الثلاثاء، 28 فبراير 2012

وطن الكتب القديمة


اليوم، مثل الأمس، بل في كل وقت، نحن في حاجة إلى استذكار مفهوم الوطن ومبدأ المواطنة. هذا المبدأ يصبح أكثر ضرورة في ظروف التأزم واتساع الجدالات.
مفهوم الوطن في الفكر السياسي المعاصر هو مجموع صلب يتركب من ثلاثة أجزاء غير قابلة للتحلل: الأرض (إقليم يخضع لسيادة مجتمع سياسي محدد)، وعقد اجتماعي يمثل أرضية فلسفية ونظاما داخليا لهذا المجتمع السياسي، وأعضاء - أو مواطنون - يشاركون بنشاط في تقرير وتسيير أمورهم المشتركة.
فكرة المواطنة مشتقة من مفهوم الوطن ذاته، فهي تشير إلى عضوية نشطة ومتفاعلة. كل عضو في المجتمع السياسي يتمتع بحقوق محددة، يقابل كل منها مسؤولية أو واجب.
الوطن بهذا المفهوم ليس عميق الجذور في الثقافة العربية. في سنوات سابقة أجريت بحثا عن فكرة الوطن في التراث العربي وفي كتابات الإسلاميين المعاصرين، فوجدت أنها مزيج من ثلاثة مفاهيم متفاوتة:
أولها: مفهوم الأهل ومسقط رأس الإنسان. وهو يشير إلى رابطة اجتماعية أساسها القرابة، أو الجوار. واستعمل الفقهاء بُعدها الجغرافي (القرية) في تحديد بعض الأحكام الخاصة بالسفر.
وثانيها: مفهوم الجماعة الذي يشير إلى إطارات اجتماعية سابقة للدولة القومية كالقبيلة والعشيرة والطائفة.
وثالثها: مفهوم الأمة الذي يتحدث عن مجموعات من الشعوب والمجتمعات تقوم العلاقة بين أعضائها على الإيمان المشترك، وليس وحدة الأرض أو الإقليم السياسي، مثل الأمة الإسلامية والعربية.
تتفارق هذه المفاهيم عن فكرة الوطن الحديثة في مكوناتها الأساسية. وهي قد تكون صحيحة أو مرغوبة عند بعض الناس، أو ربما تكون أملا عند آخرين. لكننا لا نتحدث عن مسألة نظرية مجردة، بل عن نموذج واقعي. القاعدة الأساس لفكرة الوطن المعاصرة هي مفهوم ''الدولة القومية'' التي تشير إلى مجتمع سياسي يمارس سيادة على إقليم له حدود تعترف بها دول العالم الأخرى. هذا الإقليم هو أساس لهوية خاصة يحملها أعضاء المجتمع ويتمايزون بها عن غيرهم. هذا إذن مفهوم جديد يختلف كليا عن فكرة الدولة التي عرفناها في التراث العربي والإسلامي القديم.
الفلسفة الداخلية لفكرة الجماعة أو الأمة القديمة تختلف هي الأخرى عن فكرة الوطن المعاصرة. علاقة أعضاء الأمة أو الجماعة ببعضهم تدور حول ''التكليف''. المفهوم القديم للجماعة يعني على وجه الدقة: جماعة المكلفين المؤمنين. في المقابل فإن مبدأ ''المواطنة'' الجديد يركز على هوية سياسية/ قانونية تشكل قاعدة العلاقة بين أعضاء المجتمع السياسي الذي نسميه الوطن. ويتضمن هذا المبدأ منظومة حقوق وتكاليف متقابلة، من بينها الضمان القانوني للحريات الطبيعية والمدنية وتساوي الفرص والمشاركة في الشأن العام.
نحن نتحدث كثيرا عن الوطن والمواطنة في إعلامنا وفي مدارسنا. نتحدث عن حبه والانتماء إليه والعمل من أجله كمعايير للحكم على قيمة الناس وأفعالهم. لكننا قليلا ما تجاوزنا العنوان إلى مكوناته الداخلية. لهذا فمن المعتاد أن تجد من يتحدث عن الوطن ويفصله على قياس قومية محددة أو مذهب أو قبيلة أو تيار اجتماعي.
وقد سمعنا وقرأنا لأناس وضعوا الانتماء الديني أو المذهبي أو القومي في مقابل الانتماء الوطني. لا أظن أحدا منهم يريد النيل من الوطن أو مساءلة قيمته، بل هم على الأرجح لم يستوعبوا حقيقة أن الوطن ''الواقعي'' يختلف قليلا عن الوطن الذي فهموه في الكتب القديمة.
جريدة الاقتصادية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هيروهيتو ام عصا موسى؟

المقال الاسبوعي للصديق محمد المحمود "العنف في الثقافة العربية" أثار – كالعادة - جدلا حادا ، بعضه متصل بالموضوع ، ومعظمه انكار ع...