‏إظهار الرسائل ذات التسميات اللامركزية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اللامركزية. إظهار كافة الرسائل

30/10/2012

عشرون عاما من التجربة

وراءنا عشرون عاما من التجربة مع النظام الاساسي للحكم ونظامي مجلس الشورى والمناطق. يقرر الفقه الدستوري ان الهدف الاعلى للنظام الاساسي هو ارساء علاقة قانونية بين المجتمع والدولة ، كبديل للعلاقة الشخصية. ويهدف نظام المناطق للتخلص من المركزية الادارية التي وسمت ظرف الانتقال من المرحلة التقليدية الى الاقتصاد الحديث. اما نظام مجلس الشورى فهو اشبه بمعالجة تجريبية لمبدأ الشراكة، يفترض ان تقود الى نظام نيابي تمثيلي.
طبقت هذه التجربة في ظروف شهدت تحولات عظيمة في النظام الاجتماعي والثقافة والاقتصاد ، في المملكة ومحيطها ، وفي العالم بمجمله. بعد عقدين من الزمن نستطيع القول ان نقاط القوة والضعف في الانظمة الثلاثة اصبحت واضحة. في سبتمبر 1993 اخبرنا الملك فهد رحمه الله ان الانظمة الثلاثة خطوة اولى وليست نهاية المطاف : "نساير التطور الاجتماعي ونصعد السلم درجة درجة". وافترض ان كثيرا من رجال النخبة السياسية يضعون في اعتبارهم الحاجة الى مراجعة هذه التجربة وتطويرها.
فيما يتعلق بالنظام الاساسي، فاننا بحاجة الى التوسع في النص على الحريات العامة والحقوق المدنية والادوات القانونية اللازمة لضمانها. كما اننا بحاجة للتاكيد على سيادة القانون وخضوع الجميع - كبار موظفي الدولة مثل عامة المواطنين - للقانون في تعاملاتهم والعلاقة بينهم.
وفيما يتعلق بنظام المناطق ، فان هدفه المحوري ، اي اقامة نظام لامركزي ، لم يتحقق على النحو المطلوب. لازالت امور البلد كلها تقريبا تدار من العاصمة ، في وقت يتجه العالم كله للتخلص من الادارة المركزية.
 يجب القول ان مفهوم اللامركزية لم يعد منصرفا الى المعنى الجغرافي كما كان الامر حين صدر النظام في 1992. الانتشار الواسع لانظمة الاتصال الالي ابرزت مفهوما بديلا ، يركز على التعامل المعياري مع القضايا والطلبات ، بدل التعامل الشخصي الذي هو ابرز صفات النظام المركزي. من هذه الزاوية ، يتقاطع مبدأ اللامركزية مع مبدئين اخرين مهمين هما سيادة القانون وفصل السلطات ، وتشكل المباديء الثلاثة منظومة واحدة متفاعلة.  
اما التطوير المطلوب في نظام مجلس الشورى، فجوهره هو التحول من هيئة استشارية الى مجلس يمثل الراي العام ومصالح الجمهور. هذا يقتضي ان يأتي اعضاؤه من خلال انتخابات عامة ، وان يتمتع بصلاحيات اوسع واعمق لا سيما في مجالي التشريع والمحاسبة.
نفهم ان النخبة السياسية تسعى لتحديث انظمة الخدمة العامة وتحسين كفاءة الادارة الرسمية. لكن تجربة العالم تخبرنا ان قدرة القيادة على تحديث تلك الانظمة مقصورة على المراحل الابتدائية فقط. اما المراحل المتقدمة فهي تتطلب اشراك الراي العام بصورة فعالة ، من خلال ممثلين منتخبين. من هذه الزاوية فان تمثيل الشعب في جهاز الدولة سوف يريح النظام السياسي من اعباء مرهقة ، وسوف يفسح مجالا رحبا للمجتمع كي يشارك في صياغة حياته وعلاقته مع الدولة.
تفصلنا اسابيع قليلة عن نهاية الدورة الحالية لمجلس الشورى. واظن ان الوقت ملائم للاقدام على الخطوة المفصلية التالية ، اي تطوير الانظمة الثلاثة واعادة تشكيل مجلس الشورى عن طريق الانتخابات العامة.
الاقتصادية 30 اكتوبر 2012
http://www.aleqt.com/2012/10/30/article_705573.html

03/04/2012

اللامركزية الادارية ضرورة اليوم وليس غدا


شعر الكثير منا بالاسى حين تابع العام الماضي افتتاح مترو دبي بعد اقل من خمس سنين على اقرار مشروعه ، بينما كنا ننتظر افتتاح مترو الرياض الذي وعدنا به في 2009 ، وتخصيص الخطوط السعودية وفتح سوق النقل الجوي امام ناقلين جدد ، وغير ذلك من المشروعات الضرورية لتيسير المواصلات في المملكة.

خلفية الاهتمام بهذه المشروعات هو ضيق الناس بازدحام العاصمة ومشكلات النقل الجوي والبري وغيرها. معظم المتحدثين في هذا الشأن ينادون بالتوسع في النقل العام بمختلف وسائله. وهو حل لجأت اليه معظم دول العالم في العقود الماضية.
لكن هذه الحلول لن تكون فعالة في المستقبل. لندن التي تتمتع بشبكة قطارات ضخمة وثلاث مطارات دولية لم تنج من الزحام. ومثلها نيويورك وغيرها من المدن الكبرى.
الحل الفعال ، والاقل كلفة ، هو اللامركزية الادارية. التي تعني :
 أ) توزيع الادارات التابعة لوزارة واحدة بين المدن المختلفة.
 ب) نقل شريحة واسعة من اعمال وصلاحيات الادارات المركزية في العاصمة  الى فروعها في المناطق.
ج) الغاء جميع المراجعات الشخصية  التي يمكن استبدالها بالمتابعة عن طريق التلفون والمراسلة.

في الماضي كان البيروقراطيون يبررون تجميع الادارات والموظفين في مكان واحد بالحاجة الى تسريع العمل. وهذه فائدة معقولة مادام عدد الموظفين صغيرا. لكن مع مرور الوقت وتزايد العدد تتلاشى هذه الفائدة. تضم وزارات الدولة اليوم مئات الالاف من الموظفين الذين لا ضرورة لبقائهم في المباني المركزية. اضف الى هذا عشرات الالاف من الناس الذين يراجعون هذه المباني من اجل معاملات صغيرة وكبيرة. ومثلهم من موظفي القطاع الخاص الذي ينفذ اعمالا للوزارات .
هذا يعني ربما ربع مليون سيارة او اكثر تستعمل شوارع العاصمة كل يوم. ويعني ملايين ساعات العمل التي تضيع في زحام الطرق.

اتساءل مثل غيري: ما الذي يستوجب احتفاظ وزارة التربية والاعلام والكهرباء والشؤون الاجتماعية والمالية والتجارة ومؤسسة النقد وعشرات من الادارات الاخرى بمعظم موظفيها في العاصمة. ما هو الضرر الذي سيحدث لو وزعت بعض الادارات ، بين مدن المملكة المختلفة؟

فوائد التوزيع واضحة ، فهو سيقلل كلفة العمل وزحام العاصمة ، وسيرسي ارضية للتخلص من المراجعات الشخصية الكثيرة والمرهقة ، ويستبدلها بالتواصل عبر التلفون او الرسائل. والاهم من هذا وذاك فانه سيدفع عجلة النمو في المدن التي تحتضن المقرات الجديدة ، من خلال زيادة الطلب على السكن  والسوق ، وبالتالي تسريع دورة راس المال المحلي وتحسين مستوى المعيشة.

لقد حان الوقت للتخلص من الثقافة التي تعتبر البلد ملخصا في العاصمة. وقد حان الوقت لتفويض امارات المناطق وفروع الوزارات فيها بجميع صلاحيات المركز ، حتى لا يضطر احد لارسال معاملة الى الرياض فضلا عن السفر اليها للمتابعة الشخصية.

زحام المدن ليس مشكلة مواصلات فقط ، بل هو اهلاك سريع للبنية التحتية ، وتعقيد للحياة الاجتماعية ، وزيادة في التوتر النفسي للافراد ، فضلا عن الامراض الناتجة عن التلوث.
الاقتصادية 3 ابريل 2012

22/02/2010

بعد عقدين على صدوره ، نظام المناطق يحتاج الى مراجعة


 بعد عقدين تقريبا على صدور نظام المناطق ، تبدو الحاجة ملحة لمراجعة مدى نجاحه في تحقيق الغاية الرئيسية التي صدر من اجلها ، واعني بها التحول الى نظام الادارة اللامركزية ولا سيما في مجال الخدمات العامة والتنمية .

في المملكة مثل جميع الاقطار العربية الاخرى ساد الميل فيما مضى الى ادارة مركزية لجميع اعمال الحكومة ، من تعيين صغار الموظفين حتى وضع الميزانيات والخطط العمرانية في كل قرية ومدينة. صدور نظام المناطق في 1992 كان بمثابة تاكيد على الحاجة الى تجاوز ذلك النمط الاداري ، وهو اتجاه اخذت به جميع دول العالم المتقدم واثبت نجاحه في حل مشكلات الادارة والتوزيع المتوازن للموارد الوطنية فضلا عن تعزيز هيبة الدولة وكفاءة القانون.

قراءة الصيغة التي صدر بها النظام تشي بنوع من الحذر والتجريبية ، ويبدو هذا امرا طبيعيا عندما تقرر ادخال تغييرات رئيسية على فلسفة عمل يتاثر بها ملايين الناس وتتحرك وفقها مليارات الريالات كل عام. لكن بعد ثمانية عشر عاما من صدور النظام ، يمكن القول ان لدينا ما يكفي من التجربة والقدرة على اكتشاف نقاط القوة ونقاط الضعف في ذلك النظام وفي تطبيقاته.
المبرر الرئيس للنظام المركزي هو ضبط العمل الاداري والانفاق وربطهما بالخطط المقررة سلفا ، وصولا الى تضييق نطاق التصرف الشخصي في الموارد العامة ، وفرض النسقية او سيادة القانون في جميع ارجاء البلاد على نحو واحد.  على اي حال فان فاعلية النظام المركزي وفائدته مرحلية ، سيما في ظروف النمو الاقتصادي السريع كما هو الحال في المملكة.

اتساع الرقعة الجغرافية والتنوع الاجتماعي والبيئي الكبير يجعل الادارة عن بعد اقل كفاءة مما يتمنى المخططون. صحيح ان تطور انظمة المواصلات والاتصالات ربما قللت من تاثير التباعد الجغرافي ، لكنها لا تعالج ابدا تاثيرات التباين البيئي والاجتماعي ، وهما عنصران مؤثران بشدة في العمل الفعلي لاي ادارة عامة.

في المقابل فان نظام الادارة اللامركزية يستهدف جعل الخطط والمشروعات متناغمة مع حاجات البيئة الجغرافية والاجتماعية المحلية . ويظهر ذلك على وجه الخصوص في جانبين متكاملين :

الاول : في كل منطقة ثمة شريحة من الموارد وفرص الانماء تختلف عن المناطق الاخرى . كما انها تعاني من مشكلات او هموم تتمايز بدرجة او باخرى عن غيرها. بل انه حتى في الموارد والفرص المتشابهة فان مستويات المعيشة والنمو ، اي القابلية المحلية لاستثمار الموارد والفرص تتباين بين منطقة واخرى ، الامر الذي يستوجب طريقة مختلفة في التخطيط وتوزيع الميزانيات بحيث تحصل المناطق الاقل نموا على حصة اكبر من المشروعات بهدف ايصالها الى المستوى الوطني العام في عرض الفرص والقدرة على استثمار الفرص القائمة. هذا يعرف في دراسات التنمية بالتوزيع المتوازن للثروة الوطنية.

الثاني: رغم اهمية الكفاءة العلمية في الاداريين ، الا ان المعرفة العميقة للبيئة الجغرافية والاجتماعية للعمل ، اي تلك العناصرالتي تندرج في الجانب الاول ، هي في الغالب ثمرة للمعايشة المباشرة والطويلة الامد. مدير المدرسة الذي يعرف عائلات الطلاب وتاريخهم ووضعهم الاجتماعي هو الاقدر بالتاكيد على فهم طبائعم ومشكلاتهم وعناصر قوتهم وضعفهم والعوامل المؤثرة في نفوسهم . مدير البلدية الذي هو ابن البلد اقدر من غيره على استيعاب حاجات قريته او مدينته والعناصر المساعدة والمعيقة في انمائها ، والامر نفسه يقال عن معظم جوانب العمل الاخرى.
لا ينبغي المبالغة بطبيعة الحال في تقدير اهمية هذا الجانب ، لكن من الخطأ ايضا اغفاله او تناسيه ، فاهل مكة ادرى بشعابها كما في الامثال.

بناء على تجربتنا الخاصة وعلى تجارب العالم نستطيع القول ان الادارة اللامركزية تضمن استفادة اكبر من الامكانات المادية والبشرية المتاحة في انجاز الاعمال المطلوبة . لان التنمية والتطوير ليست فقط خططا على ورق ، بل تفاعل بين المخطط والمدير وبين البيئة الاجتماعية التي يعمل فيها ، فضلا عن التناغم الضروري بين الخطط وبين الظروف البيئية والجغرافية المحلية .
التحول الى اللامركزية الادارية والتنموية يتطلب تمهيدات قانونية وتنظيمية ، سوف نعود اليها في وقت لاحق.

عكاظ 22 فبراير 2010

18/04/2007

لا بديل عن اللامركزية



في ماضي الزمان كانت عاصمة البلد هي حقيقة البلد وجوهرها، اما بقية البلد فهي ملحقات بالعاصمة. الميل الى التمركز، على المستويين القانوني والسياسي، هو سمة ثابتة لجميع الحكومات الحديثة. وربما كان ضرورة لمعالجة الاشكال الناتج عن التاثير السلبي للاتساع الجغرافي على وحدة القانون. وبالنسبة للدول حديثة التاسيس، فقد كان ضعف الجهاز الاداري وحداثة عهده سببا اضافيا لتركيز السلطات والصلاحيات في الحلقات العليا من الادارة.

لهذه الاسباب فضل المعنيون ارجاع كل امر صغير او كبيرالى مسؤول في العاصمة، يملك صلاحيات استثنائية او يعتبر مفوضا في تفسير بنود القانون وربما تجاوزها في بعض الاحيان. لكن يبدو ان هذه الحاجة المرتبطة بظرف خاص قد تحولت الى عادة جارية حتى بعد زوال ذلك الظرف.

 وهذا شأن التقاليد والاعراف الاجتماعية التي تقوم تبعا لحاجة محددة او ظرف مؤقت، لكنها تتحول من ثم الى قيد على جميع الناس في مستقبل الايام كما في حاضرها بغض النظر عن الدواعي والضرورات التي اوجبتها. منذ اوائل الثمانينات اتجه العالم بمجمله تقريبا الى التخلي عن النظام المركزي في الادارة، بعدما اكتشف انها لم تعد عونا للدولة بل عبء عليها. كان المحرك المباشر لهذا الاتجاه هو التطور الهائل في انظمة الاتصال.

 لكن قبل ذلك كانت مبررات التحول في طور تكاثف وتكامل. اكتشف المهتمون بالكفاءة الادارية مثلا ان الادارة المركزية قد حولت جيوش الموظفين الى آلات تفتقر للابداع والمبادرة والتفاعل، فهي لا تعمل الا اذا تلقت الاوامر من فوق. وبالعكس من ذلك فان توزيع الصلاحيات في مختلف المراتب وربطها بالمسؤولية والمحاسبة قد ادى الى تقليل الفاقد وتيسير الاعمال وبالتالي رضا الجمهور. 

واكتشف المهتمون بالتنمية السياسية ان المركزية الادارية قد جعلت النظام السياسي اسيرا للبيروقراطية، فبدلا من ان يستخدمها في تعزيز علاقته مع الجمهور، فانها تحولت الى عازل بين المجتمع والدولة يعيق اي تواصل وتفاعل. واكتشف المهتمون بالقانون ان جيوش البيروقراطيين المجردين من الصلاحيات والمتحررين في الوقت نفسه من المسؤولية، قد حولت القانون الى حروف بلا روح ولا مضمون، فهم يطبقون ما يرونه على الورق ويبالغون في العناية بالجوانب الشكلية كما لو ان النصوص القانونية هي الغرض النهائي للدولة، بدل ان تكون وسائل لارشاد القائمين على تطبيق القانون وتعيين الاطار الذي ينبغي لهم ان يعملوا ضمنه.

 اما الطامة الكبرى فقد وجدها المهتمون بالانماء الاقتصادي، فكل معاملة تدور بين المكاتب اسابيع وربما شهورا قبل ان تصل الى غايتها، ويضيع معها الكثير من الزمن والجهد، وكلها في حساب الاقتصاد رأس مال، مستثمر او مضيع. كان صدور نظام المناطق قبل عقد ونصف من الزمن اعلانا بان المملكة تتجه الى نظام قائم على اللامركزية الادارية، ولهذا عد واحدا من ابرز خطوات الاصلاح.

 لكن لسبب ما فان هذا النظام البالغ الاهمية ما زال اقرب الى اطار نظري منه الى استراتيجية قيد التطبيق. مازلنا حتى اليوم بحاجة الى الذهاب الى العاصمة لمتابعة ابتعاث طالب جامعي، او معادلة شهادة متوسطة، او الموافقة على تسجيل طالب ابتدائية في مدرسة اجنبية، او اثبات الدخول في احد المنافذ الحدودية، او تثبيت التعيين في وظيفة، او تصحيح خطأ في معاملة لاستقدام عامل اجنبي، او تغيير اسم طفل، او رصد بضعة الاف ريال لصيانة طريق، او الموافقة على انشاء مركز صحي او مكتبة في قرية، او تمييز حكم لأحد القضاة، او الموافقة على مخطط سكني.. ومئات من الامثلة الاخرى التي يعرفها – ويعاني منها – مئات الالاف من الناس. كان المقدر ان تطبيق نظام المناطق سوف ينقل جانبا كبيرا من هذه الاعمال من العاصمة الى مناطق المملكة المختلفة، ولو حصل هذا، فلا شك انه سيخفف عن كاهل الادارة المركزية جبالا من الاعباء وسيتيح لها الفرصة كي تنشغل بالامور الاكثر الحاحا مثل وضع الاستراتيجيات المستقبلية وتطوير العمل القائم ومراقبة الاداء والبحث عن الثغرات القانونية والادارية التي تؤذي المواطنين.. الخ.

 تحقيق اللامركزية الادارية يتطلب استراتيجية ذات مسارين :

 اولهما : اعادة صياغة نظام العمل الحكومي بحيث تفوض الادارات المحلية في المناطق جميع الصلاحيات المتعلقة بادارة المنطقة واعمالها، بحيث لا يرجع الى العاصمة الا في أمر يتعلق مباشرة بسيادة الدولة (مثل موضوعات الامن العام والدفاع)، أو امر يخضع لاستراتيجية وطنية شاملة (مثل مشروعات الانماء الشامل والخطط العامة للتعليم.. الخ) او أمر يتعلق بمناطق متعددة (مثل خطوط المواصلات التي تربط بين المناطق).

اما العمود الثاني فهو اعادة النظر في التعليمات والتعميمات التي تفرض على المتعاملين مع الدوائر الحكومية اجراءات غير ضرورية، مثل المراجعة الشخصية المتكررة. هناك دائما بدائل مناسبة، جربت هنا وجربت في بقاع اخرى من العالم وثبت انها آمنة تماما فوق ما توفره من جهود وأموال، والاهم من ذلك كله رضا الجمهور الذي هو الراسمال الاكبر لأي نظام سياسي. لا بديل عن اللامركزية الادارية اذا اردنا بناء بلدنا على نحو يجاري التطور السريع في عالم اليوم، ولكي لا ننطلق من فراغ، فان نظام المناطق هو نقطة انطلاق مناسبة، ونحن بحاجة الى وضعه على مائدة النقاش ثم تطبيق مفاده.

http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20070418/Con20070418104323.htm(

11/04/2007

عيوب المركزية الادارية كما تظهر في الطرق



أيام القمة العربية كانت فرصة لسكان الرياض كي يكتشفوا واحدا من عيوب المركزية الادارية. لاربعة ايام كان الجو شديد الهدوء والهواء نظيفا. وتحول معظم السائقين فجأة الى اناس مسالمين لا يسابقون ولا يغضبون ولا يطلقون زمامير سياراتهم على اعنتها، ولا يواصلون كبس الضوء العالي كي يجبروا من امامهم على اخلاء الطريق الممتلئ اصلا. وكان في وسع الناس ان يصلوا الى مقاصدهم في دقائق، مقابل ساعة او نحوها في الايام السابقة.

 في هذه الايام نفسها اكتشف سكان المنطقة الشرقية واحدا من فضائل اللامركزية، فكثير من سكان الرياض الذين حصلوا على اجازة خلال ايام القمة جاؤوا الى الشرقية كي يتبضعوا او يستمتعوا بربيعها الجميل، فشهدت المطاعم والفنادق والاسواق ازدهارا استثنائيا، واستمتع الناس باوقات سعيدة مع عائلاتهم واطفالهم. لا يمكن بطبيعة الحال عقد قمة عربية كل اسبوع كي يواصل الناس استمتاعهم بما يحصل على حاشيتها.
لكن المؤكد ان كثيرا من سكان الرياض ومثلهم من سكان الشرقية قد تساءلوا: اليس من الافضل توزيع الثقل السكاني بين مناطق المملكة بدل تركيزه في المدن الكبرى؟. قبل قرون كتب عبدالرحمن بن خلدون في مقدمته المشهورة ان العمران يتطلب زيادة السكان وكلما زاد سكان بلد زادت الصنائع فيه وتوفرت اسباب المعيشة. وهذا ما يسمى في ادبيات التنمية اليوم بالتحضير حيث يعتبر نمط المعيشة المديني ضرورة لقيام اقتصاد حديث.

 في هذا السياق فان ابرز الفوارق بين المدينة والقرية هو الحجم السكاني الذي تجعل اقامة الخدمات العامة والنشاط الاقتصادي بشكل عام مجديا وجذابا، وهو ما لا يتوفر في القرى قليلة السكان. ولو قدر لابن خلدون ان يرى حال المدن المزدحمة اليوم فلربما غير رأيه، او وضع – على اقل التقادير- حدا اعلى لزيادة السكان في المدن كما فعل اقتصاديون وعلماء اجتماع معاصرون. لا شك ان ضآلة عدد سكان القرية تجعل اقتصادها هشا ومحدودا، كما ان ضخامة مجتمع المدينة يجعل اقتصادها نشطا ومتنوعا.

 لكن ثمة معادلة حرجة هي اشبه بمسار ينتهي عند نقطة محددة. قبل هذه النقطة يكون الحجم السكاني الكبير مثاليا للاقتصاد، ولكنه يتحول من بعدها الى عقبة ومصدر لانواع من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والامنية وغيرها. ربما لا يحسب كثير من الناس القيمة المادية وغير المادية للوقت الذي ينفقونه في الطريق الى اعمالهم. اذا كنت من سكان الرياض او جدة فالمقدر انك تضيع ساعة ونصف الساعة يوميا تقريبا بسبب الزحام.

هذا الوقت الذي يبدو قصيرا، يعادل عشرة بالمائة من الوقت المفيد للعمل (16 ساعة في اليوم). وتقاس الخسارة الاجمالية بضرب مجموع عدد الاشخاص الذي يحصدون هذه الخسارة في متوسط قيمة ساعة العمل. واظن ان حسابا من هذا النوع سيكشف عن خسائر سنويا بمئات الملايين. لكن هذه ليست الخسارة الوحيدة، اذ يضاف اليه استهلاك السيارة نفسها واستهلاك الوقود، وهي نفقات غير مرئية لكنها حقيقية.

ويضاف اليه ايضا التدمير المنتظم للبيئة بسبب الكميات الهائلة من الكربون والملوثات التي تقذفها محركات السيارات في الهواء. كما يضاف اليه الخسائر على المستوى الشخصي، فالشوارع المزدحمة هي الاماكن الطبيعية للتوتر النفسي والقلق الذي يؤدي مع التكرار الى تدهور في الصحة البدنية والجسمية. اذا تركنا الطرق وازدحامها، ونظرنا الى المسألة من زاوية التخطيط الحضري، فان التزايد العشوائي للسكان يثمر عن ضغط شديد على الخدمات العامة كالتعليم والصحة والخدمات البلدية وغيرها، وهذا يؤدي بالتأكيد الى انخفاض كفاءتها او انخفاض مستوى الخدمة المقدمة.

 في الحقيقة فان هذه المشكلة جعلت مؤسسات الخدمة العامة في كثير من البلدان عاجزة عن القيام بواجباتها، وكان الحل الوحيد هو ترك الناس يدبرون انفسهم. من يريد العيش في مدينة كبيرة فعليه ان يتحمل نفقات علاجه وتعليم ابنائه واحيانا تفريغ برميل الزبالة امام بيته وهكذا. صحيح ان زيادة السكان تؤدي الى نشاط اقتصادي اضافي، لكنها - اذا تجاوزت حدا معينا - فسوف تعود الى استلاب الفوائد من خلال المسارات التي اشرنا اليها.

 المدينة المزدحمة اشبه برجل يسرف في الاكل كي يستمتع بماله، لكنه يعود فينفق جزءاً اكبر على معالجة الامراض الناتجة عن التخمة والاسراف. الحل الوحيد لهذه المشكلة يكمن في تطبيق اللامركزية الادارية. معظم الازدحام ناشئ عن تمركز اوعية التوظيف الاساسية (الدوائر الحكومية والشركات الكبرى) في العاصمة، من دون ضرورة سوى ان العادة قد جرت على هذا النحو. اللامركزية تعني نقل الكثير من الادارات من العاصمة، واهم من ذلك تهيئة السبل القانونية كي يستغني الناس عن الذهاب الى العاصمة لانجاز كل عمل صغيرا كان او كبيرا.

http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20070411/Con20070411102590.htm

هل تعرف "تصفير العداد"؟

اشقاؤنا في اليمن هم اكثر العرب استعمالا لعبارة "تصفير العداد". ذلك ان رئيسهم السابق ، المرحوم علي عبد الله صالح (1942-2017) ...