‏إظهار الرسائل ذات التسميات الهوية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الهوية. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 25 ديسمبر 2012

(كتاب) ان تكون شيعيا في السعودية



يعالج هذا البحث مسألة الاندماج الوطني وبناء دولة الامة في المملكة العربية السعودية ، متخذا المسألة الطائفية ، ولا سيما حالة المواطنين الشيعة ، موضوعا للبحث. يعتقد الكاتب ان المسألة بحاجة الى معالجة سياسية. وتحاول هذه الدراسة توفير اساس نظري لهذه المقاربة ، من خلال إعادة تعريف المشكلة وتوضيح العوامل التي ساهمت في تحويلها من مسألة اختلاف مذهبي الى بؤرة توتر سياسي وعامل اضعاف للوحدة الوطنية والاستقرار. 
يقترح الكاتب معالجة من ثلاثة مستويات للمشكل الطائفي، تستهدف اعادة بناء الهوية الوطنية على قاعدة الحقوق المتساوية والاقرار بالتنوع الثقافي.

يمكن تنزيل الكتاب من موقع فور شيرد على الرابط التالي

الأربعاء، 13 أبريل 2011

الوطن شراكة في المغانم والمغارم



 الرياض  - 9 / 1 / 2011م 
تحدث الدكتور توفيق السيف، في منتدى د. راشد المبارك بالرياض هذا الاسبوع، حول مفهوم الوطن، المواطن، المواطنة، الوطنية، فأشار إلى أنها تعبيرات شائعة يختلط في معناها الوصف بالقيمة. لكنها جميعا تنطوي على إشكاليات أساسية، مصدرها كما تطورها خارج الإطار المعرفي العربي، وتطبيقها على نحو متغاير مع حاجات الناس في العصر الجديد.
وأضاف ان مفهوم المواطنة المتداول الآن يشير إلى منظومة من الحقوق الدستورية يتمتع بها الفرد مقابل ولائه لوطنه. وتعتبر الثورتان الفرنسية «1789» والامريكية «1775» محطات حاسمة في تطور المفهوم، الذي قصد من صياغته تمييز المواطن ذي الحقوق عن المفهوم السابق الذي يعتبر الخاضعين لسلطة الامبراطور رعايا أو أتباعا يتوجب عليهم طاعته دون مناقشة. عرف ارسطو المواطن بأنه «الرجل المؤهل لتولي المناصب العامة»، وهذا مفهوم أساسي في الفكر الدستوري المعاصر فهو ينطوي على جانب كبير من فكرة المسؤوليات المتبادلة بين الدولة والأفراد .
د. راشد المبارك
والوطن بالمفهوم السابق ليس عميق الجذور في الثقافة العربية. فقد انتقل إليها من الإطار المعرفي الأوربي، ولم يتحول إلى جزء نشط ومتطور في النسيج الثقافي العربي. والسبب يرجع إلى ضآلة الإنتاج الفكري الجديد في اللغة العربية خلال القرن العشرين، وهذا الفقر اظهر ما يكون في حقول الفلسفة السياسية وعلم الاجتماع والقانون، وهي الحقول العلمية التي عولجت في إطارها فكرة الوطن والدولة في صورتهما الحديثة.
وأشار إلى مفهوم الوطن الرومانسي والوطن المادي، فأضاف إن الإذاعة والتلفزيون والصحافة والمدارس يتحدثون عن الوطن الذي نحبه ونفديه ونعظمه ونفخر به أما الوطن المادي الواقعي فهو الذي تقابله حين تخرج صباحا الى المدرسة او العمل، تسمع عن مشكلة. وتقابله حين تريد التعبير عن رأيك أو تختار مكانتك ودورك وحصتك في الفرص وفي كلف المواطنة، وفي القانون الذي تخضع لمتطلباته، وفي العلاقة مع الذين ينفذون هذا القانون.
بعبارة أخرى فان الوطن الرومانسي هو الوطن الذي نحمله ونحميه ونفديه، أما الوطن المادي فهو الوطن الذي يحملنا ويحمينا ويفدينا. هذا الوطن ليس مجرد ارض حتى لو كانت مقدسة، بل هو شرفي المغانم والمغارم ونظام للتكافل الجمعي يتساوى فيه صغير القوم مع كبيرهم، قريبهم وبعيدهم.
مقابل هذا المفهوم، يتكون مفهوم الوطن في الفكر الحديث من ثلاثة عناصر: الأرض «السيادة على إقليم محدد» وعقد اجتماعي ينشيء نظاما سياسيا ذا ملامح محددة، ومشاركة نشطة من جانب كل مواطن في تقرير أو تسيير امور البلاد.

الفوارق بين المفهومين

ثمة عناصر أساسية يتفارق عندها مفهوم الوطن الجديد عن المفاهيم الثلاثة السابقة:
1.      مفهوم الجماعة ويركز على عنصر الإيمان باعتباره أرضية العلاقة بين أعضاء الجماعة، ويتضمن هذا المبدأ منظومة حقوق وتكاليف متقابلة، من بينها الضمان القانوني للحريات الطبيعية والمدنية وتساوي الفرص والمشاركة في الشأن العام.
2.      مفهوم الأمة يقارب إلى حد كبير مفهوم "الاثنية" أي الرابطة القائمة على مشتركات ثقافية أو عرقية، وهو لا يعد في العلوم السياسية الحديثة أساسا لعلاقات دستورية أو سياسية.
3.      مفهوم "الوطن" في التراث الإسلامي وينطبق على القرية أو مسقط راس الإنسان.

ظهور وتطور مفهوم الوطن المعاصر

 مفهوم الوطن الجديد يتألف من ثلاثة عناصر أساسية: ارض وعقد ومشاركة نشطة. تبلور هذا المفهوم وتطور خلال ثلاث مراحل، إلا انه لم يتطور في بلادنا.
ومن ثم طرح الدكتور توفيق السيف سؤالا جوهريا ومهما، قائلا لماذا لم يتطور هذا المفهوم في بلادنا؟
واجاب قائلا ان فكرة الوطن تؤسس لمبدأ المواطنة والمتوفر منها بشكل صريح وواضح هو الأول فقط. أما الثاني والثالث ففيهما نقاش وقد يقال أنهما - بنسبة ما - متوفران لشريحة من المواطنين..
و نستطيع القول دون مجازفة بان فكرة الوطن لازالت محل جدل، وان مبدأ المواطنة لازال غير مستقر ثقافيا ودستوريا. ثم عرض ثلاثة أسباب محتملة لهذا الحال، لا تشكل تفسيرا كاملا، لكنها تشير إلى طبيعة المشكلة التي نحن بصددها:
الاول - ثقافتنا الموروثة تدور حول محور "التكليف" او الواجب وليس "الحق". حين نربي أولادنا فإننا - في العادة - لا نعلمهم حقوقهم وواجباتهم، بل الأخير فقط، ونعتبر الولد الفاضل والمهذب هو الذي يلتزم بالتكاليف التي عليه. كذلك الأمر في المدارس والإعلام والمنابر الدينية. نحن نتحدث كثيرا عما يجب علينا وما لا يجب، لكننا لا نتكلم إلا نادرا عن حقوقنا وحقوق الآخرين. هذا سائد في اللغة والأدب والتعليم والإعلام والتربية
الثاني- قبل ثمانية عقود تأسست المملكة كمجتمع سياسي جديد اندمجت فيها مجتمعات تنتمي إلى خلفيات اقتصادية وتاريخية متنوعة، وفي بعض الحالات متباينة. يتحدث علماء السياسة عن مرحلة وسيطة بين قيام الدولة واكتمالها، يجري خلالها بناء الدولة «اي النظام السياسي» وبناء الأمة أي «المجتمع السياسي». عملية بناء الأمة تستهدف تسكين الهويات السابقة للدولة في إطار يتفق عليه الجميع هو الهوية الوطنية الجامعة التي تقر الهويات الأصلية لكن تنزلها من الإطار السياسي إلى الاجتماعي - الثقافي. تتطلب هذه العملية إستراتيجية إدماج واسعة لربط اقتصاديات المناطق وتوحيد القوانين المطبقة فيها وكشفها ثقافيا واجتماعيا. من العناصر الرئيسية في إستراتيجية الاندماج نذكر في الجانب الاقتصادي مثلا التنمية المتوازنة جغرافيا وتوزيع المنافع وتساوي الفرص، وفي الجانب السياسي نذكر التمثيل المنصف في الإدارة العامة، وفي الجانب الاجتماعي والثقافي تشجيع التعبير عن التراث الثقافي والفني الخاص بكل منطقة وعرضه في بقية المناطق
إلا أن عملية بناء الدولة تركز على المؤسسات القانونية التي تنظم العلاقة بين المجتمع والحكومة، وأبرزها الدستور او القانون الأساسي والمؤسسات التي يشارك من خلالها المواطنون في القرار المتعلق بمصالحهم، وكذلك القنوات التي يعبرون من خلالها عن رأيهم وتطلعاتهم. وفي كلا المجالين فإننا نعاني فقرا شديدا.
من الواضح ان إستراتيجية شاملة ومقصودة لبناء الدولة وبناء الأمة لم تطرح أبدا.
الثالث-  الاتجاه الديني ينطوي على ارتياب في الفكرة دفع الحكومة والنخبة الى الإغماض عنها.
واضاف الدكتور السيف قائلا انه لا شك لدي بالقدر الذي اطلعت عليه من كتابات علماء الدين السعوديين فان فكرة الوطن ومبدأ المواطنة لم تكن ضمن انشغالاتهم الفكرية في أي وقت من الأوقات. وجميع ما كتبوه - مما اطلعت عليه - يدور تقريبا حول محورين: القلق من تقديم الرابطة الوطنية على الرابطة الدينية والقلق من اتخاذ الاحتفاء الرمزي بالوطن صفة العيد.
على أي حال فان الارتياب في مبدأ المواطنة كأساس للرابطة الوطنية واضح في الأدبيات المعبرة عن التيار الديني التقليدي، وصدرت فتاوى تحرم الاحتقال باليوم الوطني وتكريم الرموز والممارسات الرمزية الخاصة مثل تحية العلم والنشيد الوطني وأمثالها.

استراتيجية التصحيح

ثم تطرق الدكتور توفيق الى استراتيجية تصحيح لهذا الوضع، تتلخص في النقاط التالية:
1.      عمل فكري يرسم مفهوم "الوطن" وطبيعة العلاقة التي ينبغي أن تقوم بين أعضاء المجتمع السياسي «المواطنين»، والقيم المعيارية التي نرجع إليها كناظم ومفسر عند الاختلاف. اقترح مفهوم "شراكة التراب" كقاعدة فلسفية لفكرة الوطن التي نريد تصميمها.
2.      عمل قانوني - سياسي يتمثل في إنشاء المؤسسات التي تستوعب وتنظم تطبيق البند السابق، إضافة إلى تنظيم المشاركة الشعبية في القرار والشأن العام.
3.      عمل إعلامي وتربوي - تعليمي يستهدف إيصال المفهوم الجديد إلى المواطن كما يسعى لإقناع المواطنين بالمشاركة الفاعلة في إستراتيجية التصحيح.
4.      إستراتيجية للإنماء الاقتصادي يستهدف ربط مناطق الأطراف بالدورة الاقتصادية الوطنية، ويعزز جاذبيتها للاستثمار، ويسهم في إنهاء وضعها الحالي الطارد للقوى العاملة المؤهلة.
5.      الانفتاح الإعلامي والثقافي وتمكين جميع المواطنين من التعبير عن أنفسهم وثقافاتهم الخاصة وآرائهم في إطار الجدل السلمي الحر والمحمي بالقانون. وهذا يتطلب التعجيل في إصدار نظام الجمعيات التطوعية وجعله مرنا واسع الاستيعاب، وتغيير فلسفة الرقابة على النشر.
هذه العناصر الخمسة تمثل محاور لإستراتيجية واسعة يمكن أن نطلق عليها إستراتيجية الاندماج الوطني أو إعادة بناء الهوية الوطنية أو إعادة صناعة الإجماع الوطني. ويمكن أن تطلق كبرنامج من مرحلتين، خمس سنوات لكل منهما، تبدأ برسم الصورة التي نريد الوصول إليها في نهاية المدة، وتفاصيل الخطوات التي يجب القيام بها لقطع المسافة والبرنامج الزمني والمتطلبات المادية والعملية.
كان ذلك أخر فقرات ندوة الدكتور توفيق السيف التي عقدت في الاحد2/1/2011م في ديوانية الدكتور راشد المبارك بالرياض والتي تعتبر من ابرز الديوانيات على مستوى المملكة، وحضرها جمع كبير من المهتمين ومن الأدباء والمفكرين وأساتذة الجامعات، مما أثرى النقاش الذي تلي الندوة، فكانت هناك مداخلات واستفسارات كثيرة حول الموضوع، وأثنى غالبية المشاركين على المحاضر والمحاضرة القيمة، والتي استمرت أكثر من ساعتين ونصف، وأدارها الدكتور يحيى ابو الخير.

مقالات ذات علاقة 

الأحد، 1 أغسطس 2010

أن نفهم الآخرين كما هم لا كما نتصورهم


   تتشكل هوية الأفراد، طبقا لاريك اريكسون الذي يعتبر مرجعا في هذا الحقل، خلال كفاح طويل هدفه تركيب عنصرين:
 أ) الكفاءة الفردية التي يتحدد معناها وتطبيقاتها على ضوء العرف السائد في المحيط الاجتماعي.

ب) حاجة الفرد للاندماج في عالم ذي معنى، أي محيط تعارف مناسب يقدر وجود الفرد وقيمته ودوره. يصوغ الفرد شخصيته وطريقة عيشه على نحو يجعله مألوفا ومقبولا في محيطه الاجتماعي. حين يولد الفرد وسط جماعة محددة، فإن موقفها العام وموقف الآخرين منها يصبح جزءا من هويته، حيث تعمق الصراعات ميل الفرد للاندماج في جماعته الخاصة، كوسيلة لتوفير الأمان الروحي والثقافي.
اريك اريكسون
 طبقا لأمين معلوف فإننا «غالبا ما نتعرف إلى أنفسنا في الانتماء الأكثر عرضة للتهجم».. الأصل الإفريقي يمثل رابطة بين السود في الولايات المتحدة، والانتماء إلى الإسلام يمثل رابطة تجمع بين الألبان في صربيا. العامل المحوري في تشكيل الهوية الفرعية، سواء كان دينا أو مذهبا أو لغة أو عرقا أو لونا، يمثل رمز التعريف للجماعة وجوهر الرابطة التي تجمع أفرادها.
يبرز تمايز الجماعة عن غيرها عندما يشار إلى الرابطة الجمعية أو العامل المشترك بين أفرادها «مثل المذهب أو الجنس أو الانتماء الأثني» كمبرر لموقف مضاد. وتتحول تلك الرابطة إلى عامل تصليب وتوحيد حين تتعرض الجماعة للقمع أو الإذلال أو التهديد. ويرى اريكسون أن الامتهان يولد ميلا شديدا عند الأفراد لصياغة هوية جمعية جوهرها الشعور بالتمايز، وربما العداوة مع الطرف الذي يمارس الامتهان.
ينطلق الامتهان من دوافع سياسية، حتى لو حمل مبررات أخرى، ويستهدف غالبا تبرير الهيمنة. وهو يبدأ بما يصفه اريكسون بالتصنيف الزائف الذي يغفل الكفاءة والفروق الفردية، ويعطي لجميع المنتمين إلى شريحة محددة وصفا واحدا، قد يكون بذاته محايدا، لكنه ينطوي على تنميط سلبي في أذهان الآخرين مثل القول بأن «المرأة عورة» أو «السود متخلفون»، وهو تنميط يؤدي بالضرورة إلى تسويغ العدوان على تلك الشريحة أو انتقاص حقوقها:
حين نقرر انتقاص ذلك الآخر، أي الفرد الذي يقع في رأينا في الموضع الخطأ أو الصنف الخطأ أو اللباس  ، فإننا نهون قدره، ونخرجه من دائرة التعامل الأخلاقي، فنتساهل في عيبه وذمه، ويصبح من ثم هدفا محتملا لنوازع العداون في نفوسنا، ولا نتردد في خرق إنسانيته، بل حتى حياته نفسها..
رد فعل الجماعة التي تتعرض للامتهان سوف يتراوح بين الميل للاستسلام والتخلي عن ذلك العامل الذي يميزها عن الآخرين، وصولا إلى الذوبان في الجماعة الأكبر، وبين تحويله إلى رمز للمقاومة، بالإصرار عليه وأحيانا المبالغة في تضخيم قيمته، حتى يتحول إلى محور رئيس للحياة اليومية أو مضمون لشريحة واسعة من النشاطات الحيوية للجماعة.
فهم هوية الآخر المختلف واحترامها هو المفتاح لعلاقة طبيعية تحكمها المثل الأخلاقية ومبدأ المساواة في الحقوق والواجبات. جميع الذين نتعرف عليهم أو نتصل بهم في حياتنا اليومية مختلفون عنا بشكل أو بآخر. ويميل الإنسان بشكل طبيعي إلى تحديد نمط علاقة بينه وبين هؤلاء الناس، تبدأ عادة بتصنيف ذلك الفرد، أي تحديد هويته وتحديد الخطوط التي تصله به أو المسافة التي تفصله عنه. وفي هذه النقطة بالذات تبرز الحاجة إلى تصنيف الفرد ضمن الطيف الاجتماعي الذي ينتمي إليه، سواء كان قبيلة أو دينا أو منطقة أو بلدا أو تيارا اجتماعيا أو ثقافيا أو اتجاها مذهبيا أو ايديولوجيا.
التصنيف الصحيح والمنصف هو الذي ينظر إلى الفرد بذاته، أي صفاته الشخصية وكفاءته ودوره الفعلي. والتصنيف الخطأ أو الظالم هو الذي ينتهي إلى تحديد موقف من الفرد طبقا لنظرة «نمطية» للإطار الاجتماعي الذي ينتمي إليه. ينطلق التصنيف السلبي من صورة ذهنية نمطية نحملها عن الآخرين كمجموعات لا كأفراد. هذا التصوير النمطي هو الذي يجعل مواقفنا منحازة ومتشددة، وهو الذي يجعلنا عاجزين عن فهم العالم كما هو.
- « صحيفة عكاظ » الأحد / 20 / شعبان / 1431 هـ  1 أغسطس 2010 
https://www.okaz.com.sa/article/346600

الاثنين، 20 أبريل 2009

تكون الهوية الفردية




نظرية اريك اريكسون حول تكون الهوية الفردية هي واحدة من أعمق المساهمات في هذا الموضوع. وقد توصل إليها من خلال بحوث إكلينيكية طالت ثلاثة عقود. والحقيقة أن اريكسون يمثل بذاته نموذجا للدراسة فقد حملته ظروفه من بلد إلى آخر وعاش في عائلة متنوعة قوميا، وعاصر صراعات أوروبا زمن الحرب وما بعدها. ولهذا كانت حياته موضوعا لدراسة مسارات التفاعل بين الفرد ومحيطه، في كل مرحلة من مراحلة حياته.
عالج اريكسون مسألة الهوية من زاوية سيكولوجية بحتة. النقطة المركزية في نظرية اريكسون هي أن الهوية لا تتشكل بتأثير المحيط الاجتماعي فقط، وبالتالي فقد شكك في النظريات التي تفترض إمكانية خلق هويات صناعية جديدة تماما عبر جهد مخطط. كما شكك في الرؤية الفردانية القائلة بأن الفرد قادر على فصل نفسه عن المحيط واختلاق هوية جديدة مستقلة تماما.
طبقا لأريكسون فإن هوية الفرد تتشكل خلال كفاح طويل يبدأ في مرحلة المراهقة، ويتركز على تركيب عنصرين: أولهما هو اكتساب القدرة على الإنتاج والعلاقة مع المحيط، وثانيهما هو الإحساس بالاندماج في عالم معنوي مناسب.
العنصر الأول ضروري لأن الفرد يحتاج إلى تعريف نفسه للمجتمع المحيط به. حين يسألنا الناس من نحن، فإنهم لا يقصدون عادة الاسم الذي نحمله، بل موقعنا في شبكة العلاقات الاجتماعية، أي الدائرة الصغيرة التي ننتمي إليها ضمن الدائرة الاجتماعية الكبرى، والوظيفة التي نقوم بها ضمن هذه الدائرة. ولذلك لا يكتفي الفرد بذكر اسمه الأول بل يضيف اليه اسم العائلة، ثم يلحقه بما يفترض أنه تعريف وظيفي، يشير إلى المهنة أو الهواية أو المكانة. حين يعرف الإنسان نفسه فإنه يقدم وصفا يتوقع قبوله من جانب المحيط، كتمهيد للاندماج فيه. وهذا يقودنا إلى العنصر الثاني وهو حاجة الفرد إلى عالم ذي معنى يتيح له التمتع بقدراته والحصول على المكافأة المناسبة ازاء ما يفعل.
يمكن للإنسان أن يعيش منعزلا، لكنه لن يتمتع بحياته. ولهذا يسعى جميع الناس إلى مد جسور العلاقة مع جماعة ما. لأن الجانب الأعظم من متعة الحياة، أو السعادة، إنما يتحقق في ظرف التفاعل بين الفرد والآخرين. لا يستطيع الفرد الشعور بالسعادة إذا كان منعزلا. بقدر ما يتسع المحيط الذي يتفاعل معه الفرد، تتعاظم سعادته واستمتاعه بحياته. ومن هنا قيل بأن من يستغني عن الناس يفقد الشعور بجمال الحياة، لأنه في حقيقة الأمر يفقد الحاجة إلى التحدي اليومي الذي يفرضه التفاعل المادي والمعنوي بين الفرد ومحيطه. الحاجة للاندماج هي التي تفرض على الفرد نمطا من الخيارات والأوصاف الشخصية قد لا تكون بالضرورة الأفضل عنده، لكنها ضرورية لشق طريقه وسط الجماعة.
من ناحية اخرى فإن الجماعات قد تتفاوت في قابليتها لاندماج الأفراد الجدد. بمعنى أنها قد تضع شروطا عسيرة أو تفرض على الفرد التخلي عن خياراته الخاصة مقابل التمتع بفضائل العيش الاجتماعي، أو أنها ببساطة ترفض اندماج أي فرد جديد ما لم يكن متماثلا بالكامل معها. ويشير كثير من الباحثين إلى أن المجتمعات القروية تتسم عادة بعسر في هذا الجانب، بينما تتسم المجتمعات المدينية بليونة اكبر في التعامل مع الأفراد الجدد. ويذكر الأستاذ سعيد الغامدي في دراسته الفريدة «البناء القبلي والتحضر» مثالا عن الطريقة التي عومل بها وافدون جدد إلى مجتمع قروي لم يسبق أن عاش فيها «أجنبي». وقد جرت تلك الأحداث في ظرف الانتقال من اقتصاد الكفاف الزراعي إلى الاقتصاد النقدي الذي فرض انفتاحا وانتقالا لبعض أنماط الحياة المدينية إلى الريف.
يوفر البحث في مسالة الهوية فرصا كبيرة لفهم العلاقة بين أطياف المجتمع والشرائح التي يمثل كل منها نمطا حياتيا أو ثقافيا مختلفا. وهي قد تشكل مدخلا ضروريا لتخطيط النظام الاجتماعي والتربية على نحو يسهل الاندماج والتفاعل وإقامة الوحدة على قاعدة التنوع، بدل الربط المتكلف بين الوحدة والتماثل.

عكاظ 20 ابريل 2009

المساواة بين الخلق ... المساواة في ماذا ؟

هذا المقال موجه لأولئك الذين يعارضون المساواة بين المواطنين ، والمساواة بين الرجال والنساء. وهو يستهدف توضيح موضوع النقاش وتفصيح اسئلته. ...