‏إظهار الرسائل ذات التسميات توفيق السيف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات توفيق السيف. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 1 مايو 2012

نجران التي رايت


28-30 ابريل 2012

بعض الناس ، بعض المدن ، تدانيها كي تتعرف اليها ثم تحبها. اناس اخرون ، مدن اخرى ، تقتحمك دون مقدمات . تفرض عليك محبتها مهما كنت متحفظا . نجران هي واحدة من هذه المدن. 
تجولت على اطراف الصحراء وبين الجبال في وادي نجران ، بين نجران القديمة ، وسوقها المعروفة بسوق السلاح ، وبين حواريها واحيائها القديمة والجديدة بحثا عن روح هذه المدينة التي طالما سمعت عن اشياء واشياء تميزها عن غيرها. شعرت وانا اسير في الوادي السحيق بما تنطوي عليه من روح جامحة وجمال قلق متفرد ، يستحيل ان تمسكه ويصعب ان تدركه دون ان تراه بعقلك قبل عينيك.
جمال نجران ليس في جبالها وشجرها وافقها المفتوح على الصحراء. بل في ناسها الذين يتواضعون كما لو كانوا ترابا من هذا التراب  ويشمخون كما لو انهم جزءا حيا من جبالهم. البشر في نجران يشبهون ترابهم وتراب نجران يشبه انسانها.  
تمشي في الوديان ، تتسلق الجبل ، او توغل شيئا في اطراف الربع الخالي الممتدة الى اخر الافق ، تراب وحجر وشجر، شجر وحجر وتراب . لكنك تشعر في اعماقك ان الذي امامك ليس مجرد امتدادات ارض . تشعر بروح الانسان في كل خطوة ، وتحت كل شجرة وصخرة. هذه مدينة تضج بالحياة ، ترابها مثل صخورها ، وشجرها مثل بشرها ، اغنية حية تصعد حينا وتهبط حينا ، فصل يتبع فصلا ، وترنيمة تميز اخرى. 
تساءلت وانا اخرج من نفق ضيق وسط الجبل: هل يحتمل ان تكون الاشباح الاسطورية حقيقة ، هل يمكن ان تكون هي التي تشعرني بالحياة في الصخور؟
لا اؤمن بالاشباح ولا بالعوالم المتداخلة . لكني شعرت اكثر من مرة بان اكوام الصخر والتراب تلك ، وان الاشجار الحية واليابسة هناك ، لم تكن مجرد اشياء غادرتها الروح. مثل هذا الجمال لا يمكن ان يكون بلا روح . نجران ليست مجرد مدينة . انها للحق اسطورة تجلت على شكل مدينة.



الثلاثاء، 16 نوفمبر 2010

قراءة في كتاب "حدود الديمقراطية الدينية"


بقلم : أنس زاهد
من أجمل وأهم الكتب التي وقعت بين يدي مؤخرًا، كتاب (حدود الديمقراطية الدينية) للباحث والمفكر السياسي السعودي الدكتور توفيق السيف. الكتاب عبارة عن بحث مطول وتفصيلي لمسألة الحداثة ومسيرتها في إيران منذ العهد الشاهنشاهي وحتى الآن. 
وتكمن أهمية الكتاب ليس فقط في كون البلد موضوع البحث هو أحد أكبر البلاد الإسلامية، ولكن لأن مسيرة الحداثة والتنمية بطبيعتها تتعرض لنفس العقبات، وتواجه ذات الصعوبات، لدى معظم البلاد الإسلامية. 
الكتاب تطرق بالبحث لمسيرة الحداثة في عهد الشاه، وناقش أسباب فشلها، ثم تعرض لمرحلة صعود الفكر الثوري التي جاءت كنتيجة لمحاولات التجديد الديني.
وفي هذا الشق بالتحديد بذل الباحث مجهودًا كبيرًا للوصول إلى الجذور التاريخية للفكر التجديدي، وهو ما يتضح بجلاء من خلال مئات المصادر التي اعتمد عليها المؤلف لتوثيق بحثه. 
الكتاب لم يكتفِ بذلك، بل قام عبر باقي فصوله برصد مسيرة الحداثة التي راوحت بين التقدم والتراجع، بعد نجاح الثورة واستلامها مقاليد الحكم. ولأن الهدف من وراء تأليف الكتاب لم يكن يتعلق بالرصد والتوثيق لمرحلة تاريخية معينة، فقد ناقش الباحث أسباب النجاحات التي وصلت إليها التجربة والعثرات التي عرقلتها، وأخّرت مسيرتها وأوصلتها في بعض الأحيان إلى مرحلة هي أشبه بالنكوص منها بالفشل. 
وللوقوف على حقيقة الأسباب المختلفة التي أدت إلى تحقيق النجاحات وظهور الإخفاقات، قام المؤلف بدراسة عميقة لفكر التيارات الفاعلة على الساحة، وركز على استجلاء مواطن الاختلاف العميق في فكر كل تيار من هذه التيارات مع التيارات الأخرى. 

الباحث استخدم مصطلحي (المحافظون)، و(الإصلاحيون) للإشارة إلى التيارين السائدين في إيران اليوم. 
وهو مصطلح معروف عالميًّا، لكن الباحث وضع يده على الفروق الأيديولوجية واختلاف المرجعيات والمنطلقات الفكرية لكل فريق، ولم يكتفِ كما يفعل معظم المهتمين بالشأن الإيراني، بإظهار الفروق على مستوى الطرح والأداء السياسي لكلا الفريقين. أمّا أسلوب التناول فقد تميّز بصبغة أكاديمية واضحة، والمهم فعلاً أن الطرح الأكاديمي لم يحل بين الكاتب وبين التدفق في طرح أفكاره التي اتسمت بالحيوية والخصوبة. 
(
حدود الديمقراطية الدينية) كتاب يستحق أن يُقرأ أكثر من مرة.
جريدة المدينة     16/11/2010

الأحد، 1 نوفمبر 2009

حدود الديمقراطية الدينية - عرض كتاب

عرض كتاب
 حدود الديمقراطية الدينية: دراسة في تجربة إيران منذ ١٩٧٩
تأليف : توفيق السيف
عدد الصفحات: ٤٠٧
الطبعة: الأولى/ ٢٠٠٨
تشرين الثاني  2009
 شغلت إشكالية العلاقة بين الظاهرة الدينية والظاهرة السياسية أذهان المفكرين على مدار تطور الفكر  السياسي. ومن أهم تجليات هذه الإشكالية في العصر الحديث علاقة الدين أو الإسلام تحديدا بالديمقراطية، وما يرتبط بها أو يتفرع عنها من إشكاليات فرعية نظرية وتطبيقية، والتي لا يكاد الجدل يخمد بشأنها حتى يثور من جديد.
وفي العقود الأخيرة، ولاسيما بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١ ، احتدمت المناظرة حول مدى الانسجام والتنافر بين الإسلام والديمقراطية، وافترق المتناظرون إلى عدة تيارات. فهناك من يقطع بالتناقض المتأصل بين الإسلام والديمقراطية؛ كون الأول يمثل عقبة كؤودا أمام القيم والممارسة الديمقراطية. وثمة من يبشر  بديمقراطية الإسلام؛ على أساس أن جوهر الديمقراطية من صميم الشريعة الإسلامية، وأن ادعاء التنافي بينهما خطيئة. أما التيار الثالث، فيركز على البعد الإجرائي للديمقراطية ويعطيها الأولوية على باقي الأبعاد الفكرية، ويحاجج تبعا لذلك أن التقاليد السياسية الديمقراطية ليست غريبة عن التاريخ السياسي الإسلامي.
وأخيرا، هناك من يجادل أن في الإسلام ديمقراطية خاصة؛ تخالف غيرها في نشأتها ومرجعيتها وغايتها ونطاقها...إلخ.
ومن هنا تنبع أهمية الكتاب الذي بين أيدينا، والذي يبحث في إمكانية تطوير نموذج مختلف للعلاقة بين الدين والدولة الحديثة يعزز المشاركة السياسية، أو تصميم "نموذج ديمقراطي محلي" قادر على التفاعل مع الهوية والقيم الدينية للمجتمعات الإسلامية. ومن النظرية إلى التطبيق، يستقرئ مؤلفه الدكتور توفيق السيف- الباحث والكاتب المتخصص في العلوم السياسية والفقه الشيعي- تجربة إيران بعد الثورة، وبصفة خاصة التجربة الاصلاحية (1997-2004)، التي شهدت اشتغالا جزئيا أو كليا للدين في الحياة السياسية والاجتماعية، لاختبار فرضياته.
وليس ثمة أفضل من هذا التوقيت لمراجعة كتاب حول حدود الديمقراطية الدينية في إيران؛ فالانتخابات الرئاسية الإيرانية (يونيو ٢٠٠٩ ) على بعد أسابيع عدة، حيث يتصاعد التنافس والصراع بين المحافظين،    وعلى رأسهم الرئيس أحمدي نجاد، والإصلاحيين، ويمثلهم رئيس الوزراء الأسبق مير حسين موسوي، لكسب أصوات الناخبين، وينخرطون في نفس المناظرات المسطرة على صفحات هذا الكتاب. كما أن تجربة إيران توفر للقارئ فهما أفضل لإمكانات عملية التحول الديمقراطي في الدول الإسلامية وصعوباتها وحدودها، وفرصة فريدة لمراقبة تطبيقات الإسلام السياسي واختبارها.
وقبل الولوج في أغوار التجربة الإيرانية، يقدم د. السيف تحليلا لتطور إشكالية السلطة في الفكر السياسي الشيعي منذ القرن الثامن حتى المرحلة المعاصرة. ثم يناقش دور آية الله الخميني في تجسير الفجوة بين التشيع التاريخي والفكر السياسي المعاصر، وذلك بفضل التعديلات التي أدخلها على المعتقدات الشيعية الخاصة بالإمامة والسلطة، والصيغة التي قدمها للتوفيق بين مصدري الشرعية السياسية الديني والشعبي، والولاية العامة للفقيه في نظام جمهوري.
بعد ذلك، يدلف الكاتب إلى مناقشة التحولات في البنية الاجتماعية في إيران، وانعكاساتها على الخطاب الديني. ومن ثم، ينشغل بقراءة أبعاد التغير في الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية في السنوات التي أعقبت قيام الجمهورية الإسلامية، وتأثيرها في الثقافة السياسية والتنظيم الاجتماعي والمفاهيم الناظمة للعلاقة بين الدولة والمجتمع.
وفي فصلين متتابعين، يُقدم د. السيف صورة مقارنة عن أيديولوجية التيار الديني المحافظ ونظيرتها الإصلاحية، ويعرض لأبعاد التباينات الحادة بينهما، ولاسيما فيما يتعلق بمفاهيم الجمهورية، ومصدر الشرعية السياسية، ودور الشعب، وسيادة القانون، وعلاقة الدين بالدولة، ونموذج التنمية الأفضل ، وغيرها. كما يناقش الأطر المرجعية التي يستند إليها كل من التيارين المحافظ والإصلاحي في أطروحاته، وكذلك التفسيرات الجديدة التي يعرضها الإصلاحيون للعلمانية. يتلو ذلك عرض للأحزاب الرئيسة الفاعلة في إيران؛ بغرض استقراء واقع القوى السياسية التي تدعم كلا من الخطاب المحافظ ونظيره الإصلاحي، ومدى فاعليتها في استمرار زخمه. ويختتم الكاتب مناقشته بتحليل ظاهرة المحافظين الجدد في السياسة الإيرانية، وتفسيرها تفسيرا بنيويا.
في محاولته تطوير نموذج ديمقراطي محلي أو إسلامي، أثبت د. السيف صحة الفرضية المتعلقة بقابلية القيم وقواعد العمل الدينية، ولاسيما المتعلقة منها بالشأن العام، للتكيف مع متطلبات الحياة المتغيرة. فضلا على ذلك، اتضح من دراسة خبرة المجتمع الشيعي أن انفتاح الفكر الديني على التطورات السياسية، أو انغلاقه دونها، ارتبط دائما بدرجة انخراط المجتمع في السياسة. لكن الأهم، يجادل السيف، هو أن انخراط الدين في العملية السياسية يمثل عاملا حاسما في تطور الفكر السياسي الديني؛ بمعنى أن هذا الانخراط من شأنه أن يجعل الفكر الديني أكثر تقبلا لضرورات الدولة الحديثة ومتطلباتها، الأمر الذي سيقود، بالضرورة، إلى تخليه  عن المفاهيم التي ظهرت أو تطورت في ظل الدولة ما قبل الحديثة، وبقيت جزءا من التراث الديني حتى اليوم. أما اتجاه هذا التطور (دعم الديمقراطية أو تسويغ الاستبداد)، فإنه يتحدد في ضوء عوامل أخرى، ولاسيما توازنات القوة في البيئة الاجتماعية، الثقافة السياسية السائدة، إضافة إلى الاتجاه العام في النظام الدولي بالنسبة لعملية التحول الديمقراطي.
في هذا الخصوص، أكدت الخبرة الإيرانية، كما يبرهن الكاتب، أن الدين يمكن أن يلعب دورا محوريا في تشكيل إجماع وطني على النظام السياسي، وتجسير الهوة التي تفصل المجتمع عن الدولة، وبالتالي تشجيع مشاركة المواطنين في الحياة العامة. ومن ثم، فإن العلمانية، برأي د. السيف، ليست جوابا مفيدا لمشكلة العلاقة بين الدين والديمقراطية، ولن تكون عاملا مساعدا على التحول الديمقراطي في إيران، بل قد تعوق ظهور ثقافة سياسية محلية جديدة قادرة على تسويغ المشاركة الشعبية.
يُقسم الكاتب مسار المصالحة بين الإسلام والديمقراطية في الخبرة الإيرانية إلى مرحلتين: المرحلة الأولى التي أعقبت انتصار الثورة، واستهدفت في المقام الأول إدماج الدين في مؤسسة الدولة، وإلغاء التباين بين الاثنين. وقد أثمر ذلك فتح الطريق أمام تعديل مواز في الأحكام وقواعد العمل الخاصة بكل من الدين والدولة؛ لجهة إزالة التعارضات وتسهيل استجابة كل من الطرفين لضرورات الآخر. واستهدفت المرحلة الثانية، أو مرحلة ما بعد الخميني، مصالحة الدين مع الديمقراطية، من خلال تعديلات واسعة في المفاهيم الدينية المتعلقة بدور الشعب وحاكمية القانون من جهة، وتعديل مفهوم الدولة المركزية من جهة ثانية.
يرى د. السيف أن صعود التيار الإصلاحي كان ثمرة فشل النموذج الثوري-التقليدي في التعامل مع التغيرات الجذرية التي شهدتها إيران والعالم، في تسعينيات القرن المنصرم؛ لدرجة أن هناك من وصف انتصار محمد خاتمي في انتخابات ١٩٩٧ الرئاسية بأنه ثورة ثانية. ومن خلال الفحص الموضوعي لتجربة الإصلاحيين في الحكم وأيديولوجيتهم، يلخص الكاتب خصائص الخطاب الإصلاحي بأنه خطاب يجمع بين الأساس الديني والمفاهيم الديمقراطية-الليبرالية واقتصاد السوق الحر، ويتبنى عددا من المعالجات النظرية التي تمثل اختراقات في جدل الدين-الحداثة، وتتعلق بمسائل جوهرية مثل الطبيعة الدينية للدولة، ومصدر السلطة والسيادة، ودور الشعب وغيرها. وقد عالج المفكرون الإصلاحيون هذه المسائل من منطلقات دينية أصيلة، لكن تفسيراتهم الجديدة مكنتهم من التوصل إلى صياغات قريبة جدا من تلك المعروفة في الأدبيات السياسية الحديثة.
يستنتج الكاتب أنه في حين فشل التيار الإصلاحي في إحداث تغيير كبير في بنية السلطة أو المحافظة على دوره السياسي، فقد نجح في تغيير البيئة السياسية في إيران، وإرساء حزمة مهمة من الإصلاحات في البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبصفة خاصة في علاقة الدولة بالمجتمع. ولا شك في أنها، ضمن هذه الحدود على الأقل، يزعم الكاتب، جعلت إيران أقرب إلى الديمقراطية مما كانت عليه قبل عشر سنوات.
بعبارة أخرى، تمثل تجربة الإصلاحيين الفكرية والسياسية نموذجا يثير الاهتمام في تجسير الفجوة بين الدين والديمقراطية، ويقدم مفكرو هذا التيار حلولا جديدة للكثير من المسائل التي ما زالت تثير الجدل في الشرق الأوسط حول إمكان التوصل إلى نموذج ديمقراطي محلي.
يستحق د. السيف الإشادة على تحليله لظاهرة المحافظين الجدد، وهم جيل جديد من المحافظين (تحالف التنمية "آباد كران")، يتمثل في الرئيس احمدي نجاد ومعاونيه؛ فهو موضوع لم ينل حقه من اهتمام الباحثين في المناظرة الدولية الراهنة حول الوضع الإيراني. وينطوي هذا التطور، في رأي الكاتب، على تحول هيكلي في النخبة السياسية الإيرانية، المحافظة بخاصة، يتجسد في انتقال السلطة الروحية، وتبعا السياسية، من كبار الروحانيين والجيل التقليدي بشكل عام، إلى جيل جديد ينتمي إلى الطبقة الوسطى الحديثة، ويتكون أساسا من الشباب والتكنوقراط. أما دلالات صعود المحافظين الجدد، فيشير الكاتب إلى تزايد الاتجاه نحو التشدد في إيران، وتمكن مرشد الجمهورية من استكمال سيطرته على خيوط السلطة (حيث يقف شخصيا وراء هذا التحول)، وتصاعد دور العسكريين في العملية السياسية.
ينحو خطاب النخبة المحافظة الجديدة، كما يشرح الكاتب، منحى تقليديا في الأمور المتعلقة بالدين والممارسة السياسية، ويتخذ في الوقت نفسه مسلكا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا يميل إلى تدخل الدولة في شؤون المجتمع، ويحبذ، بصفة خاصة، النموذج الصيني في التنمية من دون أن يكون جاهزا تماما للتعامل مع متطلباته وتحدياته، ويميل إلى تشديد الانقسام في الساحة الداخلية. وينظم التصور الخارجي للمحافظين الجدد مبدأ "أمة قوية تفرض احترامها"، لكنه في التطبيق العملي أفضى إلى وضع يقترب من العزلة الدولية.
ويخلص الكاتب إلى أن سياسات الرئيس نجاد أثمرت عددا من النتائج السلبية اقتصاديا وسياسيا، داخليا وخارجيا.
وبعد، فإن الكتاب يقدم مساهمة معتبرة إلى المناظرة الراهنة حول العلاقة بين الإسلام والديمقراطية في النظرية
 والتطبيق. في هذا المجال، يستخلص الكاتب أن تطور الفكر السياسي الشيعي في الخبرة الإيرانية بعد الثورة يشير إلى أن قيام نظام ديمقراطي على أرضية دينية هو احتمال واقعي وقابل للتحقيق. ويمكن لمثل هذا النموذج أن يوفر بديلا عمليا للمحاولات المتعثرة للتحول الديمقراطي في العديد من المجتمعات الإسلامية، ولاسيما تلك التي يرتبط تعثرها بالعجز عن ترسيخ الديمقراطية في الثقافة المحلية، واستنهاض المواطنين للمشاركة في التغيير.
كما يوفر هذا التحليل نافذة جديدة تطل بنا على الفكر السياسي الشيعي، والمسائل الكبرى التي انشغل بها مفكروه، مثل الإمامة أو الخلافة، والشورى، والسلطة، سواء من حيث مصدرها وطبيعتها ووظائفها، أو من حيث شرعيتها وحدودها، ومن ثم العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
علاوة على ذلك، يتميز الكتاب بمصادره الغنية العديدة والمتنوعة بين مصادر أولية وأخرى ثانوية وبحوث ميدانية. وقد وظف الدكتور توفيق السيف إطارا نظريا ملائما، استقاه من عدة نظريات سوسيولوجية (ماكس فيبر، ألموند  ، كون ، وجون رولز) لتفسير العلاقة بين الدولة والمجتمع، وفهم مدى التغيير الممكن في الفكر الديني كنتيجة لانخراط الدين في السياسة. كما استفاد من نظريات الثقافة السياسية لتفسير الحراك الديمقراطي في إيران. وعلى الرغم من بعض الهنات هنا وهناك، وبصفة خاصة ما يبدو أنه بعض التحيز ضد المحافظين، فإننا بصدد تحليل متميز ومبتكر لعلاقة الدين بالسياسة، ولمفهوم الديمقراطية الدينية أو الثيوقراطية وحدوده، وللخبرة الإيرانية بعد الثورة، وهو يشكل إضافة للمكتبة العربية.

السبت، 24 فبراير 2007

الحداثة باعتبارها حاجة دينيّة وواجباً أخلاقياً "عرض لكتاب الحداثة كحاجة دينية"



بقلم  علي ال طالب
ليس ثمّة أدنى شكّ بأن الأبحاث والدراسات التي جعلت من الثنائيّات «حقيقة المعرفة ومعرفة الحقيقة / الثابت والمتحوّل / الدين وفهم الدين... أغلبها – إن لم يكن كلها – ترنو إلى أهداف تقترب من الواقع كنظام حياة وتطوّر بغض النظر عن ماهوياتها الأيديولوجية والنظامية، والدكتور توفيق السيّف من خلال هذا الكتاب «الحداثة كحاجة دينية» «الدار العربية للعلوم، ناشرون، مركز آفاق للدراسات والأبحاث، 2006»، أراد أن يجعل من الإنسان محوراً مهماً في عملية البحث عن نظم التقدم وفق معايير مدروسة تنتظم وحداثات الواقع «اللحظي» من دون أن يغيب عن ذهنه مدى تجاذب العلاقة بين «النص وفهم النص» وبين «الدين وفهم الدين» أو بين الإسلام والعلمانيّة أو العولمة والهوية... أو أن تهرب منه العادات والتقاليد والتطوّر الاجتماعي بين الأمس واليوم، وبين الأصيل والحديث. إذ يدفع الأمور باتجاه صياغة جديدة تتغذّى على الواقع المتغيّر وتضع الإنسان وعقله ووجدانه في محور مهمّ من هذه العملية الإنتاجية، وكما يبدو هذا هو الرهان المرجو من الباحث والكاتب.

ومن اللافت اعتماده على توصيل الأفكار بطريقة سهلة وطيّعة فضلاً عن الأسلوب الحواري الذي أضفى حالة من التشويق والتجاذب، عبر ضخّ أكبر كمية من الأسئلة التي اقتضت صناعة حوار بين اثنين «الكاتب وصاحبه» في عملية أشبه ما تُوصف بالماراثون الفكري، وهو بذلك يعكس حالة المونولوج بينه وبين ذاته، وبينه والواقع من جهة أخرى.

«أقول إنها مرافعة وليست بحثاً علمياً، فهي سلسلة من التساؤلات يتلو كل منها ما يشبه الجواب، لكنه جواب موقت، إذ لا يلبث أن يثير سؤالاً آخر يتلوه جواب أوّلي وهكذا. فالغرض إذن ليس تقديم أجوبة نهائية»ّ هكذا جاءت صناعة الأفكار وتسلسلها الدرامي عبر المثير من التساؤلات حتى لو لم يكن ثمّة نهاية جلية جراء هذا العصف الذهني الهائل والتي دار رحاها حول محور الثنائية «التقدم والتخلّف» وهو سؤال تصدّر مقدمة الكتاب «كيف ينهض المسلمون من سباتهم المزمن، وكيف يعودون إلى قطار الحضارة بعدما نزلوا أو أُنزلوا منه»؟ وعلى رغم نزعة السؤال التقليدية إلا أن تدافع الإجابات تلو الأخرى أكسب هذه المرافعة – بحسب قوله – حالة بعث جديدة للتراكم الفكري ازاء اجابات متعددة الجوانب والأبعاد ساهم في شكل أو آخر في سدّ مناطق الفراغ اثر التصدّع المستمر والمتلاحق في جدار الأمّة الإسلامية والعربية.

لقد صرف الذين كتبوا أو تحدثوا في هذه المسألة جل جهدهم لعلاج هاتين الإشكاليتين: دور الدين في النهوض الحضاري، والعلاقة مع الغرب... إذ يحدد السيّف، مدى تجاذب العلاقة بين الدين والنهضة من جهة، والارتباك بالقوة والاستطاعة من جهة أخرى، وهذا ما يظل محل جدل في الأوساط الفكرية ما برح المفكرون يجترّونه مع كل الحوادث الواقعة المتولدة عن تلاحق الواقع باطراد، ويبقى الجدل سارٍ حتى يتمكن المسلمون من لحاق قطار التطوّر والنهضة.

وعلى رغم الجهد المبذول في هذا الصدد سواء من جانب الباحثين الغرب أو من الإسلاميين، فإنها «لم تنجح في تقديم حل عملي لمشكلة النهضة في العالم الثالث، كما لم تنجح في تقديم اطار قابل للتفعيل للعلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي» نظراً لاختلاف المنطلقات والأهداف ما بين الجهتين إلا أن ذلك لا يلغي مدى حاجة أحدهما للآخر، فالغرب لا يخفي براغماتيته من خلال هذه العلاقة، كما أن المسلمين تحكمهم الايديولوجيا التي تدفع باتجاه «الإصرار على فكرة الأصالة لم يؤد أبداً إلى توضيح طبيعتها أو مكانها من مشروع النهضة على رغم الجهد الذي بذله كثيرون في هذا السبيل. بل انّ التأكيد على هذا المعنى تحوّل فعلياً إلى إعادة إنتاج فكرة الأصالة في معنى المحافظة على التقاليد والبحث عن حلول لمشكلات العصر في التراث، بدل أن تخدم – كما هو مفترض – معنى المعاصرة، أي إنتاج الفكر والثقافة الإسلامية وفق حاجات العصر وحقائقه وما استجد فيه».

إذ يُثير الكاتب مدى الحاجة الحقيقية إلى هذا التراث، فالمسلمون لديهم خصوصية في علاقتهم بتراثهم مغايرة لما هو عليه سائر الأمم مع تراثها، حيث يظل المسلمون على صلة وثيقة به – والكلام للدكتور السيّف – على رغم ان معظمه قد مات بشخوصه ورموزه وأسئلته والأجوبة التي يقدّمها. «ولقد أصبحنا بسبب هذه العلاقة المعقدة مع التراث مثل حرّاس المتاحف أو المقابر الذين يعتمدون في معيشتهم على مرافقة الأموات أو تركه الأموات من متاع».

  الدين والنهضة
بهذا الاتساق أسس لمعايير جلية ترمي لإحداث الفرق بين «الدين والتراث» إلا أنه لم يكن داعياً للفصل بينهما بقدر ما كان يدفع باتجاه التراث الجيّد بحسب تعبيره وهو «التراث الذي نسخّره وليس الذي يسخّرنا، التراث الجيد هو المعلم الذي يساعدنا على تجاوزه وليس الذي يبقينا أسرى لحدوده» وبذلك جعل من هذا التلازم المقنن بين الدين والتراث منطلقاً إلى علاقة تمتاز بالديناميكية وهي علاقة الدين والنهضة، والجدل الدائر في أيهما يقود الآخر!؟ وبصياغة أخرى: أيهما يسبق الآخر!؟ فمعظم الأبحاث والدراسات التي تناولت سؤال النهضة والتقدّم في شكل مباشر كان محورها مدى التجاذب أو التنافر بينهما، فإن كان الدكتور محمد أركون قد انطلق من السؤال عن امكان انسجام الإسلام والحداثة أو تطوير العالم الإسلامي لحداثة خاصة به سؤالاً مشروعاً وممكناً إلا أن الدكتور السيّف يقف موقفاً مختلفاً، إذ يعتقد بأن الربط بين الدين والنهضة فيه تكلّف غير مستساغ. ويرى بأنه لا رابط موضوعياً بين الاثنين، مع الاعتبار بماهوية مفهوم الحداثة «النهضة» ما بين الطرفين.

ومن هذه الناشئة يؤسّس الدكتور السيّف من خلالها بألاّ ضرورة مع قيام الحضارة بتلازمها مع الدين وأن واقع الحياة يثبت ذلك، هذا لا يعني بأن الدين بصيغه الأصلية قد فشل طيلة التجارب التاريخية في عملية النهوض الحضاري بقدر ما يكون المقصد الفهم المتغاير لهذا الدين، بكلام آخر انّ التديّن السائد في العالم الإسلامي اليوم هو المسؤول عن إعاقة طريق النهضة، التديّن الذي ينتسب إلى العادات والتقاليد والتجارب التاريخية أكثر منه إلى الوحي. ومن هنا انطلق المؤلف ليؤسّس بذلك لمرافعة تضع الملامح الأولية لعملية الفصل بين الدين والثقافة، بين الدين والتراث، بين الأحياء والأموات، إذ لا رهان على الماضي بالواقع المتغيّر، ولا حاكمية للتراث بغثه وسمينه على الواقع المتلاحق وتقرير حق المصير الإنساني من الحضارة والحداثة والنهضة المعاصرة.

يحتوي الكتاب على مقدمة يليها أربعة فصول، الفصل الأول بعنوان «الدين والذات»، والفصل الثاني عنوانه «الإسلام والنهضة: السؤال الخطأ»، أما الفصل الثالث فقد جاء عنوانه «البداية: نقد الذات»، والفصل الرابع والأخير بعنوان «سؤال الحداثة» ليكون بمثابة الخاتمة.

بدأ المؤلف حواره مع صاحبه بسؤال تقليدي دارج: هل هنالك علاقة بين حال المسلمين الراهن وبين إسلامهم!؟ ليستدعي بهذا التساؤل ثنائية الإسلام والحداثة، ومدى ارتباط هذه الأخيرة بالغرب، إذن، كيف نتّصل كمسلمين بقوّة التطوّر المتوافرة لدى الغرب من دون أن نفقد القيمة الروحية والنظام الحياتي الكريم، كل ذلك وفق متطلبات تحكيم الإسلام في كافة الشؤون الحياتية المختلفة بدلاً من أن يكون في مستودع محدّد تحكمه تأويلات امتلاك الحقيقة المطلقة!.

هذا التساؤل كان وليد شعور المسلمين بالفارق الهائل بينهم وبين الغرب على كافة المجالات العلمية والمدنية هذا ما قاله صاحبه في تجاذب ساحر مع الفكرة التي يؤسّس إليها المؤلف، ولعلّ ذلك يتضح في رؤيته تجاه الأسباب التي تقدم من خلالها الغرب على سائر الأمم، فهو للتو – في فترة بزوغ العلمانية – يطلق كافة قوى التقدم والتي أثمرت عن إقامة المدنية الغربية الحاضرة، وهذه النظرة ما فتئ منظّرو التنمية في الغرب يرونها كضرورة إذا ما أراد الإنسان – بالمفهوم الشامل – تحقيق التقدم والأخذ بأسباب الحداثة والتطوّر!. وقد يكون أبرز مَن كتب في مثل هذه الرؤية المنظّران الأميركيان بيتر بيرجر و هارفي كوكس اللذين يُعتبران من الآباء الروحيون لمقولة سيادة العلمانية ولو أنهما استدركا في الأخير عدم دقة هذه الأطروحة وقد كتب بيرجر بعدها «إن العالم ما زال متديناً».
وتأتي المناقشة بينه وبين صاحبه على مناطق أكثر عمقاً من سابقتها نتيجة التطارح الاستفهامي المكثف لتتوالد التساؤلات تلو الأخرى وفق تسلسل منطقي إضافة للغة السهلة والطيعة التي اعتمدها المؤلف بصورة جاذبة وأنيقة، واللافت في الأمر عدم انتصاره لطرف دون الآخر، بل هو وصاحبه يلعبان دوراً تكاملياً عبر تنادي منسجم وفي شكل انسيابي، ولو أمعنا النظر فقد تختفي لدينا هوية المتحاورين حين التعمّق في القراءة ليقودنا بقوة إلى ما يريده الكاتب بكل سلاسة، وأراني ضحية هذا الأسلوب المتميّز.

  الاعتراف بالتخلف
وتتدحرج الأفكار لتصل بالمؤلف لأن يدفع باتجاه الاعتراف بحجم التخلف الذي يعيشه المسلمون والذي لا يمكن التخلص منه دفعة واحدة، وبالقناعة بأننا متخلفون! مما يحفزنا لعقد الصلة مع الواقع ومحاولة فرز كوامن القوة من الضعف معززين بالتالي دور الحوار مع الذات، فـ «المناقشة العلمية هي السبيل الوحيد للاقتراب من الحقيقة، وهي الوسيلة الوحيدة لاكتشاف دواء لعلتنا الكبرى، أعني التخلف عن قطار المدنية الذي انضمت إليه أكثر أمم الأرض وبقينا وحدنا من دونهم، لا راضين بما نحن فيه ولا عازمين على الخلاص منه». ليتصدّر قائمة المناقشة السؤال الحرج: هل الإسلام مسؤول عن تخلفنا أم لا...؟ وإن لم يكن مسؤولاً... فمَن هو المسؤول إذن!؟

وأعتقد بأن صاحبه الذي يحاوره أبرأ ساحة الإسلام من مسؤولية التخلّف حين دعا إلى التجديد معززاً ذلك برواية تنسب إلى النبي الأكرم «صلّى الله عليه وسلّم» حيث قال: «إن الله يبعث لهذه الأمّة على رأس كل مئة سنة، مَن يجدّد لها دينها». فلا غرو من إذكاء عنوان التجديد والمتكرر على مرّ العصور وليس في ذلك جدة بتاتاً؛ إنما كان الغرض الإشارة إلى لازمة الارتباط ما بين التجديد والأشخاص على مرّ العصور الماضية، حيث من النادر تناوله حسب علاقته بالزمن، «فموضوع التجديد وعلاقته بالزمن لم تطرق إلا لماماً وبصورة سطحية إلى حد كبير، بينما تركز الجدل حول الأشخاص الذين يدعى انطباق صفة المجدّد عليهم والعمل الذي أوجب لهم هذا الاعتبار» ولربما الظرف التاريخي ساهم في شكل أو آخر في تسليط الضوء على الشخوص مما أدّى إلى انصرافهم عن الموضوعات وإخراجها عن اطارها الواقعي، والإسلام لم يخرج يوماً من نفوس المسلمين بقدر ما كان قد فَقَدَ جذوته الاجتماعية عندهم حتى أصبح الدين شأناً فردياً مقتصراً على العبادات والنظم الأخلاقية الشخصية، وبالتأكيد مثل هذا النمط من الدّين لا ينفع به أن يكون مصدر فاعلية مع الواقع ومتغيّراته الحياتيّة، فهو بهذا الحد أدنى من أن يساهم في دفع عجلة التطوّر المدني، لأن دعوات التجديد وبحسب التجربة التاريخية كانت مرتكزة على إصلاح العقيدة أو العبادات بدعوى أنها جوهر الدين، لكن التجديد – والكلام للمؤلف – في هذه الجوانب حتى لو قبلنا بالحاجة إليه لا يغيّر شيئاً في الجانب الحرج من حال المسلمين اليوم، أعني تخلفهم في الاقتصاد والعلم والسياسة وغير ذلك من جوانب الحياة الحديثة.

واستطراداً للحديث المتعلقة بالفاصلة ما بين الدين والفهم البشري إليه، أفرد الكاتب عنواناً فرعياً يتعلق بهذا الأمر «ما لحق بالإسلام من مفاهيم وتقاليد خلال التأريخ» حتى أصبحت هذه المفاهيم والتقاليد تتماهى إلى حد كبير مع الأصول الدينية، هذا إن لم يعتبرها الخاصة من الناس قبل العامة بأنها هي الدين ولا مناص من التنصّل منها في الوقت الذي تثبت سيرورة التأريخ بأن ثمّة ما ألحق بالدين وهو لا يرقى إلى قداسته، وبالضرورة بأن الثقافة التي يحملها المسلمون – اليوم – ليست على طرفي نقيض مع المعتقدات الدينية، وتجدر الإشارة إلى كيفية التعاطي معها من قِبَل الأمانة العامة من الناس على وجه التحديد، إذ لا تمايز بين أهل العلم وبينهم بقدر ما هي المسؤولية وتحمّل عبئها، فصلاح العامة مقرون بصلاح الخاصة إلا أن رباط العلاقة يظل براغماتياً حسب مقتضى الحال ومسارات الحياة، فـ «حقيقة الأمر أن المثقفين والعامة متواطئون على مواصلة هذا الطريق بعضهم لأنه يصعد في مسارات الحياة فهو صاحب مصلحة في بقاء الحال السائد، وبعضهم لأنه لا يحتمل الأعباء النفسية والاجتماعية للتغيير، فهو الآخر صاحب مصلحة في الحيلولة دون تغيير يؤدي إلى المشاكل أو يوقعه في مواقع الأذى» بالتالي نحن أمام أزمة خطاب ذاتيّة، فلسنا على وفاق اجتماعي يساهم في تصالحنا مع فهم الدين ولسنا على استعداد لذلك أيضاً طالما بقي الفهم مرهوناً بالماضي.

وقد استشهد الكاتب بشواهد حيّة وردت في تقارير فهمي هويدي أثناء رحلته إلى افغانستان في فترة حكومة طالبان ساهمت بقدر كبير في توضيح ما كان يرمي إليه في العنوان الفرعي المذكور آنفاً، حيث تطرّق إلى نظرة الثقافة الإنسانية للمرأة عن طريق بلدين متجاورين، ففي بلاد افغانستان كان المسلمون يحرِّمون على المرأة الخروج للعمل مطلقاً يعللون ذلك استناداً للآية الكريمة: «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ» بينما يقبل جيرانهم في ايران بأن تتأبط المرأة مكانة مرموقة في مهام العمل، فتصبح قاضية ووزيرة ونائبة للرئيس ومستشارة استناداً للآية المباركة: «وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاُت بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ». فالذي جعل أولئك مختلفين عن هؤلاء، ليس الإسلام في صيغته النظرية المجرّدة، بل الفهم الحاصل من تفاعل المسبقات الثقافية التي يحملها كل منهم مع الصيغة النظرية للإسلام.

ثم انطلق المؤلف من خلال عنوان فرعي على صيغة سؤال «كيف تتحوّل الرغبات إلى مسلّمات مقيّدة للعقل» من أجل عقد صلة البحث المتعلق بثنائية «النص وفهم النص» «الدين والمعرفة الدينية» فهو بهذا السؤال يسلّط الضوء باتجاه مدى تأثر المعرفة «الدينية / فهم النصّ / التفكير...» بالواقع المتغيّر، بمعنى آخر أن التخلّف الذي يضرب المجتمع الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه هو نتاج انفصال معرفتنا الدينية – الحديث للمؤلف – عن عصرنا؟... ولماذا غفل معظم الناس عن الحاجة إلى إصلاح ثقافتهم وبالتالي تجديد حياتهم بما فيها الجانب الديني؟

يراهن الدكتور السيّف من خلال هذه التساؤلات على قـدرة العقـل المتـحرّر من قيود الرغبات على كشـف الحقيـقـة، وتشخيـص أماكـن الداء العـضال في الأمّة، متى ما أدرك هذا الإنـسان من إحداث عملية التوازن ما بين الذات والعقل، هذا التماهـي لا بـد له من التعـامـل معـه بحـذر ليتمكن هذا العقل من الانـفـكاك من قيود الذات والتي قـد تـصل بالإنسان إلى مرحلة من الرضا الكاذب على النفــس، فهذه قدرة عجيبة تستفرد بها الــذات لتمرير ما يخـدع العين فإذا بالمسلمات الحياتية والأعراف والتقاليد تكون في مصاف الثوابت الراسخة وبالتالي تتـعاظم الأنا العليا ليصل الأمر إلى حد لا يستطيع هذا الكائن أن يجد عيباً في ذاته عنـدها تـتـحوّل هذه القناعة الداخلية إلى دين خاص يعيش في داخله ويجده مكتملاً في نموه، من هنا يكون التفكير وتجلياته خارج نـطاق التغطية بالنسبـة لرحـلة البحـث عـن الحقـيقـة وسبل التقـدم والتـطور.
و«المشكلة إذن ليست في مجرد الانفصال بين مسار الذات ومسار الدين، بل في احتلال أحدهما المساحة الخاصة بالمسار الآخر الذي في أنفسنا هو ما أردناه أن يكون. لقد انتـخبـنا منـه ما ينـاسبـنـا ومـا ينسجم مع التقاليد والأعراف والتوازنـات التي نريد العـيـش في ظلها، وصنـعـنا من هذا الخليـط صـورة هي أقـرب ما تكون إلى صورتــنا، ثم أحطنــاها بهـالة من الافتراضات والاعتبارات حتى تحوّلت إلى صنـدوق مغـلق يحـوي بعـض الحـقـيـقـة وبعـض الوهم وكثـيـراً من الرغبة».
على هذا لا يجد الكاتب بأن عقل الإنسان على قدرة كافية لنقد ذاته!، ويعزى السبب إلى وقت إطلاق عنان التفكير تجاه ذاته فإنه في الحقيقة يدور حولها كما الفراشة التي تدور حول شعلة نور لتنصرف بالانشغال بهالة النور عن مصدره، والكاتب يجد في هالة الضوء هي بمثابة الحجاب عن بلوغ الحقيقة، كما الثقافة الحياتية التي يحملها الإنسان فتصبح كما الحجاب الذي يحول بين عقله ومكنون ذاته. ولو جاء النعت لهذه الذات بالمتخلّفة فإن العقل بالتالي يكون عاجزاً عن رؤية التخلّف، ولو نعتناها بالمتقدّمة يصبح العقل أيضاً غير قادر على التمييز بينها وبين الغير!.

ثم يعلّق صاحبه على استنتاجاته بتساؤل جديد حيث يقول: لو لم يكن عقل الإنسان قادراً على نقد ذاته لما كان قادراً على التطوّر أصلاً، ليضعنا الكاتب في موجة عارمة من العصف الذهني الهائل والتي ليس غرضها هو الإجابة فحسب بقدر ما يكون الهدف خلق دافعيّة محفزة لانطلاقة التفكير بكل قوة حيال مقاصد التطوّر والنهضة، ولا فصل ما بين عقل الفرد وعقل الجماعة في هذا المقام إن لم يكن هو مرآة للآخر، ولا يخفى عليكم بأن عقل الإنسان لا يعمل من فراغ ولا يشتغل من دون مقدمات ورضيات وتراكم معرفي ضخم، وهذا ما تسالم عليه الكاتب وفكرة المفكر مالك بن نبي حين قال: «إن عقل الفرد – حين يفكر وينظر – ليس عقلاً فردياً بل هو عقل الجماعة الذي اتخذ له موضعاً في رأس فرد معين، فجعل شخصيته وسلوكه العفوي وردود فعله، نموذجاً لما يناظرها عند كل فرد آخر في نفس الجماعة».

وبالتالي تتكوّن العادات والتقاليد برؤية جماعية لتصبح ديناً دونما شعور، ونصاً ثابتاً دون أدنى مناقشة، فيتم تكيّف التديّن للفرد والجماعة بما لا يتناقض والمسلمات الاجتماعية والتي إما أن تكون صنيعة المجتمع نفسه أو أفكاراً تتبناها في لحظة من لحظات ما، ومثل هذا القول يقترب إلى حد ما مع فكرة «الدين المدني» والتي ابتكرها جان جاك روسو، وفكرة «الدين» التي ناقشها اميل دوركهايم، مع الاعتبار للفارق الجوهري ما بين الفكرتين، فروسو فكرته معززة للفرد، بينما دوركهايم متعلقة بالجماعة على رغم كونها تكليفاً للفرد في الوقت نفسه.
صحيفة الحياة اللندنيّة
 24/02/2007م

السبت، 1 يوليو 2000

الحرية وحق الاختلاف في منظور الاسلاميين: عرض كتاب "الاسلام في ساحة السياسة"


عرض : ابراهيم محمد (كاتب تونسي) 
مجلة الكلمة
العدد (28) ـ السنة السابعة، صيف 2000م ـ 1421
الكتاب: الإسلام في ساحة السياسة.. متطلبات العرض والتطبيق.
الكاتب: توفيق السيف
الناشر: دار الجديد ـ بيروت
الصفحات: 126 من القطع الوسط
سنة النشر: ط1، 2000م.

«الحرية حلية الإنسان وزينة المدنية، فيها تنمى القوى وتنطلق المواهب، وبصوبها تنبت فضائل الصدق والشجاعة والنصيحة بصراحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتتلاقح الأفكار وتورق أفنان العلوم» (1) .

لايكاد يختلف إثنان على امتداد وطننا العربي والإسلامي على تزايد أهمية «الحرية» في حياتنا الاجتماعية والثقافية والسياسية. ويذهب العديد إلى أن غيابها يعد السبب الرئيسي في تخلفنا وانحطاطنا. وأن خروجنا من هذه الحالة لايتأتى إلا إذا نسجنا من خيوطها (الحرية) نهجاً يوجه مآلات فعلنا الفردي والجماعي.

وقد تكثفت الدعوات للمطالبة بها، بعد تيقظ الوعي العربي والإسلامي على خطورة ما نسجته «الدولة الحديثة» في حياتنا من مظاهر الاستلاب والاستبداد. فإذا كان مشروع النهضة في بواكيره حدّد لنفسه أهدافاً يتجاوز بها حالة الانحطاط بالتخلص معاً من مظاهر الاستعمار المباشر ورواسب التخلّف في نسيجنا الاجتماعي المنسوب إلى مراحل سابقة من تاريخنا. فالمقاربات الراهنة استفاقت على أن مشاريع «التحديث» التي قامت بعد مرحلة الاستعمار المباشر، لم تحقق المنشود. بل في أحد مظاهرها «استنسخت» مراحل غابرة من تاريخنا وتاريخ المستعمِر.


وأصبحت مقولة الحرية من القواسم المشتركة الجامعة لكل الأطراف من ليبرالية وقومية وماركسية وإسلامية. وتوجه كل طرف للتنظير والإدعاء بكون «الحرية» هي مقوم أساسي من مقومات مشروعه، بل هي الفاعل الجوهري في بنيته النظرية ولاتفترق في هذا الإدعاء السلطة عن المعارضة. ولكن يبقى الإشكال العملي قائماً. فالممارسة اليومية هي المحك لصدقية الشعارت والدعوات. وقد حاول البعض التغلّب على هذه الإحراجات بتوظيف التاريخ في الدفاع عن صورته في الماضي ولكن دون أن يكون قادراً على سحب ذلك على الحاضر والمستقبل. الأمر الذي يستدعي مواجهة حقيقية وجرأة في الطرح. ونحسب أن مقاربة الأستاذ توفيق السيف (2) تتحرك في هذا الفضاء، إذ هي تهدف إلى تناول إشكالية الحرية من منظور الإسلاميين بعيداً عن تعظيم التاريخ أو تهوينه، ودون أن تكون مجنّحة في التنظير، إذ الهدف هو الكشف عن إمكانية التنزيل العملي للمشروع الإسلامي من خلال التأكيد على مطلب الحرية في واقعنا المعيش. محاولاً استكشاف مواطن الضعف والخلل في «منظور الإسلاميين» بعقلية المشارك والمنخرط في المشروع لا المنافح أو المشكك، الأمر الذي يعطي للمقاربة مصداقية نقدية تفتقد إليها كثير من كتابات الإسلاميين اليوم.
والمقاربة في اعتقادنا هي صورة جديدة لطموح الإسلاميين في المساهمة في تجديد الفكر السياسي العربي والإسلامي. وهو ما سنحاول تبيانه في قراءتنا السريعة لجديد الأستاذ توفيق السيف. مستجيبين لدعوة المؤلف الذي يدعونا لقراءة نصه «بعين الناقد لابعين المتلقي السريع الاستجابة، ليكون الحوار قائماً بين الكاتب والقارئ ولو عن بعد».
1ـ في العنوان والمنهجية:
يذكر الأستاذ توفيق السيف أن العنوان الذي اختاره في البدء لمصنفه هذا هو «نقد المشروع الإسلامي»، وتخلّى عنه بناء على نصيحة من زملائه، لأنه عنوان ملتبس، ربما يؤدي إلى سوء فهم أو بالأحرى سوء «استقبال». ولسنا هنا في وارد مصادرة حق المؤلف في تحديد العنوان الذي يراه ملائماً للكتاب وفق ما حدده من أهداف عند نشره. ولكن هناك ملاحظة جديرة بالذكر هو إن تغيير العنوان إما لاعتبارات تقنية أو جمالية أو علمية أو مادية أو نفسية لاشك أنه يشير إلى عقلية المصنّف وتأثير ذلك في الأفكار المُراد بثها في الكتاب. «فالحذر» الذي قاد الأستاذ توفيق السيف إلى تغيير عنوان كتابه لامسناه أيضاً في متن الكتاب. إذ اتسم في كثير من مسائله «بالتعميم» و«الحذر» وعدم الجرأة في التطرق لإشكاليات هي بأمس الحاجة إلى الطرح خاصة من الإسلاميين أنفسهم. ونحسب أن المتتبع بدقة للكتاب يشعر بوجل الكاتب الذي لايفصح عن نفسه إلا عند ذكر مسألة اختيار العنوان.
ولكن رغم ذلك نحسب أن هذا «الحذر» و«الوجل» ليسا بذميمة للكاتب إذا كان هدفه هو شيوع فكرة النقد في مجتمع لانقدي. فالتدرج ومراعاة المقام والحال ضرورة لابد منها لمن يروم بناء مشيداً. ونحسب أن العنوان الجديد اقرب إلى حقيقة ما يتضمنه الكتاب.
أما فيما يتعلق بالمنهجية المعتمدة فهي استقرائية، إذ عمد المؤلف إلى استقراء النصوص الدينية وتجربة الإمام علي في موضوعة حرية الرأي. ولانشك في قدرة هذه المنهجية في الوصول إلى تحديد الكلّي في الرؤية الإسلامية للمسألة المطروحة. وذلك من خلال المرور بجمع واستقراء الجزئيات التي ندعي بأن لها علاقة بالمسألة. والتي جمعت كما ذكرنا من بعض النصوص الدينية ومن أقوال الإمام علي. ولكن ما تجدر الإشارة إليه ان همّ الكاتب في هذه المقاربة ليس التنظير للحرية وتقديم مقاربة متكاملة. وهو ما لايدعيه. ولكن همّه تفكيك العقلية القائمة على مهمة التنظير للمشروع الإسلامي، وتبيان مظاهر الخلل فيها والتي تمثل عوائق ابستمولوجية في أسلوب عرض الإسلام والتي يمكن إجمالها في:

1ـ الخلط المنهجي في لاوعي الإسلاميين بين النص الديني ومشاريع قراءته.
2ـ الإصرار على الشعار العام وترك التفصيل.
3ـ قيمة العيب وتحكمها في العقلية الإسلامية.
4ـ قلق الفتنة وتأثيرها في الحراك السياسي الداخلي والخارجي.

وبقدر ما ركز الأستاذ توفيق السيف على إبراز العوائق الابستمولوجية بقدر ما غيّب الحديث عن المعوقات السوسيولوجية التي لاينكر أحدٌ أهميتها ودورها فيما تشهده الساحة الإسلامية من مظاهر الخلل.
«فالعقلية التعميمية» التي تسيطر على الذهنية الإسلامية من الأكيد أن لها أسباب تاريخية ـ سوسيولوجية تتجاوز مشاريع القراءات المختلفة للنص والتاريخ وهو ما سنحاول الاتيان عليه في إبانه.

2ـ الإسلام وحق الاختلاف:
بنى المؤلف رؤيته لحق الاختلاف في الإسلام على مجموعة أدلة مباشرة وغير مباشرة في محاولة لفك الارتباط بين معنى «التعدد» ومعنى «الخلاف في الدين وشق عصا المسلمين». وذلك بغية إلغاء هذا الفهم الملتبس في ذهن المسلم والذي يرجعه الكاتب إلى «حرمان المسلمين لقرون طويلة من ممارسة الحرية والجمود في فهم النص القرآني والتفسيرات الخاطئة، المقصودة أحياناً والعفوية أحياناً أخرى». وللحقيقة أن الفكرة المستهدَفَة (فتح الدال وفتح الفاء) هي فكرة خطيرة وهي سائدة بين الإسلاميين والتي مفادها كما يقول د. صالح كركر «أن كل تجديد وتغيير للمألوف يمثل تهديداً لسلامة الدين، ودساً من الأعداء ضده، وذلك على أساس قاعدة خاطئة مفادها أن كل مخالف لنا هو خصمنا، ومن هو كذلك فهو عدو لنا وعدو للإسلام، فاسق عنه!» (3) . ويرجع د. كركر سبب سيادة هذه الأفكار والتعميم في الفهم والعرض إلى «أن الحركة الإسلامية لم تسلك مسلكاً يكوّن لدى أفراد مجتمعاتها «العقلية المجهرية» ويزيح الستار على ملكات العقول الإبداعية، وبقيت بسبب التقليد متأخرة عن دورة الزمن تجتر خطاب التراث التعميمي، فبقي خطابها تعميمياً غير قادر على تقديم البديل العملي والمميز» (4) .

ونعود إلى الأدلة التي اعتمدها الكاتب في تأكيده على مشروعية الاختلاف في الإسلام. وقد بدأ حديثه بالأدلة غير المباشرة أي غير النصية والتي هي:
1ـ التفريق بين الدين والمعارف الدينية.
2ـ اعتبار التخطئة في الاجتهاد.
3ـ أدلة الشورى.
4ـ فردية التكليف والاختيار.
5ـ أدلة الاجتهاد، وكما يرى الكاتب أن «الاجتهاد ليس في حقيقته سوى استخدام المجتهد لحقه في مخالفة رأي الغير».
أما الأدلة المباشرة أي النقلية والمستمدة مباشرة من القرآن الكريم فقد اقتصر المؤلف على إبراز النصوص الدالة على المعاني المقصودة من خلال التمثيل بثلاثة سياقات للآيات القرآنية:
1ـ تشنيع القرآن على الذين رفضوا الدعوة الربانية تقليداً لآبائهم.
2ـ تجهيز الخالق تعالى للإنسان بالوسائل التي تمكنه من حرية الاختيار.
3ـ منع إكراه الغير على ما لايريد.
ونقدر بأن المؤلف أفلح في إبراز شرعية الاختلاف عقلياً ونقلياً. ولكن كان مروره سريعاً، خاصة وأن الاستدلال النصي يستدعي استدلالاً نصياً معارضاً له، الأمر الذي يدعو إلى تقديم مقاربة نقدية للمنهجية النصوصية (5) التي يعتمدها الطرف السلفي، وللمنهجية الإسقاطية التي يتبناها بعض «التحديثيين»، والأمر يدعو إلى إبراز منهجية بديلة، وهو ما يتوجه إليه المؤلف ولكن من الواضح أن عقبات حالت دون تحقيق ذلك.

3ـ الخلل في أسلوب عرض الإسلام:
كنا أشرنا سابقاً أن الكاتب حاول إبراز مجموعة العوائق الابستمولوجية في هذا العرض والتي يتطلب تجاوزها. وهي مطالب أساسية في عمليتي العرض والتطبيق للمشروع الإسلامي في ساحة العمل السياسي العام. فوحدانية الصورة بين النص وقراءته تمثل أولى العوائق. وقد أكد العديد على خطورة هذه المسألة، ونحسب أن الوعي الإسلامي اليوم بدأ يتجه وبشكل واضح وملموس إلى الإقرار بتعدد القراءات. وإن كانت عقلية نشر الضوابط هي المهيمنة في هذا المجال. ولكن في اعتقادنا هي صورة أولية لتجاوز حالة التردد والخوف على الذات من الآخر.
أما الإصرار على الشعار العام وترك التفصيل فيعود إلى التباس في الوعي بين التفصيل في تقديم المشروع الإسلامي والابتداع في الإسلام. فالبقاء في مرحلة الشعار يحقق الوحدة والكفيل بعدم السقوط في البدعة!

فالمرحلة الأولى تحافظ على طهارة وقداسة الإسلام وبالتالي على قوة الخطاب الإسلامي في مواجهة بقية الخطابات العلمانية. بينما المرحلة الثانية تجعلهم في نفس المرتبة وهو ما يفقدهم الكثير في صراعهم. وإن كان د. صالح كركر يرجع ذلك إلى غياب «العقلية المجهرية» وجمود الذهنية الجماعية ولكن لاشك أن الاعتبارات البسيكولوجية والسوسيولوجية لها دور لاينكر. ولايمكن تقديم تفسير موضوعي لهذه المسألة دون اعتمادها مع بقية الاعتبارات. ونحسب أن الاعتبارات النفسية والاجتماعية والتاريخية لم تغب كلياً عن التحليل إذ حديث الكاتب عن «قيمة العيب» و«قلق الفتنة» يصب في جوهر المسألة. ففهم آلية النقد وماهيته عند الإسلاميين خطوة ضرورة للكشف عن العقلية التي تقف خلفه والأمر يستدعي هنا تناول العديد من المفاهيم والمصطلحات المتعلقة بعملية النقد بالتحليل والتفكيك والتي تعج بها الثقافة الشعبية والتي للأسف الشديد لاتزال تأسر الوعي الإسلامي والعربي عموماً. وبما أننا نؤكد على المجال السياسي أكثر من غيره فتجدر الإشارة إلى ضرورة إعادة قراءة مدونات السياسة الشرعية والآداب السلطانية، لأن باكتشاف بعض مفاعيلها في العقل العربي والإسلامي اليوم يمكن تجاوز الكثير من السلبيات التي تعج بها حياتنا. وللحقيقة يعد كتاب د. كمال عبد اللطيف الأخير من أفضل ما نُشر في هذا المجال. وكما لاحظ د. عبد اللطيف أنه في «أغلب الدول العربية الإسلامية لاتزال علاقة الحاكمين بالمحكومين تتم بتوسط لغة الآداب السلطانية» (6) ، خاصة وأن الكتابة السياسية في نظام الآداب السلطانية: «كتابة تنتصر لتدابير واختيارات السلطة السائدة، وتحذر العامة من مغبة نقد السلطة أو الخروج عليها. كما تنشر أخلاق الطاعة والصبر، بحجة المحافظة على النظام، والتغلب على أزمنة الفتن التي تزهق فيها الأرواح، وتُمتحن فيها الرسالة التي تحملها الأمة وترعاها السلطة» (7) .
وهذه الكتابة هي المَعين الأساسي للفكر السياسي الإسلامي المعاصر. لذلك فإعادة قراءة الآداب السلطانية مهمة آنية لاغنى للمتتبع للفكر الإسلامي المعاصر من إنجازها، ودون ذلك لايستطيع فهم الكثير مما يروج في هذه الساحة.
تبقى مسألة أخيرة لابد من الاتيان عليها والتي حظيت في تقديرنا بالتحليل القيم من طرف الأستاذ توفيق السيف، وهي مسألة التكفير والتي يعتبرها في صورتها الحديثة «هي انعكاس لضيق إطارات التعبير عن الذات، أو اليأس من تحقيق الأهداف بالطرق السلمية، أو القلق من العجز عن الجدل المفتوح»، ولكن لابأس هنا من إضافة بعض الأسباب الدافعة لظهور هذه الموجة والتي أجملها د. رضوان السيد في (8) :

1ـ القلق الشديد على الهوية ورموزها من الحداثة العصرية اللادينية.
2ـ سرعة تحول أولئك الإسلاميين إلى الحزبية والسرعة النسبية لتبلور الإسلام السياسي.
3ـ الصراع على المرجعية.

بينما يرى د. صالح كركر بأن كثيراً من الخلل القائم في تصورات الإسلاميين يعود إلى عاملين أساسيين:
1ـ التنظيم الذي هو للتنفيذ لا للتفكير والبحث والتنظير.
2ـ الصفة السياسية والحزبية.
وفي هذه الأخيرة يقول كركر: «والحزبية على أساس الصفة الإسلامية قسّمت أفراد نفس المجتمع المسلم بين إسلامي وغير إسلامي، ولا يخفى ما لهذه الإزدواجية من سلبيات شديدة الخطورة. فقد قسمت المجتمع إلى فريقين وعمقت الهوة وجذرت القطيعة بينهما في وقت تجد فيه مجتمعانا نفسها فيýأشد الحاجة إلى رص الصفوف ولمّ الشتات وتوحيد الأرضية الفكرية التي تقوم عليها. وقد ساهمت هذه الحزبية في مزيد عزل غير الإسلاميين عن الإسلام وفي مزيد تشنّج النخبة المثقفة العلمانية ضد الإسلام وفي مزيد البعد عنه ومعاداته» (9) .

وتبقى الأسئلة التي تثيرها مقاربة الأستاذ توفيق السيف مفتوحة وتبقى الحاجة إلى إعادة قراءته ومعاودتها ضرورة ملحة.

* كاتب من تونس.

الهوامش:
1)ـ ابن عاشور، محمد الطاهر، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، تونس، الشركة التونسية للتوزيع. د. ت. ص170.
2)ـ السيف، توفيق، الإسلام في ساحة السياسة.. متطلبات العرض والتطبيق، بيروت، دار الجديد، ط1، 2000، ص126.
3)ـ كركر، صالح، الحركة الإسلامية وإشكاليات النهضة، فرنسا، 1998، ص19.
4)ـ المصدر نفسه، ص16.
5)ـ في هذه المسألة انظر، صافي، لؤي، إعمال العقل، دمشق، دار الفكر، ط1، 1998، خاصة الفصل الثالث من الباب الثاني.
6)ـ عبد اللطيف، كمال، في تشريح أصول الاستبداد، بيروت، دار الطليعة، ط1، 1999م، ص270.
7)ـ المصدر نفسه، ص266ـ267.
8)ـ السيد، رضوان، قراءة النص وتوظيفاته السياسية والثقافية (1)، في «السفير» يوم 7/10/99، ص19.
9)ـ كركر، صالح، مصدر سابق، ص22.

المساواة بين الخلق ... المساواة في ماذا ؟

هذا المقال موجه لأولئك الذين يعارضون المساواة بين المواطنين ، والمساواة بين الرجال والنساء. وهو يستهدف توضيح موضوع النقاش وتفصيح اسئلته. ...