‏إظهار الرسائل ذات التسميات العنف السياسي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العنف السياسي. إظهار كافة الرسائل

02/12/2014

داعش الباقية




في 1997 ظهر شبيه لداعش في الجزائر. لم يعلن دولة او خلافة ، لكن عمله الميداني وخطابه الديني لم يكن مختلفا عن داعش. تلاشت الظاهرة الجزائرية بعدما طبقت الحكومة قانون الوئام الوطني لعام 1999 ثم قانون المصالحة الوطنية (2005). طبقا لبيانات رسمية ، فان عدد الذين سويت اوضاعهم بلغ 17 الف مسلح ، عدا المئات الذين قتلوا في مواجهات مع الجيش. بعبارة اخرى فان الحجم المادي للظاهرة الجزائرية كان اكبر من شبيهتها داعش. لكنها مع ذلك اخفقت في مواجهة تيار الحياة المدنية الجارف ، رغم مقاومتها الشرسة لما يزيد عن سبعة اعوام.
نعلم من هذا ومن تجارب شبيهة ان الحياة الحديثة لا تسمح ببقاء دولة مثل دولة داعش. هذا لا يتعلق فقط بالنظام الدولي ، بل ايضا بالحاضن الاجتماعي المحلي وحركة الاقتصاد والسياسة في ابعادها المختلفة والمعقدة.  ولئن كانت الظروف الحرجة الراهنة في العراق وسوريا قد افرزت نشازا سياسيا من هذا النوع ، الا ان منطق الامور لا يسمح له بالاستمرار فترة طويلة.
سواء انتهينا من دولة داعش اليوم او غدا ، فلا ينبغي ان نغفل عن حاضنها الثقافي – الاجتماعي ، اي الذهنية الفردية او الجمعية التي تنظر الى نموذج داعش كعلاج مؤكد او محتمل لمشكلة يشعر بها الناس. وليس مهما ان تكون هذه المشكلة حقيقية او متوهمة. المهم انها تشغل اذهان الناس ويشعرون بالحاجة الى علاجها بأي طريقة.
السؤال الذي يستحق ان نتأمله بجدية وتركيز هو: ما هي المشكلات التي تشغل اذهان الناس على نحو يجعلها مهيئة لقبول نموذج الحل الذي تمثله داعش او تقترحه؟.
يذهب ذهني الى عدة احتمالات. لكن ابرزها في ظني اثنان ، احدهما محلي ينطبق خصوصا على الوضع في المملكة والثاني اكثر عمومية. المشكلة الاولى هي الرغبة في اكتشاف الذات وتحقيق الذات ، وهذه تخص الشباب. اما الثانية فهي مشكلة العجز عن التعامل مع ما يعتقد من تغول الغرب ضد العالم الاسلامي.
الدواء الانجع للمشكلة الاولى هو جمعيات العمل المدني التطوعي. اما المشكلة الثاني فهي اكثر تعقيدا ، وهي اقرب الى فحوى التفسير الرسمي لظاهرة التطرف ، اي ما يسمى بالغلو في الدين. لكن العلاج ليس بالنصائح وسرد الايات والروايات الدالة على الوسطية ، بل بتطوير خطاب ديني جديد يركز خصوصا على ظاهرة التنوع الثقافي والعلمي والسياسي ، ودور المسلم في العالم الجديد ، وسبل استثمار التنوع وعولمة الثقافة والاقتصاد. بعبارة اخرى فنحن بحاجة الى صياغة جديدة لمفهوم العلاقة مع المختلف سياسيا ودينيا ، سيما الغرب الذي ينظر اليه كقوة عدوان ذات واجهة سياسية ومضمون او محرك ديني (مسيحي غالبا).  وتبعا لهذا تطوير رؤية عصرية لقيمة الجهاد والدعوة ودور الافراد والجماعة المسلمة في هذا السياق. 
الاقتصادية 2-12-2014
مقالات ذات علاقة


07/10/2014

العامل الديني كمولد للعنف


دعنا نضع عضوا في "داعش" او نصيرا لها على طاولة المقارنة مع اشخاص آخرين من نفس البيئة او البيئات القريبة ، كي نبحث في الصفات الثقافية والنفسية والسلوكية التي تميز كلا منهما عن الآخر ، ثم نستقصي مصادر تلك الصفات. ثم نسأل انفسنا: لماذا أثرت تلك العوامل على الشخص الاول دون الثاني، اي ما هي المتغيرات التي تحدد مستوى او توقيت بروز النمط الداعشي.
هذا الاستقراء الذي يستدل بالظاهر على الباطن لا يستهدف تحديد العوامل المولدة للشخصية العنيفة ، بل عزل العوامل المشابهة التي تسهم في خلط الصورة ، وتمييزها عن المتغيرات المساعدة او المعاكسة. العوامل المنتجة للنمط الداعشي يمثل كل منها علة تامة ، اذا وجدت فسوف تنتج قطعا ذلك النمط ، اما العوامل الشبيهة فلا تلعب هذا الدور ولو تماثل ظاهرها مع العوامل السابقة. كذلك الحال بالنسبة للعوامل المتغيرة التي تلعب دورا مساعدا فحسب ، رغم ان وجودها ضروري لانتاج النمط او الحيلولة دونه.
الداعي لهذا الكلام هو شعوري بان النمط الداعشي لم يحظ بالاهتمام الذي يستحقه من جانب الباحثين السعوديين في علم الاجتماع وعلم النفس. معظم معرفتنا بهذه الظاهرة ثمرة لمقالات صحفية او كتابات اجنبية. وكلاهما لا يرقى الى مستوى البحث المتناسب مع اهمية الموضوع وخطورته. اجد ان كلا الصنفين متأثر بمواقف سياسية مسبقة ، وكليهما يركز على "دور التدين" في خلق النمط المذكور.
هناك بالطبع عناصر اخرى تذكر احيانا كتفسير لبروز الشخصية العدوانية. لكني اشعر ان المبالغة في التركيز على عنصر التدين خاصة اثمر عن تشويش فهمنا للموضوع. اني مدرك لأهمية الايديولوجيا في تحديد سلوكيات الافراد ، واثر الايمان والتدين في تبرير تلك السلوكيات وشحنها بقيمة متجاوزة للمعايير المادية والدنيوية. لكني – مع ذلك – اشك بقوة في دعوى ان التدين او الايديولوجيا هي العامل المولد للنمط الداعشي. اعلم ان منهجا دينيا محددا (السلفية المتطرفة مثلا) ارتبط بالنمط المذكور ، لكن من الضروري التساؤل: هل هذه علاقة علة بمعلول ، ام هو متغير مشروط بعامل او عوامل اخرى؟.
لو كان ارتباط علة ومعلول لوجب ان يترتب على كل الحالات نتيجة مماثلة. لكنا نعرف الافا من الناس يتبنون ذات المنهج وهم يعارضون النمط الداعشي. هذا يشير الى وجود عوامل اخرى. او ربما يدل على ان التدين هو عامل مساعد او متغير وليس علة. كذلك الحال في الظروف الاقتصادية التي اظنها اكثر اهمية من العامل الديني في توليد الانماط السلوكية. فالامثلة التي لدينا تؤكد انها ليست – بمفردها - علة تامة.

مرة اخرى فان الغرض من هذه التساؤلات هو دعوة الباحثين الى دراسة الظاهرة كموضوع علمي يستدعي بحثا مجردا ولو لم نصل الى نتائج قابلة للتطبيق ، وبغض النظر عن المواقف والتوجهات السياسية. 
الاقتصادية 7 اكتوبر 2014
http://www.aleqt.com/2014/10/07/article_894138.html

02/09/2014

تغيير الباراديم

لم يتعرض مذهب فلسفي للنقد بقدر ما تعرضت له الماركسية. وهو امر قد يشير الى حجم التحدي الذي انطوت عليه مقولاتها. والمؤكد انها قد تركت تاثيرا عميقا ، ليس فقط على المدارس الفلسفية المعاصرة ، بل وايضا على شريحة معتبرة من العلوم الانسانية ، ومن بينها علم الاجتماع وفروعه. من بين الامثلة التي تذكر في هذا الصدد ربطها الشديد بين الذهنية الجمعية والظرف الاقتصادي.
جادل الماركسيون بأن الاقتصاد يقود الى اعادة تشكيل المجتمع على شكل طبقات متباينة ، لكل منها ثقافة خاصة تبرر رؤيتها للعالم وتعاملاتها مع المحيط. انطلاقا من هذا ، فهم يرون مثلا ان العمال يفكرون على نحو مختلف عن الفلاحين ، كما يختلف هؤلاء عن الطبقة الوسطى "البرجوازية الصغيرة" ، وتختلف هذه عن الطبقة العليا والمهمشين.
لم يعرض الماركسيون ما يكفي من الادلة الواقعية التي تؤكد حتمية تلك العلاقة. سيما في كون الاقتصاد عاملا وحيدا في تشكيل الذهنية الفردية والعامة او توجيه الثقافة. لكن لا شك ان تلك المقاربة قد لفتت انظار دارسي علم الاجتماع الى اهمية نظم المعيشة ومصادرها ووسائل الانتاج في تشكيل الذهنية الجمعية. بفضل مجادلات الماركسيين تلك ، نستطيع اليوم وضع تفسيرات متينة نسبيا للفوارق الذهنية والثقافية بين المجتمعات القروية والمدينية ، وبين المجتمعات الصناعية والفلاحية ، كما نستطيع وضع تفسيرات محتملة للفوارق بين ذهنية البيروقراطي والتاجر والمهندس.
 أسوق هذا الكلام في اطار النقاشات الجارية اليوم في المجتمع السعودي حول الثقافة التي تغذي العنف والارهاب. وغرضي هو الاشارة الى ان "تغيير الثقافة" لا يقتصر على تغيير الادوات الثقافية مثل المناهج الدراسية او خطب الجمعة ، وهو بالتاكيد لا يتحقق بحظر انواع معينة من الكتب او محاصرة تيارات ثقافية ودينية محددة . كما ان الارهاب لا ينتهي لمجرد حصول العاطلين جميعا على وظائف.
كل من هذه العناصر يشكل جزء ضروريا من منظومة علاج شاملة وطويلة الامد. لكن استمرار فاعليته ، اي تحوله من علاج آني الى علاج جذري ، رهن بتفاعله مع عناصر العلاج الاخرى ، اي المنظومة الكاملة التي تستهدف تغيير "البارادايم" ، اي النسق الحياتي والثقافي القديم الذي اتاح الفرصة لتبلور ذهنية الانقطاع والتفارق ، ومهد – بالتالي – للميول العنفية.
اني ببساطة ادعو للتفكير في علاقة النظام المعيشي/الاقتصادي بالثقافة العامة في المملكة. ربما تكون الثقافة التقليدية عاملا في تعزيز الميل للعنف ، لكني اتساءل: لماذا يميل الناس الى هذه الثقافة تحديدا ، ولماذا يميلون خصوصا الى جانب المنازعة فيها وليس جانب اللين؟. هل لنظام المعيشة دور في ترجيح هذا على ذاك؟.
اجد مهما ان نفكر في "الميل للعنف" كظاهرة اجتماعية مركبة ، ناتجة عن مقدمات مختلفة ، وليس مجرد حلقة مستقلة ، او نتيجة لعامل وحيد.

الاقتصادية 2 سبتمبر 2014

http://www.aleqt.com/2014/09/02/article_882504.html

26/08/2014

مقدسات التغيير


لو اردنا الاعتبار بدروس التاريخ ، فسوف نعرف ان الازمات الكبرى شكلت نقطة انبعاث للمجتمعات المغلوبة ، يوم  حظيت بشجاعة التحرر من الغرائز البدائية وقيود العادة.
كان ارنولد توينبي ، وهو ابرز مؤرخي القرن العشرين ، قد اعتبر الصراع محركا رئيسيا للتحولات الحضارية وحركة التاريخ بشكل عام. الامم التي تواجه تحديات وجودية تبدع وسائل جديدة لاستيعاب التحدي ومواجهته. صنف توينبي تلك التحديات الى ثلاثة مستويات: تحد ضعيف لا يثير اهتمام المجتمع ، وتحد جارف يقوده الى الاستسلام وربما تدمير الذات ، وتحد متوسط القوة يطلق طاقة حيوية جديدة ، تقاوم عوامل الوهن والهزيمة ، فيشكل - بالتالي- نقطة انطلاق الى مسار جديد نحو التقدم والقوة.
Arnold Toynbee
Arnold Toynbee
مناسبة الكلام هو التحولات الهائلة التي تواجه العرب هذه الايام ، وتحمل في مجموعها صفة التحدي الوجودي ، على النحو الذي شرحه توينبي. كشفت هذه التحولات عن نقاط ضعف كبرى في البنية الاجتماعية/السياسية لكافة المجتمعات العربية. لكنها كشفت ايضا عن نقاط قوة عظيمة الاهمية ، لا يصح اغفالها او تهوين اهميتها. ويهمني في هذه الكتابة التنبيه على ما اظنه شرطا ضروريا لتحديد اتجاه "الاستجابة للتحدي". الا وهو توفر ايديولوجيا التغيير. تتألف ايديولوجيا التغيير من مجموعات مقولات ميتافيزيقية (نتبناها بها لاننا نريدها وليس بالضرورة لانها ثابتة علميا او تجريبيا). تتمحور هذه المقولات حول ثلاثة مباديء ينبغي رفعها الى درجة القداسة: واولها تعزيز الايمان باننا - كمجموع - قادرون على حل مشكلاتنا بانفسنا ، قادرون على منافسة الاخرين والتفوق عليهم ، واننا – كأفراد – قادرون على تجاوز خلافاتنا والانصهار في بوتقة فكرة قائدة ، هي فكرة التقدم. المبدأ الثاني: هو ثنائية المتعدد/الواحد وخلاصتها ان كل مواطن فرد ، رجلا او امرأة ، مختلف عن الاخر في عقله او فكره او تطلعاته او همومه ، وان هذا التنوع في الافكار والتعبيرات والقدرات والتطلعات يقود طبيعيا الى فتح مسارات كثيرة ، يجب تأطيرها على نحو يجعلها روافد تصب في المجرى الرئيس لنهر التغيير وتساهم في حركة التقدم. المبدأ الثالث يتناول موضوع التغيير ، ويتلخص في اصلاح سياسي باتجاه توسيع ومأسسة المشاركة الشعبية في  الحياة العامة ، وتحول اقتصادي باتجاه التركيز على الصناعة سيما الصناعات الاساسية والتحويلية ، وتحول اجتماعي محوره صون الحريات الشخصية والمدنية لكافة الافراد.
زبدة القول ان الازمات الهائلة التي نمر بها هذه الايام يمكن ان تعصف بوجودنا كله (وقد شهدنا بدايات هذه الكارثة في اكثر من دولة مجاورة) ، كما يمكن ان تشكل مفتاحا لعصر جديد وتاريخ مختلف ، نحقق فيه اكثر آمالنا. اعلم ان احدا لن يختار الكارثة ، لكن اختيار البديل رهن بالاستعداد لدفع ثمنه السياسي والثقافي والنفسي. ولهذا حديث آخر ربما نعود اليه لاحقا.
الاقتصادية 26 اغسطس 2014
http://www.aleqt.com/2014/08/26/article_880253.html

12/08/2014

العنف السياسي : 3 عوامل رئيسية


العنف السياسي ظاهرة اجتماعية متعددة الاشكال. لكن معظمها يرجع الى واحد من ثلاثة عوامل:
 أ) عامل سيكولوجي يظهر خصوصا عند الشباب الذين يعيشون المرحلة الانتقالية بين المراهقة والرجولة. وهي مرحلة يسودها ميل شديد لاكتشاف الذات وتحقيق الذات. فشل الشباب في تحقيق ذواتهم ضمن اطارات سليمة في البيئة المحيطة ، يجعلهم عرضة للانزلاق في سلوكيات متوترة ، تتمظهر في صورة عنف سياسي أو اجرامي.
ب) عامل اجتماعي/ اقتصادي يتلخص في عجز الفرد عن التكيف مع ظروف المعيشة المتغيرة ، مما يعزز ميله لمنازعة المجتمع الذي يحمله مسؤولية اخفاقه في مجاراة الاخرين. ويظهر هذا العامل بصورة اجلى بين المهاجرين الجدد من الريف الى المدينة ، او الذين يعيشون في بيئات فقيرة نسبيا ، على حواشي المدن غالبا.
ج) عامل ديني/سياسي يتمثل في شعور الفرد بان هويته تواجه تهديدا جديا من جانب اطراف قوية. اكثر الشباب عرضة لهذا العامل هم الملتزمون بحضور الاجتماعات الدينية التي يكثر فيها الحديث عن التهديد الغربي والمؤامرة الدولية على الاسلام.
تتفاعل هذه العوامل فيما بينها بشكل وثيق. فالذين يواجهون عسرا اقتصاديا/اجتماعيا (العامل ب) يميلون الى تصديق الدعاوى القائلة بتباعد المجتمع عن الاسلام ، ويرون في مظاهر الحياة الحديثة دليلا على ذلك. وهذا الميل يقودهم الى تقبل فكرة التهديد الخارجي للهوية (العامل ج). كما ان الشباب الذين يواجهون عسرا في المعيشة ، يشعرون اكثر من غيرهم بالعجز عن تحقيق غاياتهم وذواتهم (العامل أ). بشكل عام يمكن القول ان المتاثرين بالعامل الاول اصغر سنا من مجموعة العامل الثاني ، وهؤلاء بدورهم اصغر سنا من المجموعة الثالثة.
 الغرض من هذا الكلام هو دعوة المهتمين الى البحث عن تفسيرات علمية لظاهرة الارهاب ، وعدم الاكتفاء برجمه او ارجاعه الى عامل واحد. وبنفس المنطق ، فان المعالجة الناجحة للظاهرة تتوقف على تشخيص العامل الاكثر تأثيرا في الفرد او المجموعة المستهدفة. هذا يحتاج بطبيعة الحال الى بحوث علمية كثيرة في حقول متعددة.
خلال السنوات الخمس التي تلت الهجوم على نيويورك في سبتمبر 2001 نشر  في الولايات المتحدة نحو 11000 كتابا تحاول تفسير ظاهرة الارهاب وسبل معالجتها. اما في المملكة فلا اعرف الا عددا قليلا من الكتب حول الموضوع ، ولعل ما نشر منذ الهجوم الارهابي في 1995 حتى اليوم لا يصل الى 100 كتاب متخصص.
هناك بالتاكيد فارق كبير بين البيئة العلمية في امريكا ونظيرتها في السعودية. لكن غرضي هو تنبيه المعنيين الى ما اظنه قلة اكتراث بدراسة الظواهر الاكثر حرجا في حياتنا. وفي هذا المجال لا تجد فرقا يذكر بين القطاع الاكاديمي والرسمي. العنف السياسي ظاهرة معقدة ومتغيرة الملامح ، يستحيل فهمها مالم تتحول الى مادة جذابة للبحث العلمي .
الاقتصادية  12 اغسطس 2014
http://www.aleqt.com/2014/08/12/article_875856.html

05/08/2014

المدرسة كأداة لمقاومة العنف


بعد ايام يعود شبابنا الى مدارسهم ، في ظرف مليء بالهموم. ثمة اتفاق – فيما يبدو – بين شرائح واسعة من المثقفين ونخبة البلد على الدور المحوري للتعليم  في تفكيك الحاضن الاجتماعي للعنف ودعاته. ولاتقاء الافراط في التوقعات ، ينبغي التاكيد على ان هذا جهد وقائي ، يحجم دعوات العنف ، لكنه لا يقضي على المجموعات القائمة. هذه مهمة تقوم بها جهات اخرى بوسائل مختلفة. 
لا أملك تصورا عمليا كاملا حول كيفية قيام المدرسة بتلك المهمة. لكني سانطلق من فرضية الحاجة الى تغيير الباراديم او فلسفة العمل السائدة في نظامنا التعليمي ، وأضع بعض الافكار التي اظنها مفيدة في هذا السياق.
 اولى واخطر المهمات في رايي هي تعزيز قابلية الشباب لمقاومة الافكار الهدامة ، ومفتاحها تربية العقل النقدي الذي يحاور ويجادل ويتأمل ولا ينبهر ببليغ الكلام او التصوير. هذا يقتضي تخصيص جانب من وقت الصف للنقاش في المنهج او خارجه. تعويد الشباب على النقاش يرسخ ثقتهم بذواتهم واهليتهم لنقد الافكار ومجادلتها.
الثانية: هي نشر احترام الحياة والانسان والزمن. ومفتاحها التركيز على تدريس العالم المعاصر بدل التاريخ القديم. ومحاولة فهمه وفهم الفرص التي وفرتها تجارب البشر وابداعاتهم ، وكيفية استثمارها لتحسين مستوى المعيشة وتحقيق الطموحات. لقد جرت عادتنا على تقديم تاريخ انتقائي لشبابنا ، يركز على الجوانب المشرقة لماضي المسلمين دون التعرض لكلفتها المادية والمعنوية والانسانية ، ودون الاشارة الى الجانب الاخر المظلم ، فتحول التاريخ عند كثير منهم الى كائن مقدس يريدون احياءه بأي ثمن. اللباس والمظهر الذي نراه في جماعات العنف مثل "داعش" وأخواتها توضح تماما هذا النزوع الشديد لفرض الماضي على الحاضر.
التأكيد على احترام الحاضر وأهله واحترام تجربة البشرية يساعد ايضا على تحرير المجتمع من "قلق الهوية" اي الشعور العميق باننا ضعفاء مهمشون قليلو الحيلة في عالم يتفق ضدنا ، ويتآمر للقضاء علينا. قلق الهوية واحد من اهم الثغرات التي تستثمرها جماعات العنف لكسب الانصار والدعم المادي والسياسي.
الثالثة: التاكيد على شراكة الشباب في امور بلدهم وفي ملكية ترابه ، وقابلية مجتمعهم وحكومتهم للاصلاح والتطور وتحسين الاداء ، وكونهم شركاء في اي مسعى تطويري او اصلاحي ، بما فيها اصلاح القانون والسياسات وتوسيع الاطارات والمسارات الضرورية للاصلاح والتقدم. هذا التفكير يجب ان يبدأ بفتح الباب للنقاش في امور المدرسة والمجتمع القريب ، وتقبل المعلمين والاداريين لاراء الشباب المختلفة ، وتمكينهم من عرضها بحرية. اما الغرض النهائي فهو التأكيد على قابلية الاصلاح من خلال القانون وليس بالانقضاض على النظام الاجتماعي.
اخيرا فان شبابنا بحاجة الى فهم الدين كتجربة يشارك فيها كل مسلم ، وليس كصندوق مغلق يحمل اعباءه مرغما. ولهذا حديث آخر نعود اليه في قادم الايام.
الاقتصادية 5 اغسطس 2014
 http://www.aleqt.com/2014/08/05/article_873535.html

18/09/2009

تفكيك التطرف لتفكيك الارهاب-2


 يعتقد كثيرون ان اليمن قد تحول فعليا الى منطقة تجمع لتنظيم القاعدة ، وان منطقة الخليج قد تشهد موجة جديدة من الارهاب شبيهة بتلك التي عرفناها قبل اقل من عقد من الزمن. المحاولة الفاشلة لاغتيال مساعد وزير الداخلية السعودي الامير محمد بن نايف اعادت التذكير بان المنطقة لا زالت هدفا لشبكات العنف الذي ظننا انه قد تراجع في العامين الماضيين . المؤكد ان معظم اهل الخليج متفقون على ادانة التوسل بالعنف المسلح لاي غرض سياسي او ديني  او اجتماعي .  لكن هذا التوافق لا يكفي لمواجهة الموجة الجديدة المحتملة . اعتقد اننا لم نفعل في السنوات الماضية ما يكفي للقضاء على بؤر الارهاب وتفكيك البيئات الاجتماعية التي تولده او تحتضنه . هذا التقصير يتجلى في عنصرين مهمين : اولهما هو التقصير في تحقيق العدالة الاجتماعية الضرروية لفرض هيبة القانون ، والثاني هو الموقف السلبي او الانهزامي تجاه انتشار التطرف الديني في المنطقة ، بل واستعماله احيانا لاغراض سياسية مؤقتة.
كنت اعتقد ولا ازال ان ضعف الحكومة  يوفر فرصة ثمينة للخارجين عن القانون . الحكومة قد تكون ضعيفة حتى وهي ترفل في السلاح من قمة راسها الى اخمص قدميها . قوة الحكومة ليس بعدد جنودها ولا بحداثة اسلحتها بل بقدرتها على ترسيخ هيبة القانون . الاغلبية الساحقة من الناس يميلون للقبول بالقانون والخضوع له لانهم يريدون العيش في سلام . واذا احترموا القانون فسوف يتعاونون مع الحكومة التي تطبقه ، وعندئذ سوف تتحقق مقولة "كل مواطن غفير" . اما اذا كان القانون ظالما او لم يطبق على الجميع بالتساوي ، او كانت الحكومة بذاتها غير عادلة في توزيع الموارد العامة والفرص ، فان معظم الناس سيجدون تبريرا للتهرب من القانون وسوف يميلون الى التستر على اعداء القانون والخارجين عنه . جميع الذين درسوا مشكلات الارهاب والعنف المسلح في السنوات الاخيرة حذروا من "البيئة المساعدة للعنف" اي القاعدة الاجتماعية التي يحتمي بها الارهابيون . وقد راينا امثلة عنها في لبنان والعراق وباكستان والكثير من الدول التي شهدت موجات ارهابية في السنوات الاخيرة . الفقر والجهل بيئات مولدة للارهاب ، لكن انعدام العدالة الاجتماعية تظل اسوأ لان الناس يستطيعون معالجة الفقر والجهل بانفسهم ، لكن الناس لا يستطيعون تحقيق العدالة في توزيع الموارد والفرص . الحكومة هي الجهة الوحيدة القادرة على تحقيق هذه المهمة التي يتجاوز حجمها ومتطلباتها طاقة الافراد العاديين . ابرز تجسيدات العدالة الاجتماعية هو المساواة بين الجميع في الفرص والاعباء . المساواة تجعل القانون محترما ومطلوبا ومحميا من قبل عامة الناس ، لان القانون هو الوسيلة التي تضمن لهم العدالة .

بعبارة اخرى فان سيادة القانون لاتتحقق اذا فرضت الدولة نظامها او اجبرت الجميع على الطاعة والخضوع . سيادة القانون تتحقق اذا اعتقد جميع الناس او اغلبيتهم الساحقة بان ما تفرضه الدولة عليهم سيؤمن مصالحهم وسيعطيهم فرصا متساوية ، اي سيكون الطريقة التي تطبق الدولة من خلالها مبدأ العدالة الاجتماعية.  

مقالات ذات علاقة

إشارات على انهيار النفوذ الاجتماعي للقاعدة

اعلام القاعدة في تظاهرات عربية

تحولات التيار الديني – 5 السلام مع الذات والسلام مع العالم

عن طقوس الطائفية وحماسة الاتباع

فلان المتشدد

خديعة الثقافة وحفلات الموت

ما الذي نريد: دين يستوعبنا جميعاً أم دين يبرر الفتنة

اتجاهات في تحليل التطرف

ابعد من تماثيل بوذا

ثقافة الكراهية

تجريم الكراهية

تجارة الخوف

في انتظار الفتنة

كي لا نصبح لقمة في فم الغول

تفكيك التطرف لتفكيك الإرهاب-1

تفكيك التطرف لتفكيك الارهاب-2

الحريات العامة كوسيلة لتفكيك ايديولوجيا الارهاب

العامل السعودي


غلو .. ام بحث عن هوية

18/07/2007

العامل السعودي


اظن ان سفيرنا في اسلام اباد كان اشد الناس قلقا وهو يتابع بيانات الجيش الباكستاني عن عملياته حول المسجد الاحمر. ربما لم نصرف قرشا على هذا المسجد او المدرسة الملحقة به، وربما لم نعرف احدا من القائمين عليه او الدارسين فيه. لكن ايدينا كانت على قلوبنا حين سمعنا بانفجار الصراع. وكذلك الحال كلما حدث تمرد في شرق الارض او غربها، خوفا من ظهور «العامل السعودي». اظن ان كثيرين منا تابعوا الصراع على المسجد الاحمر، ليس اشفاقا على من فيه، بل خشية ان يظهر بينهم احد منا. بل ان بعض القنوات الاعلامية قد تبرع ابتداء بالقول ان «العامل السعودي» موجود، ظاهرا او خفيا في هذه المسألة، مثل كل مسألة اخرى مماثلة، من الفلبين الى افغانستان وكينيا والعراق الى اوروبا وامريكا مرورا بلبنان والاردن وغيرها.
المسجد الاحمر (لال مسجد) في اسلام اباد
فيما مضى من السنين كنا نأمل ان تكون المشكلة فردية : عشرة او عشرين رجلا سئموا الحياة هنا فبحثوا عن مغامرة يعيدون من خلالها اكتشاف ذواتهم وقدراتهم. لكن الحدث تكرر مرات ورأينا دماء شبابنا تسيل في بلاد لم نعرفها، لقضايا لم نسمع بها من قبل. في اواخر القرن الثامن عشر شهدت مجتمعات اوروبية شيئا قريبا من هذا: شعر مئات من الشباب بضيق الحياة في بلادهم وقرروا الهجرة لاكتشاف العالم. وقد اثمرت تلك الهجرات الفردية عن معظم ما يعرفه
العالم اليوم عن البلاد البعيدة، من غابات الامازون الى مجاهل اسيا الشرقية، فضلا عن الصحارى العربية وغيرها. وفي الربع الاخير من القرن العشرين ذهب عشرات من الشباب العرب، ومنهم سعوديون وخليجيون الى دول افريقيا الفقيرة يحفرون آبار المياه ويقيمون المدارس ويقدمون المساعدة، معتقدين أنهم –بهذا الاسلوب– ينشرون الدين الحنيف او يحققون اغراضه النبيلة. نعرف من هذه التجارب وغيرها ان الضيق بالاهل والوطن ليس شيئا غريبا. وان البحث عن الذات والبحث عن المكانة ليس معيبا. فكثير من الناس لا يحتمل مسارات المجتمع ونظام علاقاته ونظام القيم السائد فيه. وبعضهم لا يشعر بالقدرة على ان يكون شيئا ذا بال في ظل هذه المسارات والمعادلات، والشجاع منهم هو الذي يقرر التخفف من كل هذه القيود والسدود.
لكن ما الذي حدث حتى تركزت هجرات شبابنا على الحرب ولم يعد احدهم يرضى بغير ان يثير حربا او يكون وقودا في حروب الآخرين؟. معظم الذين كتبوا خلال الايام الماضية عن «العامل السعودي» في معركة نهر البارد بشمال لبنان، والذين علقوا على ما قاله عسكري امريكي عن «عدة آلاف» من السعوديين في العراق، اشاروا باصبع الاتهام الى مناهج التعليم في المملكة كسبب اول للمشكلة. واظن ان معظم الكتاب لديهم اسباب اخرى لكنهم ربما ترددوا في التصريح عنها. السنوات الطويلة التي مضت منذ اتضاح هذه الظاهرة، كشفت عن مكونات جديدة في البيئة التي تفرخ التشدد والارهاب، وكل منها جدير بالنقاش.
خلال الاسابيع الماضية سمعت تحليلات مثيرة للانتباه، لكنها للاسف لا تظهر في الصحافة. ضيق النظام الاجتماعي الذي يدفع بالافراد خارجه، ليس بذاته سببا بل هو خلاصة مكثفة لاسباب اخرى، لعل من ابرزها عدم اتضاح الهوية الفردية للمواطن السعودي كمقابل لهويته الاجتماعية. وربما يكون من اسبابها الخلط السائد في مفهوم العدالة الاجتماعية وتطبيقاته. ويجب ان لا ننسى بطبيعة الحال ضآلة اطارات النشاط العام التي تسمح للفرد بالتعبير عن همومه وتطلعاته بشكل فعال لكن ضمن اطار القانون.
 استطيع القول من دون تردد ان المشكلة اكبر من الحلول الامنية، واكبر من التنظيرات الفردية والاحكام المسبقة. صحيح اننا نراها على فترات متباعدة، وقد ننساها او نتغافل عنها فور ان ينشغل الاعلام بغيرها، وهو ما حدث حتى الان للاسف. لكن المشكلة موجودة في بيئتنا، وهي ربما تتفاقم من دون ان نشعر. ولهذا فاننا بحاجة الى رفع القيود الواقعية او الافتراضية على النقاش في مشكلة العنف وتفريخ العنف. ونحن بحاجة الى تشجيع هؤلاء الشباب على الكلام بصراحة وفي العلن، لعلنا نستطيع استنباط بدائل او حلول. ربما نستطيع تحويل «العامل السعودي» الى مسار اكثر ايجابية، مسار بناء في بلادنا وفي العالم، بدل ان يبقى مقترنا بتصدير العنف او تحريك العنف او المشاركة في العنف كما هو الحال اليوم.
عكاظ 18  يوليو 2007  العدد : 2222 
http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20070718/Con20070718125906.htm

لمعلومات عن احداث المسجد الاحمر في يوليو 2007، انظر الجزيرة.نت 
http://www.aljazeera.net/home/Getpage/f6451603-4dff-4ca1-9c10-122741d17432/f1b9bf1c-a2a1-4459-8ac9-2c869f2b4ef2


مقالات ذات علاقة

إشارات على انهيار النفوذ الاجتماعي للقاعدة

اعلام القاعدة في تظاهرات عربية

تحولات التيار الديني – 5 السلام مع الذات والسلام مع العالم

عن طقوس الطائفية وحماسة الاتباع

فلان المتشدد

خديعة الثقافة وحفلات الموت

ما الذي نريد: دين يستوعبنا جميعاً أم دين يبرر الفتنة

اتجاهات في تحليل التطرف

ابعد من تماثيل بوذا

ثقافة الكراهية

تجريم الكراهية

تجارة الخوف

في انتظار الفتنة

كي لا نصبح لقمة في فم الغول

تفكيك التطرف لتفكيك الإرهاب-1

تفكيك التطرف لتفكيك الارهاب-2

الحريات العامة كوسيلة لتفكيك ايديولوجيا الارهاب

العامل السعودي

31/01/2007

تجربة التعامل مع العنف بين العلم والسياسة


يبدو ان موجة العنف التي شهدتها البلاد في السنوات القليلة الماضية قد انحسرت واصبح بالامكان دراستها وتوثيقها كتجربة تنطوي على كثير من الدروس. بعض الذين درسوا تلك الموجة اعتبروها حدثا عارضا لا علاقة له باي عامل فعلي في النظام الاجتماعي او استراتيجيات العمل السائدة. وعلى هذا الاساس فهم يصنفون اعمال العنف تلك كحوادث فردية، فهناك دائما احتمال ان يقدم فرد ما على عمل غير متوقع لاسباب او دوافع تخصه وحده ولا يمكن التنبؤ بها.

ثمة رأي اخر يميل الى اعتبارها انعكاسا كاملا لتطورات خارجية، فهي لا تستمد وجودها من أي عامل محلي، ولا يمكن ان تستمر في الحياة من دون ذلك العامل الخارجي. الذين يقولون بهذا الراي يخلصون الى ان الوسيلة الوحيدة لمعالجة هذه المشكلة تكمن في الردع الفوري على المستوى الداخلي والعمل الدبلوماسي لتحييد العوامل الخارجية. الرأي الثالث الذي تبناه كثير من الكتاب في البلاد ينسب تلك الموجة الى تركيب من العوامل المحلية والخارجية، كما يميز بين البيئة المنتجة للعنف وبين عوامل فردية تجعل شخصا بعينه مرشحا للمشاركة فيه دون بقية الناس.

على أي حال فهذه الاراء وكثير من الاراء الاخرى التي طرحت خلال السنوات القليلة الماضية، وكذلك السياسات والاجراءات الحكومية، والمبادرات الاهلية، تشكل في مجموعها ارضية مناسبة لتحويل مسألة العنف الى موضوع للبحث العلمي بغرض اكتشاف جميع العوامل التي انتجته او يمكن ان تنتجه في المستقبل، العوامل المتوفرة فعلا او المحتملة. وكذلك اكتشاف البيئة او البيئات الاجتماعية الاكثر اهلية لتوفير القوة البشرية لجماعات العنف. واخيرا دراسة الوسائل الكفيلة بالتصدي له كحدث طارئ ثم معالجته كمظهر لعلة او مرض ذي جذور، وهذا يتضمن دراسة السياسات الرسمية المكرسة للتعامل مع هذا النوع من الاحداث وتوجيه المجتمع ومؤسساته، ومساعدتها في ابداع وسائل العمل الاهلية الضرورية لاستيعاب وتحييد هذه المشكلة فور وقوعها

ثمة سببان وراء هذه الدعوة، سبب علمي وسبب سياسي. بالنسبة لبلد نام مثل المملكة فان تطوير الانتاج العلمي يتخذ في المقام الاول صيغة «اعادة انتاج العلم ضمن شروط البيئة المحلية» ويتحقق هذا من خلال التطبيق النقدي للمقولات النظرية العامة او المستخلصة من تجارب سابقة محلية او اجنبية على الحدث او الظاهرة بغرض اكتشاف صحة او خطأ تلك المقولات، ومدى ملاءمتها لهذه المشكلة او هذه البيئة بالذات، الامر الذي سيقود بالضرورة الى تعديلها او استبدالها بغيرها او ابتكار مفاهيم وقواعد نظرية جديدة كليا.

 في هذا الاطار فان عددا كبيرا من الباحثين سيعالجون مختلف الجوانب التي تشترك في تشكيل الحالة او الظاهرة، كل من زاوية اختصاصه او بناء على المدرسة النظرية التي يميل اليها. وبالنظر الى خلفيتهم الثقافية والاطار الاجتماعي الذي تدرس فيه المسألة فان الناتج العلمي سيكون محليا لكنه متواصل مع النتاج العلمي المتوفر في العالم. مثل هذه التجربة ستكون من غير شك اضافة بارزة الى البحث العلمي المحلي وقد تشكل منطلقا للعديد من البحوث في مجالات مقاربة

اما السبب السياسي، فهو يشير الى حاجتنا لوضع سيناريوهات عمل مسبقة التجهيز. سيناريو العمل هو عبارة عن اجراءات محددة تستند الى دراسات موضعية تربط بين النظرية المجردة وظروف العمل المتوفرة في الواقع، أي الامكانات المادية وغير المادية والحدود القصوى لما يمكن فعله ضمن اطار اجتماعي او سياسي محدد. ما يفرق بين سيناريوهات العمل وبين البحوث العلمية البحتة هو اهتمام الاولى بالتطبيق الفعلي، مقابل تركيز الثانية على فهم الحالة او الظاهرة بغض النظر عن الامكانيات المتاحة لعلاجها.

نحن بحاجة الى وضع سيناريوهات مختلفة للتعامل مع الظروف الطارئة لاسباب كثيرة، من ابرزها حاجتنا الى احتساب الكلفة التفصيلية للتعامل مع تلك الحالات. من المفهوم ان التخطيط العام يستهدف دائما تحديد المشروعات المراد القيام بها سلفا لتوفير الاموال والقوى البشرية والاطار القانوني والتمهيد الاعلامي والاجتماعي وغير ذلك مما يحتاجه المشروع لضمان انجازه في الوقت المحدد. يمثل التنبؤ ووضع الاحتمالات وسيناريوهات العمل المقابلة لها مرحلة متقدمة في مجال التخطيط، اذ انه يدرس حالة غير قائمة او مقررة بالفعل، لكنه – من خلال هذه الدراسة – يحولها من مجهول الى معلوم، فيتعامل معها عند وقوعها باستعداد كامل كما لو كانت حدثا معروفا، محددا ومنتظرا.

مثل هذا المستوى من التخطيط سوف يوفر على الادارة الحكومية والمجتمع مؤونة التجريب وربما اللجوء الى حلول غير مدروسة، بما تنطوي عليه من كلف غير ضرورية.
زبدة القول ان تجربة المجتمع السعودي مع العنف تمثل موضوعا جديرا بدراسات اوسع مما جرى حتى الان، واملي ان يتحول الى منطلق لتطوير اساسي في حقل البحوث الاجتماعية، وهو حقل لا يزال فقيرا في بلادنا.

عكاظ 31  يناير 2007  العدد : 2054

هل تعرف "تصفير العداد"؟

اشقاؤنا في اليمن هم اكثر العرب استعمالا لعبارة "تصفير العداد". ذلك ان رئيسهم السابق ، المرحوم علي عبد الله صالح (1942-2017) ...