‏إظهار الرسائل ذات التسميات الثقافة الشعبية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الثقافة الشعبية. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 6 أكتوبر 2006

ماذا تختار... عصا موسى ام المكنسة؟

 || ما يدفع الانسان الى العنف هو اكتشافه للمضمون السياسي للفقر. اهمال الدولة يولد عند الناس شعورا بان فقرهم ليس ناتجا عن تقصيرهم ، بل عن خلل في بنية النظام السياسي ، الذي لا يهتم بهم او لا يريدهم اغنياء ||
قبل وقت طويل نسبيا، كتب د. محمد جابر الانصاري عن مواطن عربي ينهض لحرب يتوقع مقتله فيها لكنه لا ينهض لتنظيف الطريق امام بيته. هذه الملاحظة العميقة يمكن تطبيقها على منظمات وحكومات تنهض لخوض حروب تنفق فيها مئات الملايين، وقد كانت تستطيع اتقاءها لو انفقت بضع عشرات من تلك الملايين على التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحسين مستوى الحياة لاولئك الذين تحاربهم.  بعبارة اخرى، فانت مخير بين ان تدفع مليون دولار لشخص كيف يكفيك شر الحرب او تنفق عشرة ملايين في الحرب عليه. 
 ربما يبدو هذا الكلام مغريا للناس الذين يحسبون المسألة رياضيا. لكن السياسة لا تدار على هذا النحو. السياسيون واصحاب التاملات يفضلون الابتعاد عن التبسيط، ويعتبرون كلاما من صنف الذي ذكرناه سذاجة مغرية. انا ايضا اعتقد انها فكرة ساذجة ومغرقة في التبسيط. لكني اجد - من ناحية اخرى - ان الحقائق بسيطة وان الفهم الساذج او الفطري هو اقرب الافهام الى جوهرها. كثير الكلام لا يغير حقائق الاشياء ولا يزيدها وضوحا.
الحرب في اليمن ، والحرب السابقة في السودان ، والحروب الاخرى التي طحنت المئات في الجزائر والعراق وباكستان وافغانستان ، كان يمكن تفاديها او على الاقل اختصار حجمها والامها ، لو انفقت موارد مناسبة على تنمية المناطق المشحونة بالعنف. جاء متمردو الجزائر من ولايات فقيرة بحثا عن حياة كريمة في العاصمة. وفي باكستان يدور التمرد المسلح في الولايات الجبلية الشمالية ، وهي الاشد فقرا وتخلفا في هذه البلاد. وانطلقت حرب السودان في الجنوب ، الذي طالما ضربته المجاعات والاوبئة بسبب غياب اي مشروع تنموي جاد.
ارتباط العنف بالفقر ليس من اسرار السياسة. منذ زمن طويل كان علي بن ابي طالب يقول "عجبت للجائع كيف لا يخرج في الناس شاهرا سيفه". يقدم د. تركي الحمد اشارة ذكية الى هذه العلاقة مستشهدا بتفسير الفيلسوف الفرنسي روسو ، الذي رأى ان الفقر بذاته لا يدفع الانسان الى العنف. ثمة كثير من الناس فقراء جدا لكنهم مسالمون. ما يدفع الانسان الى العنف هو اكتشافه للمضمون السياسي للفقر. اهمال الدولة يولد عند الناس شعورا بان فقرهم ليس ناتجا عن تقصيرهم ، بل عن خلل في بنية النظام السياسي ، الذي لا يهتم بهم او لا يريدهم اغنياء. عندئذ يجد الناس انفسهم امام خيارات كلها مريرة: الصبر على حياة بائسة، او الهجرة الى بلاد اخرى، او التمرد.
هذا وجه للمشكلة . لكن ما الذي يجعل التمرد خيارا وحيدا، رغم عواقبه الكارثية الواضحة؟. لو فكر كل فرد في حل شخصي لمشكلته، افليس من الممكن ان ينتهي جزء كبير من المشكلة؟.
هذا يعيدنا الى ملاحظة الدكتور الانصاري ، عن هوس العرب بالحلول الحاسمة واعراضهم عن الحلول الطويلة الامد والتدريجية. سواء كنا نفكر في مواجهة عدو او في تحسين مستوى معيشتنا ، فاننا نفكر دائما في حلول كاملة وفورية، حلول بالضربة القاضية. لا يختلف الافراد عن الحكومات، فالجميع يفكر على هذا النحو. احد الاسباب يكمن في  افتقار ثقافتنا الى القيم التي تعلي من شأن الحلول التدريجية والمساومة والتفاوض. لكن لعل السبب الرئيسي يكمن في فلسفة التربية والتثقيف ، التي تؤكد على احتكار الدولة للشأن العام.
نتعلم في مدارسنا ان الدولة هي الجهة الوحيدة المكلفة بتنمية البلاد. يضاف الى هذا ان الدولة لا تسمح عادة للافراد والجماعات الصغيرة ، باقامة اطارات خاصة لتنظيم مشاركتهم في الجهد التنموي. لا شك ابدا في ان المجتمع الاهلي يستطيع المشاركة في علاج المشكلات وملء الفراغات وتعويض مواضع القصور في الاداء الحكومي. ابسط الامثلة على ذلك هو النشاطات الثقافية والجمعيات الخيرية الاهلية التي تسد بالتاكيد فراغا محسوسا .
هل يعني هذا ان المجتمع قادر على معالجة مشكلة العنف والحروب المتنقلة؟
المؤكد ان المجتمع قادر على ان يشارك في العلاج. لكن دوره يتوقف على مبادرات حكومية لتمهيد الطريق امام المجتمع كي يقوم بهذا الدور. قبل ذلك يجب ان نفكر جديا في الثمن الباهظ الذي تدفعه الدولة للحرب على المتمردين، والذي كان يمكن توفيره او تخفيضه لو عملت على تبريد البيئات المنتجة للعنف والتمرد. هذا يحتاج طبعا الى مراجعة جذرية لخريطة توزيع الموارد المالية، اي توجيه الجزء الاعظم لانماء المناطق الفقيرة بدل شراء الاسلحة. 

الثلاثاء، 18 مايو 1999

سر الاســرار



يقول المؤرخون ان الانسان القديم كان أسيرا للطبيعة ، ويحدثنا القرآن عن حالات أصبح فيها الانسان عبدا لهذه الطبيعة ، وهو ما ثبت لاحقا مع تقدم الكشوف الأثرية ، وتحول دراسة الاثار إلى علم قائم بذاته ، وفي قصة النبي إبراهيم عليه السلام ، ايحاء واضح بأن انسان العصور السابقة ، كان مجذوبا إلى القوى الهائلة التي يتوهم الحاجة اليها ، استجلابا للخير أو اتقاء للشر ، وفي قصة النبي يونس عليه السلام إشارات إلى طقوس التضحية بأحد ركاب السفينة ، إرضاء لما يظنونه إله البحر الغاضب ، وفي قصة موسى عليه السلام ، إشارة إلى علاقة العبادة والعبودية بحاجة البشر إلى الماء والخصب والنماء ، يقول القرآن حكاية عن فرعون (اليس لي ملك مصر وهذه الانهار) .
ومنذ ان وجد الانسان على هذه الارض ، وحتى فترات متأخرة ، كان نهبا لعاملي جذب متعاكسين في الاتجاه ، عامل يدفعه لتسخير الطبيعة والسيطرة عليها ، من أجل الارتقاء بحياته ، وعامل يدفعه إلى الخضوع لقوى غير مرئية ومتوهمة ، باعتباره جزء من كون خاضع لتلك القوى ، فهو مجبور لها ، مضطر إلى مسايرتها وارضائها ، وقد ابتكر  الانسان فكرة اظهار الاحترام وتقديم القرابين ، وهي طريقة تجاري ما يتبع في ارضاء اقوياء البشر ، فهؤلاء أيضا يريدون الاحترام والقرابين ، لكي يرضوا على ضعفاء الناس فيكفوا الأذى عنهم .

ومع مرور الزمن وتشكل المجتمعات الحضرية أو شبه الحضرية ، دخل مفهوم العبادة وممارسة الطقوس الخاصة ، التي تستهدف ارضاء القوى الخفية (التي اصبحت في وقت لاحق تعتبر آلهة) كجزء من تشكيلة النظام الاجتماعي وجرى تنظيرها وتنسيجها في شبكة العلاقات الداخلية للمجتمع ومكونات هويته .

في المقابل تجلى العامل الاول في اجتهاد الانسان لتنظيم حياته والارتقاء بها ، وحظي بعض المجتمعات بنصيب وافر من التقدم المادي ، تدل عليه الكشوف الاثرية لشبكات الري المنظمة وهندسة البناء ، التي تستجيب لحاجات البيئة دون ان تضحي بالمتانة والجمال ، فضلا عن الطرق المدهشة لخزن الغذاء ، واستخراج الدواء من أعشاب الارض القليلة القيمة .
لكن رغم تقدم هذه المجتمعات ، فان انسانها بقي أسيرا لوهم القوى الخفية ، باختياره وقبوله في غالب الاحيان ، ولمسايرة النظام الاجتماعي في أحيان أخرى ، وفي حالات معينة كان هذا الاسر قسريا تحميه الانظمة السائدة والسلطان ، وقام فراعنة مصر ـ مثلا ـ بتطوير مفهوم العبودية ، بتحديده وصرفه إلى انفسهم ، فأصبح الانسان مضطرا إلى عبودية الآلهة المجهولة ، والتعبير عنها بالخضوع للفرعون المعلوم ، وهكذا تحول السلطان المادي البشري إلى تجسد للآلهة الخفية المتوهمة .

ومع ان الانسان قد ضرب أشواطا بعيدا في التقدم وتحرر العقل ، إلا ان أقواما كثيرة لا زالت تتعامل مع مفاهيم من هذه النوع باعتبارها مقبولة وطبيعية ، بل محبذة ، في اليابان مثلا كان الامبراطور يعتبر ابنا للاله الشمس ، وبقي هذا الاعتبار سائدا حتى نهاية الحرب الكونية الثانية ، وكان محرما على أي مواطن لمس الامبراطور باعتباره الها أو ابنا للاله ، وثمة أقوام لا زالت تنظر إلى الفيل والبقر والبركان وحتى الرموز الجنسية باعتبارها آلهة أو متعلقات للآلهة ، وهذا يشير إلى ان المسألة لا ترتبط بتقويم عقلي أو تحديد حسابي للفوائد والخسائر ، قدر ما ترتبط بحاجة هذه المجتمعات إلى رموز أو عناوين للحاجات ، بكلمة أخرى فان البقرة التي يعبدها الهندوس ، أو الفيل الذي يقدسه بعض البوذيين ، ليس عالما مفهوميا مستقلا ، بل هو عنوان أو رمز لعالم مفهومي آخر ، يتضمن معادلة للحاجات التي تولدها البيئة ، والحلول التي يقترحها المجتمع لسد تلك الحاجات ، ربما تكون هذه الحلول فعالة دائما ، وربما تكون فعالة في بعض الأحيان فحسب ، لكن وجودها يعالج القلق الانساني تجاه العجز عن الاستجابة الصحيحة لتحديات البيئة والزامات الحياة .

لو سالت اليوم هندوسيا عن فائدة البقرة له ، أو خطرها عليه  بشكل خاص ، ولو سالت يابانيا عن فائدة الشمس أو خطرها عليه ، فلعله لا يجد جوابا مقنعا ، لكن المسألة ليست محصورة في العلاقة الفردية ، والبقرة أو الشمس ليسا عالما مستقلا ، فاذا جردتهما عما يرمزان اليه ، فلن تكون الشمس سوى قطعة ملتهبة تنشر الضوء والدفء ، وهذا ما يمكن الحصول عليه من النار ، أو من مصابيح الزيت على سبيل المثال . البقرة والفيل والشمس ، هي رموز لعالم آخر ، غير العالم المادي .

البقرة والفيل والشمس من حيث هي كيانات مادية مستقلة ، تقابل حاجات الانسان المادية المستقلة ،  أي حاجته للدفء والركوب والطعام ، لكن من حيث هي رموز لعالم خفي ، فهي تقابل حاجات الانسان غير المادية وغير المحددة ، من قبيل الشعور بالضعف والضآلة  في عالم هائل العظمة والقوة ، والشعور بالعجز عن مسايرة هذا العالم وحل المشكلات الفردية ، والخوف من انعكاسات هذا العجز على سيرورة الحياة الخاصة ، انه قلق الوجود الذي رافق الانسان منذ أقدم الازمنة ، ولا زال ملتصقا به وان تحولت مصادره وأشكاله وسبل التعبير عنه ، نحن اليوم نتكلم عن السحر والجن واستحضار الارواح والمخلوقات الفضائية ، وهي كلها تعبيرات عن ذلك العالم نفسه ، ومحاولات للتوصل إلى حلول من خلال رموزه الخاصة ، بعيدا عن الحدود الصعبة لعناصر الحياة المادية .

الثلاثاء، 11 مايو 1999

كشف الأســـرار



يقول زميلي ان الصحف ترغب في نشر التحقيقات عن الظواهر الغريبة ، لأن هذا النوع من المواد يستقطب قراء كثيرين ، وقبل القراء يأتي المعلنون ، فالصحيفة تهتم بالقاريء لأنه طريق إلى المعلن ، وليس ـ على اغلب الظن ـ من أجل توسيع نطاق الثقافة أو تعميمها ، لكني لاحظت ان شبكات التلفزيون قد لحقت هذه الايام بالصحافة ، تلفزيون عجمان مثلا بث ندوة مطولة حول الطب الروحاني (الاسبوع الاول من مايو 99) (ولا اريد استعمال الاسم المتداول الذي يعرفه الجميع (العلاج بالقرآن ) وقبله بثت قناة الجزيرة برنامجا ، مهدت له باعلانات مفصلة طيلة اسبوعين ، حول عالم الجن والعفاريت ، وقد فهمنا السر في الاهتمام بالبرنامجين ، من كثرة الاعلانات التي تخللت عرضهما ، رغم ان تقديرهما العلمي لا يرتفع عن الصفر ، حتى لو استعملت اقوى الرافعات .
في ذينك البرنامجين وفي الكثير مما تنشره الصحافة تسمع سؤالا مكررا ، يستتبع جوابا لا يقل عنه سذاجة ..
-           سؤال : ما رأيك في الجن أو وجود الجن ؟
-           الجواب:الجن مذكور في القرآن .
-           سؤال : هل السحر حقيقي؟ 
-           الجواب : السحر مذكور في القرآن .
وواضح ان غرض الاشارة إلى القرآن هنا هو تسويق مجموع الفكرة ، الصحيح منه والخرافي .
ولأن الموضوع حقل الغام ، لا يأمن الكاتب من غضب من تخشى غضبته ، لو قال فيه بخلاف المقرر ، فسوف اتجاوز الحديث عن ذات الموضوع ورايي في قيمة الآراء التي يطرحها هواة هذه النوع من الاحاديث ، إلى مسألة أخرى بعيدة قليلا عن الموضوع وبعيدة أيضا عن حقول الالغام .

يهتم الناس عادة بالامور التي لها تأثير خاص على حياتهم اليومية ، لكنهم يهتمون أيضا بالامور الغامضة والغريبة ، لا لأنها ذات تأثير عليهم ، بل لنوع من الفضول وحب الاستطلاع ، يولد رغبة جامحة لكشف الاسرار ، بغض النظر عن فائدة هذا الكشف .

وتتبع وسائل الاعلام أساليب معروفة في تجارة الاستعراض ، غرضها استقطاب اهتمام المتلقي ، ومن بينها ابراز مظاهر الغموض ، بالتوازي مع وعد بمساعدة المتلقي على كشف السر .

 وإذا كانت اهتمامات العرب قد تركزت حتى الان على السحر والجن والعين والعلاج الروحاني ، فثمة في الغرب من وسع اهتمامه إلى ما هو أبعد ، وتنشط في بريطانيا والولايات المتحدة جمعيات للقادمين من الفضاء الخارجي ، يقول أعضاؤها انهم ينتمون إلى أقوام تسكن كواكب خارج مجموعتنا الشمسية ، أو انهم التقوا بمخلوقات فضائية جاءت في سفن فضاء أو صحون طائرة .

 وثمة جمعيات تعتني بالظواهر الغريبة التي يصعب تفسيرها ، ويبدو ان كثيرا من الناس هناك قد اقتنعوا بوجود عوالم تطل علينا ، دون ان نعرف عنها شيئا ، وينقل د. عبد المحسن صالح في كتابه (الانسان الحائر بين العلم والخرافة) الذي صدر ضمن سلسلة عالم المعرفة ، ان كاتبا اميركيا هو تشارلز بيرلتز باع من كتابه المسمى (مثلث برمودا) خمسة ملايين نسخة ، مما شجعه على إصدار كتاب مماثل بعد أقل من سنتين ، عنوانه (من دون أثر) ولا شك ان رقم الخمسة ملايين كبير بكل المقاييس ، رغم ان مادة الكتاب ليست سوى صياغات روائية ، فيها الكثير من الخيال وفن التشويق ، عن حوادث جرت فعلا وأمكن تفسيرها بالطرق العلمية المعروفة ، لكن الكاتب أضفى عليها كثيرا من الاثارة ، بادعاء انها بقيت دون تفسير ، أو انها تضمنت أو ترافقت مع ظواهر موازية من النوع الخارق أو المستحيل التفسير ، مثل حديثه عن سفينتين غرقتا في مثلث برمودا الشهير ولم يعثر لهما على أثر ، بينما تقول سجلات شركة التامين ان كلا السفينتين غرقتا في مكان يبعد مئات الاميال ، وان اسباب غرقهما معروفة تماما .

وعلى النسق ذاته اشتهر في البرازيل والفلبين وبعض الاقطار الاسلامية اطباء روحانيون، يدعون القدرة على شفاء البدن من الامراض بدء من قشرة الرأس وانتهاء بالسرطان ، ويدعي بعضهم القدرة على شفاء الام الروح ، بدء من الاكتئاب وانتهاء بانفصام الشخصية، أو ما يسميه البعض تلبس الجن .

ونستطيع ان نفهم السر في الاهتمام الشديد لدى الانسان بهذه الامور إذا كان مكتفيا ومرتاحا ، فالاكتفاء يولد شعورا بالفراغ الداخلي ، ورغبة في السيطرة ، ويولد الشعور بالفراغ رغبة في الانشغال بشيء جديد غير مألوف ، اما حب السيطرة فيولد حاجة إلى معاندة ما يبدو مستحيلا ، ومن بينها كشف الاسرار والغوامض ، سيما وان هذا النوع من الكشوف ، لا يستدعي بذل جهد ولا مصارعة عقبات .

لكني تساءلت دائما عن علة اندفاع الناس الذين تطحنهم دواليب الحياة بلا رحمة ، إلى بذل المال والجهد والوقت بحثا وراء الجن والعفاريت والسحر والفناجين والفال وما إلى ذلك ، ولاحظت ان هذه الامور اكثر انتشارا في الطبقات الاجتماعية الفقيرة ، فهل لهذا دلالة خاصة ، هل هو تعبير عن اليأس من الحلول المادية والعقلانية؟ .
ثم تساءلت عن السبب الذي يجعل لهذه الاشياء ظهورا متزايدا في اوقات معينة ، ثم غيابها عن واجهة الاحداث في أوقات أخرى ، فهل لها علاقة بظروف اقتصادية أو اجتماعية محددة؟ .

الأربعاء، 5 مايو 1999

الجـن سيــد العالم

|| معظم الذين يتحدثون عن الجن يبدأون باعلان جهلهم بالموضوع ثم يتحولون للحديث عن تفاصيله ، كما لو كانوا محيطين به||

سألت معلمي يوما عن الجن ، أين يوجدون وكيف يعيشون ، فأجابني بسؤال معاكس : وهل هناك ما يمنع وجودهم ؟ فأعدت عليه السؤال : وهل هناك ما يوجب وجودهم ؟  الاصل في كل شيء العدم ، والوجود يحتاج إلى دليل على حدوثه .
قال لي : ان تعبير (الوجود) الذي نستعمله للدلالة على ما يقابل العدم ، ربما يعجز عن حمل مفهوم الوجود بكل معانيه ومضامينه ، فنحن نفسر العدم بما يعادل اللاشيء في المعنيين المادي والمجرد ، لكننا غالبا ما نطلق تعبير الوجود على الأشياء القابلة للتحديد ،  أي المشهودة ، أما الغائبة وغير المحددة ، فربما نظنها قابلة لأن توجد ، ولا نعتبرها موجودة بالفعل ، رغم انها موجودة كذات خاصة ، خارج إطار وعينا وحدود إدراكنا .
نتيجة بحث الصور عن الجن
قلت له : فهل تعتبر الجن من هذه الموجودات خارج إطار وعينا ؟ .
قال لي : ان القول بوجودها ربما يستدعي سؤالا عن طبيعة هذا الوجود ، فما دام الانسان قادرا على ادراك وجود شيء ، فلا بد ان يمتد الادراك إلى معرفة طبيعته ، هذه المعرفة توجد علاقة من نوع ما بينه وبين الانسان ، فاذا وجدت العلاقة ، كانت داعيا لإقامة نظام يحكمها .
علاقة الانسان مع الكون محددة ومضبوطة بنظام شرعه الخالق ، وفصله الانبياء والعلماء ، فهو عبد لخالق الكون ، سيد لبعض ما في الكون ، ومساو للبعض الآخر ، وبحسب ما وصل الينا وما توصلنا اليه من أحكام في علاقة الانسان بعناصر الكون ، فانه لا توجد أحكام خاصة بالعلاقة مع كائنات مما نتحدث عنه الآن مثل الجن .
قلت لمعلمي : فهل تريد الوصول إلى ان عدم تنظيم احكام العلاقة بهم دليل على عدم وجودهم ؟ .
قال لي : لا يستطيع العاقل الجزم بعدم وجودهم ، فقد سلف القول ان تعبير الوجود قد يعجز عن حمل الفكرة بتمامها ، ربما نستطيع الجزم بعدم ايجادهم ، لا عدم وجودهم ، حدود معرفتنا الحاضرة لا تتجاوز الكون المادي ، وما نعرفه عن الكون الآخر فوق المادي ، لا يتجاوز المعرفة النقلية ، نحن نعرفه لأننا قبلنا بما سمعناه ، لا لأننا أدركناه بالوسائل العقلية أو التجريبية ، لكن هذا يختلف عن مسألة الجن في ان طبيعته معروفة إلى حد ما ، والعلاقة معه مضبوطة ومحددة .
قلت لمعلمي : الحديث الدائر عن الجن في في مجتمعات العالم ، ومن بينها مجتمعات المسلمين ، ليس كلاما عن اكتشاف ما خارج الحدود المادية لكوننا ، بل عن تداخل للجن في حياة هذا الكوكب ، يتحدثون أحيانا عن سيدة ما عشقها جني وأجبرها على الزواج منه ، أو رجل تلبسه جني فأصبح عبدا له يتصرف كآلة مبرمجة ، أو بيت (مسكون) يشعر أهله بحياة أخرى تدور فيه غير حياتهم ، فهذه وأمثالها تعبيرات عن وجود ضمن عالمنا ، وجود متداخل مع وجودنا بل هو جزء منه ، ولهذا فان الناس يتساءلون عن طبيعة هذا الوجود ، ولأنهم لا  يعثرون على جواب ، فهم يسكتون عن التفصيل ، ويحيلون الأمر إلى من لا يمكن مطالبته بالتفصيل أو الدليل ، فيقولون مثلا ان (الجن مذكور في القرآن) وهو مذكور حقا .
قال معلمي : نحن لا نعلم إذا كان الجن المذكور في القرآن هو الجن الذي يتحدثون عنه الآن ، تعبير (الجن)  الذي نستعمله غير محدد المعنى ، وأطلق العرب التعبير على ما هو قوي وخفي ،  ولو سألت عنه لأخبروك بانه وصف لكائنات هائلة القوة غير مادية وغير قابلة للتحديد ، وهذا يساوي عدم المعرفة ، فالأوصاف المذكورة تصورية لا تطبيقية ، القرآن استعمل تعبيرات متداولة لتقريب المعاني ، دون ان تكون مقصودة بذاتها ، مثل تقريب وصف الجنة إلى ما يعادل البستان الوارف ، المليء بالفاكهة وأنهار الخمر والعسل ، رغم ان الجنة توصف في الاثر بما ( لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) .
هذا أولا ، أما الثاني فهو ان الحوادث التي تذكر عادة ، تأتي في سياق التقرير المسبق للوصف والاستنتاج ، بمعنى ان الناس الذين تقع لهم هذه الحوادث أو  يسمعون بها ، لا يضعون جميع الاحتمالات الممكنة ، وأحدها ان لا يكون الأمر متعلقا بالجن على الاطلاق ، بل يسارعون إلى اعلان عجزهم عن معرفة ما يرون أو يسمعون ، فيحيلون الامر إلى دائرة (القوى الخفية) التي يسمونها الجن ، لكنهم بعد هذه الاحالة يعودون إلى ادعاء العلم ،  فيقررون ان الاحتمال الوحيد هو تدخل الجن ، وطالما كان الامر كذلك فمن الممكن التعامل معه ، وهذا الانتقال السريع من النقيض  أي الجهل بالشيء ، إلى نقيضه  أي ادعاء العلم به ، هو أحد الآفات المعروفة في ثقافتنا ، وهي تظهر هنا وفي أماكن كثيرة أخرى .
عكاظ 5 مايو 1999

الاثنين، 29 مايو 1995

الناس والسياسة



ان قلة المعلومات المتاحة لعامة الناس حول مهنة السياسة ، هي السبب الرئيسي لشعورهم بغربتها وبعدها عن عالمهم ، وبالنظر الى الظروف المحيطة بالعمل السياسي في العالم الثالث ، ولاسيما عدم الاستقرار ، وماينشأ عنه من مشاحنات يطال شرارها بعض الناس احيانا ، فقد استقر العرف العام على تفضيل البعد عن السياسة ، باعتباره سبيلا للسلامة .
وينطوي تحت القرب من السياسة ممارستها ، كما ينطوي تحته مجرد الحديث فيها سلبا او ايجابا ، وفي بعض الازمنة ـ لاسيما في السنوات الماضية ـ كان الحديث في السياسة لايجري الا بين المقربين وأهل  الثقة ، حتى لو كان مضمونه غير مثير او غير معاد لجهة محددة ، فالحديث كان تدخلا ، و (التدخل في السياسة) كان تهمة خطيرة ، بغض النظر عن مضمون ومعاني ذلك التدخل .

الخوف والجهل
ويبدو لي ان الخوف من السياسة ـ وهو طبع تجده عند معظم العامة وكثير من المثففين في العالم العربي ـ قد ادى بهم الى تجاهل متعمد لما يجري في اروقتها ، تجاهلا ادى بالتدريج الى جهل حقيقي بها وبمضامينها واساليبها . وقد يبدو الجهل بالسياسة ، مريحا لبعض من يعنيهم امرها ، لكنه ـ بالنسبة للحكومات على وجه الخصوص ـ سبب للمتاعب ، ومعيق لمبادرات اصحاب القرار .

وفي ظني ان الكثير من مشروعات الاصلاح التي لم يجر تنفيذها ، انما اعيقت بسبب القلق من ردود الفعل السلبية ، من جانب الجمهور ، او على الاقل من جانب الاشخاص ، الذين يتمتعون بقوة تاثير على الجمهور ، على الرغم من ان تلك المشروعات ، لم تات الا بعد الدراسة والتمحيص ، وبعد ان دارت في اذهان الزعماء ورجال السياسة ، حتى اختمرت وتأكد صلاحها .

ان القلق من الاستقبال السلبي لمشروعات الاصلاح ، هو سبب مهم جدا لتعطيلها ، مع مايترتب على ذلك التعطيل من تفويت للمصالح العامة ، اذكر على سبيل المثال ان سياسات تحرير الاقتصاد التي اتجه اليها عدد من البلدان العربية منذ منتصف السبعينات ، لم تنطلق بالقوة المطلوبة ولا بالعمق الكافي بسبب معارضة الناس لها ، معارضة انطلقت من فهم غير دقيق لفوائد السياسات الجديدة وتاثيراتها على حياتهم وسبل عيشهم .

نتاج السنين
عدم الفهم الدقيق هذا لم يات من فراغ ، بل هو نتاج لسنوات طويلة من الجهل بحقائق مايجري في البلاد ، جهلا ادى بهم الى الريبة في كل مبادرة تقوم بها حكومتهم ، لاسيما اذا بدا انها ستكلفهم بعض العبء في البدايات .

وقد جرت عادة السياسيين العرب على اخفاء الحقائق عن جمهورهم ، او لنقل ـ على سبيل التحفظ ـ انهم لم يعتادوا اعلام الناس بحقيقة مايدور في بلادهم ، من نجاحات ومن اخفاقات .  وتبعت الصحافة ووسائل الاعلام هذه السيرة ، فهي لاتقول للناس الا ماسبق ان قاله اصحاب الشأن ، او ما رغبوا في قوله ، وهو في العادة قطر من بحر الحقيقة ، هذا اذا كان صحيحا .

وأذكر ـ على سبيل المثال ـ جدلا دار بين اثنين من الزملاء ، حول ظروف الاستثمار في بلد عربي كبير ، وكانت كبرى الصحف قد نشرت في ذلك اليوم ، تحقيقا على صفحة كاملة ، حول مصنع للتلفزيون والالكترونيات ، تابع لشركة حكومية قابضة ، وتحدث رئيس الشركة التي تنضوي تحتها مصانع اخرى حول طاقة المصنع ، والمستوى التقني الرفيع لعمله  ، واعتماده على اليد العاملة الوطنية (من الباب الى الباب) واعتبره مثالا ناجحا ، لجهود العرب في نقل التكنولوجيا وتوطينها . وأقسم احد الزميلين ان المقال كاذب (من الباب الى الباب) وقرر الاخر انه لابد ان يشتمل على شيء من الحقيقة ، اذا لم نقل كثيرا منها ، وفي النهاية فقد تحدثوا الى احد مهندسي المشروع ، الذي اخبرهم بان الكلام الذي نشرته الصحيفة ، هو نص كتيب دعائي ، كان المصنع قد وزعه لمناسبة افتتاحه قبل بضع سنوات ، اما رئيس الشركة الذي تحدث للصحيفة ، فهو برتبة وكيل وزارة ، لم يسبق له ان زار المصنع منذ ان تولى منصبه ، اما المصنع نفسه فهو مغلق منذ عامين ونصف ، بسبب نقص العملة الصعبة ، الضرورية لاستيراد المواد الخام وقطع الغيار .
وقد ضحكنا على انفسنا وعلى مجادلاتنا ، وعلى  تمنياتنا الساذجة .

مايقال في العادة
ولو تابعت تصريحات اهل السياسة أو الاعلام في بلد ، لظننت سكان الجنة يحسدون اهل هذا البلد ، على ماهم فيه من نعيم ، فلا مشكلات ولاصعوبات ، بل انتصارات وانجازات ومكاسب تتوالى كل يوم ، واذا وجدت مشاكل فهي تافهة ولاتستحق الذكر ، وهي معروفة ومحددة ، وهناك من يقوم بحلها ، بحيث لايستحق الامر حتى مجرد الالتفات اليه ، فضلا عن القلق  لاجله .

اما اذا اطلت الازمات برأسها فالتبرير موجود في الجيب الثاني ، فمن يتحدث عن ازمة كاذب ، ومن يشير الى مشكلة مغال ومبالغ ، وان مايقال مجرد اشاعات مسمومة يطلقها الاعداء والاجانب ، الذين يتآمرون على البلاد ومكاسبها ، الى آخر قاموس التبرير المعروف .
لقد مضى زمن كانت الاقطار العربية ، تتعرض بالفعل لحملات اعلامية ، تستهدف الضغط عليها لابتزاز مواقف سياسية ، لكن يبدو ان احدا لايصدق الان ان كل مايقال هو اشاعات مغرضة ، لان الناس اصبحوا غير قادرين على ابقاء عيونهم مغمضة واذانهم محشوة بالطين ، خاصة وان اصحاب الشأن من زعمائهم لايتكلمون ، واذا تكلموا فانهم يقيسون كلماتهم بالمثاقيل .

لهذا السبب نجد ان معظم العرب ، لايستمعون الى وسائل الاعلام الوطنية في بلادهم ، واذا استمعوا اليها فانهم لايصدقون ماتقول ، حتى يجري تكراره من مصادر اعلامية اخرى ، ولا أظنني مجافيا للحقيقة ، اذا قلت بان الاذاعة البريطانية ، هي الاذاعة التي تحظى باكبر عدد من المستمعين في العالم العربي ، لاسيما في اوقات الازمة ، حينما يشعر الناس بالحاجة الى المعلومات .
 هذا التطلع العام الى مصادر المعلومات في الخارج ، يستبطن اتهاما لصدقية وسائل الاعلام الوطنية ، وجدوى ماتقدمه للجمهور .

طير في السرب
والحقيقة ان الاذاعة والصحافة لاتستطيع ان تغرد خارج سربها ، فاذا كانت السياسة مغلقة في بلد ، فلابد ان تكون الصحافة والاذاعة كذلك ، واذا كانت مفتوحة وشفافة ، فان وسائل الاعلام مجرد تعبير عن حقيقة تجري ، قد توسع اطارها قليلا أو قد تضيقه قليلا ، لكنها لاتستطيع ان تكون غير ناقل لحقيقة تجري على ارض الواقع .

لو كان الناس يعرفون حقيقة مايجري في بلدهم ، اذن لاستطاعوا توقع ماسيأتي من أزمات ، واذن لبادروا في تقديم العذر لحكومتهم اذا واجهوا المشكلات ، بل ولعل بعضهم يبادر الى شد ازر الحكومة ومساعدتها في البحث عن علاج ، ولاشك ان بعض الجمهور قادر على تقديم العون اذا وجد الطريق مفتوحا وتلمس حرارة الترحيب .

والعمل في السياسة في أي بلد من البلدان العربية ، زراعة للهموم ووجع القلب ،  ويبدو لي ان معظم السياسيين العرب ، كثير منهم على الاقل ، يرغب في ان يشاركه الناس همومه ، لكنه يجد صعوبة في الانتقال من الانغلاق الكامل الى الانفتاح ، من الحجب الثقيلة الى الستائر الخفيفة الشفافة .

 وثمة من السياسيين من لايزال مسكونا بهاجس الانكشاف امام الاعداء ، او انكشاف العيوب امام الاصدقاء ، فهو بين اقدام واحجام ، يدفعه الى الصراحة رغبته في تخفيف اعبائه ، ويعيده الى محله خوف العواقب .
لكن من ناحية اخرى فان اغلاق الابواب لايحل المشاكل ، وان أخر انكشافها ، كما ان فتح الابواب لاياتي بالحلول السحرية ، انه وسيلة للتواصل بين اللاعبين وجمهورهم ، لجعل الميدان اكثر الفة واكثر دفئا .

وهو الى ذلك الوسيلة الوحيدة لجعل الجمهور سندا وعونا في المشكلات ، فضلا عن كونه سبيلا لتمكين السياسيين من انفاذ اراداتهم ، واطلاق ايديهم في طريق النجاح .


نشر في (اليوم) 29 مايو 1995

المساواة: اشكالات المفهوم واحتمالاته

بقلم ايزايا برلين (*) ترجمة د.   توفيق السيف ربما ترغب أيضا في قراءة: برنارد وليامز:    فكرة المساواة   ديفيد ميلر:  ا لمساو...