‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد شحرور. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد شحرور. إظهار كافة الرسائل

26/02/2020

من المناكفة الى النهضة


تلفت نظري أحيانا ردود الفعل على  الطروحات والأفكار الجديدة . وجدت مثلا من  ينسب التوجه الاصلاحي عند محمد شحرور الى عقد نفسية. وثمة من قال ان تركيز محمد عابد الجابري على نقد التراث ، راجع الى حرمانه من وظيفة كان يتطلع اليها في الديوان. وقيل مثل ذلك عن علماء آخرين في الماضي والحاضر. وبشكل عام فان غالبية الناس يودون ان يروا علة في القائل (حسنة او سيئة) قبل النظر في قوله او تحليل مراميه.
نتيجة بحث الصور عن خارج القطيع
من نافل القول ان كل نهضة في تاريخ البشرية بدأت بمناكفة من نوع ما ، مناكفة بين أشخاص أو قوى حديثة الظهور في الساحة الاجتماعية ، وأخرى مستقرة ذات نفوذ. في أول الأمر تبدو أشبه بنزاع محدود حول افكار او مصالح ، تعود لأشخاص بعينهم. في واقع الامر فانه يصعب - في المراحل المبكرة خصوصا - فصل الافكار عن أشخاص الداعين اليها. وليس من الممكن ايضا حمايتها من التصنيف القسري ، اي تحديد من يستفيد من نجاحها ومن يتضرر.
مع مرور الوقت يتبين للجميع ، ان الاشخاص القليلين الذين تمردوا وناكفوا ، لم يكونوا نبتا في صحراء ، بل تعبيرا عن بواكير تحول يجري تحت السطح الخارجي للمجتمع. ومع مرور الزمن ، تتحول تلك القلة الى أمثولة ومصدر إلهام ، فكانها تقول لكافة الناس: انظروا .. لقد فعلنا ما ظنه الجميع مستحيلا ، وتبين لكم ولنا انه ممكن وان كلفته محتملة.
تتحول المناكفة الى نهضة ، حين تدخل فكرته العامة دائرة الجدل العلني ويجاهر عدد متزايد من الناس ، من شرائح اجتماعية مختلفة بتبنيهم للافكار الجديدة ، ويتحدثون عنها كنمط حياة ضروري ، يريدون الانتقال اليه. ونعلم  ان وصول المجتمع الى هذه المرحلة يعني – بالضرورة - قيام نوع من توازن القوى في المجتمع ، بين القوى الداعية للتغيير وتلك المتمسكة بالمحافظة على الاجماع القديم ، اي من يسمون في عالم السياسة بالاصلاحيين ، ومن يسمون بالمحافظين.
مسار تقدم الانسان في مجمله ، يشبه هذا المسار. تجاذب وتدافع بين عوامل الاستمرار وعوامل التغيير ، تقود عادة الى غلبة الثانية واستقرارها ، ولو بعد حين. ان التغيير لا يتوقف أبدا ، انما تختلف المجتمعات عن بعضها في سرعة الاستجابة والتكيف مع الجديد او العكس.
قد يبدأ التغيير في مكان محدد ، مثل الشمس التي تشرق في مكان ، فيراها الناس في أبعد النقاط ، فتولد فيهم الأمل وتبعث الحماس ، ويتحول الناس بالتدريج الى شركاء في النهضة ومساهمين في تيارها. قد تبدأ المناكفة بين التجار ثم تنتقل الى المثقفين والساسة وغيرهم ، أو تبدأ بين رجال الدين ثم تنتقل الى غيرهم ، وقد تبدأ وسط شريحة محددة كالنساء او الشباب ثم تظهر ارتداداتها في شرائح أخرى ، وهكذا.
الانتشار جزء من طبيعة الحراك الانساني. ولذا لايستطيع أحد أن يدعي اختصاصه بالنهضة أو يحجب ثمارها عن الآخرين. بواكير النهضة الاوروبية ، تمثلت في نزعات جديدة في الأدب والفنون ، وظهر تأثيرها في تصميم المدن ، سيما المباني والجسور والقصور ، وفي الفنون التشكيلية والمسرح والموسيقى. ثم انعكست على العالم الديني ، فتمثلت في حركة الاصلاح الديني وما تلاها من تبلور البروتستنتية ، كضد تاريخي للكاثوليكية وحليف للتغيير ، حتى جاء عهد الاختراعات ، وهيمنت التكنولوجيا على حياة العالم ، فتحولت التقنيات الرقمية الى محور لهذه الحركة.
الشرق الاوسط الأربعاء - 2 رجب 1441 هـ - 26 فبراير 2020 مـ رقم العدد [15065]
مقالات ذات علاقة

08/01/2020

من اللغة الى الرؤية الكونية



يستهدف هذا المقال التعريف بـ "توشيهيكو إيزوتسو" ، المفكر الياباني الذي كرس حياته لدراسة النص القرآني ، ونشر عنه تسعة كتب ، فضلا عن ترجمة كاملة للقرآن الكريم. وغرضي من هذا التعريف الموجز هو لفت الانظار الى اعمال هذا المفكر البارع ، التي أراها في غاية الأهمية والفائدة للباحثين والدعاة على السواء.
ولد ايزوتسو في طوكيو سنة 1914 وتوفي في 1993. ترجمت ثلاثة من كتبه الى العربية على يد الدكتور عيسى العاكوب ، كما نشرت ترجمة ثانية لكتابه "الله والانسان في القرآن" على يد الدكتور هلال الجهاد. وهذا اكثر اعمال ايزوتسو شهرة ، ربما لأن الموضوع الذي طرقه مبتكر وفريد في بابه.
وكتب الدكتور الجهاد في تقديمه للكتاب: ان دراسة ايزوتسو تعين على استيعاب أعمق لمرامي النص القرآني   ، حتى ليشعر المرء انه كمن يقرأه للمرة الأولى. ويقول ايضا ان بوسعنا ادراك مستويات المعنى العديدة في النص القرآني ، شرط أن نتجرد مؤقتا عن تأثير القداسة ، أي ان ننفصل عنه كي نراه من زاوية علمية بحتة. نعلم طبعا انه ليس يسيرا على المسلم ان ينظر في القرآن متجردا من تأثير القداسة الخاصة به. مع ذلك فان القران لايحتاج للتقديس كي يكشف عن كنوزه المعرفية. انه يحتاج فقط الى التامل العميق والصبر . تعدد مستويات المعنى أمر معروف عن القرآن. وحسب تعبير الامام جعفر الصادق ، فلو قلت انه سبعة ابحر او سبعون بحرا ، لما عدوت الصواب. المستويات الأعمق لا تنكشف في قراءة واحدة او زمن ثقافي واحد.
اراد ايزوتسو من كتابه "الله والانسان في القرآن" استكشاف الرؤية الكونية التي يدعو اليها القرآن. الرؤية الكونية هي الارضية الفلسفية التي تبنى عليها المنظورات الدينية الناظمة للعلاقة بين البشر ، وعلاقة البشر بالطبيعة ، والنظم التي تحدد كيفية تطبيق تلك المنظورات ، اي ما نسميه العقيدة او علم الكلام ، وما نسميه الشريعة او الفقه. كلا الامرين ، العقيدة والشريعة ينبغي ان يبنى على رؤية عقلانية وموحدة للعالم ، كي يكون منسجم الاجزاء ومعقولا.
اما منهج البحث الذي اتبعه ، فهو دراسة المعجم اللغوي للقران. اي التعابير التي صنفها كمفاتيح لفهم الحقل الدلالي الذي يؤدي في مجموعه ، وظيفة تفسيرية او توجيهية ، ترتبط بالمنظور الديني الاوسع. وفقا لايزوتسو فان الحقل الدلالي يتشكل من منظومة مفاهيم مفتاحية ، تتحول معه الكلمات والعبارات لتؤدي معاني جديدة ، مغايرة – بقدر او بآخر – لمعانيها الاساسية. كلمة "الساعة" مثلا لها معنى اساسي هو المدة الزمنية المعروفة. لكن حين تمر بآية "بل الساعة موعدهم والساعة ادهى وامر" فانك ستقرأها في اطار الحقل الدلالي المرتبط بيوم الحساب. أي ان المعنى الجديد للكلمة مستمد من السياق الذي وردت فيه.
وفقا لايزوتسو فان اللغة ليست اداة للتعبير عن معنى بسيط ، بل هي شريك في تكوين معاني الاشياء. ولذا فان دورها يتجاوز حدود التعبير عن الاشياء ، الى المساهمة في تشكيل الثقافة وتحديد حدودها ايضا. 
اراد ايزوتسو اذن تحليل لغة القرآن ، كي يصل الى منظور فلسفي تأسيسي. دعنا نقارن هذا بعمل محمد شحرور ، الذي تبنى منظورا فلسفيا واتخذه منطلقا لقراءة لغة القرآن. لقد عمل الرجلان على نفس الموضوع (نص القرآن) لكن اغراضهما كانت مختلفة. هذا وحده يكشف جانبا من المخزون المعرفي للنص القرآني ، الذي يستحيل ان يستوفيه نهج تفسيري بعينه أو زمن ثقافي بعينه.
الشرق الاوسط الأربعاء - 12 جمادى الأولى 1441 هـ - 08 يناير 2020 مـ رقم العدد [15016]
مقالات ذات علاقة

01/01/2020

جدالات ما بعد شحرور


فكرة هذا المقال معروفة لجميع القراء. واظنها مقبولة عند معظمهم . وخلاصتها ان اكثر المفاهيم مرهون بزمن محدد ، قد يمتد بضعة اعوام او عدة أجيال. 
نعلم طبعا ان بعض الأفكار قيم مجردة لا ترتبط بظرف زمني او مكاني. ومع ذلك فان مفاهيمها وتطبيقاتها تتغير مع الزمن. خذ مثلا قيمة العدالة التي عرفها الانسان منذ اقدم الأزمنة ، كقيمة سامية لا يجادل فيها أحد. لكنها فهمت وطبقت في تلك الأزمنة ، على صور نعتبرها اليوم نقضا للعدالة. 
من ذلك مثلا العقوبات القاسية كالصلب والحرق ، التي اعتبرها الانسان القديم عقوبات عادلة وعقلانية ، لكن انسان اليوم يرفضها ويستنكرها ويعتبرها هدرا للانسانية ونقضا لكافة القيم.
ومثلها الرق وتجارة البشر التي قبلها سابقا جميع أهل الأديان في مختلف البلدان ، ولم يروا فيها مخالفة لمقتضيات العدالة. لكنها اليوم مرذولة ومرفوضة عندهم جميعا. فهذه الأمثلة وغيرها تكشف ان الظرف الزمني-المكاني للفكرة جزء من حقيقتها أو جزء من مفهومها.
زبدة القول ان الارتباط بين الفكرة والزمن (او المكان) مما لا يختلف فيه اثنان. في هذه النقطة سيسألني أحد القراء: اذا كان الامر كذلك ، فما الجدوى من تكرار الكلام فيه؟
الداعي لتجديد الكلام ، هو كثرة ما لاحظته من تعليقات في الأيام العشرة الماضية ، تدل على ان الفكرة ، رغم اتفاق الجميع عليها ، لازالت منفصلة عن التفكير الفعلي ، سيما في الأمور المرتبطة – ولو من طرف بعيد – بقضايا الهوية والدين. أما مناسبة تلك التعليقات فهي رحيل المفكر المعروف محمد شحرور ، وما صاحبه من جدل بين من يتفهم اراءه ومن يعارضها. في هذا الجدل وجدت كثيرا من الناس يقولون: هل نترك آراء مفسري القرآن ونأخذ برأي شحرور؟. وثمة من قال: هل يعقل ان شحرور ومن يسانده ، قد فهموا ما عجز الصحابة والتابعون عن فهمه؟. بل ان بعض الدعاة اخذ المسألة لمنحى آخر بالقول: هل يصح ان نأخذ تفسير القرآن من مهندس معماري؟.
هذه التعليقات تنصرف الى معنيين في الغالب:
اولهما: ان القران (وبقية النصوص الدينية) لها معنى واحد يمكن لكل عالم باللغة ان يصيبه. ومن هنا فان التفسيرات الجديدة التي يقترحها محمد شحرور ، تتعارض مع الاحادية المفترضة للتفسير.
اما المعنى الثاني فهو ان قدامى المفسرين ، ومن نقلوا عنه من الصحابة والتابعين ، هم الجهة الوحيدة المؤهلة لتفسير القرآن او استنباط الاحكام الشرعية من النصوص ، ومن يعرض رأيه اليوم فهو متطفل.
لو قدمت هذا الشرح الى مئات الاشخاص الذين يشاركون في الجدالات الدينية ، فالمرجح ان اكثر من نصفهم سيوافق على واحد من المعنيين ، مع التعارض الواضح بينهما وبين المفهوم الأول الذي قلت انه من المسلمات وفحواه ان الزمن جزء من تشكيل الفكرة.
لا يمكن لشخص يفهم الفكرة الاولى بدقة ، ان يوافق على اي من المعنيين اللذين ذكرتهما للتو.  بعبارة اخرى فان الانسان الواعي يجب ان يختار بين القول بوحدانية الفهم والتفسير في كل الظروف ، او تعدد الفهم والتفسير مع تعدد الازمنة والظروف.
أظن انه قد حان الوقت كي تسأل نفسك عزيزي القاريء: هل ترى ان للنص القرآني او النبوي معنى واحدا ، يخبرنا عنه اقرب الناس الى عصر الرسالة ، ام ان لكل جيل مسلم الحق في تبني فهمه الخاص للنص ، بغض النظر عن افهام السابقين؟.
الشرق الاوسط : الأربعاء - 6 جمادى الأولى 1441 هـ - 01 يناير 2020 مـ رقم العدد [15009]
https://aawsat.com/node/2060551

25/12/2019

هكذا تحدث محمد شحرور


ينتمي الدكتور محمد شحرور لطائفة من المفكرين ، الذين لايرون انفسهم مدينين لأعراف المؤسسة الدينية التقليدية أو قيمها. وهو لا يرى نفسه مدينا لرواة الحديث ولا للفقهاء والمفسرين ، ولا لمنهجهم في قراءة النص الديني واستنباط الشرائع. بل انه لا يكتم انكاره للقيم والقواعد التي يجلونها ايما اجلال.
يعمل شحرور على أرضية فلسفية ومنطق استدلال مختلف. ولهذا فليس ممكنا ان يبلغ ذات النتائح المتعارفة في المدرسة الدينية التقليدية. في السطور التالية بعض أبرز العناصر التي تميز منهجه عن نظيره المتعارف في هذه المدرسة:
أولا: يتعامل شحرور مع الدين كبرنامج بحث مفتوح لكل الاجيال. يفهم الخطاب القرآني على ضوء توسع الانسان في فهم "كلمات الله" اي قانون الطبيعة. ولذا سيكون لكل جيل تفسيره الخاص المرتبط بما يستجد من معارف. ان تفسير القرآن في زمن ، يعكس بالضرورة المعارف المتوفرة في ذلك الزمن. لا يتعلق الأمر بالمحتوى اللغوي ، بل باستيعاب الرابطة العميقة بين الخطاب الرباني وقانون الطبيعة.
يتعارض هذا التأسيس مع المنطق الداخلي للمدرسة التقليدية في جانبين مهمين: أ) اعتبار رأي الاسلاف مرجعيا مقدما على رأي المعاصرين ، لانهم أقرب لزمن الوحي.  ب) التعامل مع تفسير القرآن كمعالجة للتركيب اللغوي والفني في النص.
ثانيا: ماسبق يعني ايضا ان جانبا من المنظومة الدينية اجتهاد بشري بحت. فهي ليست بكاملها سماوية (وفق ما يصوره الخطباء والمتحدثون). وقد صدم شحرور قراءه حين قال ان المحرمات 14 فقط. لانه يرى ان التحريم حكم خاص بالله ، وقد بينه القرآن بوضوح. اما بقية ما اشتهر في الفقه كمحرمات ، فهي ممنوعات عرفية ، وان حملت صبغة دينية باعتبارها ضرورة للنظام العام. وفقا لراي شحرور فانه ليس للرسول ولا الامام ولا الفقيه ان يحرم شيئا ، لكنهم جميعا مخولون بالنهي عن اي فعل يؤدي لمفسدة عامة.
ثالثا: تصحيح الاحكام الشرعية: حسب العرف الجاري  للفقهاء ، فان الحكم الشرعي يعتبر صحيحا ، اذا تم الاستدلال عليه وفق القواعد المعروفة في أصول الفقه ، وثبت ارتباطه بالنص (القرآن او السنة). اما شحرور فرأى ان الواقع ، هو المختبر الذي يثبت سلامة الحكم الشرعي او خطله. يجب ان يحقق الحكم مصلحة عقلائية ظاهرة او يرفع مفسدة ظاهرة ، ولا يصح الاحتجاج بما يسمونه مصالح خفية ، كما لا يكفي استناد الحكم الى نص قطعي الصدور أو صريح الدلالة ، لأنه قد يكون ناظرا لظرف تاريخي خاص.
رابعا: يعتقد شحرور ان الهوية الدينية (بالمعنى السوسيولوجي) ليست من لوازم الدين. المجتمع الديني بكل شعائره ونظم حياته واخلاقياته ، يجسد هوية ونظام حياة يختارها اتباع الدين. لكن هذه ليست دينا بالمعنى الدقيق. بل قد تتجلى روح الدين  في مجتمعات لا تحمل اي اعلان عن ديانتها.  وحسب تعبيره فان "لسان حال المجتمعات التعددية يقول ان الله واحد وغيره متعدد" وان "لسان حال المجتمعات المتطورة يقول ان الله ثابت وكل شيء عداه سبحانه متغير". بعبارة اخرى فاننا قد نرى تجسيدا للقيم الدينية الكبرى في مجتمعات تتبع سنن الله وان لم تظهر عليها سمات دين بعينه.
هذه جولة سريعة جدا تكشف ان فكر المرحوم شحرور ، يخالف الفكر التقليدي في المنطلقات والفلسفة العامة ، ولذا فهو يضرب في مسارات بعيدة جدا عن تلك المتعارفة في المدرسة التقليدية. هذا يجعل تاثيره محدودا ، لكنه يصنع – ولو ببطء – مستقبلا مختلفا جدا.
الشرق الاوسط الأربعاء - 28 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 25 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [15002]
 https://aawsat.com/node/2050906 

23/12/2019

ما الذي يجعل محمد شحرور مختلفا وبغيضا أيضا

||الثورات العلمية الكبرى تبدأ بنقد الأصول ومساءلة المسلمات ؛ أي إعادة موضعتها كحلقة في سياق تاريخي وليس نهاية العلم||
يُعد كتاب توماس كونبنية الثورات العلمية“، إضافة بارزة إلى فلسفة العلم. وقد واجه كثيرًا من النقد يوم ظهرت طبعته الأولى في 1962؛ لكنه ما لبث أن احتل مكانة بين أكثر الكتب تأثيرًا خلال القرن العشرين، وطبع منه ما يتجاوز مليون نسخة، كما تُرجم إلى 20 لغة؛ بينها “العربية”.
توماس كون
فسَّر هذا الكتاب سبب مقاومة المجامع العلمية النافذة للنقد الجذري، في مقابل ترحيبها بالنقد المستند إلى ذات المنهج والمعايير السائدة فيه.
حين تنطلق من ذات الأرضية التي يقفون عليها، فسوف تلقى ترحيبًا واسعًا، وستُطلق عليك أوصاف رائعة؛ سيُقال إنك إصلاحي ومجدد وعلامة، مهما كان نقدك حادًّا. لكن الأمر سيختلف حين تشكك في سلامة البناء العلمي للمنهج السائد، أو تؤسس لمنهج بديل، أو تنكر معيارية القواعد المتبعة في اختبار ونقد الأفكار. في هذه الحالة سيُنظر إليك كمتطفل يهدد استقرار وسلامة النسق السائد، وسيحاربك المئات من الناس، ليس فقط لأنك تدعو إلى أفكار مختلفة عن أفكارهم أو حتى غريبة وغير مألوفة؛ بل لأن القبول بهذه الأفكار سيؤدي -بالتبع- إلى إضعاف النفوذ الاجتماعي المرتبط بذلك المنهج، والتهوين من قيمة الأشخاص الذين يصنفون كرموز للمدرسة الفكرية أو القيمية القائمة على أساسه.
 الكتاب والقرآن” هو أول أعمال محمد شحرور، صدر في 1990، وأثار عواصف من الجدل لم تهدأ حتى اليوم. والحق أن شحرور لم يكن بالخصم السهل أيضًا، فقد واصل مجادلته لقائمة طويلة من المفاهيم والقواعد الرئيسية في التفكير الديني التقليدي؛ تبدأ من فهم النص والمصطلح، ولا تتوقف عند إنكار العشرات من الأحكام الفقهية، اعتمادًا على إنكاره صحة الأساس العلمي الذي قام عليه الحكم أو سلامة استنباط المجتهد من النص. بعض تلك الأحكام يرجع إلى تفسيرات للقرآن مستقرة ومورد اتفاق بين الفقهاء في عصور متوالية؛ مثل الأحكام المتعلقة بحجاب المرأة والمساواة بينها وبين الرجال في الميراث، ومثل الأحكام الخاصة بأهل الكتاب والكفار، ومعنى الولاية العامة للدين ودوره في الدولة، وكذا الحدود الفاصلة بين الديني والعرفي، ودور المجتمع في صياغة ونسخ القوانين الشرعية.
ربما لم تكن هذه الآراء لتثير ضجة لو صدرت من خارج الدائرة الدينية، أو أُقيمت على أرضية غير دينية؛ لأنها حينئذ لن تتحدى شرعية أو نفوذ القوة الدينية. ما أثار العواصف حولها هو أن صاحبها أقامها على بحث عميق في القرآن؛ بحث مختلف تمامًا عن المنهج المتعارف في المدرسة الفقهية التقليدية، لكنه في الوقت ذاته قوي من الناحية العلمية ومقنع لعامة القراء؛ بما يجعل السكوت عنه أو تجاوزه مستحيلًا. الحقيقة أن كثيرًا من الناس بدؤوا يطرحون هذه الآراء الجديدة على رجال الدين الذين اعتادوا متابعتهم، ويسائلونهم: لماذا لا تقولون بقول كهذا؟ هذا يعني بصيغة أخرى: لماذا استطاع شحرور أن يستخرج ما نبحث عنه ولم تستطيعوا؟
لو اقتصر شحرور على النقد من داخل المنهج واستعمل أدواته؛ فسيقدم شيئًا كثيرًا، ولن يتعرض إلى ما تعرَّض إليه من هجوم، وصل إلى اتهامه بالكفر والإلحاد وتأثره بالماركسية.. إلخ. لكن لو فعل هذا، فلن يكون أكثر من راوٍ يعيد التذكير بما سبق أن قيل، وإن في صيغة مختلفة. حينئذ فإن عمله سيكون أقرب إلى ما سمَّاه توماس كون “حل الألغاز/الكلمات المتقاطعة=puzzle_solving”، وليس اختراق جدار التقليد المزمن.
الكشوف التاريخية والثورات العلمية الكبرى تبدأ بنقد الأصول ومساءلة المسلمات والبديهيات؛ أي إعادة موضعة هذه المسلمات في مكانها الصحيح، كحلقة في سياق تاريخي لا كحقيقة تامة أو نهاية للعلم.
كيوبوست 23-ديسمبر-2019  qposts.com


02/05/2018

تجديد الخطاب الديني: رؤية مختلفة


|| ادعو لصياغة نموذج جديد للفكرة الدينية مواكب لتحولات الحياة المعاصرة ، يتأسس على رؤية غير تقليدية لمكانة الانسان في العالم الجديد ، وموقع الدين في حياته ||
مع اقتراب شهر رمضان المبارك ، يتجدد الحديث عن الحاجة الى تجديد الخطاب الديني. وهو مطلب يتفق غالبية المسلمين على عمومه. لكن آراءهم تتباين في معنى التجديد ومجالاته وحدوده. فمعظم الناس يصرفه الى تجديد الفقه وتيسير الاحكام ، وترك الشاذ والعسير. ويدعو فريق منهم الى مراعاة ما استجد في حياة الناس ، وما جاء في سياق الحداثة من تحولات ، في مصادر العيش وأنماطه أو في العلاقة بين الناس.
لكني أود دعوة القاريء الى معنى أبعد قليلا مما سبق. أعني به صياغة نموذج جديد للفكرة الدينية ، قادر على مواكبة تحولات الحياة في العصر الجديد ، الذي أهم سماته عولمة السوق والثقافة وسيولة القيم والهويات. نموذج كهذا ينبغي تأسيسه على رؤية غير تقليدية لمكانة الانسان في العالم الجديد ، وموقع الدين في حياته. وهو يستدعي بالضرورة تحررا من الانساق والاعراف الموروثة ، أي ما ورثناه وما تعارفنا عليه باعتباره صورة وحيدة للدين ، او تعبيرا وحيدا عن الايمان. 
مصطفى ملكيان
 في رمضان الماضي قدم العلامة د. محمد شحرور رؤية عميقة في هذا الاتجاه ، خلاصتها ان العالم الديني هو العالم الذي تتجلى فيه عقلانية البشر. الدنيا العاقلة هي التطبيق القاعدي للدين. ومن هنا فهو يميز بين الرؤية الكونية التي تصل الانسان بالعالم ككل ، وما فيه من بشر وأشياء ، وبين التشريعات والاحكام التي تحمل سمات الجماعة والمكان.
وفي هذا السياق يلح شحرور على ان الواجبات والمحرمات الدينية محدودة العدد. أما العشرات من الاحكام الاخرى التي تنطوي على الزام او منع ، فهي جزء من نظام ثقافي او قانوني ، يضعه المجتمع في ظرف محدد ، بحسب حاجاته أو أعرافه. ومن هنا فهي ذات مضمون محلي ان صح التعبير ،  وليست قواعد عمل  كونية ، كنظيرتها المستقاة من القيم العليا الاساسية.
في سياق قريب اقترح د. مصطفى ملكيان التركيز على ركني العقلانية والمعنوية ، كعمودين متساندين لأي رؤية دينية جديدة. المعنوية عنده هي جوهر الدين ومحور تمايزه عن الايديولوجيات البشرية. انها جوهر كافة الاديان ، وربما تشكل نقطة التقاء بين أتباعها ، بل وحتى نقطة توافق مع اولئك الذين لا يتبعون أي دين.
أما العقلانية عنده فتعني في أحد وجوهها ، قابلية الدعاوى الدينية للاختبار في هذه الدنيا. الدين المفيد هو ذلك الذي يمكنه تقديم حلول لمشكلات البشر الدنيوية ، ولا يكتفي باحالة العلاج الى الاخرة. لو اخذت نوعين من العلوم ، احدهما يعرض حلولا يمكن لك اختبار ثمراتها الآن ، بينما يدعوك العلم الثاني لتطبيق مقولاته ، وانتظار نتائج اختبارها العملي في الاخرة ، فما الذي سيتخاره الانسان العاقل؟.
الواضح ان كلا الرجلين يشير الى ثلاثة أركان للتفكير الديني الجديد: أولها محورية العقل في التشريع وتقديمه على النقل. وثانيها التمييز بين القيم الكبرى المعيارية ، وبين التشريعات ذات الطبيعة المؤقتة او المحلية. وثالثها هو التركيز على آنية الحل الديني ، وضرورة كونه قابلا للاختبار في الحياة الدنيا.
ينطلق الرجلان من فرضية ان الله سبحانه انزل الدين من أجل الانسان. ولم يخلق الانسان من أجل الدين. وبهذا فان مفهوم الطاعة والعبادة والايمان والسلوك الى الله ، يتخذ معنى مغايرا لما عرفناه من خلال تراث الماضين.
قد تتفق مع شحرور وملكيان وقد تخالفهما. لكن تنظيرات الرجلين تفتح افاقا للتأمل في معنى التجديد ، يتجاوز ما تعارفنا عليه حتى الآن. 
الشرق الاوسط الأربعاء - 16 شعبان 1439 هـ - 02 مايو 2018 مـ رقم العدد [14400]
http://aawsat.com/node/1255201

هل تعرف "تصفير العداد"؟

اشقاؤنا في اليمن هم اكثر العرب استعمالا لعبارة "تصفير العداد". ذلك ان رئيسهم السابق ، المرحوم علي عبد الله صالح (1942-2017) ...