‏إظهار الرسائل ذات التسميات امارتيا سن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات امارتيا سن. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 9 أكتوبر 2019

حجاب الغفلة ، ليس حجاب الجهل


افترض ان معظم القراء يعرفون فكرة "حجاب الغفلة" التي تحدث عنها جون راولز ، في نظريته حول العدالة الاجتماعية.
سمعت هذه العبارة للمرة الاولى من خطيب ، كان ينكر على صاحبها دعوة الناس الى الغفلة ، بدل الوعي. وبقي هذا التصور عالقا في ذهني سنوات ، حتى شاركت في درس عن العدالة الاجتماعية ، فسمعت الاستاذ يتوسع في شرح فكرة "حجاب الغفلة veil of ignorance". ولأن الذهن يحتله السابق اليه ، كما يقول استاذنا ابراهيم البليهي ، فقد انكرت نفسي امتداح الاستاذ للفكرة وصاحبها. كنت لا أزال مأخوذا برأي الخطيب طيب الذكر . وبقيت لمدة طويلة - نسبيا - عاجزا عن ادراك حقيقتها ، بسبب التضارب الشديد بين ما سمعته اولا وما سمعته تاليا.
بعد كثير من القراءات والمناقشات ، اكتشفت ان كلام الخطيب الاول شكل حاجزا حقيقيا ، منعني من فهم الفكرة ، مع انها ركن مهم من اركان نظرية راولز ، التي باتت اليوم مرجعا اعلى للسياسات الدولية الهادفة الى تحقيق العدالة الاجتماعية ، سيما مع الاضافات التي قدمها زميله الفيلسوف المعروف امارتيا سن.
   اكتشفت ايضا ان الاستماع للخطباء والمتحدثين ، لا يأتي الا بالقليل جدا من المعرفة. من أراد العلم فسبيله القراءة ثم التأمل ثم النقاش.
عودة الى فكرة "حجاب الغفلة" فقد جاءت في سياق التذكير بما سبق ان اسماه الفلاسفة بالحالة الطبيعية ، وأميل الى تسميتها بالفطرية ، اي حالة الانسان قبل ان يتبرمج ويتأدلج وتتغير طبيعته ، بتأثير التربية وثقافة المحيط وما في البيئة من حدود وقيود وصراعات.
فحوى هذه الفكرة انه لو اجتمع عدد من الناس كي يقتسموا ملكا مشتركا لهم ، فكل منهم سيحاول - على الارجح - ان يحظى بحصة الاسد ، ويترك للاخرين حصة العصفور. لكن لو ان هؤلاء تناسوا أو غفلوا للحظات ، عن انتماءاتهم وتعصباتهم ومصالحهم ، وفي تلك الاثناء اجروا القسمة ، فانهم - على الارجح - سوف يتبعون مبدأ المساواة في اقتسام الملك.  
وتتصل الفكرة بمبدأ عميق الجذور ، هو أصالة الخير في نفس الانسان. أي ان الانسان مفطور على الخير والانصاف. اما الميل للاستئثار والتعصب وقهر الاخرين ، فهو نتاج لتاثير البيئة الاجتماعية والتربية. ان حجاب الغفلة ، هو لحظة نسيان لواقع الحال ، واسترجاع لحقيقة الانسان الاولى ، قبل ان يتلوث باوساخ العالم وقيوده وألوانه الخادعة.
أكتب هذه السطور للتأكيد على ان المساواة أصل أولي في العلاقة بين البشر ، وهي تجسيد لفطرتنا وطبيعتنا ، قبل ان تعلق بانفسنا عوارض الحياة. نحن بحاجة الى استذكار ان كلا منا يساوي الآخر ، في قيمته وقدره وكرامته وحقوقه. ليس فينا من هو دون سائر الناس قيمة أو قدرا. ان هذا حق لكل منا ولكل انسان غيرنا. اقرارك لنفسك بأي حق ، يؤدي تلقائيا الى اقرار للاخرين بنفس الحق وبنفس القدر ، حتى لو غفلت عنه او تجاهلته.
المساواة ، مثل سائر حقوق الانسان ، نوعان: اولهما طبيعي سابق للقانون وحاكم عليه. لأنه جزء مما تتحقق به انسانية الانسان. اما النوع الثاني فهو المدني الذي يقيمه القانون والمجتمع السياسي الذي تعيش في ظله. نعلم ان الثاني اقوى ، لانه مدعوم بقوة المجتمع والدولة. لكن الأول ارفع شأنا ، لأنه ثابت ومرتبط بالانسان كانسان ، اي انه سابق للجماعة والدين والقانون ، واعلى منها من حيث الترتيب.
الشرق الاوسط الأربعاء - 10 صفر 1441 هـ - 09 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [14925]

مقالات ذات صلة 

الليبرالية في نسخة جديدة: رؤية جون راولز

العدالة الاجتماعية كهدف للتنمية

هل نحتاج حقا إلى طريق ثالث ؟

المساواة والعدالة

مفهوم العدالة الاجتماعية



الأربعاء، 7 مارس 2018

العدالة الاجتماعية كهدف للتنمية




يعد جون راولز واحدا من اعظم فلاسفة القرن العشرين. وقد ساهمت اعماله في تغيير وجهة البحث في العدالة وتطبيقاتها بشكل جذري. هذا ما قاله امارتيا سن ، الفيلسوف والمفكر الهندي الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد. قد تكون عبارات مثل "أهم" و "اعظم" انطباعية ، سيما اذا صدرت عن أشخاص تأثروا فعليا باعمال راولز. لكن ثمة ما يدلنا على انه كان بالفعل مفكرا استثنائيا ، يندر اغفاله في اي دراسة جادة حول العدالة او التنمية البشرية في العالم المعاصر. طبقا لتقارير غوغل الاكاديمية ، فان اسمه يظهر كمرجع لدراسات عامة واكاديمية بما يزيد عن 160 الف مرة ، من بينها 110 الاف مرة خلال السنوات الخمس الماضية فحسب. وهذا رقم يتجاوز عدد الارجاعات المسجلة لأي مفكر آخر في العالم.
السر الذي جعل اعمال راولز واسعة التأثير ، هو نجاحها في البرهنة على ان التزام السياسات العامة بقيمة العدالة ، طريق لتسريع النهوض الاقتصادي والاجتماعي ، وتعزيز الاستقرار الذي تنشده كافة الحكومات ، خلافا لانطباع عام بين السياسيين والاقتصاديين ، فحواه ان النمو الاقتصادي قد يتطلب تأجيل حقوق الانسان الاساسية. في هذه النقطة بالذات ، تتمايز رؤية راولز عن الليبرالية الكلاسيكية التي افترضت امكانية التضحية بالمساواة أو على الاقل تأجيلها ، في سبيل النهوض بالاقتصاد والمعيشة وتعزيز الحريات الفردية.  كما تمايزت عن الرؤية الماركسية التي نادت بتأجيل الحريات الفردية والمدنية ، حتى إقرار المساواة الكاملة بين جميع المواطنين.


يصر راولز على ان نظريته "العدالةكانصاف" نظرية سياسية ، بمعنى انها قابلة للتطبيق في إطار سياسات وبرامج عملية ، غايتها اعادة تشكيل البنية الاساسية للنظام الاجتماعي ، بما فيها القانون والسياسات الرسمية وبرامج العمل ، وصولا الى اقامة نظام اجتماعي عادل.
نعرف ان هذا التقدير لم يكن مجرد تأمل فلسفي. لقد ثبت فعليا ان رؤية راولز – رغم ما يظهر عليها من نزوع مثالي – قابلة للتحول الى برامج عمل. في العام 1990 تبنت الجمعية العامة للامم المتحدة جدول مؤشرات لقياس النمو الاقتصادي/ الاجتماعي الذي تحققه اقطار العالم في كل عام. وضع الجدل على يد محبوب الحق ، احد اشهر منظري التنمية المعاصرين ، بمساعدة امارتيا سن ، والسياسي الاسكوتلندي تام داليل. يشكل مجموع تلك المؤشرات دليلا للمخططين في كل بلد ، نحو تحقيق الهدف الأعلى للتنمية ، اي تعزيز العدالة الاجتماعية ، من خلال توسيع خيارات الافراد وتمكينهم من ادارة حياتهم ، على النحو الذي يترجم تصورهم الخاص للسعادة.
وفقا لرؤية راولز فانه يمكن للعدالة ان تتحول من تطلع مثالي الى قيمة متحركة في واقع الحياة ، اذا صيغ مفهومها في سياق نقاشات مفتوحة بين مواطنين عقلاء أحرار. ان نقاشا حرا بين الناس ، سيفضي الى إبراز مفهوم للعدالة ، واقعي وقادر على توحيد الاطياف الاجتماعية المختلفة. وهو يقرر  في كتابه "الليبرالية السياسية" أن النظم الليبرالية تواجه تحديا جديا ، يتمثل في قابليتها لانشاء فضاء واحد يوفر العدالة لجميع المواطنين ، مهما اختلفت مشاربهم ومتبنياتهم الدينية والايديولوجية ومستوى معيشتهم.
عقلانية الانسان تتجلى – حسب راولز – في قدرته على ادراك حقيقة العدل وتمييز ما هو خير لنفسه وللآخرين. وبهذا فهو يؤكد على قيمة محورية غالبا ما تناساها السياسيون ، وهي ان سعي الانسان لصالحه الخاص ، لا يغير من حقيقة ان ذاته وفطرته خيرة ، وانه قادر على تدبير حياته دون عدوان على حقوق غيره. 

الشرق الاوسط الأربعاء - 19 جمادى الآخرة 1439 هـ - 07 مارس 2018 مـ رقم العدد [14344]

المساواة: اشكالات المفهوم واحتمالاته

بقلم ايزايا برلين (*) ترجمة د.   توفيق السيف ربما ترغب أيضا في قراءة: برنارد وليامز:    فكرة المساواة   ديفيد ميلر:  ا لمساو...