‏إظهار الرسائل ذات التسميات ابراهيم البليهي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ابراهيم البليهي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 15 يناير 2020

حول التزاوج الشكلي بين الحداثة والتقاليد



اعتقد ان الدكتور سعد الدين ابراهيم هو أهم علماء الاجتماع العرب في الربع الاخير من القرن العشرين. يرجع هذا التقدير لعوامل عديدة مثل جودة الانتاج العلمي وغزارته ، ومثل طرقه لقضايا كانت تعتبر بين المسكوت عنه في الوسط الاكاديمي والاجتماعي. نشر د. ابراهيم نحو 40 كتابا بالعربية والانجليزية ، فضلا عن مئات من المقالات المثيرة للاهتمام ، يدور معظمها حول تحولات المجتمع العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
تعرفت على هذا المفكر الفذ من خلال كتابه "النظام الاجتماعي العربي الجديد" الذي لفت الانظار الى التحولات الثقافية والقيمية المرافقة لتغير الاقتصاد العربي ، وكذلك انعكاسات الهجرة الواسعة لعمال الريف المصري الى دول الخليج النفطية.
نشر الكتاب في 1979 ، وتكرر طبعه ست مرات في السنوات التالية. في ذلك الوقت المبكر نسبيا ، التفت د. سعد الدين الى السلوكيات الجديدة التي تولدت عن التجاذب بين ضرورات الارتقاء المعيشي من ناحية ، وضغط التقاليد ، سيما الدينية ، من ناحية أخرى. تنطوي هذه السلوكيات على ازدواجية في المظهر الشخصي وفي الثقافة على السواء. فالافراد الذين تعرضوا لعواصف الاقتصاد الجديد ، ارادوا الاخذ بفرصتهم في الحياة والرفاهية المادية. لكنهم واجهوا في الوقت نفسه صعودا موازيا لموجة دينية ، تحذر من الانسلاخ غير متبصر من  قيود الدين وحدوده ، والاستسلام دون وعي لمخططات الغزو الثقافي الغربي.
ويبدو لي ان هذه الموجة كانت رد فعل طبيعيا على انهيار الاجماع القديم ، وتفكك المعايير الاخلاقية ونظم السلوك الموروثة التي حافظت على السيرورة المعتادة للمجتمع التقليدي.
كان سعد الدين ابراهيم متشائما تجاه ما يجري ، خلافا للاتجاه العام بين علماء الاجتماع الذين تبنوا نظريات التحديث الاكثر شهرة في الوسط الاكاديمي ، في الولايات المتحدة واوربا الغربية ، وهي نظريات تتفق على ان الانتقال الى الحداثة في المعنى الثقافي والاجتماعي ، نتيجة حتمية ، حين يتعرض المجتمع التقليدي لموجات التحديث الاولى.
وبالنسبة للشرق الاوسط ، فقد ساد اعتقاد فحواه ان تغير مصادر الانتاج والمعيشة بشكل كامل تقريبا ، اضافة الى مشروعات التنمية الاقتصادية ، التي انطلقت في منتصف ستينات القرن العشرين ، واتسعت بشكل كبير  جدا في بداية العقد السابع ، سوف يؤدي حتما الى انحسار الثقافة القديمة وتفكك التقاليد والاعراف ، سيما مع افتتاح المئات من المدارس وقدوم عشرات الالاف من المهاجرين الاجانب ، فضلا عن تزايد الحضور الثقافي للراديو والتلفزيون وبقية وسائل الاتصال الجمعي.
ان اتفاق عدد معتبر من العلماء على مقاربة نظرية محددة ، يولد ضغطا (نفسيا في الاساس) على الباحثين في نفس الحقل ، باتجاه الاخذ بما توافق عليه اولئك. رغم هذا فالواضح ان الدكتور سعد الدين ، لم يقتنع بان سيناريو  التحول المشار اليه ، هو الذي يحدث فعلا او سيحدث في المجتمع العربي.
كان يلاحظ ان السلوكيات القديمة والثقافة القديمة ، تستعيد تأثيره تحت مبررات مختلفة. بعض القيم القديمة تتراجع وبعضها يتقدم ، وتجرى عملية تبادل ادوار ، بحيث يحافظ الناس على الاطمئنان الذي توفره الاعراف والتقاليد الموروثة ، لكنهم في الوقت نفسه يتخلون عن مصادر الانتاج واساليب العيش المرتبطة بتلك  الاعراف.
بعض الكتاب رأى ان هذه المزاوجة بين القديم والجديد كانت مفيدة. آخرون مثل سعد الدين ابراهيم اعتبروا الامر عبثيا ، اما ابراهيم البليهي فرآه تعبيرا عن الوثوقية الشديدة التي تتسم بها المجتمعات المتخلفة.  لكن هذا نقاش آخر سنعود اليه في وقت لاحق.

الشرق الاوسط الأربعاء - 19 جمادى الأولى 1441 هـ - 15 يناير 2020 مـ رقم العدد [15023]

مقالات ذات علاقة

انهيار الاجماع القديم

المحافظة على التقاليد .. اي تقاليد ؟

من الحجاب الى "العباية"


الأربعاء، 9 أكتوبر 2019

حجاب الغفلة ، ليس حجاب الجهل


افترض ان معظم القراء يعرفون فكرة "حجاب الغفلة" التي تحدث عنها جون راولز ، في نظريته حول العدالة الاجتماعية.
سمعت هذه العبارة للمرة الاولى من خطيب ، كان ينكر على صاحبها دعوة الناس الى الغفلة ، بدل الوعي. وبقي هذا التصور عالقا في ذهني سنوات ، حتى شاركت في درس عن العدالة الاجتماعية ، فسمعت الاستاذ يتوسع في شرح فكرة "حجاب الغفلة veil of ignorance". ولأن الذهن يحتله السابق اليه ، كما يقول استاذنا ابراهيم البليهي ، فقد انكرت نفسي امتداح الاستاذ للفكرة وصاحبها. كنت لا أزال مأخوذا برأي الخطيب طيب الذكر . وبقيت لمدة طويلة - نسبيا - عاجزا عن ادراك حقيقتها ، بسبب التضارب الشديد بين ما سمعته اولا وما سمعته تاليا.
بعد كثير من القراءات والمناقشات ، اكتشفت ان كلام الخطيب الاول شكل حاجزا حقيقيا ، منعني من فهم الفكرة ، مع انها ركن مهم من اركان نظرية راولز ، التي باتت اليوم مرجعا اعلى للسياسات الدولية الهادفة الى تحقيق العدالة الاجتماعية ، سيما مع الاضافات التي قدمها زميله الفيلسوف المعروف امارتيا سن.
   اكتشفت ايضا ان الاستماع للخطباء والمتحدثين ، لا يأتي الا بالقليل جدا من المعرفة. من أراد العلم فسبيله القراءة ثم التأمل ثم النقاش.
عودة الى فكرة "حجاب الغفلة" فقد جاءت في سياق التذكير بما سبق ان اسماه الفلاسفة بالحالة الطبيعية ، وأميل الى تسميتها بالفطرية ، اي حالة الانسان قبل ان يتبرمج ويتأدلج وتتغير طبيعته ، بتأثير التربية وثقافة المحيط وما في البيئة من حدود وقيود وصراعات.
فحوى هذه الفكرة انه لو اجتمع عدد من الناس كي يقتسموا ملكا مشتركا لهم ، فكل منهم سيحاول - على الارجح - ان يحظى بحصة الاسد ، ويترك للاخرين حصة العصفور. لكن لو ان هؤلاء تناسوا أو غفلوا للحظات ، عن انتماءاتهم وتعصباتهم ومصالحهم ، وفي تلك الاثناء اجروا القسمة ، فانهم - على الارجح - سوف يتبعون مبدأ المساواة في اقتسام الملك.  
وتتصل الفكرة بمبدأ عميق الجذور ، هو أصالة الخير في نفس الانسان. أي ان الانسان مفطور على الخير والانصاف. اما الميل للاستئثار والتعصب وقهر الاخرين ، فهو نتاج لتاثير البيئة الاجتماعية والتربية. ان حجاب الغفلة ، هو لحظة نسيان لواقع الحال ، واسترجاع لحقيقة الانسان الاولى ، قبل ان يتلوث باوساخ العالم وقيوده وألوانه الخادعة.
أكتب هذه السطور للتأكيد على ان المساواة أصل أولي في العلاقة بين البشر ، وهي تجسيد لفطرتنا وطبيعتنا ، قبل ان تعلق بانفسنا عوارض الحياة. نحن بحاجة الى استذكار ان كلا منا يساوي الآخر ، في قيمته وقدره وكرامته وحقوقه. ليس فينا من هو دون سائر الناس قيمة أو قدرا. ان هذا حق لكل منا ولكل انسان غيرنا. اقرارك لنفسك بأي حق ، يؤدي تلقائيا الى اقرار للاخرين بنفس الحق وبنفس القدر ، حتى لو غفلت عنه او تجاهلته.
المساواة ، مثل سائر حقوق الانسان ، نوعان: اولهما طبيعي سابق للقانون وحاكم عليه. لأنه جزء مما تتحقق به انسانية الانسان. اما النوع الثاني فهو المدني الذي يقيمه القانون والمجتمع السياسي الذي تعيش في ظله. نعلم ان الثاني اقوى ، لانه مدعوم بقوة المجتمع والدولة. لكن الأول ارفع شأنا ، لأنه ثابت ومرتبط بالانسان كانسان ، اي انه سابق للجماعة والدين والقانون ، واعلى منها من حيث الترتيب.
الشرق الاوسط الأربعاء - 10 صفر 1441 هـ - 09 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [14925]

مقالات ذات صلة 

الليبرالية في نسخة جديدة: رؤية جون راولز

العدالة الاجتماعية كهدف للتنمية

هل نحتاج حقا إلى طريق ثالث ؟

المساواة والعدالة

مفهوم العدالة الاجتماعية



الثلاثاء، 7 يناير 2014

إعادة إنتاج التخلف


إبراهيم البليهي واحد من المفكرين الذين حملوا السلم بالعرض كما يقال. لسنوات طويلة ألح البليهي على أن أهم عوائق النهضة هو البرمجة الذهنية، التي يمارسها المجتمع على أجياله الجديدة من خلال التربية والتعليم، فيحولهم إلى نسخ مكررة عن الماضين.

 الجانب الموجع في هذا السلوك هو اقتناع معظم الناس بأن علاقة القسر هذه ضرورية وأنها ضمان للفضيلة. ولا يخلو الأمر من مفارقات. ستجد مثقفا يسخر ممن يقلد غيره في فكرة أو رأي. لكنه هو ذاته يتغنى بالمقولة المشهورة "الاتباع لا الابتداع"، ويعمل على إقناع الناس بالتزام الآراء والأفكار والتقاليد التي ورثناها من الأسلاف.
قسطنطين زريق

البديل الذي يدعو إليه البليهي هو "التلقائية"، بمعنى أن تكون كما تريد، ولو خالفت جميع الناس، أن تطلق خيالك إلى أبعد مدى يمكن أن يقاربه، ولو أوصلك إلى أفكار غريبة أو مستنكرة، أن تنظر إلى نفسك ككينونة مستقلة، ولو كنت مؤمنا بالإطار الاجتماعي الذي تنتمي إليه، أن تدافع عما تظنه مصلحة خاصة لك، ولو تعارضت مع تصور الآخرين للمصلحة العامة أو حقوق الجماعة.

مجتمعنا الذي يشكل الشباب نحو ثلثي أعضائه يتعرض للشيخوخة المبكرة، لأننا نقسر الشباب على تقليد نمط الحياة والقيم التي ورثناها أو صنعناها وألفتها نفوسنا، رغم سعة الفاصل الثقافي بيننا وبينهم. إني أستمع للشباب يتحدثون اليوم عن أفكار وتطلعات لم أعرفها، بل لم يصل إليها خيالي حين كنت في مثل عمرهم.

 في منتصف سبعينيات القرن العشرين، كتب المرحوم دكتور قسطنطين زريق أن المعرفة المتوفرة في العالم تتضاعف مرة كل 30 عاما. وأظن اليوم أن المعرفة المتاحة لعامة الناس، ولا سيما الشباب، تتضاعف مرة على الأقل كل عامين أو ثلاثة. أي أن المجال الذي يفكر فيه شبابنا ويصنعون من خلاله تطلعاتهم وتصورهم لمستقبلهم، أوسع من مجالنا بما لا يقل عن 20 ضعفا. هم أعلم منا بحياة اليوم، وهم أقدر على الوصول إلى المعارف الجديدة والفرص الجديدة. فكيف نقسرهم على الانحصار في القليل الذي عرفناه في الماضي؟

القسر الذي نتحدث عنه، هو ببساطة تربية الجيل الجديد على اتباع الموروث، فكرة كان أو عرفا أو أسلوب حياة، وتقديمه لهم كإطار وحيد للفضيلة. هذا يؤدي ـــ بالضرورة ــــ إلى تجريد الأفكار الجديدة من أي قيمة، وربما اعتبارها "بدعة". لا خير في ذلك الموروث ولا فائدة، ولو كان خيرا لما صرنا أضعف الأمم وأقلها إنتاجا على كل صعيد.

إذا واصلنا "ضخ" تلك الأعراف والتقاليد والأفكار المتخلفة في عقول أبنائنا، فلن يكونوا غير صور مكررة عنا، وسيبقون أسرى لماضينا المتخلف وسيواجهون كل الإخفاقات وأصناف الفشل التي اختبرناها.

المساواة بين الخلق ... المساواة في ماذا ؟

هذا المقال موجه لأولئك الذين يعارضون المساواة بين المواطنين ، والمساواة بين الرجال والنساء. وهو يستهدف توضيح موضوع النقاش وتفصيح اسئلته. ...