‏إظهار الرسائل ذات التسميات السياسية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السياسية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 5 يناير 2009

حدود الحرية .. حدود القانون


؛؛ دعوة التيار الديني الى "حرية منضبطة" لا تنطلق من الاقرار بالحرية كقيمة عليا. ولو قبلنا بها ، فقد ننتهي الى تهميش قيمة الحرية ؛؛

يتفق العقلاء جميعا على ضرورة الحرية للانسان لانها شرط لكمال انسانيته . كما يتفقون على ضرورة القانون والنظام العام لانه شرط لسلامة الحياة الاجتماعية . من دون الحرية سيكون الانسان عبدا او شبه عبد ومن دون القانون سيكون المجتمع غابة او شبه غابة يأكل القوي فيها الضعيف.

Image result for happy birthday travelling girl
المشكلة لا تكمن في الاقرار بالضرورتين ، بل في الحدود الفاصلة بينهما. وتظهر اهمية هذا الاشكال في ظروف الازمة بشكل خاص. 

فالدولة والمجتمع يميلان في مثل هذه الحالات الى توسيع مجالات اشتغال القانون ، مما يؤدي بالضرورة الى تضييق نطاق الحريات الفردية . بل قد يحدث هذا في الحالات الاعتيادية ايضا . ثمة حكومات تميل بطبعها الى التضحية بالحريات الفردية تحت مبررات مختلفة من السلامة الوطنية الى الارتقاء بمستوى المعيشة الخ .. ونذكر مثلا ان الحكومات الشيوعية كانت تسخر من قيمة الحرية الفردية وتصفها بالبرجوازية بناء على ان مهمة الدولة هي ضمان العدل الاجتماعي وتامين حاجات المواطن الاساسية . ونعلم ان تلك التجربة تحولت الى رمز لفشل النظرية الماركسية لانها ببساطة حرمت الانسان من بعض شروط انسانيته مثل حرية الاعتقاد والتفكير والتعبير والعمل والانتقال . وهو الامر الذي جعل معظم الماركسيين يعيدون النظر في عدد من مسلماتهم الايديولوجية الاساسية ، ولا سيما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي في 1991 .

لا يمكن الموافقة اطلاقا على المقولة الشائعة التي تصف الحرية السليمة بالمنضبطة . لانها في نهاية المطاف لا تحدد المعايير الحاكمة ولا تنطلق من الاقرار بالحرية كقيمة عليا. ولو قبلنا بها ، حتى على المستوى النظري ، فقد ننتهي الى تهميش قيمة الحرية . بدلا من ذلك فاننا نتحدث عن الحقوق المدنية التي تعني :

1-       الضمان القانوني لشريحة من الحقوق والحريات الطبيعية الضرورية لانسانية الفرد .
2-       الحقوق التي يحصل عليها الفرد بسبب انتمائه الى مجتمع سياسي يحكمه قانون.

ترجع الشريحة الاولى الى فطرة الانسان التي يعتبرها الفلاسفة اعلى من كل قانون يضعه البشر. وابرز تمثيلاتها حق الحياة ، اذ يحق لكل فرد فعل ما شاء للمحافظة على حياته. ومنها المساواة مع الغير ، ويدخل فيها ايضا الحريات المرتبطة بالضمير مثل حرية الاعتقاد والدين ، وحرية التفكير والتعبير ، والحرية في اختيار نمط المعيشة واساليب العيش وحق الملكية واستثمار الجهد الشخصي .
اما الصنف الثاني فيطلق عليه اسم الحقوق الدستورية او التعاقدية ، وهي حقوق يحددها القانون وترتبط بالوصف القانوني للفرد ، اي كونه مواطنا او عضوا في مجتمع مدني . من هذه الزاوية فان الصنف الاول سابق للقانون وحاكم عليه ، اما الصنف الثاني فهو تابع للقانون وخاضع له . وابرز ما يدخل ضمن هذا الصنف هو حق المشاركة المتساوية في الشؤون العامة للجماعة ، بما فيها حق الوصول الى المناصب العامة. ومنها ايضا حق الاستفادة المتساوية من الموارد العامة المادية وغير المادية الخ . 

بطبيعة الحال لا يمكن التمتع بالحرية ما لم يكن ثمة قانون يحمي ممارستها . كما لا يمكن تصور حرية من دون قانون يضع حدودا لما هو مقبول وما هو ممنوع ، لان الحرية المطلقة تعني ايضا حرية الانسان في ان يخترق مساحات الاخرين ، وربما تقود الى فوضى اجتماعية ، تضيع معها فائدة الحرية ، ويستأثر بها الاقوياء على حساب الضعفاء. المبرر الوحيد لهذا التقييد هو العدالة ، فالبديهي ان الحرية حق متساو لجميع الافراد ، وتقتضي العدالة ان يتمتع كل فرد بنفس القدر الذي يتمتع به غيره ، وهذا يؤدي بالضرورة الى تقييده. الطريق المتبع في المجتمعات المتقدمة هو تقسيم الحياة الى مجالين : مجال شخصي يتمتع فيه الفرد بالحرية المطلقة ، ومجال عام يطبق فيه القانون . وقد وجدت في التراث الاسلامي نظائر كثيرة لهذا التقسيم ، حتى في تطبيق الاحكام الشرعية من جانب الدولة . واظن انه يشكل مدخلا مناسبا للنقاش في الحدود الفاصلة بين ولاية القانون ونطاق اشتغاله وبين حرية الفرد في ان يفعل ما يشاء .

الأربعاء، 14 مارس 2007

من محاسن المكيافيلية القبيحة

؛؛ قبل مكيافيلي، اهتم الفلاسفة بسؤال: كيف ينبغي للناس ان يعيشوا، اما هو فقد اهتم بسؤال: كيف يعيش الناس فعلا. فانزل السياسة من سماء المثال الى ارض الواقع؛؛


لا شك ان عددا مهما من المبادئ والمفاهيم التي تشكل مضمون الدولة الحديثة، هو نتاج الحلول الفلسفية التي قدمها مفكرون مثل جان جاك روسو وجون لوك وتوماس هوبز، وغيرهم من كبار الفلاسفة الذين حققوا اختراقات اساسية في الفكر السياسي وانتقلوا به من مرحلة التاملات النظرية الى مرحلة تقديم الحلول العملية.
ربما لا يتوقع الكثير من القراء ان ندرج اسم نيقولو مكيافيلي، السياسي والكاتب الايطالي بين تلك الاسماء اللامعة، بل لعل الكثيرين يعتبرونه بين الظواهر السلبية في الفكر السياسي. فحين تذكر المكيافيلية، تقفز الى الذهن صورة شخص طماع لا يتورع عن فعل كبيرة ما دامت توصله الى اغراضه. ومن هنا اقترن اسم مكيافيلي والمكيافيلية بعبارة «الغاية تبرر الوسيلة»، وهي من العبارات التي تستعمل في الاشارة الى الفارق بين الاخلاق والسياسة او انعدام الاخلاق في السياسة. مثلها تماما مثل عبارة «فرق تسد» وأمثالها. لكن هذا الانطباع الذي ربما تولد لدى بعض من قرأ في الادب السياسي المعاصر، لا يكشف عن الحقيقة تماما. بل ربما تجد بين مؤرخي الفكر من يدعي انه لولا مكيافيلي لما ظهر هوبز ولوك وروسو، بل والفلسفة السياسية الحديثة بشكل عام. ومع اني لا اميل الى الربط الشديد بين الاشخاص والحوادث، الا ان الانصاف يقتضي الاشارة الى ان مكيافيلي كانت له الريادة في فتح باب جديد من الجدل الفلسفي لم يكن معهودا قبله.
حتى القرن السادس عشر الميلادي، كانت الفلسفة السياسية تدور حول فكرتين محوريتين: الكمال الانساني، والانسجام مع النظام الكوني. واضاف اليه الفلاسفة المسلمون لمسات دينية بعدما ترجمت الاداب اليونانية الى اللغة العربية في اواخر العصر العباسي. وبقي المنهج المثالي سائدا في الفكر الاسلامي حتى اليوم. ولعل تأثير الفلاسفة المسلمين يبدو بوضوح اكبر في فكرة الكمال الانساني التي اضاف اليها الفيلسوف والمتصوف المعروف ابن عربي الكثير من الصياغات والتبريرات والشروح التي نعرفها اليوم.

كان ارسطو قد قال ان العلم هو الفلسفة التي يحصل عليها الانسان اذا نشط جميع ملكاته العقلية الكامنة. اما ابن عربي فقد قلل من دور العقل، وركز على دور الايمان في اكتشاف الحقيقة. العلم – حسب رأيه – ليس بكثرة التعلم، بل هو نور يقذفه الله في قلب العبد. فاذا حصل الانسان على العلم الالهي فقد تميز عن عامة الناس، واصبحت له سلطة ذاتية على قلوبهم وعقولهم لا تحتاج الى تعريف او تبرير خارجي. اكتشاف طريق الكمال واكتشاف نظام العالم، وكيفية الانسجام معه، أي المعايير الاخلاقية التي يجب الالتزام بها كي نصبح في حالة تكامل مع النظام الكوني المحيط بنا، كانت – كما اشرنا – محور النشاط الفلسفي في اوربا حتى العصور الوسطى.

كرس مكيافيلي كتابه الاشهر «الامير» لكشف عوار هذا المنهج. وقد حقق هذه الغاية من خلال اسلوب غير مباشر، ركز على كشف حقيقة العمل السياسي ولفت انظار الناس الى الفارق الكبير بين المفترض والمتخيل في الفلسفة المثالية وبين الواقع القائم في الحياة السياسية. كما اوضح بجلاء ان النبلاء والقادة ورجال الكنيسة ليسوا جنسا خاصا من الخليقة وليسوا بشرا كاملين، بل هم رجال عاديون يعيشون ويفكرون ويعملون مثلما يفعل سائر الناس، وهم يفعلون الافعال الخيرة ويرتكبون الاخطاء مثل الناس كافة.

 قبل مكيافيلي، اهتم الفلاسفة بسؤال: كيف ينبغي للناس ان يعيشوا، اما هو فقد اهتم بسؤال: كيف يعيش الناس فعلا. فانزل السياسة من سماء المثال الى ارض الواقع، وعرضها للناس كما هي من دون رتوش. كما لفت الانظار إلى حقيقة ان السياسة عمل بشري دنيوي يتأثر بكل ما لدى البشر من افهام وهموم وتطلعات وقدرات ونقاط ضعف. كان افلاطون وارسطو قد اعتبرا ان قيام الحكومة الفاضلة منوط بتوفر شروط مناسبة تأتي صدفة. اما مكيافيلي فقد نفى امكانية قيام حكومة مثالية، لان النموذج المثالي لا يمكن ايجاده في الواقع، ولان الناس لا يتفقون على تصور واحد لما يعتبرونه مثاليا. وقال ان الحكومات تتفاضل في ما بينها بحسب اجتهاد المجتمع وحكامه في توفير الشروط اللازمة، فالامر يتعلق بالمعرفة والارادة وليس بالصدف.

هذا التفكير الواقعي هو الذي مهد الطريق امام الجيل الجديد من الفلاسفة السياسيين، كما رأينا عند توماس هوبز الذي اتخذ منهجا تجريبيا- ميكانيكيا مغرقا في المادية، ينفي أي دور للمجردات والمثل غير المادية في الفعل الانساني، ويربط حتى الاحساس بالفرح والالم بعوامل مادية بحتة، ضمن ما وصفه بسلسلة العلل والنتائج.

صحيح ان النظرية الاخيرة قد تعرضت لنقد كثير من جانب الفلاسفة اللاحقين لاسيما روسو ومن تبعه. لكن لا شك ان تحول الفلسفة من التنظير في المجرد والمثال، الى محاولة فهم الواقع كما هو، من اجل تنظيمه او صياغة مسارات بديلة، هي ثمرة للاختراق الكبير الذي حققه مكيافيلي، رغم ما تحمله من عنت من جراء وصفه لواقع السياسة وتقريبها الى اذهان الناس.
عكاظ 14/ مارس/2007  العدد : 2096 

الثلاثاء، 23 يناير 2007

كي نخرج من علاقة الارتياب


 انعقاد المجلس النيابي هو الخطوة الاولى الضرورية لمأسسة وترسيخ العملية الديمقراطية. لكنه بكل تأكيد ليس خلاصة التحول الديمقراطي، لا سيما في الديمقراطيات الجديدة والناشئة. وكما في تجربة البحرين والكثير من التجارب المماثلة في دول عربية ونامية أخرى، فان انجاز هذه الخطوة يتحقق بعد الكثير من الصعوبات والمماحكات، هي وسيلة كل طرف من اطراف المجتمع السياسي لتحقيق مراداته وتطلعاته من دون تقديم ما يقابلها من تنازلات

من هذه الزاوية فهي تشبه الى حد كبير صفقة ضخمة يجريها تجار في السوق، يحاول كل منهم الحصول على اكبر قدر من المكاسب مقابل اقل قدر من الالتزامات. ونعلم ان افضل الصفقات هي تلك التي يحصل التاجر من ورائها على الغنيمة كلها من دون غرم.

لكننا نعلم ايضا ان هذه الصفقة مستحيلة، بل انها لا تجري في الواقع ابدا. يمكن بطبيعة الحال لرجل قوي ان يستعمل قوته في فرض ما يريد فيحصل عليه لأن الاخرين يهابون قهره او يخشون سطوته. لكن هذا لا يسمى توافقا، نحن لا نتحدث عن حالات مثل هذه، لان الديمقراطية هي في الجوهر عملية مساومة وغرضها التوصل الى عمل يقوم على التفاهم والتوافق، وهذا يتطلب تنازلا من كل طرف عن بعض ما يريد كي يحصل على غيره. واذا لم يقبل اي طرف بالتنازل عن شيء فلن تحصل صفقة. واذا لم تحصل صفقة فلن تكون ديمقراطية بل حكم جبري يقوم على الاستبداد والاستعباد، او فشل كلي يقود الى الاعتزال والتباعد والانقسام.

قبل قرن ونصف تقريبا وضع الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو قاعدة بسيطة توضح اهمية التوافق في الحياة السياسية. هذه القاعدة نسميها اليوم »الشرعية السياسية«. كل عمل انساني ينبغي ان يستند الى مبرر صحيح او مقبول عند العقلاء والا عد عبثا. في هذا السياق فان العمل السياسي ينبغي ان يستند الى قاعدة »الشرعية السياسية« والا عد باطلا او غير عقلائي.

التوافق ضروري للسياسة لانه يوفر شرعية العمل السياسي، وحسب تعبير روسو فان »الاقوى ليس قويا تماما حتى يتقبل الاخرون سلطته باعتبارها حقا وطاعتهم اياه كواجب«. من المفهوم ان هذا الزمان لم يترك فرصة لأحد كي يملي على الناس قناعاتهم او يفرض عليهم الطريقة التي يفكرون بها ويصنعون اراءهم. الطريقة الوحيدة للحصول على تأييد الغير هو الاقناع او التوافق. وكلا الامرين مستحيل من دون مساومة تنطوي على تنازلات.

يجب ان لا ننكر حقيقة ان تأخير الديمقراطية في بلادنا قد تسبب في تعميق الانقسامات الاجتماعية والسياسية، واثمر عن تحويل التنوع الطبيعي في الثقافات والمصالح والهموم الى مطبخ يغذي التنافر والارتياب. والارتياب هو مكمن المرض في التجربة الديمقراطية، ولا سيما في بداياتها.

ينبغي ان لا نتوهم بان جلسة او اثنتين او اكثر سوف تنهي حالة الارتياب، مهما بالغنا في كشف الاوراق والتصارح. فالريبة من الجينات الوراثية الاساسية في السياسة، كل سياسة بلا استثناء، ولهذا قال علماء السياسة بان العلاقة بين الحكومة والمعارضة، محكومة اساسا بالشك وليس بالثقة، بل ان العلاقة بين اطراف الحكومة نفسها، سواء بين السلطات الثلاث، او بين مراتب البيروقراطية المختلفة لا تخلو من قدر من الشك، يزيد او ينقص بحسب درجة التفاهم واختلاف الظروف والاحوال.
ما ينبغي السعي اليه اذن ليس التناغم القلبي والانسجام الكامل، فهو ليس من الامور الضرورية في السياسة.

ما نحتاجه على وجه التحديد هو درجة متقدمة من التفاهم والتوافق على الخطوط الاساسية للسياسة، اي قبول كل من اطراف اللعبة الديمقراطية ببعض مرادات الآخرين كي نتوصل الى صفقة تحقق حدا وسطا بين توازنات القوى الواقعية وحاجات المجتمع السياسي. هذا التوافق يتطلب انفتاحا متبادلا كما يتطلب وضع اوراق اللعبة جميعها فوق الطاولة وليس تحتها، اي جعل السياسة المشتركة شفافة ومكشوفة لجميع اطرافها.

نفهم ان كشف اوراق السياسة ليس من التقاليد الراسخة في مجتمعنا العربي، ونفهم ان التكتم هو صفة ملازمة للعمل السياسي في المجتمعات التقليدية، ولهذا فان دعوتنا هذه لا ترمي الى القفز على الواقع القائم او انكاره، بل التأكيد على الحاجة الى علاج تدريجي يقوم على تفهم كل طرف من اطراف العملية الديمقراطية لحاجات الآخر، كمقدمة لا بد منها للتوصل الى توافقات على السياسة المشتركة التي تحظى بالمشروعية ودعم الجميع.

ليس من الصحيح مطالبة طرف واحد بتقديم تنازلات كاملة دون مقابل، وليس من الصحيح دعوته للانقلاع الفوري من تقاليد مترسخة، بل ان مثل هذه المطالبات قد تعزز الارتياب الذي نطمح الى الخلاص منه. الصحيح في اعتقادنا هو الاقرار بالمشكلة والعمل على تفكيكها تدريجيا، خطوة مقابل خطوة، وتنازلا مقابل تنازل. من نافل القول ان الوصول الى حياة ديمقراطية كاملة ليس قرارا ينفذ بين يوم وليلة، بل عملية طويلة يحتاج اولها الى قرار، لكنها في جميع المراحل تحتاج الى عزم كما تحتاج الى صبر.
صحيفة الأيام البحرينية      23 / 1 / 2007م

السبت، 15 مايو 2004

بعض التمثيل .. قد ينفع


عندما اقيم مجلس الشورى جادل قانونيون بان القاعدة الدستورية التي قام في اطارها لا تعطيه صفة تمثيل الارادة العامة . وجرت العادة بين اعضاء المجلس وسواهم على لفت الانظار الى الكفاءة العلمية التي يتمتع بها الاعضاء . والحق ان الجدل حول هذه الثنائية قديم وقد ورد في نقاشات قدامى الاسلاميين حول صفات اهل الحل والعقد.

يتعلق النقاش بمسألة تندر الاشارة اليها رغم اهميتها سيما في ابحاث الفقه الاوربي . تفترض هذه المسألة ان هناك دائما هوة واسعة بين مطالب الجمهور اللا متناهية ، والموارد المتاحة لدى الدولة ، وهي – مهما عظمت - محدودة من حيث الحجم والزمن. ولهذا قال بعض المفكرين – ديفيد ايستون مثلا – بان عمل الحكومة في جوهره هو اختيار وجدولة المطالب الشعبية . وتفترض هذه الفكرة ان مهمة جهاز الدولة هي وضع اولويات بالمطالب العامة التي سيجرى تخصيص الموارد اللازمة لتنفيذها ، وتلك التي ستؤجل او تترك . السؤال اذن : ما هو المعيار المتبع في تقرير هذه الاولويات؟.

- ما نقل الينا من التراث يربط هذا الحق بالعلم ، فالعالم هو صاحب الحق في اختيار المطالب العامة القابلة للتنفيذ او التاجيل . خلافا لهذا فان علم السياسة المعاصر يحيل هذا الحق الى الارادة العامة ، فالمطالب التي تحظى بالاولوية هي تلك التي تعبر عن رغبة عامة عند اكثرية المواطنين .

في هذا الزمن فان الحاجة الى اعتبار رغبة العامة لا تستند فقط الى الاساس النظري – وهو قابل للمجادلة على اي حال - ، بل الى الضرورة الملحة لتحقيق "رضا العامة" التي يوردها قدامى الاسلاميين كواحد من الادلة الكبرى على وجوب الشورى . رضا العامة هو الضمان الاكبر للسلام الاجتماعي وهو الوسيلة التي لا غنى عنها لتمكين الدولة من العمل بصورة سلسة وفعالة في ظل تعاون الجميع وتعاطفهم . ويقدم نموذج التكافؤ بين المطالب والاستجابة ، او الادخال - الاخراج الذي اقترحه ايستون ، تصويرا ذكيا للكيفية التي يمكن للدولة من خلالها تعزيز مشروعيتها حتى في ظروف الازمة . وهو يميل – كما يبدو – الى اعتبار المشروعية المتحققة من خلال هذا التفاعل اكثر فائدة وعلاقة بالسياسة اليومية من تلك المستمدة من القواعد الدستورية المؤسسة للنظام السياسي.

يبدو – حسب التصوير الرسمي على الاقل – ان تاسيس مجلس الشورى على القاعدة الاولى ، اي العلم ، يستهدف التشديد على اعتبار المعيار العلمي اساسا للحق في اختيار المطالب العامة القابلة للتنفيذ. ترى هل يمكن لهذا النوع من الترتيب ان يؤمن رضا العامة ؟. او لنقل : هل ثمة وسيلة لجعل هذا الغرض ، اي رضا العامة ،  قابلا للتحقيق في ظل الترتيبات الحالية للمجلس ؟.

في ظني ان التحرك خطوات نحو فكرة " تمثيل الارادة العامة " قد يكون مفيدا في هذا الجانب . والاقتراح المحدد هنا هو التخلي عن الفكرة القديمة التي تعتبر عضوية المجلس شأن مستقلا عن الانتماء الاجتماعي للعضو . واستبدالها باعتبار كل عضو ممثلا للمكان الجغرافي-الاجتماعي (القرية ، المدينة .. الخ ) الذي ينتمي اليه في الاصل . هذا التمثيل يمكن ان يتحقق عن طريق فتح قنوات تواصل منظمة بين العضو وبين تلك الشريحة من المواطنين لكي يستقبل مطالبهم وشكاواهم ، ويقوم – نيابة عنهم - بايصالها الى الجهات الرسمية او يعرضها في المجلس ، كما يفعل البرلمانيون في دول العالم الاخرى. في هذه الحالة سيكون المجلس بمثابة محامي الشعب اذا صح التعبير . واظن ان مثل هذا الدور سيسهم بدرجة كبيرة في توفير الغرض المشار اليه ، اي تحقيق رضا العامة . وهو الى ذلك خطوة في طريق بلورة الارادة العامة وتجسيدها .

15 مايو 2004

المساواة بين الخلق ... المساواة في ماذا ؟

هذا المقال موجه لأولئك الذين يعارضون المساواة بين المواطنين ، والمساواة بين الرجال والنساء. وهو يستهدف توضيح موضوع النقاش وتفصيح اسئلته. ...