‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصحوة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصحوة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 24 أبريل 2020

السيف لـ عكاظ: أدباء وعلماء الأمس منفصلون عن هذا الزمان


الجمعة 24 أبريل 2020 أروى المهنا (الرياض) arwa_almohanna@

من أكثر المفكرين والباحثين السعوديين إثارة للجدل، شخصية لاتقبل القوالب الجاهزة، ولا الأقواس التي تشكل عائقاً أمام ‏يقظة الفكر المتحفز لتفسير وإعادة فهم الكثير من المنهجيات وزعزعة الكثير من القناعات. يؤمن الدكتور الباحث والمفكر ‏توفيق السيف بأن أجمل ما في الحرية احترام الاختلاف، إذ إن لاختلافه بصمة واضحة ترسخ ضرورة الخروج عن السائد في ‏الخطاب الديني تحديداً، وتسهم في تخفيف موجة التعصب والأفكار الرجعية من خلال قراءات معاصرة ترتكز على إعمال العقل ‏والنقد‎.

السيف الذي أوضح في حواره مع «عكاظ» أن أدباء وعلماء الأمس منفصلون عن هذا الزمان، قال إن المجتمع في زمن ‏سابق كان أسيرا لأسئلة زائفة، لكننا الآن أصبحنا أكثر قدرة، على الشعور بذاتنا الوطنية الواحدة، أي كوننا سعوديين أولا. ‏وكشف أنه يعمل هذه الأيام على إكمال البحث المتعلق بموضوع «المساواة» وهو الموضوع الذي يعمل عليه منذ عامين.

·        لنبدأ من جائحة كورونا، كيف تقضي أوقاتك في فترة الحظر، وهل هناك مشروع جديد تعمل عليه؟

أولا أشكركِ أختي العزيزة أروى على هذه الفرصة الغالية، للحديث إلى قراء «عكاظ» الغراء، التي كانت إحدى أبرز محطاتي ‏الكتابية في العقد الماضي، ولي فيها أصدقاء وأحباب.
في ما يخص إدارة الوقت، ما زلت أستيقظ كما اعتدت عند الفجر وأبدأ العمل نحو السابعة والنصف بأعمال الشركة التي يمكن ‏القيام بها عن بعد، ثم القراءة‎.
أقرأ يوميا العديد من المقالات حول الانعكاسات المتوقعة لوباء كورونا على العالم في مختلف الجوانب. ثم أصرف ما بين أربع ‏إلى ست ساعات في البحث المتعلق بموضوع «المساواة»، وهو الموضوع الذي أعمل عليه منذ عامين، واحتمال أن أفرغ ‏من قسمه الأول خلال ثلاثة أشهر. وهكذا أبقي نفسي مشغولا إلى ما بعد المغرب بقليل.
أحيانا أشعر بالسأم لاحتباسي في البيت ثمانية أسابيع حتى الآن. أحاول مقاومة السأم بالعمل في الحديقة والتنظيف وإصلاح ‏الأشياء. لكن - بشكل عام - لا أشعر بالفراغ وليس لدي وقت فارغ. أفترض أن هذا سيتغير خلال رمضان، على الأرجح ‏وستتحول أشياء النهار إلى الليل وسيزيد وقت النوم.

·        في أحد مقالاتك دعوت الجميع للتفاؤل المطلق رغم هول ما يمر به العالم من تداعيات أزمة كورونا؟

أميل إلى التفاؤل بشكل عام، وإذا سيطرت علي حالة من التشاؤم، فإنني أتجنب الكتابة والحديث أو مقابلة الناس، كي لا أنقل ‏لهم عدوى التشاؤم. العالم مليء بالأشياء السيئة التي تولد الضيق في النفوس، فلماذا نزيدها سوءا.
وفي ما يخص وباء كورونا، فإنني أشعر أننا سنكون أقل قدرة على مقاومته إذا سيطر علينا التوتر. بل إن التوتر قد يدمر ‏الأشياء البسيطة والجميلة في الحياة. التشاؤم يولد التوتر النفسي أو يزيده، ونحن لا نحتاجه. طالما كان البشر قادرين على ‏الحياة رغم الوباء، فإن علينا أن نتعامل معه بشجاعة. التفاؤل يجعلنا أكثر قدرة على التفكير المنطقي واستثمار الإمكانات ‏المتاحة في الحياة، رغم هذه السحابة السوداء التي تنذر بالفناء.

·        كيف تقرأ محاولات بعض الجامعات السعودية في إيجاد لقاح لفايروس كورونا؟ وهل من الممكن حقاً أن نتعايش مع الوباء؟

منذ ظهور الفايروس في الصين، كنت أنتظر إعلانا يشير إلى جهد علمي في جامعاتنا، بل كنت أتمنى أن يتولى أحد الأقسام ‏الجامعية إدارة الحملة الوطنية لمكافحة كورونا.
سمعت مرتين عن أعمال بحثية تستهدف التوصل إلى لقاح للفايروس، أولها كان على لسان أحد الباحثين، والثاني على لسان ‏مدير جامعة الملك عبد العزيز. ثم سمعت خبرا في صحيفة عن «خطة» لتصنيع جهاز مساعدة للتنفس، لكن الخبر صيغ ‏بطريقة لا تسمح باعتباره جديا. لهذا السبب وذاك لا أرى في أي من هذه الإعلانات مؤشرات من النوع الذي نتطلع إليه، ولعل ‏قلة متابعتي هي السبب.
أما عن التعايش مع الوباء، فإنني أبسطه على النحو التالي: في الوقت الحاضر يعمل ما بين 20 - 25 % من السوق ‏والمجتمع، ويقع الباقي تحت الحظر. اقتراحي هو أن نعيد تعريف الفاعلية والحظر بحيث يتمكن نحو 50 - 60 % من الاقتصاد ‏والمجتمع من العمل، مع الإلزام المشدد بوسائل الوقاية. أعتقد أن هذا ممكن وأن العالم ككل يتجه إليه. التعايش لا يعني ‏التغافل عن حقيقة الوباء بل الحيلولة دون أن ندمر أسلوب معيشتنا خوفا منه.

·        بعيداً عن كورونا، هل ترى من الجيد أو الصحي أن نستمر بمناقشة خطاب الصحوة وأثره علينا كمجتمع سعودي أو أن نتجاوز ‏المرحلة؟

لن نستطيع التوقف عن مناقشة خطاب الصحوة، لأنها باتت جزءا من تاريخنا الثقافي والاجتماعي وتصورنا للدين، وهي ‏العناصر التي يدور حولها جانب كبير من الجدل بين الناس، أو هي - على الأقل - تشكل خلفية لهذا الجدل.
الصحوة ظاهرة اجتماعية تخضع للتحليل العلمي، مثل غيرها من الظواهر. أعلم أن ارتباط الوصف الديني بالصحوة قد يثير ‏التباسا وحرجا، ولهذا فإن الضرورة تقتضي التأكيد على الجانب العلمي في الموضوع، أي كونها ظاهرة اجتماعية وجزءا من ‏التجربة الثقافية للمجتمع، وهي تخضع للنقاش من هذه الزاوية، وليس من زاوية كونها حالة دينية.
من ناحية أخرى، فإن حداثة العهد - نسبيا - بالظاهرة، تعيق إلى حد ما الحكم المحايد على أشخاصها وحوادثها. أظن أن أي ‏مناقشة لها، لن تنجو من الخلط بين التفسير والتقييم، لذا فإن من الواجب اتخاذ أقصى ما يمكن من احتياطات لتجنب الانشغال ‏بالأشخاص والحوادث، لأن هذا سيقلل من قيمة البحث العلمي ويملؤه بالانفعالات، ما لم نركز على المناقشة العلمية، فإن ‏كتابتنا ستكون مجرد شتائم منمقة أو تكرار لكلام قيل مئات المرات، وسيضطر أبناؤنا وغيرهم لقراءة تاريخ بلادنا الذي يكتبه ‏الأجانب، بدل أن يقرأوا كتابتنا.

·        ساهمت لفترة طويلة في نشر ضرورة وعينا بتجديد الخطاب الديني بما يناسب العصر، هل وصل صوتك؟

في بلدنا ظاهرة عجيبة، مجتمعنا تقليدي يميل إلى نمط ديني أحادي، إلا أنه في الوقت نفسه يتعامل بلين نسبي مع الدعوات ‏الناقدة للتقاليد والداعية للتعدد الديني. لقد كنت أكتب حول هذا الأمر في الصحافة المحلية منذ 28 عاما بالتمام والكمال وبشكل ‏منتظم، وأسمع أحيانا أصواتا تتبرم بهذه الكتابات، بتعبيرات لينة حينا وخشنة في معظم الأحيان. لكن للإنصاف فإن هذا لم ‏يتجاوز الإنكار اللفظي، وهذا - في رأيي - من دلالات اللين في التعامل مع المختلف، وهو من الأمور المحمودة والفريدة في ‏بلادنا. هل وصل صوتي أم لا؟ لا أدري. لكني أظن أننا اليوم أكثر قدرة على التجدد واستيعاب الأفكار المعقدة والمختلفة.

·        هل لدينا كمجتمع سعودي هوية ثقافية واضحة، وهل نحن مدركون لمعنى الهوية حقاً؟

لا شك أننا أصبحنا الآن أكثر قدرة على الشعور بذاتنا الوطنية الواحدة، أي كوننا سعوديين أو لا. في زمن سابق كنا أسرى ‏لأسئلة زائفة مثل سؤال: هل أنا مسلم أولا، أم عربي أولا، أم سعودي أولا.
كنا ندفع دفعا لخيارات سخيفة - لكنها حاسمة ‏أحيانا - بين متعارضات موهومة، وكنا نتعرض لعقاب روحي إذا اخترنا ما تمليه علينا عقولنا. الحمد لله أننا تحررنا من كل ‏هذه التفاهات الآن، وبتنا قادرين على أن نتعرف على أنفسنا في إطارها الطبيعي، أي بيئتها الجغرافية والاجتماعية ‏والسياسية. بتنا نفهم حقيقة أن الهوية ليست دائرة واحدة، بل هي مجموعة دوائر متداخلة، وأن الإنسان الفرد يحمل في الوقت ‏نفسه هويات متعددة، ترتبط بانتمائه الاجتماعي والديني والثقافي وحرفته وطبقته الاجتماعية ولغته وانتمائه السياسي ‏وتأملاته المستقبلية وموقفه من قضايا الكون. لكن هذه كلها تعبر عن نفسها بصورة ثقافية - روحية، تحت المظلة المادية - ‏الثقافية التي اسمها الهوية الوطنية.
أعلم بطبيعة الحال أن هناك أناساً عاجزين عن استيعاب مفهوم الهويات المتعددة، وهم يرونها دليلا على ما يسمونه تلونا أو ‏مؤشرا على عدم الصفاء. هناك أيضا من يحاول اختصار هذا التنوع إلى اثنين أو ثلاثة «القبيلة أو المذهب أو الدين أو ‏القومية+الوطن» ويعتبر البقية ألوانا متباينة أو إضافات مشروطة. الحقيقة أن الهوية الوطنية هي الثابت الوحيد، وهي تتجلى ‏في الانتماء القانوني فقط، أما البقية، أي كون الإنسان مولودا على أرض المملكة، أو انتماؤه للإسلام أو لقبيلة بعينها أو ‏للعروبة، فهذه كلها ألوان مكملة، ولا تشكل شرطا ولا قيدا على الهوية الوطنية.

·        كيف تصف علاقة المثقف السعودي بالمجتمع؟ وهل المثقف خلال الخمسين عاما الماضية قدم مشروعا حقيقيا للمجتمع ‏السعودي؟

لا أريد المبالغة في تصوير دور المثقف السعودي، لكني لا أريد أيضا التقليل من قيمته. السبب في ذلك أنني لا أرى ثقافة اليوم ‏متواصلة مع ثقافة الماضي. لقد مرت المملكة بفترة انتقالية عميقة التأثير جدا، حين عبرت من اقتصاد الكفاف إلى اقتصاد ‏النفط. وكانت - في تقديري - فاصلا سميكا بين الجيل الحاضر وجيل ما قبل خطة التنمية الأولى. الفاصل يعني أن النتاج السابق ‏لم يعد عاملا مؤثرا في تشكيل صورة الثقافة الحاضرة، وبالتالي فإننا لا نستطيع ادعاء التراكم الحضاري الذي تتسم به ‏المجتمعات التاريخية، أو لنقل إن التراكم الثقافي الذي لدينا لم يكن طبيعيا ولا متكاملا، بل هو متكلف ومفكك.
الثقافة السعودية اليوم منقطعة عن ثقافة الأمس، ولهذا فإن الباقين من أدباء وعلماء الأمس الذين ما زالوا يكتبون ‏وينشرون، يبدون منفصلين عن هذا الزمان، فكأنهم يلقون المعلقات السبع بين هواة الشعر النبطي، حيث الكل مستمتع بما ‏عنده، لكنه غير متواصل ولا متفاعل مع الآخر.
من هنا فإن عمر الثقافة السعودية الحاضرة قصير نوعا ما، وهو ينتمي إلى إطار خارجي أكثر مما ينتمي إلى بستان داخلي. ‏وللمناسبة فإن هذا لا يخص لونا من ألوان الثقافة دون الآخر.
ومع مرور الوقت ستنغرس هذه النبتات في الأرض، وستذهب أعمق وأعمق حتى تمتص الروح الكلية للبلد وتتبلور في كل ‏ألوانه. هذا بالطبع يحتاج إلى حرية واسعة للتعبير مضمونة بالقانون، كما يحتاج إلى الاحتفاء بالتعدد والتنوع في كل تجلياته.

·        ما هو الفاصل ما بين المعالم الثقافية والمعالم الدينية؟

مدخل الجواب إلى هذا السؤال، رهن بقناعة ميتافيزيقية مسبقة، موضوعها المساحة التي يغطيها الدين في حياة الناس. ‏القائلون إن الدين شامل، يقولون تبعا إنه لا توجد مساحة حياتية خارج الإطار الديني. والقائلون إن الدين كامل وليس شاملا ‏‏«وأنا من القائلين بهذا» يقولون تبعا إن معظم حياة البشر تقع خارج الدين، وهي تتوسع باستمرار، بينما تبقى الدائرة الدينية ‏ثابتة أو متناقصة.
بديهي أن كل ما يقع خارج الدائرة الدينية، يتأثر بعمل العقل البشري والعلم الذي ينتجه هذا العقل. وهو قد يكون ثقافة - ‏بالمعنى الفني - أو عملا عقليا بكل تعبيراته ومعانيه.
ليس هناك دليل حاسم على أن الدين شامل أو العكس. ليس عند هؤلاء ولا عند أولئك. ولذا فالمسألة تتعلق باعتقاد الإنسان ‏واختياره الخاص.
أحاديث مماثلة
توفيق السيف مع د. الهتلان في حديث الخليج حول الربيع العربي ومآلاته

الأربعاء، 18 ديسمبر 2019

حين نخاف من بعضنا البعض او نرتاب


لفت انتباهي هذا الاسبوع حديث للدكتور معجب الزهراني عن "بيئة التوحش". والزهراني اكاديمي وناقد معروف ، يعمل مديرا لمعهد العالم العربي في باريس. وكنت قد صادفت هذا التعبير في بحوث حول استراتيجية "تنظيم القاعدة" وفروعه. ولعله راج بعد ظهور "ادارة التوحش" ، الكتاب الذي يشرح تلك الاستراتيجية.
د. معجب الزهراني
اما "بيئة التوحش" التي يذكرها الزهراني فهي سياق تحليلي ، يفسر بعض التحولات الثقافية/السلوكية في المجتمع السعودي ، خلال حقبة "الصحوة" التي شغلت معظم الربع الأخير من القرن العشرين ، فهو اذن غير التعبير المرتبط بعمل التنظيم المذكور.
لفت انتباهي هذا الوصف ، لما يختزنه من قابلية لتحليل مسارات مهمة في تاريخنا الحديث ، واعني بها خصوصا اختلال هيكل العلاقات الاجتماعية القديم ، ومايسنده من منظومات قيمية ، بسبب تغير مصادر المعيشة والانتاج اولا ، ثم بسبب التوجيه الايديولوجي/القيمي ، الذي قدم بديلا سلوكيا وعلائقيا يستوحي ثقافة الغزو والغنيمة ، لكنه يتغطى بعباءة العودة الى الدين الحنيف.
سأقول من دون تردد ان عقلاء العالم جميعا ، بمختلف اديانهم وثقافاتهم ، يريدون العيش في مجتمع "يأنس" فيه الافراد ببعضهم ، يتبادلون المنافع ويتشاركون الأعباء ويواسي بعضهم بعضا ، دون ان يحجزهم عن بعضهم اختلاف اللون ، او العرق او الدين او اللغة او الجنس او الجنسية او الايديولوجيا او الولاء السياسي او غيره. "الأنس" هو جوهر الانسانية كمعنى وكقيمة. ولولاه لكان الانسان وحشا او شبه وحش.
وقد لفت الاستاذ الزهراني نظري الى ان النقيض المباشر للانس ، اي التوحش ، قد لايكون حالة فردية متخارجة عن الحالة العامة للمجتمع الطبيعي. أقول هذا استيحاء من مقارنته بين الحال التي رآها حين عاد الى البلاد ، وتلك التي اعتاد ان يراها قبل رحيله للدراسة في الخارج. وفيها يشير الى ان نسبة معتبرة من المجتمع ، قد تخلت عن حالة "الانس" التي هي سمة المجتمع الطبيعي ، واتجهت الى حالة تنافر او تناكر ، ربما تكون التمهيد الأولي لحالة التوحش.
في هذه المرحلة التمهيدية تتبلور السمات الرئيسية لبيئة التوحش ، وابرزها في ظني هي تحول الريبة الى معيار حاكم على العلاقات بين الناس. تتبدى الريبة في اشكال شتى ، منها مثلا تحويل المنازل الشخصية الى قلاع عالية الاسوار ، خوف السراق احيانا وخوفا من نظر الجيران في أغلب الاحيان ، وكذا المبالغة في الفصل بين الرجال والنساء في الاماكن العامة ، حتى بين الأهل والأقارب. ومثله الميل الشديد الى "المفاصلة" في العلاقة مع الآخرين ، والذي يتجلى في الاهتمام بتصنيف كل شخص باعتباره "من الجماعة " او "آخر" والتركيز على خطوط التفارق ، مثل الدين والمذهب والقبيلة والمدينة الخ. وتترافق هذه النزعة مع تفاقم الخوف من المجهول ، الذي يظهر في انتشار الحكايات والروايات عن الجن والسحر والحسد والعوالم الخفية التي تتحكم في عالم الانسان.
ربما لم تكن هذه التحولات معضلة او شديدة التأثير ، لولا التوجيه الايديولوجي الذي البسها عباءة دينية. فتحولت الريبة وما ينتج عنها الى تمظهر للورع والتقوى ، وتحولت المفاصلة الى تعبير عن قوة الايمان والقوة فيه. العباءة الدينية هي التي جعلت نقد الحالة عسيرا ، وحملت معظم الناس على اعتبارها أمرا طبيعيا ، او ربما طيبا.
لكننا نعلم ان العلاقات القائمة على اساس الريبة ، ستقود بالضرورة الى تفكيك المجتمع وتحويله الى جزر منفصلة متناكرة. وهذي هي الصورة الأولى لبيئة التوحش.
الشرق الاوسط الأربعاء - 21 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 18 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [14995]

الاثنين، 23 أبريل 2012

سلفي سياسي وشيعي حداثي:تعقيب على مقالة الاستاذ مهنا الحبيل

اود ابتداء تقديم الشكر للاستاذ مهنا الحبيل على مقالته "ملتقى النهضة واسئلة التصحيح" المنشورة بجريدة الحياة. مثل هذه النقاشات ضرورية لكشف تفاصيل المجتمع السعودي والقوى الفاعلة فيه ومساراتها.

لست ضليعا في النقد. لكن لفت نظري ان المقال الذي كان – كما يبدو من العنوان والمقدمة – مخصصا للحديث عن ملتقى النهضة ، ترك هذه المهمة وكرس اكثر من نصف مساحته لنقد ما وصفه الكاتب بتيار الحداثيين الشيعة. كنت اتمنى لو ان الكاتب خصص المقال لهذا الموضوع ولم يحشر الملتقى فيه. وعرض امثلة على التقييمات والاوصاف التي ذكرها كي يستفيد القراء وكي يكون الموضوع فاتحة نقاش وليس سلة احكام مسبقة. تبعا لميل الاستاذ مهنا ، سوف اخصص معظم هذا المقال لمناقشة ما اورده في ذلك الجانب.

سوف اناقش هنا ثلاث نقاط ذكرها الاستاذ مهنا ، تتعلق اولاها بمعارضة السلفيين التقليديين للملتقى ، وتتعلق الثانية بالمشاركة الشيعية ، والثالثة بمساهمة الشيعة المشاركين في مسيرة الاصلاح.

اولا: حول المعارضة السلفية للملتقى:

افترض ان الاستاذ الحبيل مدرك لحقيقة ان المعارضة السلفية لملتقى النهضة تصدر عن منطلق سياسي ، وتنطوي في حقيقة الامر على "تصفية حسابات مستبطنة بوضوح، وسلسلة النسج التلفيقي التي لا تتحرى الصدق، بل تصنع الحدث والفكرة كذباً لتكوّن قضية" ، اي انها ليست مسالة دينية بحتة. الا انه يعود ليضعها في اطار النقاش الاخلاقي المثالي. الشيخ ناصر العمر وشيوخ الجامية لم يعارضوا الملتقى لانه مخالف للدين بل لانه ينطوي – بشكل غير مباشر – على تجاوز لدوائر النفوذ الاجتماعي والسياسي ، ونقد لمتبنيات واستهدافات هذه الدوائر ومن يتزعمها ويستفيد منها.

افترض ان الاستاذ مهنا عارف بما تشهده الساحة الدينية السعودية من اعادة اصطفاف داخل تيار الصحوة ورموزها ، بين فريق يتبنى مطالب المجتمع وما وصفه الكاتب بـ "تقرير الفقه الدستوري الإسلامي وضمان الحقوق المدنية ونقد الخلل والتشدد والخرافة" ، وفريق يدعو لحماية التقاليد المتوارثة السياسية والثقافية والدينية ، ويرفض مشروعات الاصلاح السياسي التي عبرت عنها بيانات مثل "رؤية لحاضر الوطن ومستقبله" و "برنامج وطني للاصلاح" و "نحو دولة الحقوق والمؤسسات".

من الواضح لكل الناس ان التيار الديني السعودي منقسم اليوم بين هذين الاتجاهين. وان هذا الانقسام يولد – بالضرورة – تنافسا حول المواقع والمفاهيم ومسارات الخطاب العام والشرائح الاجتماعية التي هي موضوع النفوذ ومصدره. اي باحث في علم الاجتماع او السياسة يدرك هذه الحقيقة التي لا تصفها الجرائد بصراحة ، لكنها اجلى من كل بيان.

السلفيون عارضوا الملتقى لانه خروج على النسق السائد ، ولانه يؤدي – بالضرورة – الى مساءلة التيار المعارض للاصلاح او المتردد فيه. مساءلة مبرراته ومشروعية موقفه ودائرة نفوذه. نفهم هذا من موقف الشيخ ناصر العمر واتباعه تجاه الشيخ يوسف الاحمد فرج الله عنه. الشيخ يوسف لم يشرك شيعة ولا ابتعد عما وصفه الكاتب بالمرجعية الدينية التي ينتمي اليها العمر ، بل كرس نفسه وحياته للدفاع عن سجناء دون محاكمة ، بينهم رجال دين وناشطون في التيار الديني. ومع ذلك فان الشيخ ناصر تجاهل اعتقال الشيخ وبرر محاكمته وما صدر عليه من احكام. وقبل ذلك – في منتصف 2011– صدر توجيه بعدم مناصرة الشيخ يوسف او دعمه ، لانه تجاوز المكان المرسوم له. هذا وذاك فعل سياسي في منطلقاته ومساراته وغاياته ونتائجه ، وهو يعبر عن اعادة اصطفاف في الساحة الدينية المحلية ، اصطفاف سياسي بين فريق يتبنى الاصلاح وآخر يدافع عن التقاليد والقيم الموروثة ونظام العلاقات القائم.

ثانيا : حول المشاركة الشيعية:

ما فهمته من المقال هو ان "مشاركة اشخاص ينتمون لتيار حداثي شيعي" هي المشكلة الرئيسية. ولو لم تحدث لربما عقد الملتقى بسلام ، وحقق غاياته. لم افهم حقيقة جوهر هذه المشكلة؟. لكن سوف احاول تفكيك هذا القول المجمل تفكيكا منطقيا لفهم جوهر المشكلة ، من خلال ستة احتمالات ، ربما يكون احدها او بعضها هو جوهر المشكلة التي ادت الى افشال الملتقى ، او كانت عيبا فيه – طبقا لتحليل الاستاذ مهنا-:

أ‌-      ان الملتقى نشاط ديني "سني" بالمعنى الخاص "المذهبي او الطائفي"، فيجب ان يلتزم بالاطار الثقافي والاجتماعي للطائفة. بهذا المعنى فان مشاركة "الشيعي" هي جوهر المشكلة.

ب‌-  الملتقى ليس نشاطا دينيا بالمعنى الخاص. حتى لو كان منظموه مصنفين ضمن التيار الديني. من هنا فمشاركة تيار "ديني" يلقي على الملتقى ثوبا غير ثوبه. جوهر المشكلة اذن هي مشاركة اشخاص ينتمون لتيار ديني. بمعنى انه لو شارك شيعة لا ينتمون لتيار ديني لما كان ثمة مشكلة.

ت‌-   المشكلة ان الشيعة المشاركين "ينتمون لتيار" وليسوا مجرد افراد. بمعنى لو لم يكونوا منتمين لتيار لما كان ثمة مشكلة.

ث‌-  المشكلة هي ان الاشخاص الذين شاركوا في الملتقى ينتمون لتيار يمارس عنفا فكريا نقديا ونقضيا للتوجهات الإسلامية السنية. جوهر المشكلة اذن هي في عنف هؤلاء الفكري المضاد والناقض لما وصفه الكاتب بالتوجهات الاسلامية السنية.

ج‌-   المشكلة ليست في مشاركة الشيعة بشكل عام ولا في كونهم تيارا. بل في كون المشاركين متدينين حداثيين. بمعنى انهم لو كانوا ينتمون لتيار ديني تقليدي لما كان ثمة مشكلة.

ح‌-   مشاركة الشيعة ليست مشكلة اصلا. اي ان هذه المسالة لا علاقة لها بالموضوع. المشكلة هي ان الشيعة انفسهم متخلفون عن ركب التجديد ونقد الاستبداد الديني ومراجعة التراث وتجديد المنظورات ، لاسيما تلك المرتبطة بعلاقتهم بالسنة ونظرتهم للتاريخ ورجاله. بمعنى ان الكلام حول مشاركة الشيعة كان مجرد تمهيد لدعوة الشيعة الى اصلاح حالهم وليس جزء من جوهر الموضوع.

اعرض هذه الاحتمالات لاني لم افهم جوهر المشكلة التي كرس لها الاستاذ مهنا اكثر من نصف مقاله. وآمل مخلصا ان يكتب مقالا او مقالات اخرى لتبيين ما اجمله.

لكني اجد – من حيث المبدأ ومن دون مناقشة للاحتمالات السابقة – ان مفهوم "النهضة" ينطوي بالضرورة على مبدأ الاقرار بالحق في الاختلاف والاشتراك مع المختلفين. هذا المبدأ الذي عبر عنه المرحوم البنا في قوله المشهور "نتعاون في ما اتفقنا عليه ونتعاذر في ما اختلفنا فيه". وهو من ابرز موارد احتجاج السلفيين والسروريين على الاخوان ومن تاثر بمدرستهم ، وانا وشباب النهضة ممن تاثروا بهذا المنهج. يؤكد السلفيون على تقديم قاعدة "الولاء والبراء" التي طورها التيار المعروف بسلفية المدينة (او الجامية) الى نظرية يطلقون عليها في الجملة اسم "التصنيف" ويدافعون عنها بكل قوة. وهذا امر معروف لكل متابع لتحولات التيار الديني في المملكة.

الاقرار بحق الاختلاف يعني على وجه التحديد التعامل مع المختلف والمخالف كما هو ، وبدون اشتراط التخلي عن صفاته السابقة او متبنياته. وهذا هو الذي دعا القائمين على المنتدى لدعوة متحدثين من مشارب مختلفة ، اسلاميين وغير اسلاميين.

ثالثا: حول من وصفهم الكاتب بالتيار الحداثي الشيعي

اشرت في البداية الى ان الاستاذ الحبيل  خصص اكثر من نصف المقال لشرح حال "الحداثيين الشيعة". فكأن ذهن الاستاذ مهموم بهم اكثر من انشغاله بالملتقى ومن عارضه. خلاصة الشرح الذي قدمه الكاتب يتلخص في ان هذا التيار سيء ، غير مفيد وينطوي على عيوب اخلاقية. سوف انقل النصوص التي وردت في مقال الاستاذ مهنا لتوضيح مدى انشغاله بالموضوع.

يتصف التيار المذكور – طبقا للاستاذ الحبيل – بانه:

1-      يمارس عنفا فكريا نقديا ونقضيا "للتوجهات الإسلامية السنية".

2-      ليس له أي مشاركة مهمة ذات بعد منهجي في دعم مدرسة الاعتدال الشيعي ضد التطرف الطائفي.

3-      ليس له أي مشاركة في نقد قضايا الخرافة التي تمكنت من العودة من التراث إلى حديث الوعاظ المعاصر في بعض المنابر الشيعية.

4-      وليس لهذا التيار موقف أخلاقي أو فكري من الضحايا، سواءً كان طفلاً أو شاباً أو رجلاً من احتكاره الشامل لعمره الزمني في منظومة التثقيف الطائفي والاحتقان في سلسلة المآتم.

5-      ليس لهذا التيار موقف من قضايا المرأة في التقاضي الجعفري وما وراء هذا الحجاب من صيحات ضحايا الاستبداد الديني لهذا الواعظ أو ذاك.

6-      ليس للتيار موقف مساند صريح من دعوات المثقفين الشيعة للخلاص من التراث السلبي، وعودة تصديره للواقع المجتمعي المشترك، وارتهان الإنسان الشيعي البسيط الذي يبحث عن هداة الزمن لمشاركة مدنية إنسانية مع رفيقه السني.

7-      ليس لتيار الشيعة الحداثيين دور في دعم فكرة إعادة الاستهداء بمدرسة آل البيت الأولى في قضية الخُمس التي لا تُمنح للفقراء والمساكين من أبناء الطائفة، ولا ذوي الاحتياجات الخاصة، أو المرأة المضطهدة، ولا تدعم تكتلات الفقراء.

لا يخفى على القاريء المنصف ما تنطوي عليه النصوص السابقة من كلام انشائي يحتمل معاني قابلة للتضخيم. لكني سأتجاوز هذه النقطة ، واطالب الاستاذ الحبيل بايراد بعض الامثلة التي تصلح دليلا علميا معقولا على كل نقطة من النقاط السابقة. واحتمل انه لم يورد ما اورده الا بعد تامل وبحث اوصله الى هذه الاستنتاجات القاطعة. اما اذا لم يورد امثلة قابلة للاثبات فسيقول القراء ان كلامه كان انفعاليا وعاطفيا وغير لائق.

مرة اخرى اتمنى ان يطور الاستاذ هذه الملاحظات وان يفصل فيها كي يفتح بابا للنقاش يفيدنا جميعا.

لكن اود ابتداء عرض الملاحظات التالية:

أ) وصف الاستاذ الحبيل هذا التيار بانه حداثي. ونفهم ان الحداثي - بالتعريف – ناقد ومعارض للتقاليد والموروث. ومن بينها ما ذكره الكاتب في النقاط 3،4، 5، 6،7 الورادة اعلاه. ترى كيف يكون الفرد او التيار حداثيا وهو مستسلم او ساكت عن مثل هذه الامور؟. كيف صنفه الكاتب كحداثي ، مع ان الحق ان يصنف – طبقا للاوصاف المذكورة – كتقليدي ورجعي ومعاد للحداثة؟.

ب) قال الاستاذ مهنا ان هذا التيار يمارس عنفا نقديا نقديا ونقضيا للتوجهات السنية. وفي اول المقال كان قد وصف اعتراضات السلفيين على ملتقى النهضة بانه "خطاب النقض والطعن الكريه.... أنّه خطاب تحريضي غير مشروع". فهل خطاب النقض السلفي للتوجهات النهضوية (السنية مثل ملتقى النهضة – كما يظهر من تصنيف الاستاذ مهنا) هو من جنس خطاب النقض الشيعي الحداثي للتوجهات السنية ، وهل ان خطاب النقض السني للتوجهات الشيعية يحمل نفس القيمة ام ان اختلاف مذهب الناقضين يفرض اختلافا في قيمة كل منهما؟.

ت) ذكر الاستاذ ان "المدرسة الإسلامية السنية أنجزت مساراً في تقرير الفقه الدستوري الإسلامي وضمان الحقوق المدنية ونقد الخلل والتشدد والخرافة" بخلاف التيار الذي انتمي اليه ، والذي لم يقدم شيئا من هذا النوع.

اقول: اذا كنا نتحدث في المجال السعودي على وجه الخصوص ، فان ما قدم حتى الان قيم لكنه ليس كثيرا ولا وافيا. لكن فيما يخصني ، وانا اتحدث في المجال السعودي ، فان مشروعي الفكري الذي صرفت فيه حتى الان جل حياتي الفكرية هو بالتحديد "تطوير نظرية حول ديمقراطية منسجمة مع القيم الاسلامية" تتجاوز التصنيف المذهبي. وكرست لهذا الموضوع جميع كتبي الاخيرة واذكر منها "ضد الاستبداد" وهو دراسة في رسالة فقهية حول الدستور، وكتاب "نظرية السلطة في الفقه الشيعي" وهو نقد لنظرية ولاية الفقيه انطلاقا من ان الشعب هو مصدر السلطة ، وكتاب "الديمقراطية في بلد مسلم" وهو معالجة فلسفية للعلاقة بين الدين والديمقراطية ، وكتاب "حدود الديمقراطية الدينية" وهو دراسة حالة عن امكانية الديمقراطية من دون علمانية ، نقدا لنظرية التحديث الكلاسيكية التي تفترض ان العلمانية شرط للديمقراطية. واخيرا كتاب "رجل السياسة : دليل في الحكم الرشيد" الذي يناقش الاركان الكبرى للدولة المدنية الديمقراطية. وقدمت فيه معالجة هي الاولى من نوعها – كما اظن – لمبدأ العقد الاجتماعي وامكانية اقامته على اساس ديني.

اضافة الى ذلك كتبت خلال العقدين الماضيين ما يزيد عن مئة مقالة ، جميعها منشورة ، حول القضايا والاشكالات الاساسية المتعلقة بالدولة المدنية والدستورية ، وكثير من هذه المقالات موجود على مدونتي الشخصية. اود ان يطلعني الاستاذ الحبيل على اي كاتب سعودي قدم هذا القدر من المساهمات فيما يخص هذا الموضوع. كما اتمنى ان يصرف الاستاذ مهنا بعض وقته الثمين للاطلاع على كتاباتي المذكورة وموافاتي باوجه القصور فيها. وساكون شاكرا لفضله.

اما اذا كنا نتحدث في اطار اوسع من الاطار السعودي، فان التيار الاصلاحي الوطني الذي انتمي اليه متفاعل ومتكامل مع جميع النشاطات الاسلامية ، سنية وشيعية ، ومساهم في تطوير مساراتها الفكرية ومستفيد من تلك المساهمات والمسارات . ورجال التيار لهم علاقة شخصية وفكرية بمعظم التيارات الاسلامية الفاعلة ، من العدالة والتنمية في المغرب الى مجتمع السلم في الجزائر والنهضة التونسية والاخوان المصريين ، والمؤتمر الشعبي – الذي يتزعمه د. الترابي في السودان الى الدعوة العراقية والحركة الاصلاحية في ايران وغيرها. اضافة الى ذلك فان مفكري هذا التيار ورجاله يشاركون بفاعلية في النشاطات الفكرية التي تقوم بها المجموعات غير الاسلامية ، سواء كانت سياسية او مراكز ابحاث ، في العالم العربي وخارجه. وهم بالطبع يتاثرون بهذه الملتقيات ويؤثرون فيها ويتفاعلون مع رجالها.

خلاصة القول ان هذا التيار لا يرى نفسه مستقلا عن الحراك الفكري الجاري في العالم ، سواء في جانبه الفلسفي او السياسي او الديني. هذا التيار ليس حزبا يملك ايديولوجيا خاصة ، وهو لا يدعو الناشطين فيه الى تصنيف المصادر التي يتفاعلون معها وياخذون منها. انه تيار مفتوح يرى نفسه جزءا من السياق التنويري والتنموي العام ، وهو يحترم جميع المساهمين في هذا المسار بغض النظر عن مواطنهم وانتماءاتهم.

ث) فيما يخص الوحدة الوطنية والدعوة للتعايش والتقارب والسلم الاهلي بين الاطياف التي يتشكل منها المجتمع السعودي الكبير ، وهي نقطة اغفلها الاستاذ الحبيل ، فان التيار الذي انتمي اليه هو اول من قدم مبادرات جدية في هذا المجال. ولا يزال الى يومنا هذا انشط الجهات السعودية في هذه الدعوة . وقدم – اضافة الى المبادرات العملية - تنظيرات موسعة حول قضايا التقارب والتعايش والمواطنة. وتشكل قضايا السلم الاهلي وحقوق الانسان والاصلاح السياسي اهم انشغالات هذا التيار ، ولعلها ابرز ما يميزه على المستوى الوطني.

 اذكر هذا ردا على ما ورد في مقال الاستاذ الحبيل بشان العلاقة المفترضة بين الشيعة والسنة ، حيث قرر ضمنا ان اي لقاء يشارك فيه سنة وشيعة ، فينبغي ان يكون هدفه هو التقريب بين المذاهب. وهو يضرب مثالا بندوة التنوع المذهبي في الخليج التي عقدت في الدوحة "ومن خلال هذا النسق تعقد هذه الندوات التي تجمع أطيافاً عدة". اما اللقاءات حول النهضة والحرية والمجتمع المدني فيجب ان تقتصر – حسب مايظهر من راي الاستاذ مهنا- على المتفقين في العقيدة والافكار "مسار الملتقى يَعْبُر لتحقيق أسئلة النهضة داخل الفكرة الإسلامية المؤمن جمهورها بأن الرسالة الخاتمة .. هي المرجعية الدستورية والتنظيرية".

 اقول رغم ايماني بضرورة النقاش حول قضايا الوحدة والتقارب ، وهو ايمان مدعوم بالفكر والعمل ، الا انني اجد هذه الاشارة غريبة جدا. فهي ربما توحي بان التيار الذي انتمي اليه ليس اسلاميا ، او ان ايمانه بالرسالة الخاتمة مجروح. كما استغرب حشر موضوع الحوار المذهبي في ملتقى النهضة ، لانه عقد للحديث حول المجتمع المدني وليس حول المذاهب. والذين شاركوا فيه ، جاؤوا لانهم مؤمنون بالمجتمع المدني كسبيل للنهضة او كانوا معروفين بالنشاط في الدعوة اليه.

بقيت نقاط تستحق المناقشة. لكن يبدو انني اطلت قليلا. لذا اعتذار من القراء الكرام . واود تكرار دعوتي للاستاذ مهنا لايراد ادلة او امثلة يمكن الاستدلال بها لاثبات الاوصاف التي وصف بها التيار. كي يتلافى تهمة الانشائية والعاطفية. واكرر شكري له على هذه الاثارات المهمة التي قد تفتح بابا مفيدا للنقاش حول اوضاع بلدنا والفاعلين فيه.

نشر في موقع المقال 23 ابريل 2012 http://www.almqaal.com/?p=2160
مقالات ذات علاقة

الاثنين، 29 نوفمبر 2010

جدالات في ظرف متغير


الجدل حول الاختلاط، والجدل حول حلقات التحفيظ، وما قبلهما وما سيأتي بالتأكيد بعدهما، حلقات غير منفصلة في مسلسل واحد، فسره البعض بتصاعد الموجة التغريبية، وفسره منافسوهم بتصاعد موجة التشدد، وربما عرضت تفسيرات أخرى تقترب من هذين أو تبتعد عنهما. والذي أراه أن هذا الجدل والجدالات المماثلة منذ العام 2003 حتى اليوم هي علامات على مرحلة جديدة يعيشها المجتمع السعودي، تختلف إلى حد بعيد عما عرفه في تسعينيات القرن المنصرم.

ثمة مجتمعات استقرت ثقافيا وروحيا، بعدما بلغت مرحلة توازن نسبي بين القوى والأطياف التي يشكل كل منها دائرة مصالح واضحة إذا نظرنا إلى مضمونها الاجتماعي / السياسي، أو نظاما ثقافيا خاصا إذا نظرنا إلى مبررات وجودها وعناصر تميزها عن الغير. في المقابل، فان المجتمعات النامية ــ والعربية من بينها ــ تمر في ظروف تحول تنطوي على تغيرات متوالية في المفاهيم والتصورات ونظم العمل والعلاقة بين الناس.

أبرز محركات التحول هو الدافع الاقتصادي ويليه السياسي. يأتي الدافع الاقتصادي في المقدمة لأنه يتميز بنوع من الاستمرارية تجعله فعالا لفترات طويلة نسبيا. بينما يعتبر العامل السياسي عارضا أو ظرفيا، فهو قد يأتي بسبب أزمة طاحنة ــ مثل الاجتياح العراقي للكويت في 1990 مثلا، أو الهجوم على نيويورك في 2001، أو بسبب كوارث طبيعية أو إنسانية أو حروب. وهذه جميعا تترك آثارا عميقة لكنها تتوقف عند حد معين بعدما يمر عليها الزمن.

يبدأ تاثير المحرك الاقتصادي عند النخبة، لكنه يولد بعد أمد قصير محركات فرعية تنتشر بالتدريج بين عامة الناس. هذا الانتشار جزء من طبيعة الاقتصاد ولا يمكن التحكم فيه أو تحديد مساراته. الذين درسوا تجارب النمو في العالم الثالث لاحظوا جميعا أن الحراك الاقتصادي قد ولد موجات هجرة خلقت مدنا جديدة أو غيرت البنية الاجتماعية للمدن القائمة، كما خلق نطاقات تواصل جمعي يتمثل في وسائل الإعلام الحديثة وشبكات الاتصالات المختلفة التي حولت الشأن العام من حرفة خاصة بالنخبة إلى موضوع يتداوله جميع الناس.

النشاط الاقتصادي يأتي أيضا بالمعرفة من خلال تنوع قنوات التعليم العام وموضوعاته، ومن خلال الانفتاح على العالم. على أن التأثير الأهم للنشاط الاقتصادي هو توليده لحالة الاكتفاء الحياتي، أي الشعور المستقر عند الأغلبية الساحقة من الأفراد بالاطمئنان على الحياة. مجموع هذه العوامل يثير في نفس الفرد تساؤلا مشروعا يدور حول مكانه في الخريطة الاجتماعية ودوره في الحراك الاجتماعي.

شهد العقد الأخير من القرن العشرين ظهور التيار المعروف بتيار «الصحوة»، وهو تيار أثار كثيرا من النقاشات وتولدت في وسطه وعلى حاشيته، أو كنقيض له، الكثير من التحولات. إذا تأملت بعمق في التكوين البشري لهذا التيار، فسوف تجد أنه كان إفرازا للتحولات الاقتصادية التي شهدتها المملكة في العقد السابق، ولا سيما خلال خطتي التنمية الثانية «1976 ــ 1980» والثالثة «1981 ــ 1985». صحيح أن تلك الحقبة قد شهدت أزمات سياسية أيضا، لكن تلك الأزمات كانت أشبه بالعلامات الإرشادية على الطريق، أما الطريق نفسه فقد رسمته برامج التنمية التي غيرت البلاد في العمق كما في الظاهر.

لتأكيد أهمية العامل الاقتصادي نشير أيضا إلى الظرف الثقافي والاجتماعي الذي تمر به المملكة اليوم. المسارات الرئيسية والأقوى تأثيرا في المجال الثقافي والاجتماعي ــ ومن بعده السياسي ــ هي تلك التي تولدت في سياق التنمية الاقتصادية التي قامت على فلسفة السوق الحرة بآلياتها ودينامياتها المعروفة، ولا سيما اعتبار عوامل السوق الحصان الذي يقود عربة التنظيم، وليس العكس كما في الاقتصادات التي تتبع نظام التخطيط المركزي.

الذين انتسبوا إلى «الصحوة» خلال النصف الثاني من تمانينيات القرن المنصرم حتى أواخر التسعينيات كانوا يبحثون عن ذواتهم من خلالها، كانوا يسعون إلى التعبير عن أنفسهم وتحديد مكانهم في مجتمع تتغير منظوماته العلائقية والقيمية بسرعة كبيرة. نحن الأول في طور آخر، يبدو لبعض المحللين معاكسا لحقبة «الصحوة»، ويبدو لغيرهم امتدادا لتلك الحقبة لكن في وعاء أكثر تطورا. لكن ما يهمنا في هذا الجدل كله هو أن سكان هذا الظرف، أي الجيل الجديد من السعوديين، سوف يسلك ذات السلوك، أي البحث عن ذاته ودوره ومكانته ضمن الخريطة الاجتماعية. هذه هي طبيعة المجتمعات وتحولاتها. خيارات هذا الجيل ــ وهي واضحة بالنسبة للكثيرين ــ هي التي سترسم صورة المجتمع السعودي خلال السنوات القليلة القادمة
 صحيفة عكاظ » - 29 / 11 / 2010

الاثنين، 12 يوليو 2010

التيار الديني ليس عصيا على التغيير

د. توفيق السيف

؛؛ جيل ما بعد الصحوة اقل اهتماما بالسلوكيات التقليدية والهموم الجهادية والدعوية. لا نتوقع انقلابا في التيار الديني انقلابا على المدى القصير ، لكن التعارضات في داخله تتفاقم ، وبعضها يعبر عن نفسه بلغة شبه ليبرالية ؛؛

         زميلنا الاستاذ سعيد الحمد يرى ان التيار الديني لا يستطيع اصلاح خطابه السياسي (الايام 29 يونيو 2010 http://www.alayam.com/Articles.aspx?aid=28016) وان نهاية دعوات الاصلاح لن تكون اكثر من العودة الى "بيت الطاعة" لانه ليس في الامكان ابدع مما كان. راي الاستاذ الحمد ينبيء عن شعور بالمرارة والاسى تجاه التعبيرات السياسية للتيار الديني ، وهذا موقف يمكن تفهمه واحترامه. لكن لا يمكن اعتباره في اي حال تحليلا موضوعيا. التيار الديني مثل جميع الافكار والمواقف التي يصنعها البشر تتغير وتتحول ، لان التغيير طبع في الانسان يستحيل تلافيه.

         عدا الكلام عن الامكانية المنطقية ، فثمة ادلة واضحة ميدانية واقعية تشير الى تحولات في جسم التيار الديني نفسه ، في نوعية المشاركين فيه ، وفي افكارهم ، وفي اهتماماتهم ، وفي المبررات النظرية التي يطرحونها كاساس لمواقفهم الجديدة . هذه وتلك تشير الى تغير مقصود احيانا وعفوي في معظم الاحيان. نعرف من البحوث الاجتماعية ان مواقف الانسان ليست انعكاسا لتقريرات ايديولوجية فقط ، حتى وان حاول تصويرها على هذا النحو. ثمة عوامل كثيرة تتدخل في تشكيل تلك المواقف ويؤدي تكرارها الى بروز "ذهنية جديدة".

         لفت نظري هذا الاسبوع دراسة بعنوان "جيل ما بعد الصحوة" للاستاذ ماجد البلوشي. ويعرف الكاتب نفسه كمنتم الى التيار السلفي او الصحوي كما يسميه. وهي منشورة في موقع لجينيات الذي يعبر عن تيار سلفي/سياسي متشدد. تستهدف الدراسة لفت نظر زعماء التيار الى الحقائق الاجتماعية الجديدة التي تستوجب تغييرا جذريا في خطابهم العام. راينا دراسات مماثلة نشرها اسلاميون اصلاحيون خلال السنوات القليلة الماضية ، لكن هذه الدراسة تحظى باهمية اضافية لانها تصدر من داخل البيت السلفي التقليدي ، وتعبر الى حد ما عن روحية جديدة وغير مألوفة. يركز الكاتب على عنصرين محوريين:

 الاول : ان التيار السلفي لم يعد لاعبا وحيدا على الساحة المحلية ولا متفردا بقيادة المشهد الثقافي، فقد برز اليسار الاسلامي والليبرالي كقوة مؤثرة في الساحة الدينية، كما برز توجه شيعي يحمل خطابا فكريا وحقوقيا عميقا، ويتمتع بتجربة حركية ونضج سياسي، ويقدم وعيا جديدا مبنيا على خطاب تصالحي.

الثاني : نتيجة للعامل الاول ، اضافة الى تطور وسائل الاتصال والانفتاح الاعلامي ، فقد برز جيل جديد يصفه بجيل "ما بعد الصحوة" وهو جيل مختلف تماما عن الجيل السابق في تعاطيه مع الفكرة الدينية وفي علاقته برموزها. ويشير خصوصا الى نزعة فردانية متفاقمة بين الشباب، سببها تنامي قدرتهم على الوصول المباشر الى المعلومات، والتعبير عن الذات من خلال وسائل الاتصال الحديثة، الامر الذي اغناهم عن العلاقة الشخصية مع رجال الدين او العودة الى ارائهم. تطور معرفة الشباب بامور الدين واطلاعهم على الاراء المختلفة اعطاهم ثقة بالنفس وجرأة على مجادلة اراء العلماء التي كانت – قبل ذلك – تتمتع بنوع من القداسة والعصمة عن النقد، فضلا عن شيوع الرجوع الى مصادر غير دينية في مجادلة اراء العلماء.

        كما يلاحظ الكاتب ان الجيل الجديد متجه الى الدراسات العلمية والتقنية الجديدة، خلافا للجيل السابق الذي ركز على الدراسات الشرعية. و يرجع هذا التغير الى هيمنة الاقتصاديات الجديدة وظهور فرص اكبر للاثراء والرفاهية في المجتمع السعودي. جيل ما بعد الصحوة لا يظهر كبير اهتمام بالسلوكيات التقليدية ولا بالهموم الجهادية والدعوية التي كانت شاغلا للجيل السابق.

       يعتقد الكاتب ان هذه التحولات هي نتيجة لانتشار ثقافة دينية اصلاحية يحمل لواءها مفكرون تخلوا عن السلفية التقليدية، واتخذوا منهجا قريبا من الليبرالية. وهو يصفهم باليسار الاسلامي. هؤلاء المفكرون يملكون معرفة دينية عميقة ويجيدون استعمال ادوات الخطاب المؤثرة في الوسط الديني.  وقد ساعدهم على ذلك هامش حرية التعبير النسبي الذي وفرته الصحافة المحلية، واسهم في ايصال رسالتهم الى شريحة واسعة من القراء،  كما مكنهم من ممارسة نقد غير مسبوق للخطاب التقليدي ومؤسساته ورموزه.

        تعبر هذه الدراسة عن سياق من النقاش يدور فعليا في وسط التيار الديني التقليدي والسلفي المتشدد ، فضلا عن التيار الديني المعتدل الذي يتطلع الى تقديم صورة جديدة عن نفسه. لا نتوقع ان نرى انقلابا في التيار الديني خلال وقت قصير ، لكن المؤكد انه ينطوي اليوم على توجهات عديدة ومتعارضة ، يعبر بعضها عن مواقفه بصورة لا تختلف كثيرا عن التعبيرات الليبرالية او شبه الليبرالية المحلية. هذه التوجهات تتمايز عن بعضها تدريجيا. ومن المقدر ان نرى في يوم قريب ظهور تيار ديني لا يختلف عن التيار الاصلاحي في ايران او حزب العدالة والتنمية في  تركيا ، تيارات اقرب الى التيار المحافظ في  اوربا ، يتبنى ابرز المباديء الليبرالية لكنه يحافظ على مكانة رفيعة للقيم الدينية والاخلاقيات واولوية العائلة في التنظيم الاجتماعي.

نشر في الايام البحرينية 12-7-2010

الأربعاء، 23 يونيو 2010

تحولات التيار الديني - 6 اسلام اليوم بين عالم افتراضي وعالم واقعي

د. توفيق السيف

؛؛ التيار الديني مطالب بتقديم رؤية دينية جديدة للقضايا المثيرة للجدل . قسر العالم الجديد على ارتداء عباءة التقاليد لن يعزز مكانة الدين ، بل سيقود الى فصله عن العالم الواقعي ؛؛


مؤتمر المراة المسلمة الذي عقد في البحرين منتصف يونيو 2010 هو نموذج عن محاولات يبذلها التيار الديني التقليدي لتجديد نفسه وتجديد خطابه. وهو في الوقت نفسه مثال على العسر الذي يواجهه في هذا المسعى.
اتخذ التيار الديني حتى الان موقفا سلبيا تجاه تحديات التحديث. حقوق النساء هي واحد من هذه التحديات. المرأة المسلمة بين اقل نساء العالم تمتعا بالحقوق الفطرية والحقوق المدنية ، لاسباب بعضها ايديولوجي واكثرها اجتماعي وثقافي. الزعماء التقليديون يعتبرون الكلام عن حقوق النساء جزء من مؤامرة اجنبية لتغريب المسلمين. وقيلت هذه الجملة او نظائر لها في مؤتمرالبحرين وهي تتكرر في محافل التيار الديني التقليدي و ادبياته.
 لم يخرج المؤتمر عن الخطوط المتوقعة التي تنطوي في ثلاث مسلمات هي:

1-      القول بان الاسلام كفل للمراة كل الحقوق المناسبة .
2-      ان الاتفاقيات الدولية حول حقوق النساء ليست مناسبة للمجتمعات المسلمة.
3-      ان دعاوى حقوق المراة المتعارفة في العالم لا تنطلق من نوايا صافية.

هذه الاحكام تغفل المطالب والتطلعات التي يحملها مسلم اليوم. وهي تنطلق في تعاملها مع العصر الذي يعيشه المسلمون من منطلق الارتياب والعداوة. ولم يكن ذلك مفاجئا. تكفي قراءة اسماء المتحدثين ومديري جلسات المؤتمر لمعرفة اي نوع من الكلام سيقال واي نتائج سيتوصل اليها. رغم هذه الملاحظات وغيرها ، فاني اميل  الى التفاؤل بمؤتمر البحرين. لانه – على اقل التقادير – يمثل انتقالا من الرفض المبدئي للنقاش في المسالة الى محاولة تفكيكها.
حقوق المراة هي واحدة من المسائل التي يحتاج التيار الديني الى مراجعتها من دون تقيد بمسلماته التاريخية. هذا يتوقف طبعا على مراجعة اشمل للاساس الفلسفي والايديولوجي الذي تقوم عليه رؤية التيار لقضية الانسان وموقعه ضمن التنظيم الاجتماعي، فضلا عن معنى التجديد والاجتهاد.
في العشرين من يونيو 2010 صدر امر باقالة الشيخ احمد الغامدي رئيس هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بمكة المكرمة بعدما نشر مقالات وشارك في برامج تلفزيونية تعارض الفهم السائد لمسألة الاختلاط والقسر على صلاة الجماعة و – بشكل عام – الحدود الفاصلة بين الدعوة للايمان والجبر على ممارسة الشعائر. خسارة الغامدي لمنصبه كانت ثمرة لضغط شديد مارسه الزعماء التقليديون الذين يرفضون طرح هذه القضايا للنقاش العام[1].
لكن رفض النقاش، ومعاقبة من يثيرونه لن يؤدي ابدا الى تهميش الاشكالات او قتلها.  على العكس من ذلك ، فان الموقف السلبي ربما يدفع بالنقاش الى ماوراء الخطوط التي بقيت حتى الان محترمة.
على اي حال فان التيار الديني في كل تجلياته ومدارسه ، مطالب بتقديم رؤية دينية جديدة للقضايا الاكثر اثارة للجدل . واقترح هنا ثلاث قضايا حرجة لكنها مهملة الى حد بعيد:

1-      الاقرار بالتساوي بين الناس وكونهم اكفاء لبعضهم ، والاقرار باستقلال الفرد وحريته في اختيار طريقة حياته ومتبنياته ، واحترام الانسان لانسانيته ، وتعزيز الايمان بشراكة البشر جميعا في هموم الكوكب وقضاياه المشتركة.
2-      الاقرار بدور العقل والعلم في صياغة الحياة وتسييرها ، وقدرة الناس العاديين على اختيار ما يصلح حياتهم ، وحقهم في اضفاء القيمة على ما يعتبرونه صالحا لهم ، حتى لو اخطأوا في اكتشاف الطريق الاصوب احيانا . الانسان سواء كان مسلما او غير مسلم ، خير بطبعه ، عاقل بفطرته ، يسعى الى خيره الخاص والخير العام بمقتضى ما يمليه عليه ضميره.
3-      مع التطورات الهائلة في حياة البشر وثقافتهم ، فان عالم اليوم لا يمكن ضبطه وفق تقاليد او مسلمات ذات طبيعة محلية او ضيقة الافق. لا بد من تمكين المسلمين في مختلف بلدانهم من تطوير تفكيرهم الديني بما يتناسب مع متطلبات حياتهم الواقعية وحاجاتهم . تجديد الدين ليس مسالة ثقافية بل هو تجربة حياتية – ثقافية.

في ظل حياة تتسم بالنشاط والابداع يمكن للدين ان يتجدد وان يستجيب للتحديات الجديدة. وعلى العكس من ذلك فان محاولة قسر العالم الجديد على ارتداء عباءة التقاليد والتصورات القديمة لا يسهم في تعزيز مكانة الدين ، بل سيؤدي بالضرورة الى قيام عالمين منفصلين : عالم ديني افتراضي ذي طابع قديم وعالم غير ديني هو العالم الواقعي للمسلمين.
انفصال الدين عن الحياة لا يتوقف على مؤامرة خارجية ، بل قد يكون نتيجة فعلية لاغفالنا طبيعة التجديد وتحديات العصر الجديد.

نشر في جريدة الايام – البحرين العدد 7744 الاربعاء 23 يونيو 2010 الموافق 10 رجب 1431هـ



[1] في وقت لاحق تراجع الرئيس العام لهيئة الامر بالمعروف عن قرار اقالة الغامدي نتيجة لضغوط سياسية. واستمر في منصبه حتى اواخر مارس 2011 حين ابعد ضمن سلسلة قر ارات ذات طابع سياسي ترمي في المجمل الى توثيق علاقة الدولة مع التيار الديني التقليدي. 

"الفرج بعد الشدة"

|| ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احت...