الثلاثاء، 21 مايو 2013

أزمة العراق وانعدام الثقة


شهران مرا على التظاهرات التي تشهدها مدن وسط العراق ، دون بارقة امل في حل تفاوضي بين المتظاهرين والحكومة. مبدئيا لا بد من القول ان القانون العراقي يكفل حق الاهالي في مخاطبة الحكومة ، بالطريقة التي يرونها مناسبة. نحن اذن لا نتحدث عن كون الحراك حسنا او سيئا ، ولا عن كونه مفيدا او غير مفيد.
تركز هذه المقالة على الاحتمالات التي يمكن ان تنجم عن انهيار الثقة بين الاهالي والحكومة ، والحلول الممكنة ، سيما الدور الذي اظن ان على جيران العراق ، سيما المملكة ، القيام به لاستنباط حل للازمة.
معضلة العراق ، جوهرها في ظني هو انعدام الاجماع الوطني ، بسبب انعدام الثقة بين مكوناته المختلفة. ولا اظن هذا قابلا للعلاج على المدى القصير. ربما يمكن البدء باجراءات لنزع فتيل التوتر وتمكين الطرفين – المعارضة والحكومة – من التفاوض حول نقاط قابلة للعلاج.
لم يستطع العراقيون قطع هذه الخطوة البديهية ، لسبب بسيط ، خلاصته ان الزعامات السياسية التي يفترض انها تمثل المجتمع "السني" العراقي ، لا تتمتع بثقة الشارع العام في المحافظات المنتفضة. ولهذا السبب فانها لا تستطيع التفاوض نيابة عن الاهالي. موازيا لذلك ، لم ينجح المنتفضون في استنباط قيادة بديلة تستطيع التفاوض وتستطيع – في الوقت نفسه – تقديم التزامات للطرف الاخر.
لهذا السبب فان الخطوة الاولى هي تمكين المجتمع "السني" العراقي من فرز قيادة تتمتع بالثقة وتستطيع الحديث – دون تردد – باسم الاهالي جميعا. هذه النقطة بالذات تحتاج الى مساعدة عربية ، واظن ان الحكومة السعودية – هي الطرف الاكثر اهلية لتقديم مساعدة كهذه. دخول المملكة على خط الازمة سوف يزعج بعض الناس ، هذا شيء مؤكد ، لكنه سيريح العراقيين – السنة والشيعة والاكراد – وسيحول دون تطور الاوضاع في العراق الى وضع كارثي لا يريده احد.
اقتراحي المحدد هو ان تقوم المملكة بالمساعدة في اختيار ممثلين للعرب السنة ، والتدخل كشاهد وضامن للمفاوضات بينهم وبين حكومة بغداد. اعتراف دولة في حجم المملكة بزعماء محددين ، ومشاركتها في التفاوض ، سوف يشعر العراقيين "السنة" بقدر من الثقة في اولئك الزعماء وفي مسار المفاوضات.
هذا سيريح العراقيين "السنة" لانه سيعزز الاتجاه المعتدل ، وسيوفر ما يمكن اعتباره ضمانا ، يعوض الثقة المفقودة في الزعماء الحاليين. وهو سيريح العراقيين "الشيعة" و "الاكراد" لانه سيمكنهم من الحوار مع مفاوضين يتمتعون بصدقية تمثيل الاهالي ، ويستطيعون – بالتالي – تقديم الالتزامات الضرورية لانجاح التفاوض. وهو بالطبع سيريح المنطقة باسرها لانه سيبعدعنها شبح عودة العنف الاعمى وما يحمله من دم ودمار.
اكتب هذا داعيا حكومتنا للدخول على خط الازمة العراقية. واعلم ان المنطقة باسرها بحاجة الى مبادرات شجاعة وخلاقة كي تحل مشكلاتها بنفسها ، وكي تقطع الطريق على تدخل الاجانب او مواجهة الاسوأ.
الاقتصادية 21-مايو 2013

مقالات ذات علاقة



الثلاثاء، 14 مايو 2013

تدين القرية وتدين المدينة



صدمتني تفسيرات المفكر الجزائري نور الدين طوالبي حين قرأت كتابه "الدين والطقوس والتغيرات". قدم طوالبي مقاربة سوسيولوجية عميقة، مستهدفا تفسير الفوارق بين التدين القروي والتدين المدني، ودرس بشكل مركز أشكال السلوك الديني في القرية والمدينة، سعيا وراء تحديد معنى ووظيفة كل منها، وفهم انعكاسها على حياة المهاجرين من الريف إلى المدن الكبرى.

معظم الذين جربوا الحياة في الجانبين، في القرية والمدينة، يدركون تماما الفرق بين نمط التدين هنا وهناك. تتسم الثقافة القروية بميل شديد إلى تبسيط وتجسيد الأفكار، وتهتم بصورتها العامة وحدودها الخارجية دون تفاصيلها. وللسبب نفسه فإن حياتها الدينية تدور حول التطبيقات الموروثة والمألوفة، وتعرض عن الجدل حول الأسباب والتعليلات. ساكن القرية أميل للتسليم بأقداره أو بنسق حياة افترضه قدرا لا ضرورة للفرار منه. بخلاف ساكن المدينة الذي يسعى ـــ غالبا ــــ إلى السيطرة على قدره، ويدير حياته على وقع المقارنة بين حاله وحال من سبقوه في دروب الحياة.
نمط التدين في المدينة هو انعكاس لنسق حياتها. يسيطر على ساكن المدينة ما يمكن وصفه بهوس التحول. فحياته اليومية تدور ــــ في جانب كبير منها ــــ حول تغيير موقعه في سلم المعيشة والتراتب الاجتماعي، انطلاقا من شعور شبه ثابت بعدم الرضى عن ظرفه الراهن. بعبارة أخرى فهو يمارس نقدا يوميا لجوانب حياته إذ يقارنها بما يراه أو يظنه أعلى.
هذه حالة ثقافية تتمظهر عند معظم الناس في سياق تقديرهم لظرفهم المعيشي. لكنها تؤثر أيضا في رؤيتهم لأنفسهم مقارنة بأندادهم، وتؤثر في قناعتهم بالقيم والأخلاقيات والمعايير التي يتعاملون بها والإطارات التي ينتمون إليها. لا يتعلق الأمر فقط بمساحة الحرية التي يتمتع بها ساكن المدينة، بل بطبيعة الحياة المدنية التي تفتقر إلى الطمأنينة والسكون، بقدر ما تتسع فيها مساحات التغيير وبالتالي الاختلاف والجدل.
قابلية الفرد للتحول رهن بعدد الأسئلة التي يواجهها يوميا، وعدد الخيارات والاحتمالات التي تطرح عليه كرد على تلك الأسئلة. ومن هذه الزاوية، فإن اتساع مساحة التواصل مع الآخرين، وتنوع موضوعات التواصل، سيما عبر الوسائل التفاعلية كالإنترنت، تؤدي بالضرورة إلى تأجيج الجدل الداخلي في نفسه. الأمر الذي يضعه أمام واحد من خيارين: أما التغيير أو الانكفاء على الذات.
مجتمع المدينة ومجتمع القرية يمثل كل منهما موضوعا مختلفا عن الآخر. وهو لهذا السبب يتطلب خطابا دينيا ذا لغة مختلفة، بأولويات مختلفة، وطبيعة مختلفة. طرح التدين المدني على القرية سيوقظ التقاليد القديمة التي يحتمي بها النظام الاجتماعي القروي. كما أن طرح التدين القروي على سكان المدينة سيحول الدين من فلسفة للحياة إلى ممارسة طقوسية تمجد الشكل وتغفل المضمون.
الاقتصادية : الثلاثاء 04 رجب 1434 هـ. الموافق 14 مايو 2013 العدد 7155

مقالات ذات علاقة



الثلاثاء، 7 مايو 2013

رأي المجتمع.. وحقوقه



وزير العدل أخبر الذين سألوه خارج البلاد بأن قيادة المرأة السيارة ليست محرمة، وأن أمرها راجع إلى المجتمع، يقررها متى شاء.
ويطيب لي أن أشكر معاليه على هذه التوضيحات القيمة التي سهلت علينا التوصل لاستنتاجات لا تخلو من فائدة.
أول استنتاج أنه ما كان يجب على الناس طاعة الدعاة والعلماء الذين سبق أن أفتوا بتحريم قيادة المرأة للسيارة، فقد كانت تلك الفتاوى آراء شخصية لأصحابها، وليست حكما شرعيا ملزما.
ويترتب على هذا أن القرار الرسمي بمنع النساء من قيادة السيارات الذي نشر في 1990 واستند إلى فتوى بعض العلماء، لم يكن سليما من حيث التأسيس، لأنه لم يستند إلى حجة شرعية قطعية، وعليه أيضا فإن امتناع أجهزة المرور عن إصدار رخص قيادة للنساء، ومنع ومعاقبة السائقات اللاتي يحملن رخصا خليجية، كله مستند إلى أساس ضعيف. ونعلم أنه لا يصح إلزام الناس بواجب أو حرمانهم من حق دون سند قانوني مكين.
الاستنتاج الثاني أن معاليه لم يشرح لنا كيفية التعرف على رأي المجتمع. ولهذا أنتهز الفرصة كي أعرض عليه طرقا ممكنة للتعرف على رأي المجتمع. وأولها مجلس الوزراء ومجلس الشورى، وهما الهيئة التشريعية للبلد، وفيهما زبدة المجتمع بمختلف أطيافه. ترى لماذا لا يعرض الأمر على هاتين الهيئتين؟ لقد سبق لمئات من السيدات الفاضلات أن تقدمن بعريضة إلى مجلس الشورى تدعوه إلى مناقشة الموضوع .. فما الذي أخر المجلس عن ذلك؟
أضف إليهما الصحافة، التي تعكس - إلى حد ما - اتجاهات الرأي العام، فقد أسالت أنهارا من الحبر في المطالبة بهذا الحق، وعرضت عشرات من الأدلة على ضرورته اقتصاديا واجتماعيا، أفلا يعكس كل هذا رأي المجتمع؟
أخشى أن تصريح معالي الوزير مجرد مناورة دبلوماسية غرضها الإفلات من جدل لا يريد دخوله، وهذا حقه بطبيعة الحال، لكننا - كمواطنين - نشعر بأن كثيرا مما يقال للناس خارج البلد لا يطابق ما نعرفه وما نراه. ولا يليق بنا كشعب محترم أن تقال أشياء باسمنا وهي خلاف ما نظنه واقعا. إذا كان الأمر راجعا إلينا - كمجتمع - فاسألونا ولا تقرروا نيابة عنا. نحن لا نزال أحياء، نسمع ونرى ونتكلم، ونستطيع التعبير عن رأينا بوضوح وصراحة. ونحن نقول بالفم الملآن إن حقوق المراة مثل حقوق الرجل، أصل في مبدأ المواطنة، وإنه لا يجوز حجب أي من هذه الحقوق دون مسوغ. ونطالب حكومتنا بحسم هذا الموضوع. فلنسمع كلاما صريحا بأن الحكومة لا تريد الإفراج عن هذا الحق، أو فلنسمع أن الحكومة ستتبع آلية محددة للتعرف على رأي المواطنين. لكن لا تواصلوا قتل الوقت بتصريحات مثل التي تقال لأهل الخارج، فهي تشعرنا بالفراغ والمهانة.
الاقتصادية الثلاثاء 27 جمادى الثاني 1434 هـ. الموافق 07 مايو 2013 العدد 7148 http://www.aleqt.com/2013/05/07/article_753714.html

مقالات ذات علاقة