الأربعاء، 26 سبتمبر 2018

أي دور للايمان في عالم اليوم



مركز الملك عبد الله للحوار بين الاديان في العاصمة النمساوية فيينا ، واحد من أهم المبادرات التي أطلقتها السعودية في السنوات الاخيرة  ، في سياق تجسير العلاقة بين اتباع الأديان على المستوى الدولي ، وتعزيز القبول بالتعددية الدينية ، والتصدي للتعصب وتبرير العنف والاضطهاد باسم الدين.
هذه المبادرة تستحق الاشادة. وكذا كل مبادرة هدفها تشجيع مجتمعات العالم ، على التلاقي والتعاون في اعمال الخير التي تعود على البشرية ككل.
خلال النصف الثاني من القرن العشرين ، شهد العالم مبادرات عديدة تتبنى مبدأ الخير المشترك للانسانية ككل. لكنها جميعا تلاشت ، مع انهيار النماذج الايديولوجية ذات الطابع الأممي ، في نهايات القرن. وحين تنامى النقاش حول فكرة "العولمة" في تلك الحقبة ، تخيلها بعضنا بديلا محتملا عن المعتقدات الأممية. لكننا نعلم الآن ان فكرة "العولمة" انصرفت بشكل شبه كلي الى دمج اقتصاديات العالم ، فيما يشبه سوقا كونية واحدة. ولعلها لهذا السبب أو غيره ، أهملت الجوانب التي ليس لها عائد تجاري مباشر. هذا على الأقل ما يبرر – مثلا - تعثر الاتفاقيات الدولية حول البيئة الكونية ، وابرزها اتفاقية باريس للمناخ العالمي سنة 2015.
الاصطفافات الحادة في السياسة المعاصرة ، تكشف ان عالمنا يشهد انبعاثا مستجدا للاتجاهات الانغلاقية والتعصب. من ذلك مثلا ان النفوذ السياسي لاحزاب اليمين المتطرف ، يزداد قوة في جميع الدول الاوربية. هذه الظاهرة تبرر أحيانا بالأزمات الاقتصادية. وربما – لهذا السبب – تعتبر ظرفا مؤقتا. لكننا لا نعرف المدى الزمني الذي يتوجب على العالم ان يتعايش خلاله مع هذه الاتجاهات. ولا نعلم مدى التاثير الذي ستتركه على سياسات بلدانها في المدى المتوسط والطويل.
في ظرف كهذا ، يتوجب على المهتمين بقيمة الخير المشترك للبشرية ، ان يبحثوا عن أي وسيلة تبقي هذه القيمة حية وفاعلة. ان مبادرات مثل الحد من التغير المناخي ، والوقاية من التعصب وتعزيز التفاهم بين الشعوب ، تحتاج بالتاكيد الى دعم حكومي،  حتى تقف على أقدامها. لكن من المستبعد ان تبلغ غاياتها ، من دون المشاركة الفاعلة والمخلصة للمجتمعات المحلية في كل بلد.
في هذه النقطة بالتحديد ، تبرز أهمية الشراكة بين أهل الأديان والقادة الروحيين على امتداد العالم. في اعتقادي ان كل واحد من هؤلاء قد واجه في يوم ما ، أسئلة من نوع: اي دور للايمان في عالم اليوم ، وما الذي يمكن للايمان ان يحققه للبشرية ككل ، وهل نستطيع العبور من حدود الشرائع الى فكرة "عباد الله" ، التي تعني كافة الخلق؟.
لازال الايمان عاملا مؤثرا في حياة غالبية سكان المعمورة. دعنا نفترض ان المؤمنين على امتداد العالم ، استوعبوا حقيقة ان تغير المناخ خطر على حياة اجيالهم الآتية. وانهم مطالبون – بمقتضى ايمانهم – بالمشاركة في الحيلولة دون الكارثة الكونية قبل ان تقع ، لا قدر الله. لو حصل هذا فان جميع الناس سيبادرون من تلقاء انفسهم ، كلا في موقعه ، لأداء دوره في درء هذا الخطر.
نفس هذا المثال قابل للتطبيق في قضايا مثل التعصب والانغلاق والصراعات الاهلية ومكافحة الفقر .. الخ.
هذه الأمثلة تكشف حقيقة ان نماذج مثل مركز الملك عبد الله للحوار بين الأديان ، لا ينبغي ان تبقى مقيدة بالاطارات الدبلوماسية وحدودها الضيقة. ثمة حاجة في العالم ، وثمة فرصة  كي يلعب المركز دورا رياديا في جعل الايمان جسرا للسلام والتقدم على المستوى الكوني.
الشرق الاوسط الأربعاء - 16 محرم 1440 هـ - 26 سبتمبر 2018 مـ رقم العدد [14547]
https://aawsat.com/node/1406871

الأربعاء، 19 سبتمبر 2018

قادة الغرب يقولون دمروا الاسلام ابيدوا اهله


  ظهرت الطبعة الاولى من كتاب "قادة الغرب يقولون: دمروا الاسلام ابيدوا اهله" أوائل 1974 حين كانت مشاعر العرب تجيش بالحماس والتفاؤل ، اثر انتصارهم على الجيش الاسرائيلي في حرب رمضان المجيدة. وفي هذه الاجواء الساخنة ، حقق الكتاب انتشارا واسعا بين الشباب المتعطش لكل شيء يساعد في توكيد الذات.
بعد عقدين علمنا ان مؤلف الكتاب لم يكن "جلال العالم" كما يظهر على الغلاف ، بل عبد الودود يوسف. وهو كاتب سوري يرجح انه قتل في 1983. اشتهر الكتاب في النصف الثاني من الثمانينات ، حين وزع مجانا في المكتبات المدرسية والتجمعات الدينية ، واعتبر جزء من الخطاب الديني السائد يومئذ.
يتألف الكتاب من 60 صفحة ، مليئة بأقاصيص تشبه ما يتداول هذه الأيام في مجموعات الواتس أب. فمصادرها غير متخصصة وفقيرة من حيث المستوى العلمي والمنهجية. كما ان المنقول محور على نحو يخرجه تماما من سياقه الاصلي.
بيت القصيد ليس الكتاب نفسه. بل الوظيفة التي شغلها ضمن النسق العام للتوجيه الديني ، خلال العقدين التاليين لحرب اكتوبر 1973. وأخص بالذكر الجانب المتعلق باعادة تشكيل الهوية الدينية/القومية. شهدت هذه الحقبة تحولا عميقا في ذهنية الشباب العربي ، باتجاه نوع من الوعي الجمعي ، يلبس رداء الدين ، ويعبر عن نفسه على نحو شبيه باللغة المألوفة في التراث الديني.
نعرف من تاريخ المجتمعات ، ان جميع تحولاتها الكبرى دفعت الى السطح بسؤال: من نحن؟. وهو سؤال يستدعي بالضرورة تعريف الاخر المختلف ، وتحديد المسافة بين الطرفين ، اي طبيعة العلاقة القائمة بينهما فعليا ، والبدائل المقترحة. وفي هذا السياق فان علاقة المسلمين بالغرب كانت أبرز شواغل المثقفين والدعاة في تلك الحقبة. ونعلم ان الجواب الذي جرى اعتماده هو اعتبار الغرب عدوا تاريخيا على كل المستويات.
كان أبو الحسن الندوي ، وهو منظر بارز لثقافة تلك المرحلة ، قد بدأ بتأييد رؤية محمد اسد ، التي  تقترح الانفتاح على التيارات العلمية في الغرب. لكنه عاد في كتابه "الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية" للتأكيد على انه ليس لدى الغرب ما يستحق العناء. هذا التوجيه الذي عرض بلغة لينة نسبيا ، تراه ايضا عند الشيخ محمد الغزالي وآخرين.
جلال العالم (عبد الودود يوسف)
اما جلال العالم فاختصر الطريق ، مقتصرا على عرض صور مرعبة ، على شكل اقاصيص تجمع المتناقضات. منها مثلا ما ينسبه الى شاهد عيان عن تعذيب عالم دين مسلم ، على يد محقق الماني نازي ، في سجن يديره ضابط يهودي ، في بلد مسلم. ثم يعلق بان حكومة هذا البلد اطلقت يد الضابطين اليهودي والالماني ليفعلا ما يحلو لهما بعلماء المسلمين. الطريف في القصة ، ان اسم العالم المذكور لا يظهر في اي وثيقة تاريخية ، كما ان المؤلف أغفل اسم البلد الذي شهد الحادث. ومثل ذلك بقية القصص التي لا تختلف في السياق والرسالة.
تم تدوير مثل هذه القصص في عشرات المقالات والخطب. وكانت تلقى كحقائق مسلمة ، اعتقد انها ساهمت في صياغة الجواب على سؤال "من نحن" سيما عند الجيل الذي تشكل وعيه في تلك الحقبة.
يظهر لي ان الجيل الجديد يتخلص بالتدريج من هذه الاثقال. لكن المؤكد ان بعضها لازال عالقا في الاذهان. وهو ينبعث من جديد كلما حدثت قضية ذات علاقة ، الأمر الذي يؤكد حقيقة ان السؤال الأصلي ، اي سؤال العلاقة مع العالم ، مازال موضع جدل ولم يحظ بجواب أخير.
الشرق الاوسط الأربعاء - 9 محرم 1440 هـ - 19 سبتمبر 2018 مـ رقم العدد [14540]
https://aawsat.com/node/1399976

مقالات مماثلة

الأربعاء، 12 سبتمبر 2018

حول المسافة بين الدين والمؤمنين

الصديق د. مسفر القحطاني من أكثر علماء السعودية اهتماما بفقه المقاصد. وله في هذا الباب عدة كتب وعشرات المقالات ، التي تؤكد اهتمامه العميق بتجديد الفكر الديني ، وتمرسه في البحث والاستدلال.
وقد لفت نظري في مقالته المعنونة "المتحدثون باسم الدين وهيبة الاوهام (الحياة 1/9) ما ظننته الحاحا على الفصل بين الدين والتدين ، بين النص المقدس وتطبيقاته في حياة المؤمنين. ركز القحطاني نقده على ما أسماه "المتاجرة بالمقدسات". وقال ان كل الاديان عانت من هذا. لكنه ميز بين الاديان القديمة التي ضاعت نصوصها الاصلية او تغيرت ، بسبب اجتهادات مفرطة ،  أدت لاستثمار المقدس في قضايا دنيوية بحتة ، وبين الاسلام الذي احتفظ بنصه الاصلي ، رغم ان الافهام والاجتهادات التي قامت حوله ، قد ذهبت به كل مذهب.
المؤكد ان كلا منا قد قرأ او سمع يوما ، القول الذي فحواه ان الاسلام ليس مسؤولا عن اخطاء المسلمين ، وأن ما يعاب عليه ، ينصرف الى فهم المسلمين له وتطبيقهم الناقص لتعاليمه.
لاخلاف من حيث المبدأ على وجود مسافة بين النص الديني ، وبين فهم الناس له. هذا الفهم هو خلاصة العوامل المؤثرة في تفكير البشر في لحظته. وتتضمن مستخلصات تجربتهم الثقافية ، ظرفهم السياسي والاقتصادي ، توقعاتهم ورغباتهم ومخاوفهم. وهي تندرج جميعا تحت ما اسماه  الفيلسوف المعاصر هانس جورج غادامر بالافق التاريخي.
نحن إذن نتفهم حقيقة وجود مستويين: نص مجرد وسابق على كل فهم ، ونص تحول الى مفهوم وتطبيق في الحياة اليومية للمؤمنين ، ونسميه عادة "التدين" لتمييزه عن "الدين" ، الذي ننسبه الى المستوى الاول.
لطالما سألت نفسي عن صحة الربط بين هذه الحقيقة ، وبين الالحاح على اتخاذها مبررا لكل عيب ، كلما اثير نقاش حول حكم شرعي ، او صحة رواية ، أو ملاءمة اجتهاد ما لمعايير العقل أو مستخلصات العلم. هذا التبرير ينطوي ضمنيا على ادعائين ، كلاهما مشكل: الأول ان فهم وتطبيق التعاليم الدينية جانب الصواب في احيان كثيرة ، بل ربما وصل في بعض الاحيان الى المتاجرة بالمقدس ، كما أشار د. مسفر. أما الادعاء الثاني فهو ان كثرة الخطأ في فهم الدين وتطبيقه ، ربما يشير الى انه في الاساس غير قابل للفهم والتطبيق الكامل.
أقول ان كلا الادعائين مشكل. لأن القبول بالاول يجرد حياة المؤمنين من أي قيمة ، ويضعهم على الدوام في الطرف المقابل لدينهم. اما القبول بالثاني فيجرد الدين من دوره كدليل لحياة اتباعه ، ويحوله الى يوتوبيا يستحيل انجازها في الحياة الدنيا مهما اجتهدنا.
ليس لدي حل معقول لهذا الاشكال. لكني لاحظت ان دعوى الفصل بين الدين والمتدينين ، تتكرر غالبا في سياق الانكار على من جادل نصا او أنكر صحته او اعترض على فهمه او سلامة الاعتماد عليه في وضع احكام شرعية. ونعلم ان لدينا الكثير من النصوص التي تعارض عرف العقلاء او نتائج العلم او نتائج التجربة التاريخية.
والذي أرى ان علينا تقبل النقاش في النص ، بدل الافراط في احالة المشكلات الى اخطاء المؤمنين او فهمهم الناقص. مجادلة النص لاتعني بالضرورة نقضه او رفضه. فقد يكون من ثمارها استنباط مفهوم جديد او رؤية مختلفة ، لم تتضح سابقا. وفي كل الاحوال فان آراء الناس وافهامهم محترمة كرأي علمي مرهون بزمنه. لكن احترامها لا يرفعها الى مستوى المقدس أو اليقيني.
الشرق الاوسط الأربعاء - 2 محرم 1440 هـ - 12 سبتمبر 2018 مـ رقم العدد [14533]
http://aawsat.com/node/1392606