الثلاثاء، 21 أغسطس 2012

في ان الخلاف هو الاصل وان الوحدة استثناء



الثقافة في معناها الضيق هي مجموع المعارف التي يتلقاها الفرد بشكل نظامي ، من خلال القراءة والنقاش والتفكير الخ. ولذا يطلقون صفة "المثقف" على شريحة من الاشخاص المهتمين بالمعرفة والممارسين لها بصورة منتظمة ، ولا سيما من خلال القراءة والنقاش.
اما المعنى الموسع للثقافة فيشمل مجموع التجارب الفردية والجمعية التي شارك فيها الفرد مباشرة او تلقاها على شكل مستخلصات مشروحة او رمزية. وهي تشمل التجارب المعرفية والفنية والحياتية والروحية ، كما تشمل اشكال المعاناة والفرح. ويعبر عن الثقافة من خلال اللغة وطرق الكلام او في اطار الفعل والممارسة الحياتية اليومية والتقاليد الاجتماعية. الثقافة في هذا المعنى هي الخلفية الذهنية المسؤولة عن 90%  عىلى الاقل من افعال الانسان الاعتيادية ، لاسيما افعاله العفوية.
رؤية الانسان لنفسه وللعالم من حوله ، رؤيته لموقعه في هذا العالم ، وتعامله مع الاخرين ، هي – الى حد كبير – ثمرة لخلفيته الذهنية ، او – بحسب تعبير استاذنا ابراهيم البليهي – البرمجة الذهنية. حقيقة الامر انه لا يوجد انسان في العالم الا وهو مبرمج على نحو ما. قليل من الناس يساهم هو في برمجة نفسه وتحديد مكونات ذهنيته . اما الاكثرية الساحقة من البشر فان ذهنيتها تتشكل في حالة اللاوعي.
لا يعيش الانسان في فراغ ، فهو اشبه بسمكة في بحر ، يتاثر بتيارات هذا البحر وبالاختلافات الفيزيائية للماء والاشياء السابحة او الهائمة فيه وحواليه. الكلام والاصوات التي يسمعها الفرد ، والمشاهد التي يراها ، والالوان التي يميزها ، والخواطر التي تراود ذهنه ، والمخاوف التي تنتابه ، ومشاعر الفرح والاسى التي تعتمل في داخله ، اشواقه وامانيه ورغباته ، كلها تسهم في تشكيل ذهنيته ، اي تصوره عن نفسه وعن العالم. نادرا ما يتحكم الانسان في هذه المصادر او في تاثيرها عليه ، فهي تحدث امامه او في داخله دون ان تستأذنه ، وهي تتفاعل مع نفسه ، مع عقله وقلبه ، سواء احبها او كرهها. محبة الاشياء وكره الاشياء ، ارادته لها او عجزه عنها ، تسهم ايضا في تشكيل ذهنيته.
هذا يفسر لنا اختلاف اراء الناس بحسب انتماءاتهم الاثنية والثقافية واطاراتهم الاجتماعية ومواقعهم ومهنهم. لو كنت رجل دين فسوف تكون لغتك واطار علاقاتك الاجتماعية وهمومك مختلفة عن الطبيب والمهندس. ولو كنت عربيا فستكون مختلفا على الارجح عن الامريكي والياباني ، ولو كنت امراة فانشغالاتك ونطاق علاقاتك ستكون بالتاكيد مختلفة عن الرجال.
هل يكفي هذا للقول ان اختلاف الناس هو الظرف الطبيعي؟. هل يكفي هذا لتبرير الدعوة الى حرية التفكير وحرية التعبير؟. هل نقول ان التسامح لا يعني فقط اللين في التعامل مع الاخرين ، بل يعني تحديدا الايمان بان لهم الحق في ان يختلفوا عنك مثلما انت – بطبيعتك – مختلف عنهم؟.
الاقتصادية 21 اغسطس 2012

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

"الفرج بعد الشدة"

|| ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احت...