراحل السابقة لظهور الناتج في الشكل الذي شاهدناه. بدلا من هذا يقترح الرجل عددا من المعايير الرئيسية ، التي ينبغي التحقق من وجودها ، في الطريق الذي يسلكه المجتمع ، خلال سيره نحو غايات التنمية السياسية. ويرى ان الوفاء بتلك المعايير شرط للتحقق من قيمة العمل ، حتى لو لم يبلغ النتائج المرجوة.

نحن إذن أمام رؤيتين:   

رؤية سائدة تهتم بجودة الناتج ، سواء كان بحثا علميا او منتجا صناعيا او زراعيا ، او برنامج عمل أو مشروعا اجتماعيا.  

رؤية تهتم بالطريق الذي أوصلنا لتلك النتيجة ، حتى لو خالفت توقعاتنا.

دعني اطبق هذا المنهج على موضوع التنمية الصناعية ، الذي تعرض له مقال الجشي. خذ مثلا البتروكيمياويات وهي أعلى منتجاتنا قيمة. يبلغ عمر هذه الصناعة أربعة عقود تقريبا. ونجاحها محل اعتزاز وفخر للمملكة وأهلها. نعلم انها بدأت بالاعتماد على تقنيات مستوردة ، وخبراء وبرامج تشغيل أجنبية. فهل لا زالت كذلك ، ام اننا نوفر تلك الحاجات بالاعتماد على الموارد الوطنية. واذا كان الشريك الأجنبي لازال حاضرا ، فكم هي نسبة الاعتماد عليه. بعبارة أخرى: لو انحلت الشركة التي اشترينا منها معدات المصنع وتقنياته ، فهل نستطيع تسييره بالاعتماد على الموارد المحلية؟. هذا السؤال وارد بالنسبة لمصانع الأجهزة المنزلية وقطع غيار المركبات أيضا.

ان تحولنا الى اقتصاد صناعي يتطلب امتلاك دورة التصنيع الكاملة ، او معظم اجزائها ، وليس فقط الأرض والمدخلات وراس المال. يجب ان نسأل قادة الصناعة في بلادنا: ما هي درجة انكشاف القطاع الصناعي على الخارج ، أي ما هي درجة اعتماده الحرجة على التقنيات والمكائن والخبرات الأجنبية. هذا تطبيق واحد للفكرة السابقة وفحواها ان العبرة بالطريق الذي اوصلنا الى النتيجة وليس النتيجة ذاتها ، حتى لو جرت عادتنا على الاحتفاء بالنتائج فحسب.

الشرق الأوسط الخميس - 14 ربيع الأول 1448 هـ - 27 أغسطس 2026   https://aawsat.com/node/5311573

مقالات ذات صلة

كتاب اخر يستحق القراءة : كارل بوبر "منطق البحث العلمي
نافذة على فلسفة كارل بوبر
حول القراءة الايديولوجية للدين
نافذة على مفهوم "البراغماتية"
كيف نجعل الثقافة محركا للاقتصاد؟

30/07/2026

خربوا هواتفكم .. خربوا سياراتكم!

كثير من الناس تابعوا خبر الاتفاق النووي بين السعودية والولايات المتحدة. ولكل سببه. بعضهم نظر للموضوع من زاوية سياسية ، وبعضهم اعتبره مفخرة للبلد ، وثالث نظر الى جانبه التجاري. بالنسبة لي فان الجانب الأكثر أهمية هو "كسر الحاجز التقني".

دعني أبدأ بهذه القصة التي مضى عليها أربعة عقود تقريبا. وخلاصتها ان احد تجارنا كان يملك مصنعا لتجميع الباصات الصفراء المعروفة. ثم اكتشف انه يستطيع استيراد الباص بكلفة اقل ، فقرر اغلاق المصنع. وحين سألته صحيفة عن ذلك ، قال بلسان فصيح ان بعض الشعوب قدرها ان تبرز في التجارة ، وبعضها في الزراعة ، وأخرى  في الصناعة. ونحن شعب قدر الله له ان ينجح في التجارة. بعد ذلك بعشرين عاما ، استمعت لرجل اعمال بارز في الاحساء ، وهو يتحدث عما أسماه "جميل صنع الله" وهو تقسيم الناس الى تاجر وعالم وحاكم وصانع ، هكذا ولدوا وهكذا سيعيشون ، وبه تنتظم الحياة.

أتوقع ان بعض الأعزاء سيضحك في سره على هذا المنطق. وبالمناسبة فهو لم يأت من فراغ ، فقد تبناه المعلم الأول ارسطو حين تحدث في "كتاب السياسة" عن نظام المدينة الفاضلة ، وتبناه استاذه افلاطون في "الجمهورية". وهو يرجع لقناعة شاعت في الماضي ، فحواها ان الصفات السلوكية تنتقل بالوراثة ، وان الأعراق تتمايز في قابلياتها الذهنية كما تتمايز أجسامها. ولعل قراء ابن خلدون يذكرون قوله ان العرب أهل حرب وغزو ، فما حلوا بلدا إلا وأسرع اليها الخراب ، لأنهم غير قادرين على البناء والصناعات.  

لتخفيف وقع هذه الاقوال ، قد يمكنني تأويلها بأن المقصود ليس التباين الجيني ، بل تباين البيئات التي يتربى فيها مختلف الناس. وقد أشار ابن خلدون وغيره الى تأثير الطقس على الميول الذهنية والسلوكية ، وهو يسمح بالقول بان أصحاب تلك الآراء لم يغفلوا دور البيئة والتربية. لكن هذا تأويل كما أسلفت ، والا فان القول بالوراثة كان شائعا في تلك الأزمان.  

نعلم اليوم ان هذه الآراء أقرب الى "السوالف" او العلم الزائف ، بحسب تعبير الفيلسوف كارل بوبر. خلق الله الناس جميعا بعقول متساوية ، فهم يتمايزون في افعالهم وافكارهم وتطلعاتهم ، بحسب البيئة الطبيعية والاجتماعية التي عاشوا وسطها. مع هذا فكل انسان لديه عقل قادر على انتزاعه من بيئته وجماعته ، والانتقال به الى نقيضها لو شاء.

العلم والصناعة من ثمار العقول. ونحن قادرون عليها مثلما قدر غيرنا. وغاية مانحتاجه هو:

١) الايمان العميق والعملي بأننا لا نقل عن غيرنا.

٢) إزالة العوائق التي تعرقل المؤمنين بقدرتهم.

3)اختيار نقطة الانطلاق.

أعتقد أن معظمنا يعرف العوائق ، او يعرف بعضها. لذا سأكتفي بالاشارة لعائق واحد ، اسميته "هيبة التقنية".

"هيبة التقنية" ببساطة ، هي توهم انني لا استطيع تفكيك الهاتف الجوال وإعادة تركيبه ، او تفكيك محرك السيارة وإعادة تركيبه ، او تفكيك مكيف الهواء وإعادة تركيبه. المسألة حقا بهذه البساطة. نحن نهاب هذه الأجهزة الصغيرة. لأننا نخشى الفشل او لعلنا نتوهم ان هذا الجهاز يحوي شيئا يفوق عقولنا.

ولذا فان نقطة الانطلاق هي كسر هذه الأوهام ، ليس بفتح محلات لاصلاح الهاتف او السيارة ، بل إعطاء الهاتف لابنائنا الذين في المرحلة الابتدائية او المتوسطة ، وتشجيعهم على تخريبه وإعادة إصلاحه. ثم إعطاء الولد الذي في المرحلة الثانوية سيارة مستعملة ، واخباره بانه سيكون مالكها اذا فكك المحرك وأعاد تركيبه. شجعوا الشباب على تفكيك الأجهزة التي بايديهم ، حتى لو انتهى الامر بتخريبها وخسارتها. ربما تخسر جهازا ، لكنك تربح عبقريا لا يهاب التقنية.

انا مهتم بالبرنامج النووي السعودي ، لا لسبب سوى هذا: سيعمل فيه عدد من شبابنا ، وسيشعرون وسنشعر معهم اننا قادرون على تكرار ما فعله غيرنا. اذا كان احد يستطيع فعل شيء ، فنحن نستطيع أيضا ، لأن عقولنا ليست اقل من غيرنا.

الشرق الأوسط الخميس - 16 صفَر 1448 هـ - 30 يوليو 2026 م     https://aawsat.com/node/5301495

مقالات ذات علاقة

اول العلم قصة خرافية
تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟
التعليم كما لم نعرفه في الماضي
التمكين من خلال التعليم
حاضنات الابداع
حول البيئة المحفزة للابتكار
فتاة فضولية
المدرسة وصناعة العقل
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق
نحتاج تعليما يعد الشاب لحياة معقدة

15/01/2026

عودة الى نقاش دور العقل في صناعة القيم

تعلمت منذ زمن بعيد ان نقد الأفكار هو الذي يهذبها وينضجها. اني اتبع مذهب الفيلسوف المعاصر كارل بوبر ، الذي رأى ان أي فكرة او نظرية علمية ، في أحسن أحوالها ، احتمال راجح بالقياس الى غيره. اعلان الفكرة تمهيد لكشف نواقصها ، وصولا الى استبدالها بما هو أكمل وأفضل. المعارف القديمة التي تركناها لم تكن خطأ ، بل كانت الخيار المتاح يوم ظهورها. ولولا إعلانها لما كشفنا نواقصها ، وتوصلنا الى بدائلها.

اردت بهذا التمهيد الإشادة بنقد اخي الأستاذ هاشم الشملة لمقالة الأسبوع الماضي ، الذي كان – للحق – دقيقا ومنهجيا ، ومفيدا لي. وقد عرض نقاطا عديدة تستحق التوقف. لكني مهتم أولا باستشكاله على الدعوة لاعتماد العقل في تشخيص معاني الأفعال وما تنطوي عليه من مصالح وقيم. هذه الدعوة عنصر جوهري في المقال المذكور ، سيما في فرضية أن علاقات الناس ليست مسألة دينية ، وأن مرجعها حكم العقل وليس النص.

يشكك الأستاذ الشملة في قدرة العقل على تشخيص المصلحة من دون تحيز ، مع علمنا بانه يتأثر بميول صاحبه المادية وانتماءاته الاجتماعية وخلفيته الثقافية واطاره الأيديولوجي وانشغالاته الآنية.

كما يخشى أن تنقلب التعددية القيمية الى نسبوية ، حيث لا يبقى فارق بين الحق والباطل إلا بالاستحسان الظرفي. سأترك هذه النقطة لمناسبة أخرى ، وأركز في هذه السطور على النقطة الأولى ، أي سلامة الاعتماد على حكم العقل. وهو اعتراض صحيح ومشروع. وللمناسبة فان جميع الذين عارضوا دخالة العقل في التشريع او في الحياة الدينية بشكل عام ، ذكروا هذا الاعتراض. وهو أبرز الأدلة التي رفعها الاخباريون في وجه المدرسة التي تقول بالاجتهاد في الشريعة. وقال اهل العرفان ان القيم الدينية غرضها توجيه الانسان في طريق الكمال ، لذا ينبغي ان تصدر عن كامل ، لا أن تصدر عن ناقص يسعى لتكميل نفسه.

وفي الجهة المقابلة ، فان كافة الذين دعوا الى اعلاء مكانة العقل ومحورية دوره في حياة الانسان ، أقروا بتلك النواقص والحدود ، وقالوا بوضوح ، انهم لا يرون العقل كاملا ولا معصوما من تأثير الانحيازات والشواغل الظرفية.

واضح اذن ان الجميع متفق على نقص العقل الإنساني. فكيف نجعله حكما وحاكما ومرجعا؟.

سبق ان اجبت على هذا السؤال. وسأوجز هنا ما قلت سابقا. سؤال العلاقة بين العقل والقيم/احكام الشريعة ينحل الى ثلاثة أسئلة ضمنية ، أولها: هل نتحدث عن عقل كامل ، بمعنى انه معصوم عن الخطأ ، ونعلم ان العصمة قصر على الرسول ، فهل هذا موضوع نقاشنا. ام نتحدث عن عقل البشر العادي الذي يتجه اليه التكليف والاختبار في الحياة؟.

السؤال الثاني: هل نرى ان طلب الخير هو الطبع الأولي للإنسان (الفطرة) ، ام ان فطرته فاسدة ونزوعه الأولي نحو الشر؟. فاذا قلنا بانه أميل الى الشر ، فلا حاجة أصلا للنقاش ، لأنه حتى لو أثبتنا قدرة العقل على انشاء القيم ، فسوف ينصرف الى ما هو طبع اولي فيه ، أي الشر والفساد. اما لو قلنا بان الانسان مفطور على الخير ، فانه لا خوف من اعتماد حكم العقل ، حتى لو أخطأ.

السؤال الثالث: القول بان العقل قادر على انشاء القيم والاحكام ، هل يعني ان هذه عملية ميكانيكية: يطلبها الانسان من عقله فيستجيب هذا وينشؤها ، ام انها تتبع تطور المعرفة ، فكلما ازدادت معرفة البشر بعالمهم ، ازدادت معها قدرتهم على انشاء الاحكام والقيم؟. هذه العلاقة تشير أيضا الى تفاعل جدلي بين الانسان والطبيعة ، يقود لتطور في حياته المادية ، فتتولد أسئلة جديدة ، تثير العقل كي يولد معاني جديدة ومعارف جديدة ، وبالتالي قيما جديدة. هنا يتضح دور الزمن الذي يثير الأسئلة فيحرك مسيرة المعرفة ، فيكشف قابلية متصاعدة للتعلم ، تمكن الخلف مما عجز عنه السلف.

في النقاش بقية ، سأعود اليها في قادم الأيام اذا وفق الله.

الخميس - 26 رَجب 1447 هـ - 15 يناير 2026 م

https://aawsat.com/node/5229910

مقالات ذات علاقة

"اخبرني من اثق به..."
الاستدلال العقلي كاساس للفتوى
أصنام الحياة
الاموات الذين يعيشون في بيوتنا
ثنائية الاتباع والابتداع
حين تكره الدنيا: طريق البشر من الخرافة الى العلم
دور الفقيه ، وجدلية العلم والحكم
الـدين والمعـرفة الدينـية
رأي الفقيه ليس حكم الله
طرائف التاريخ وأساطيره
عقل الاولين وعقل الاخرين
عن الحاجة إلى تجديد الفقه الإسلامي
عن الدين والخرافة والخوف من مجادلة المسلمات
الفكــرة وزمن الفكـرة
في رثاء د. طه جابر 
العلواني
كهف الجماعة
مهابهاراتا.. أعظم ملحمة في تاريخ الانسان
هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟
هل جربت صنم الكهف؟
هيمنة الاتجاه الاخباري على الفقه

العقل الاخباري

 

 

 

 

06/02/2025

الدين والايديولوجيا: من يزاحم الاخر؟

 الواضح ان مفهوم الأيديولوجيا وتطبيقاته ، يثير حساسية ملحوظة عند الجمهور ، فضلا عن السياسيين والمفكرين. سيبقى هذا الراي انطباعيا ، نظرا لشكنا في كون المفهوم واحدا عند جميع الناس ، فوق اننا لا نعرف المسافة بين ما يريده الناس من هذا المفهوم وما يرفضونه فيه.

على أي حال ، قد يكون مفيدا المرور سريعا على اصل المفهوم وسبب الخلاف حوله ، ولا سيما الموقف المتشكك فيه او الرافض له.

تقول المصادر ان الذي صاغ مصطلح الأيديولوجيا ، هو المفكر الفرنسي ديستوت دي تريسي سنة 1796. كان دي تريسي يحاول وضع قواعد تفسيرية توضح كيفية انتقال البيانات من الحواس الخمس التي تتفاعل مع البيئة المحيطة بالإنسان ، الى عقله ، حيث تستعمل في تشكيل منظومات الأفكار. ويقال ان تريسي تأثر بالفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون ، الذي رأى ان تفكير الانسان في الأشياء ، محكوم بذاكرته التاريخية من جهة ، وبمكونات الظرف المحيط به ، وهي النظرية التي يشار اليها عادة باسم "اصنام العقل الأربعة". أراد دي تريسي وضع قاعدة عامة ، تفسر حركة الأفكار منذ ولادتها حتى تتموضع في سلسلة ، فتشكل منظومة متكاملة ، واطلق على هذا المشروع اسم "علم الافكار ideology ".

كان تريسي مقتنعا تماما بأن أي فكرة تولد داخل عقل الانسان ، يجب ان تولد ضمن منظومة او تنظم لاحقا الى منظومة ، لأنه لا توجد في العقل أفكار منفردة غير متصلة باي فكرة أخرى.

 حصل المصطلح على رواج اكبر بعدما ظهر في كتابات كارل ماركس ، منتصف القرن التاسع عشر. وكانت المفارقة ان ماركس بدأ ناقدا للأيديولوجيا ، التي قال انها تخلق وعيا زائفا بالواقع ، لكنه اتجه لاحقا الى تشكيل منظومة فكرية متكاملة ، تمثل نموذجا لما نسميه أيديولوجيا. والواضح ان ماركس لم يتخذ هذا المنحى في غفلة ، بل يبدو انه أراد عامدا انشاء العقيدة الشيوعية كأيديولوجيا شاملة ومغلقة الى حد كبير. وخلال القرن العشرين أنشأ معظم الأحزاب الشيوعية الكبرى قسما خاصا للتعليم والتدريب الأيديولوجي ، وبعضها يحمل هذا الاسم دون مواربة.

ثمة اعتراضات كثيرة على الأيديولوجيا ، بما هي ومن حيث المبدأ ، وقد ذكرت في المقال السابق قول من قال انها "حجاب الحقيقة" او الشجرة التي تحجب الغابة. لكني أود التركيز على ما أظنه ابرز الاعتراضات ، وهو تلبسها بما يشبه عباءة الدين.

توصف الأيديولوجيا بانها نظام كلي ، ينظم في نسق واحد المعرفة والسلوك الشخصي وعلاقة الانسان مع الاخرين والطبيعة. وهذه على وجه التحديد وظيفة الدين ، ولذا قيل ان الأيديولوجيا تقوم – عمليا – بالاستيلاء على مكانة الدين من خلال مزاحمته على الوظائف التي يفترض انه مختص بها.

نعلم ان المسافة واسعة جدا بين الدين والايديولوجيا: فالاول من عند الله بينما الثانية من صنع البشر. يركز الدين على داخل النفس وليس الخارج. الواجب المحدد للإنسان هو الحفاظ على نظافة قلبه ، ومواصلة تطهيره من خلال اتهام النفس بالقصور او التقصير والاعتذار الى الله عنه. الدين حالة انجذاب من الانسان الى الخالق ، وليس اندفاعا من الانسان الى بقية البشر. أما الأيديولوجيا فتركز على  المحيط الحيوي للإنسان ، بناء على فرضية مسبقة بأن الأيديولوجيا التي يحملها كاملة ، وان القصور في المحيط وليس فيها ولا في حاملها. بعبارة أخرى فان حركة الأيديولوجي تتجه من داخله الى خارجه ، وتسعى لتغيير المحيط باعتبارها في مرتبة أعلى من هذا المحيط ، ولا تحتمل الخطأ.

السؤال الآن: ماذا يحصل لو ان مجموعة اشخاص شكلوا تيارا يحمل اسم الدين ويتحدث بلغته ويرفع شعاراته ورسومه ، ويعتبر نفسه ممثلا للدين وحاميا لحماه ، لكن المضمون الجوهري لهذا التيار وتعاليمه كلها ، من صنع البشر ، فهل نصنف هذا الخطاب في جانب الدين ام في جانب الأيديولوجيا ، أي هل نركز على الصورة الإلهية للخطاب ام على مضمونه البشري؟.

الخميس - 07 شَعبان 1446 هـ - 6 فبراير 2025 م

https://aawsat.com/node/5109202-

مقالات ذات صلة

الصعود السياسي للاسلاميين وعودة الدولة الشمولية

الايديولوجيا والسياسة

حول القراءة الايديولوجية للدين

كتاب اخر يستحق القراءة : كارل بوبر "منطق البحث العلمي

نافذة على فلسفة كارل بوبر

حول القراءة الايديولوجية للدين

نافذة على مفهوم "البراغماتية"

مدينة الفضائل

ايديولوجيا الدولة كعامل انقسام: كيف يحدث التفارق الآيديولوجي والثقافي؟

 

30/01/2025

صنم الوحدة

يتشابه الدعاة الايديولوجيين في نقطة ، تمثل محورا لعملهم ، وهي الرغبة في اجماع الناس على رأي واحد ومنظومة أهداف مشتركة. في سنوات الشباب كنت مقتنعا أشد الاقتناع برؤية المرحوم علي شريعتي (1933-1977) الذي قال ان المجتمع التوحيدي ، أي المجتمع المؤمن بالله ، مجتمع متوحد بالضرورة. لم تتولد هذه القناعة الراسخة عن تفكير ومقارنة بين هذا الرأي وما يعارضه ، بل هي امتداد لايمان مسبق بأن التوحيد مبدأ كل خير ، وانه - بالضرورة  - يساوي الوحدة. وأعلم ان كثيرا من الناس يذهبون هذا المذهب ، ولعلهم مثلي لم يتأملوا في الآراء المعارضة أو يراجعوا أدلتها.

سلافو جيجيك

يهمني القول ان الأيديولوجيا ليست شيئا سيئا. رغم ان نقاد الماركسية صبغوا وجهها بالسواد. أقول هذا لأني بدأت بما قد يوهم بأن الأيديولوجيا شر بذاتها. وما كنت اقصد هذا أبدا ، مع ايماني برؤية الفيلسوف المعاصر كارل بوبر (1902-1994) الذي أكد دائما ان "الأيديولوجيا حجاب الحقيقة". وهذا بالتحديد ما أردت بيانه من استشهادي برؤية شريعتي. للمناسبة فتلك المقولة تنسب لفيلسوف من سلوفينيا هو سلافو جيجيك. لكن نقد بوبر للماركسية والمثالية والتخشب الأيديولوجي بشكل عام ، لا نظير له في الفلسفة المعاصرة.

تنبهت الآن الى اني اتحدث عن داعية أيديولوجي وعن معاد شرس للأيديولوجيا ، حديثا يوحي بالتقدير لكليهما. قد يبدو الامر متناقضا بعض الشيء. لكن هذه قصة أخرى ، ليس هنا محلها.

دعنا نمر على كبير دعاة الأيديولوجيا في العصور الأخيرة ، كارل ماركس ، الذي جادل بأن التعقيد وتزاحم المصالح سمة ملازمة للمجتمع المتقدم اقتصاديا او علميا. المجتمعات الزراعية البسيطة موحدة ومتوافقة ، لان حياتها تدور حول محاور معدودة ، لا تتغير مع الزمن الا قليلا. اما المجتمعات المتقدمة فهي تنطوي على تعقيد في تفكيرها وعلاقاتها الداخلية وطريقة عملها. وهذا يؤدي - بالضرورة – الى تعارضات لا يمكن مطلقا حلها ، الا بتغلب أحد الأطراف على البقية.

الفرصة الوحيدة للاجماع في مجتمع متقدم ، تتوفر فقط في المستقبل الشيوعي. كان ماركس مؤمنا ايمانا عميقا بان هذا المستقبل قادم لا محالة ، وانه قريب جدا في البلدان الصناعية مثل بريطانيا. الاجماع مستحيل قبل قيام المجتمع الشيوعي ، حتى لو نجحت الدولة في فرض رؤية واحدة. والمقصود بالاجماع ، في هذا السياق ، هو توافق أعضاء المجتمع على منظومة الأهداف التي يسعى النظام الاجتماعي لتحقيقها ، ونظام العلاقة بين أعضاء المجتمع ، إضافة للمعايير المتبعة في حل الخلافات التي قد تنشب فيما بينهم.

المجتمع الشيوعي موحد بطبيعته ، لأن العقيدة الشيوعية قاسم مشترك بين اعضائه. لكن وحدة العقيدة ليست العامل الرئيس ، بل زوال الملكية الفردية ، حين ينصرف المجتمع كله الى الإنتاج والتقدم ، ولا يشغل نفسه في امتلاك المال والسلع. الملكية الفردية سبب رئيس للتنازع بين الناس ، خاصة في الاقتصادات الرأسمالية التي تعتبرها مصدرا للسعادة. بديهي ان كل فرد يريد السعادة ، فاذا افترض انها رهن بتوسيع أملاكه الشخصية ، فسوف يمسي المجتمع ميدانا للصراع على الثروة. والمفترض ان ينتهي هذا في ظل المجتمع الشيوعي ، حين نتحرر كليا من مفهوم التملك بالمعنى التقليدي.

في هذه اللحظة احتمل ان بعض القراء قد استذكر كتابات او خطابات لدعاة مسلمين او مسيحيين ، يتحدثون – مثلما تحدث ماركس – عن حتمية تاريخية ، مستقبل قادم لا محالة ، حين يسود الايمان في العالم ، وتمتليء الأرض قسطا وعدلا ، كما ملئت – من قبل - ظلما وجورا ، يوم يتوحد الناس جميعا تحت راية واحدة وفكرة واحدة ويتجهون نحو غاية مشتركة.

اني مؤمن تماما ان المستقبل سيكون افضل من الحاضر ، كما ان حاضرنا افضل من الماضي. لكني لا أرى التقدم ممكنا اذا تحققت الوحدة التي ينشدها الايديولوجيون. التقدم رهن للاختلاف. الاختلاف في الأديان والآراء والمصالح والحرف والمعارف ، هو الشرط المسبق للتقدم. الاختلاف فرصة للتقدم والتقدم طريق للكمال الإنساني.

الخميس - 30 رَجب 1446 هـ - 30 يناير 2025 م       https://aawsat.com/node/5106643

مقالات ذات صلة

حدود الحرية .. حدود القانون

السعادة الجبرية: البس ثوبنا أو انتظر رصاصنا

مجتمع الاحرار

مجتمع الأحرار.. ومفهوم الحرية

مجتمع العبيد

سؤال التسامح الساذج

فرصة لتطبيق ما ندعو اليه: فوائد التسامح

فلان المتشدد

في التسامح الحر والتسامح المشروط

في ان الخلاف هو الاصل وان الوحدة استثناء

في بغض الكافر

كن طائفيا او كن ما شئت .. لكن لا تضحي بوطنك

 

02/11/2023

رأيك الذي لا يقبل النقض او الجدل


أردت في مقال الاسبوع الماضي دعوة القراء للتفكير في قيمة المعارف التي يحملونها بالقياس لما عند غيرهم. ولعلي بالغت قليلا إذ زعمت ان ما تراه العين وما تسمعه الاذن ، كلاهما من نوع الظنون ، ولا يرقى لمرتبة الحقيقة ، رغم ما شاع بين الناس من اعتبار رؤية العين دليلا لا يقبل الشك.

اعمق الردود على تلك الفكرة ، هي قول احد الزملاء ، بأن مضمون المقال يساوي انكار اي وجود للحقيقة في العالم. ، فكأن مراده ان الذي نراه أو نعرفه مجرد وهم ، او – على احسن التقادير – مرحلة انتقالية بين الظن والحقيقة.

ستيف جوبز (1955-2011)

لكني ما قصدت هذا بطبيعة الحال ، بل اردت تشجيع القاريء على مجادلة قناعاته ، لا سيما الراسخة والعميقة منها ، التي نظنها حقائق نهائية لا تقبل الشك ولا التعديل. وقد وجدت ان طرح المسألة في صورتها الاكثر تطرفا ، أدعى لتحقيق المراد ، وهو إثارة الأذهان. ان التفكير والتأمل هو الطريق الوحيد في اعتقادي لاكتشاف حدود المعرفة وقيمتها ، الأمر الذي يهدينا للتواضع والتسامح ، واحترام الرأي المضاد ، مهما بدا غريبا عما ألفناه أو ارتحنا اليه.

ما يثير الجدل في غالب الأحيان ، ليس الحقائق الصريحة ، بل الآراء الملتبسة بالحقيقة او  التي يدعي اصحابها انها تطابق الحقيقة. ان اطلاق شخص مثلي صفة الحقيقة على رأيه ، لا يزيل عنها صفة الرأي الشخصي ، الا اذا وافقه الناس جميعا ، او غالبية معتبرة منهم ، حيث تلبس حينئذ صفة الوجود الموضوعي ، مثل وصف "آيفون" الذي اخترعه ستيف جوبز ، فكان مجرد فكرة شخصية ، لكنه تحول لاحقا الى حقيقة موضوعية تشبه الحقيقة التي نسميها التراب والشجر والحديد. فهل ياترى يمكن اطلاق نفس الوصف على الآراء التي احملها انا وأنت أو سائر الناس ، الآراء التي تتعلق بمختلف قضايا حياتنا او حياة الآخرين؟.

كنت قد شرحت في كتابة سابقة رؤية الفيلسوف المعاصر كارل بوبر ، الذي قسم موضوعات المعرفة الى ثلاثة اطارات او عوالم ، أولها الكون المادي الذي نعيش فيه ، والذي يتكون من عناصر واقعية نستطيع لمسها بأيدينا. يتأمل البشر في هذه العناصر ويسعون لفهمها واستكشاف الصلات التي تربط بينها ، ثم يضعون استنتاجاتهم في صورة نظريات تتضمن وصفا وتفسيرا لما تعرفوا عليه.

اما العالم الثاني فهو تصوراتنا عن ذواتنا وعن العالم المحيط بنا ، والتي تتشكل على ضوئها مواقفنا من الاشخاص والحوادث. حركة الذهن في هذا الاطار هي ما يشكل عالمنا الذي نعرفه. بعبارة اخرى فان مجموع تأملات البشر في انفسهم وفي الاخرين ، هي المصدر الذي يشكل معنى العالم ومعنى الافعال التي يقوم بها البشر ، حين يتعاملون مع بعضهم. 

ثالث العوالم هو مجموع ما ينتجه العقل الانساني ، ويطرحه كموضوع مستقل عن صانعه وعن الاشخاص الآخرين ، نظير مثال الآيفون الذي يبقى ويتطور بعد رحيل صاحبه ، الذي – على الارجح – ليس معروفا عند غالبية مستعملي هذا الاختراع. ومثله ايضا الآلات والشبكات والبرامج والاعمال الفنية والكتب والادوية والاغذية ، وكل شيء مطروح امام البشر كمنتج نهائي ، لا يرتبط استمرار وجوده بارادة من صنعه.

هذه عوالم متفاعلة. فالعالم الاول يوفر موضوعات عمل الثاني ، حيث يتحول التأمل الى فكرة جديدة ، يتحول بعضها الى منتج معياري ، يحفظ في العالم الثالث. رغم انها مترابطة ومتفاعلة ، الا ان هذه العوالم الثلاثة لا تقبل التحديد أو الحصر ، كما لا تقبل السكون والثبات ، فهي في حال تغير دائم: في الوصف والفهم والاعتبار ، كما في حالة العالم الاول ، او في التفسير وطرق الانتاج ، كما في الثاني ، او في نوعية المنتج النهائي وانتقاله من الأدنى للأعلى ، الذي نسميه "الاحدث" كما في العالم الثالث.

عد الآن وفكر في رأيك: الى اي من هذه العوالم ينتمي ، كي تظنه حقيقة لا تقبل الشك او الجدل؟.

الشرق الاوسط الخميس - 17 ربيع الثاني 1445 هـ - 2 نوفمبر 2023 م

https://aawsat.com/node/4642841

 


مقالات ذات صلة

التجربة ليست برهانا

زمن ثقافي جديد

العقل المؤقت

الفكــرة وزمن الفكـرة

مأزق الأسئلة الضبابية

مغامرات العقل وتحرر الانسان 

كتاب اخر يستحق القراءة : كارل بوبر "منطق البحث العلمي  

نافذة على فلسفة كارل بوبر

لماذا تركنا مقامات الحريري؟

نفوسنا المنقسمة بين عصرين

هكذا خرج العقل من حياتنا

الرؤية النسبية صالحة للتحليل.. ولكن..!

  مشكلة النسبية المتطرفة في الفلسفة والأخلاق ، انها تؤول - منطقيا - الى العدمية . والنسبية ، كما ذكرت في مقال سابق ، هي المذهب القائل بأنه...