الثلاثاء، 30 يوليو، 2013

مضاعفة" الرواتب وليس زيادتها


لا يبالي معظم الناس بالعواقب الاقتصادية لزيادة الرواتب ، او لعلهم يرونها طيبة دون عيب. تحول هذا المطلب الى مادة اثيرة في الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي. لكنك لا تسمع اي نقاش جدي حول فوائده واضراره.
تخصص الصحافة المحلية صفحات ثابتة للتقارير الاقتصادية ، كذلك تفعل القناة الاخبارية. ولدينا بالطبع عشرات من الاقتصاديين، في الجامعات والشركات ودوائر الدولة ، وبينهم اولئك الذين "يطبخون" القرارات قبل صدورها. لكننا لا نرى نقاشا علميا جادا حول هذا الموضوع الذي تحول فعليا الى قضية راي عام.
ما يحيرني ان بلادنا لا تشهد نقاشات علنية حول المكاسب والكلف الاقتصادية للقرارات والسياسات الحكومية والمطالب الاجتماعية. نعلم مثلا ان برنامج نطاقات الذي طبقته وزارة العمل قد وفر نصف مليون وظيفة جديدة للمواطنين ، وادى الى ترحيل 400 الف وافد ، وشطب 100 الف سجل تجاري. يعرف الاقتصاديون ان هذه الارقام تعني ان الاقتصاد الوطني يشهد تغييرات جوهرية في حجم الكتلة النقدية النشطة وحجم الطلب على السلع والخدمات والقدرة الشرائية الاجمالية واتجاهات الاستثمار وكلف الانتاج.
هذا يؤثر بشكل مباشر على مستوى المعيشة لجميع الناس. لكن لا يبدو ان احدا مهتم بمناقشة المسألة. كما لا اجد نقاشا حول الوسائل الضرورية لتلافي الاضرار التي تتعرض لها الفئات الاقل قدرة على مجاراة التغير في السوق. بالنسبة لشخص مثلي فان رفع الاجور سيكون ايجابيا ، لكن ماذا عن الطلبة ومحدودي الدخل والعائلات المعتمدة على رواتب التقاعد والضمان؟.
نحن بحاجة الى مناقشة موسعة وصريحة للقيمة الاقتصادية لاي مطلب او قرار ، بحاجة لمعرفة انعكاساته على مداخيل الافراد ومصروفاتهم ، كي لا ننتقل من ازمة الى اخرى. لهذا ادعو المتخصصين والمسؤولين والصحافة الى فتح باب النقاش حول هذه الموضوعات.
سيقودنا هذا الى نقاش اخر ، تخصصي ، حول معادلة الدخل/الكلفة ونموذج المعيشة السائد في بلدنا. فالواضح ان المستوى العام للاجور منخفض في المملكة ، قياسا الى دول مثل الامارات وقطر ، او قياسا الى الدول الاوروبية. لا تبدو هذه الحقيقة مؤلمة ، لان مستوى المعيشة في بلدنا منخفض ، وكثير من عناصر المعيشة مدعوم من جانب الدولة. لكننا نعلم ان هذا بذاته قد ادى الى اضعاف بيئة الاستثمار ، واسهم في اعاقة التطور الطبيعي للقطاع الخاص ، وانعكس سلبيا على الفرص الممكنة لحل معضلة السكن وامثالها. اظن ان انخفاض الاجور هو العائق الرئيس لاطلاق نظام الرهن العقاري. كما انه معيق فعلي لتوفير الرساميل الضرورية للاستثمارات الصغيرة. لكن من الخطأ ان ياتي رفع الاجور كقرار منفرد. نحن بحاجة الى "مضاعفة" الاجور وليس زيادتها ، لكن هذا لن يكون مفيدا ما لم يوضع في اطار استراتيجية عامة لتغيير هيكل الاقتصاد الوطني ، لا سيما معادلة الدخل/الكلفة.
الاقتصادية 30-7-2013

الثلاثاء، 23 يوليو، 2013

من تديين السياسة الى تسييس الدين


استعمال اللغة الدينية في الصراع السياسي نظير ما يحدث الان في مصر يؤدي بالضرورة الى ابتذال الفكرة الدينية وخفض قيمتها المعيارية. 
منذ وقت طويل تحدث المشايخ والدعاة عن السياسة الاخلاقية. واعرض كثير منهم عن الانخراط في السياسة بسبب ما قيل عن قلة اخلاقياتها. في هذه الايام نجد الفتوى والكلام الديني خبرا يوميا ضمن اخبار الصراعات. حيثما شرقت او غربت في بلاد العرب والمسلمين ، تجد اللغة الدينية طابعا عاما لانباء النزاعات الداخلية ، حتى ليظن الناظر اليها من بعد ان المسلمين قد قرروا فجأة ترك كل شيء وتفريغ انفسهم للتصارع والتقاتل فيما بينهم.
الاستعمال المكثف للكلام الديني في النزاع السياسي ينتج خلطا ثقافيا ، يقود في نهاية المطاف الى تزوير الوعي العام. تعبر الفتوى – في صورتها النموذجية – عن تكييف معياري للموقف من موضوع او حدث ، يترتب عليه نوع من الالزام للافراد او الجماعة.
استعمال الفتوى في السياسة ، كما راينا في الازمة المصرية الراهنة ، يضعنا امام اشكال جدي يتعلق بالقيمة المعيارية للفتوى ، اي قيمتها كتعبير عن القيمة الدينية للموضوعات. في حالة كهذه نجد انفسنا ازاء ثلاثة تموضعات للفتوى:
الاول : كونها "راي الدين" ، اي كتقييم للموضوع يتجاوز الجدل الواقعي ، ويعبر عن موقف مبدئي بحت ، اعلى من موضوع النزاع القائم ومصالح اطرافه. هذا يعني انه خطاب ينطوي على قدر من الالزام للمتلقي.
الثاني: كونها "رايا في الدين" ، اي كتصور شخصي للفقيه عن موضوع قائم وموقعه ضمن منظومة القيم الدينية.  الفتوى في هذه الحالة لا تنطوي على الزام ، فهي اشبه بالارشاد والتوجيه.
الثالث: كونها موقفا سياسيا ، اي تعبيرا عن مصلحة دنيوية لشخص او جماعة من الناس في ظرف محدد. وهذه اقرب ما تكون الى البيانات الحزبية ، وان كتبت بلغة دينية او استعملت نسق الاستدلال المعتاد في الخطاب الديني.
تميل الثقافة العامة في المجتمع العربي الى كراهية السياسة واعتبارها عالما لا اخلاقيا. وهي تلح على ضرورة حضور الدين في المجال السياسي ، باعتباره وسيلة لتصحيح السياسة واعادتها الى العالم الاخلاقي. ويبدو ان الدعاة والحركيين يجيدون الطرق على هذه النقطة تحديدا ، حين يصورون انفسهم وادوارهم باعتبارها ضرورة لاصلاح العالم السياسي ، وليس مجرد منافسه على النفوذ والسلطة.
واقع الامر ان مشاركة الداعية والحزب الديني في المنافسة السياسية ، لا تختلف – في المضمون – عن مشاركة غيره. قدراته وطبيعة عمله متماثلة ، وما يعد به محكوم ، في نهاية المطاف ، بحدود الدولة ومؤسساتها واعرافها وقابلياتها.
اذا كان لي من دعوة هنا فهي للتخفيف من تسييس الدين تحت غطاء تديين السياسة. غلبة اللغة الدينية على الخطاب السياسي لا تؤدي – واقعيا – الى اصلاح السياسة ، بل ربما ادت الى افساد الدين.
الاقتصادية 23 يوليو 2013
http://www.aleqt.com/2013/07/23/article_772493.html
مقالات ذات علاقة

الثلاثاء، 16 يوليو، 2013

نقاط الاحتكاك بين المجتمع والدولة


لازلت اذكر خط الهاتف الذي دفعت للحصول عليه مبلغ 14,000 ريال في مطلع التسعينات. ولازلت اذكر هواتف سيناو اللاسلكية التي اضطررت لاستعمالها ، لان الهاتف كان يومئذ ادارة حكومية ، لا تسمع ردا من موظفيها سوى "لا توجد بدالة ، البدالة ممتلئة وليس فيها امكانية لارقام جديدة" الخ. لم نعد نسمع اليوم هذه الاسطوانة ، لان الحكومة قررت ان تريح نفسها من تجارة الاتصالات. وحسنا فعلت.
في هذا اليوم لم يعد الناس يلومون الحكومة اذا تعطلت هواتفهم ، لان الهاتف لم يعد دائرة حكومية. لو اردنا صياغة هذا المعنى بلغة سياسية فسنقول ان خدمة الاتصالات لم تعد نقطة احتكاك بين الحكومة والجمهور ، كما كان الامر قبل عشرين عاما.
جوهر المسألة اذن هو عدد "نقاط الاحتكاك" بين المجتمع والدولة. نفهم ان رضا الناس ليس غاية يسهل ضمانها. لكن الفرق شاسع بين فلسفة في العمل الاداري هدفها تقليل نقاط الاحتكاك ،  اي تقليل مساحة التغاضب بين الدولة والمجتمع ، وفلسفة معاكسة تستهدف ، او تؤدي – موضوعيا – الى زيادة نقاط الاحتكاك ، اي تقليل مساحة التراضي بين الطرفين.
دعنا نضرب مثلا اخر من حوادث هذه الايام. فقد ذكرت الصحف ان هيئة الاتصالات ، وهي جهة حكومية ، تريد ايقاف خدمة الواتس اب. وشهدنا الحملة الواسعة في الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي ، التي تندد بهذه الفكرة. حظر الواتس اب سيخلق نقطة احتكاك جديدة بين الحكومة من جهة وبين ثلاثة ملايين من مستعملي هذا التطبيق في المملكة. فهل تحتاج الحكومة الى هذا؟.
هذا المقال لا يخاطب هيئة الاتصالات ، وليس غرضه المطالبة بابقاء الواتس اب او غيره. بل يستهدف على وجه التحديد تنبيه مسؤولي  البلد الى التبعات السياسية لقراراتهم. اعلم ان بعض  القرارات يتخذ على اعلى المستويات ، وبعضها يتخذ في مستويات متوسطة او دنيا ، ويوقعه احد الكبار دون تمحيص لمضمونه ، او لانعكاساته على مسار العلاقة بين الدولة والمجتمع ، اي "عدد نقاط الاحتكاك" التي يضيفها او يقللها.
ولهذا فاني اتمنى ان يبادر كل وزير الى مراجعة القرارات والاجراءات المتخذة في وزارته ، تلك المتعلقة خصوصا بتعاملات الوزارة مع الجمهور ، وان يضع امامه دائما السؤال التالي : كيف ينعكس كل منها على علاقة المجتمع بالدولة ، هل يزيد نقاط الاحتكاك ام يزيد مساحة الرضا والتراضي.
لا شك ان رضا الجمهور عن الخدمات العامة التي تقدمها اجهزة الدولة هو اهم معايير النجاح السياسي ، وبالعكس فان غضب الجمهور دليل واضح على الفشل.
ترى ما الذي يريده الوزير او المسؤول الكبير: ان يوصف  بالنجاح ام يوصم بالفشل؟. هل يريد تلطيف العلاقة بين المجتمع والدولة ، ام يريد زيادة نقاط الاحتكاك بينهما؟. هذا هو لب الموضوع.
الاقتصادية 16 يوليو 2013

http://www.aleqt.com/2013/07/16/article_770690.html

مقالات ذات علاقة


الخميس، 11 يوليو، 2013

حول علم الكلام الجديد ، الدين والتجديد ، الديمقراطية وتطبيق الشريعة ، الحداثة والتراث

اعداد: هيفاء السادة 
 جهينة الإخبارية      17 / 6 / 2013

- الليبرالية تنطوي على كثير من الفضائل وأبرزها تحرير جسد وروح وعقل الإنسان.
 -
جمود الفقه هو ثمرة لضعف التفاعل بين الفقيه وبين الحياة الواقعية للناس.
-
 مشكلة الفكر الإسلامي التقليدي هو بحثه عن أجوبة قديمة لأسئلة حديثة.
-
شعور الإنسان بالحرية في إختيار طريقه الديني يجعله أقرب إلى معرفة الله.
-
نحن سجناء في تاريخنا ويجب أن نتخلص من هذا السجن.
-
البديل عن الوحدة المذهبية هو الدعوة إلى التسامح وإلغاء الجدران الفاصلة بين الطوائف.

قال الدكتور توفيق السيف ان الديمقراطية هي نظام الحكم الأمثل في هذا الزمان، مضيفا ان الديمقراطية هي أحد منتجات الإنسان الكبرى والمهمة وهي مقبولة منسجمة مع القيم الكبرى في الدين الإسلامي، وفي الأديان الأخرى.
وخلال البرنامج الثقافي الفكري «مائدة افلاطون» الذي يقدمه الإعلامي الكويتي عقيل عيدان أكد الدكتور السيف ان فرصة استمرار النهضة الحالية أقوى بكثير بدرجة لا تقارن مع النهضة السابقة لسببين، هما دخول عامة الناس في المشروع، بالإضافة لتوفر وسائل الاتصال الجمعي.
وفي لقاء له مع الإذاعة الكويتية في وقت سابق قال السيف «ان الحاجة إلى الاعتقاد تأتي من الحاجة إلى الانتماء، يمكن للإنسان أن يعيش بمفرده لكنه في وقت من الأوقات سيشعر بالفراغ وبأن قيمته قليلة، قيمة الإنسان إنما تتحدد بالنظر بوجود من يقيمونه بالعالي أو الداني» بالآخر".
وأشار السيف ان علم الكلام موضوعه هو العقائد حسب التعبير المتعارف، لافتا إلى ان كل مجتمع فيه قوانين وفيه قيم ونظم علاقات وفيه معايير للتصحيح والتخطأة والقياس، كل هذه المعايير وكل هذه المعايير وكل هذه القيم والقوانين تقوم على قاعدة فلسفية هي التي تميز نظام اجتماعي بأكمله عن نظام اجتماعي آخر.
وتحدث السيف عن مسألة مصادر السلطة في التفكير الإسلامي المعاصر، مشيرا لوجود اتجاه قوي على اعتبار أن المجتمع وعاء للسلطة، وموافقة المجتمع مصدر للسلطة، لا تكون السلطة مشروعة إلا إذا صدرت عن رضا عامة الناس.
وبين السيف ان البحوث العلمية سواء في الفقه أو غير الفقه التي سارت على نفس النمط القديم، لا تأتي بأي جديد، فهي تعيد إنتاج ما هو معروف، الفكر الجديد الذي يفصل بين المعرفة والنص ويؤكد على تاريخية المعرفة الدينية هو الذي ينتج الفكر الإسلامي الجديد، الفكر الذي نتعرف عليه لأول مره، سورة الإسلام العصرية التي نكتشفها للمرة الأولى.
شبكة جهينة الإخبارية تنشر الحوار:

1)     تحفل الكتب والمؤلفات المعنية بقضايا الإصلاح والتجديد الديني بالحديث عن علم الكلام الجديد. ما هو هذا العلم وماذا يميزه عن علم الكلام القديم؟

علم الكلام موضوعه العقائد حسب التعبير المتعارف. لكن إذا أردنا توسيعه سنقول أنه القاعدة الفلسفية التي تقوم عليها الشريعة ونظام العمل في المجتمع الديني.
بعبارة أخرى فان كل مجتمع فيه قوانين وقيم ونظم علاقات ومعايير للتصويب والتخطئة والقياس. كل هذه المعايير والقيم والقوانين تقوم على قاعدة فلسفية واحدة هي التي تميز نظاما اجتماعيا بأكمله عن الأنظمة الأخرى.
وبالنسبة للمسلمين فان القاعدة التي يقوم عليها نظامهم الإجتماعي هي مانسميه بالعقيدة. علم الكلام هو الحقل العلمي المتخصص بدراسة هذه العقيدة.
كان علم الكلام نشطا حتى القرن الثاني عشر الميلادي، وقد تركزت نقاشاته حول العقائد الكبرى لا سيما التوحيد واسماء الله وصفاته والنبوة والامامة.
خلال القرن الحادي عشر خصوصا جرى تنظير الفروق بين الفرق والمقالات المختلفة في الموضوع. ويبدو ان الباعث على الاهتمام بهذا الجانب هو الميل الذي تفاقم منذ القرن العاشر الميلادي لتحويل المذاهب والمدارس السياسية والكلامية الى منظومات اجتماعية متكاملة اي ما نسميه الان طوائف.
ثم تراخى الإهتمام به، وإتجه الدارسون الى الإهتمام بالفقه، وهو العلم المختص بدراسة احكام الشريعة، او ما يسمى بالفروع. وسنأتي على الفارق بين الاثنين في وقت لاحق.
وهناك دعوة حديثة بدأت منذُ زمن طويل، منذُ بداية القرن العشرين تقريبا، لكنها بقيت محدودة، ولم تثر كبير اهتمام. ثم عادت الى سطح اهتمام المفكرين مرة اخرى في اواخر القرن العشرين. وقد برزت في اطار الدعوة لمراجعة الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام الإسلامي أي علم العقائد، ليس للنظر في القضايا التي انتهى بحثها مثل موضوع التوحيد والألوهية أو موضوع النبوة وموضوع القيامة، بل انصب اهتمام الداعين اليها على ما يوصف بالرؤية الجديدة للعالم. هذه الرؤية تحاول اعادة تشكيل قاعدة فلسفية دينية يقوم عليها تصور الفرد لذاته وللعالم، النظام الاجتماعي والقانون ونظم العلاقات الداخلية، والقيم والمعايير التي توجه او تضبط الحركة في المجتمع المسلم.
كمثل على تلك الموضوعات، ثمة نقاش حول العلاقة بين العلم والدين، حدود دور العقل في تحديد القيم، مضمون الرابطة الإجتماعية التي تربط بين افراد المسلمين، ويتشكل على ضوئها ما نسميه المجتمع السياسي. يبدا هذا النقاش بسؤال حول البنية الداخلية للمجتمع المسلم، هل هي قائمة على التعاقد بين الافراد، ام أن المجتمع المسلم بنيته عضوية، كما جرى فهمه في الماضي؟.
ومثل ذلك النقاش حول قيمة النص والوحي، وهو بحث يقود بالضرورة الى مصادر السلطة في المجتمع المسلم. ثمة إتجاه قوي في الفكر الاسلامي المعاصر، سيما الاتجاه الاصلاحي، يرى ان المجتمع هو وعاء السلطة، وان اختيار العقلاء لا يقل قيمة عن الاحكام المنصوصة، وان مضمون السلطة هو تمثيل المجتمع، اي ان السلطة لا تكون مشروعة الا بتفويض عامة الناس ورضاهم.
هذا يخالف التفكير القديم الذي ورثناه عن الاسلاف، والذي يميل إلى اعتبار السلطة موجودة في مكان ما خارج المجتمع. اما باعتبارها حقا خاصا للرسول ثم الأئمة والخلفاء ثم اقرب العلماء الى صفات هؤلاء. او القول بتبعيتها لموضوعها اي حفظ النظام العام، فهي للمتغلب الاقدر على ضمان الامن والاستقرار.

2)     ماهو الفيصل بين الرايين القديم والجديد؟
علم الكلام القديم يضع «الموروث» من نصوص واراء كمعيار للمقارنة والترجيح. علم الكلام الجديد يقرر ان المعيار هو «القيم الكبرى» التي قام عليها الدين او اراد اقرارها في حياة الناس، قيم مثل اصالة الحرية واصالة العدل والمساواة الخ.. حتى لو توصلنا عبرها الى اراء تخالف المتفق عليه من النصوص والاراء الموروثة.
موضوع علم الكلام الجديد اذن هو إعادة صياغة الأرضية الفلسفية والنظرية التي يقوم عليها التنظيم الإجتماعي لمجتمع المسلمين المعاصر.

3)     تاريخيا يحيل بعض الباحثين هذا المسمى الجديد إلى الاستاذ شبلي نعماني. هل هذا دقيق او أن الأمر أقدم من ذلك يعود على سبيل المثال إلى 1906 تحديداً في إيران خلال الثورة الدستورية ومواجهة رجال الدين للمستجدات في المجتمع الإيراني أنذاك؟

اشتهرت نسبة المصطلح الى شبلي نعماني «1857 - 1914»، وهو داعية ومفكر هندي، لانه نشر كتابا حمل عنوان «علم الكلام الجديد». واظنها المرة الاولى التي يصدر فيها عمل علمي بهذا العنوان. وبالمناسبة فان حركة التجديد الاسلامي في شبه القارة الهندية كانت اول من طرح هذا النوع من النقاشات. واشير الى ان السير سيد احمد خان «1817 - 1898» وهو من اساتذة النعماني، كان قد تحدث قبله عن الحاجة الى «علم كلام جديد». كما تحدث عنه الشاعر والفيلسوف محمد اقبال «1877 - 1938» بعد ذلك. وكان محور اهتمام الاصلاحيين الهنود هو تقديم فكر اسلامي يستجيب لتحديات الحضارة الغربية، ويبرهن على قابلية الاسلام لاستيعاب الحداثة. ولعل مبعث هذا الاهتمام المبكر هو كون شبه القارة الهندية من اوائل المجتمعات الاسلامية التي واجهت تحدي العلاقة الثقافية مع الغرب.
على اي حال ليس لدي معرفة مفصلة بالمسار التاريخي للفكرة. لكني افترض انها، مثل سائر العلوم، تتطور وفق نمطين: نمط تراكمي ونمط انقلابي. في اوائل القرن العشرين شهدت ايران بروز تيار تجديدي في اطار الثورة الدستورية التي اشرتم اليها، وتمحور جدلها حول موضوع السلطة، وبطبيعة الحال فقد كانت مسالة الامامة عنصرا مهما في الجدل، نظرا لان جدلية السلطة عند الشيعة تبدأ بمسالة الامامة.
في هذا الوقت نفسه، اي اوائل القرن العشرين، كان ثمة حراك فكري تجديدي في مصر وبلاد الشام، ونعرف ان تلك الحقبة شهدت ظهور الكتابات التاسيسية لجمال الدين الافغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وامثالهم. اهتم هؤلاء وتلاميذهم - محمد رشيد رضا مثلا - بمعالجة الاشكالات الجديدة التي تحيط بفكرة الخلافة، وامكانية التوصل الى نظرية حول قيادة سياسية - دينية اصلح من النموذج القائم في الدولة العثمانية.
ماحدث في إيران وماحدث في المشرق العربي كان ردا على الاستبداد من جهة وعلى التحدي الاوربي من جهة ثانية. لكنا نلاحظ ان ذلك الحراك قد توقف عند بداية العقد الثالث من القرن العشرين، ولم يحدث تراكم علمي حول الافكار الاولية التي طرحت في تلك الحقبة.
4)     هل يمكن الحديث عن نهضة جديدة، تملك مقومات الإستمرار والتواصل؟ أم أن الأمر لازال غير واضح الإتجاهات؟
مانراه اليوم ليس متصلا - عضويا - بما عرفه العالم الاسلامي في بداية القرن العشرين. وهو - من ناحية اخرى - مختلف عنه في محاور اهتمامه ومقوماته. وأظن أن ظروفنا الراهنة تسمح بالظن بان المرحلة الجديدة سوف تقود الى تراكم علمي مستمر، ربما يعطينا علم كلام اكثر عمقا وانسانية واستيعابا لعصرنا وحاجات الانسان فيه.
فرص الإستمرار في النهضة الحالية أقوى بكثير من النهضة السابقة، لسببين بسيطين:
الأول دخول عامة الناس في المشروع: في المرحلة الأولى كان المشروع قصرا على عدد صغير من النخبة. اما في الوقت الراهن فهو مشروع الشعب العربي كله. العرب من المحيط إلى الخليج متفقون على ضرورة المشاركة في صناعة نظامهم السياسي، والمشاركة في صناعة مستقبلهم. لعلهم يختلفون في كيفية المشاركة، لكنهم متفقون على مبدا كونهم شركاء في صناعة النظام السياسي الذي ينتمون اليه، وان الدولة ليست عالما منفصلا عنهم. هذه الفكرة أصبحت من المسلمات البديهيات التي لا يجادل فيها أحد.
السبب الثاني توفر وسائل الإتصال الجمعي. فعندما اتحدث عن «طبائع الإستبداد» وهو ربما أهم الكتب التي ظهرت في تلك المرحلة سوف نجد أنه طبع في 500 نسخة، ولعلها لم تخرج من حدود بلاد الشام إلا بضع نسخ.
اما الآن فعندما تكتب مقالا أو تنشر كتاباً، فسوف يصل الى كل مكان، ضمن فاصل زمني لا يتعدى اسابيع. بعبارة اخرى فإن الفكرة التي ينتجها شخص واحد سرعان ماتتحول إلى قضية عامة. وصول الناس الى مصادر المعلومات يمكنهم من الحوار في القضية المطروحة وحولها. الحوار الذي يشارك فيه عدد كبير من الناس، يتحول سريعا الى مادة غنية بالاسئلة والحلول المقترحة، وهذا يقود - بالضرورة - الى تجاوز الطروحات الاولية الى مستويات اعلى من الاسئلة والحلول. تعميم الفكرة يؤدي الى تطويرها، وقابلية الفكرة للتطور تزيد فرص استمرارها وتجعل تاثيرها اعمق واوسع.

5)     كيف تؤثر العلوم الحديثة سيما في حقل العلوم النظرية والانسانية على علم الكلام الجديد؟

اتذكر ان اول درس لي في اصول الفقه كان يدور حول التعريف بالعلوم التي يعتمد عليها الفقه. يومئذ ذكر استاذنا علم النحو واللغة والبيان وذكر علم الرجال والدراية وتفسير القران والمنطق، باعتبارها جميع ضرورية لدارس الفقه. نعلم اليوم ان كلا من هذه العلوم قد تشعب وتفرع، ونعلم ان علوما اخرى قد انضمت الى العلوم الضرورية لدارس الفقه مثل علم الاجتماع والاقتصاد والفلسفة وغيرها.
بكلمة اخرى فان لكل من تلك العلوم اثر مهم في فهم الخطاب الديني. كما يجدر القول ان تطور تلك العلوم يستوجب انعطافا موازيا في الدراسات الدينية يتناسب مع القضايا والاسئلة الجديدة.
حتى وقت قريب كان النقاش الفلسفي في المدارس الدينية محصورا في الاسئلة ومسارات النقاش التي ورثناها عن الفلسفة اليونانية. لكن عددا من المفكرين المسلمين يتفاعلون اليوم مع الاتجاهات الجديدة في الفلسفة سيما في نظرية المعرفة التي تطرح نقاشات واسئلة تختلف جذرياً أو جزئياً مع النظريات اليونانية التي أعتدنا عليها.
يؤسفني القول ان النقاشات الفلسفية الجديدة لازالت محدودة، معظم مدارس العلم الديني لا تهتم بدراسة الفلسفة، وتلك التي تهتم - كما هو الحال في ايران مثلا - اكثر ميلا الى التراث الفلسفي اليوناني الذي دخلها منذ زمن بعيد وحظي بالكثير من الشروحات والنقاشات واعيد انتاج الكثير من قضاياه ضمن النسيج الثقافي الاسلامي. زبدة ما اردت قوله ان المناهج الفلسفية الحديثة لازالت محدودة الانتشار، لكنها بدأت تؤثر في نطاقات واسعة نسبيا. كمثل على ذلك فان كتاب «مفهوم النص» للمرحوم نصر حامد ابو زيد، ترجم وطبع ثلاث مرات في ايران. كما ان كثيرا من كتب د. عبد الكريم سروش ود. محمد مجتهد شبستري طبعت مرات عديدة وترجمت الى اللغة العربية. وكذلك حال كتب المرحوم محمد اركون. هذا يشير الى ان الطروحات الفلسفية الجديدة تحظى باقبال متزايد بين المشتغلين بالفكر والمهتمين بالدراسات الاسلامية. لكن علينا ان ننتظر بعض الوقت كي نكتشف مدى تاثيرها في المسار العام للدراسات الدينية، سيما في مجامع العلم الشرعي التقليدية.
عدا البحوث الفلسفية، لاحظت ايضا تزايد الاهتمام بعلم الاجتماع بين المشتغلين بالعلوم الدينية. تساعد البحوث الاجتماعية في فهم العلاقة بين الفكرة النظرية وبين سلوكيات الافراد الجماعات، وهو من المجالات الهامة التي ينبغي استيعابها بالتوازي مع التفكير في النظريات الدينية

6)     بالعودة إلى العقيدة، اود ان اسأل سؤالا عاما: من أين تأتي الحاجة للإعتقاد؟ اليس اتخاذ دين محدد او شريعة معينة تقييد لحرية الفرد؟

الحاجة إلى الإعتقاد تأتي من الحاجة إلى الإنتماء، يمكن للإنسان أن يعيش بمفرده لكنه في وقت من الأوقات سيشعر بالفراغ وبأن قيمته قليلة. قيمة كل فرد وموقعه في النظام الاجتماعي يتحدد بموقف الافراد الآخرين منه.
حتى ينتمي الإنسان إلى جماعة فإن عليه أن يدفع ثمن الحياة الإجتماعية. اذا عشت في مدينة فعليك الالتزام بقوانينها ونظام الحياة فيها، في السير وفي الحركة وفي البناء وفي غير ذلك.
كل نظام في داخله حدود تقيد حرية الفرد. نحن نطالب بالحرية في اقصى تجلياتها. لكننا نتحدث عن الحرية في مجتمع يخضع للقانون وليس مجتمع الغابة. طبقا لراي جان جاك روسو فان انعدام القيود في مجتمع الغابة ليس حرية بالمعنى الدقيق. الحرية تتجلى في المدينة، والمدينة مجتمع ينظمه القانون. نحن اذن نقبل بالقانون الذي ينظم العيش الجمعي في المدينة لاننا نريد الحياة المشتركة مع الناس في المدينة، وندرك ان القانون ضروري لتنظيم هذا النوع من الحياة، رغم اننا ندرك ايضا ان علينا التنازل عن جزء من حريتنا مقابل التمتع بفضائل العيش مع الناس في المدينة في ظل القانون.
المجتمعات المسلمة تعتمد القانون المستمد من الشريعة او المنسجم مع القيم الدينية. لو كنت في بلد غير مسلم فستخضع لقانون اخر مستمد من مصادر اخرى. بعبارة اخرى فان اي حياة مدنية تتطلب قانونا يلتزم به الناس، وكل قانون يؤدي بالضرورة الى تقييد لحريةالفرد. لكن هذا ثمن نرتضي دفعه كي نبقى متحضرين.

7)     ماهو تصورك الشخصي عن الليبرالية؟ أي العناصر التي تعتبرها مقومات لازمة لليبرالية؟

دعني أولاً أقترح مدخلا للفكرة. نحن ننفتح على كل الافكار ونتعامل مع كل المفاهيم التي أنتجها البشر في هذا العصر أو في العصور القديمة، نضعها في مرتبة واحدة، سوء ظهرت وتطورت ضمن اطارنا المعرفي والحضاري الخاص او عند الأخرين. نتعامل مع كل الافكار تعاملا نقديا، لا ننبهر بها فنقلدها تقليدا اعمى ولا نغلق اذاننا وعقولنا دونها. بل نحاول التعرف عليها، نحاول تفكيكها وفهم سياق تطورها، فاذا وجدنا بعضها او كلها مفيدا لنا، عملنا على اعادة تركيبه ضمن الشروط الخاصة بثقافاتنا ومجتمعنا.
هذا هو الطريق الذي نتبعه في التعامل مع كل النظريات والمباديء والمفاهيم الجديدة.
فيما يخص «الليبرالية» فان فهمها مشروط بمعرفة الاطار الذي نتحدث ضمنه. قد نتحدث عنها في إطارها الغربي فنقول أن الليبرالية جيدة أو غير جيدة. لكن حين نتحدث عنها كموضوع قابل للجدل والتطبيق في بلادنا، فإننا نلحظ دائما إطار التعامل النقدي الذي اشرنا له انفا.
·         الآن.. هل الليبرالية تنطوي على فضائل؟ أم لاتنطوي على أي فضيلة؟
الجواب: الليبرالية تنطوي على الكثير من الفضائل، أبرزها فضيلة الحرية، تحرير الإنسان، وتحرير جسده، تحرير روحه، وتحرير عقله. وهذا أصل في الخلق. خلق الله البشر أحرارا غير مقيدين بأي شيء حتى بالدين. ثم عرض عليهم الديانات، عرض عليهم المنهج، واعطاهم العقل الذي به يختارون هل ينتمون إلى هذا الطريق او لا ينتمون. قال تعالى﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وقوله ﴿إِمَّاشَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ وفي الحديث المشهور «يولد أبن آدم على الفطرة». والفطرة هي حالة حيادية تنطوي على قابلية للإختيار والعيش. لكن إختيار دين معين أو ايديولوجيا خاصة يأتي في وقت لاحق. زبدة القول ان اهم مضمون لليبرالية هو تمجيد واعلاء قيمة الحرية الفردية، حرية الروح، وحرية الجسد، وحرية العقل. والحرية حسب اعتقادي أصل في الايمان.
الزاوية الثانية ان الحرية في المذهب الليبرالي قرين للمسؤولية. الفرد - عند اتباع هذا المذهب - مسؤول بشخصه عن كل أفعاله. لا احد غيره يتحمل مسؤولية افعاله. بديهي ان المسؤولية المباشرة للانسان هي المسؤولية المدنية، اي كونه مسؤولا عن اي فعل يقيم علاقة مع الافراد الاخرين. بكلمة اخرى فان الليبرالية لا تتحقق إلا ضمن مدينة حياتها منظمة بالقانون. الليبرالية لا توجد في الصحراء، ولا توجد في الغابة. من هنا نقول ان تعريف الحرية في المذهب الليبرالي مشروط بقانون المدينة، وهذا أيضاً أمر مقبول.
لا أريد الإطالة. ساذهب الى النقطة الأخيرة التي هي في العادة مورد الجدل. في الليبرالية الإنسان هو مبدأ كل شيء ونهايته، هو مصدر التشريع، مصدر الحق وهو معيار الحق والباطل. اظن ان هذه النقطة «الانسانوية» هي ابرز المبررات التي يطرحها الرافضون لليبرالية في المجتمعات المسلمة.
اعتقادي الشخصي ان الانسان الفرد يحظى بقيمة كبرى في الدين الاسلامي. لكني انظر للمقولة الليبرالية في هذا الخصوص بشكل انتقائي. من حيث المبدا ارى ان النظام الإجتماعي الإسلامي يقوم على اولوية الفرد وليس الجماعة كما هو شائع. بمعنى أن الفرد هو البداية وليس الأسرة أو الجماعة أو القبيلة. الخطاب الالهي موجه - بصورة اولية - الى الافراد. المسؤولية الاخروية/الدينية عما يجري في الدنيا تتعلق بالفرد. الفرد مطالب بان يختار ويلتزم بخياراته ويتحمل مسؤوليتها، بغض النظر عن خيارات الجماعة. هذا لا يطابق بشكل تام مفهوم )الفردانية =(individualism المعروف في الادبيات الليبرالية، لكنه يقترب من جوهره الفلسفي.
الزاوية الثانية: ايهما مصدر الحق ومعيار الصواب والخطأ.. الفرد أم الجماعة؟
في هذا الجانب بنبغي التمييز بين مستويين. المستوى الاول يتعلق بالحقوق والتكاليف الاساسية الضرورية لضمان حياة البشر وكرامتهم. وقد اطلق الفيلسوف الانكليزي جون لوك عليها اسم «قانون الله» وتعرف في الفلسفة السياسية باسم «الحقوق الطبيعية» واميل الى تسميتها «الحقوق الفطرية». والمستوى الثاني يتعلق بالحقوق المدنية والتكاليف المترتبة عليها، الضرورية للحياة الجمعية المدنية.
ارى ان المستوى الاول يخضع لمعايير موضوعية فوق الفرد وفوق الجماعة، ونعتقد - كمسلمين - ان مثل هذه المعاييرالمتعالية يجب ان تكون سماوية، اي غير قابلة للتبديل والتعديل على يد الانسان. ومن بينها مثلا القيم الكبرى المطلقة مثل العدالة والحرية والمساواة والتراحم بين الناس. ومال عدد من المفكرين الاسلاميين الى تصنيفها كمستقلات عقلية، اي قيم متعالية تطلق دون الحاجة الى تدليل عليها، وقالوا ان مصدرها هو اجماع عقلاء البشر في مختلف الاماكن والازمنة على ضرورتها.
اما المستوى الثاني «الحقوق المدنية» فالجماعة هي من يضع معاييرها وطرق تطبيقها، شرط ان لا تؤدي الى التفريط في معايير المستوى الاول.
التصنيف السابق يتعلق خصوصا بحياة الناس الدنيوية، اي ما يصلح دنياهم. لكن ثمة - اضافة الى هذا - التزامات يختارها الناس في سياق علاقتهم بربهم، ونطلق على هذا المسار عنوانا عاما هو الايمان او التدين. وهو يتعلق اساسا باغراض ما بعد الدنيا. فهذا مجال لا علاقة لليبرالية ولا اي مذهب فلسفي اخر به. فهو خيار خاص للانسان لا يصح تحديده ولا الجبر عليه. وهو يصنف ضمن عنوان حرية التفكير والاعتقاد، الذي يندرج ضمن الحقوق الفطرية. بعبارة اخرى فنحن لا نسأل عما اذا كانت الليبرالية تتوافق مع الايمان ام لا، فهي في الاساس ضد الجبر والتحديد. اما اذا سألنا هل ثمة توافق بين الليبرالية والايمان فالجواب اننا لا نتعامل معهما كخيارات متقابلة. واذا وجدنا تقابلا فسوف نطبق مبدأ حرية الاختيار. بالنسبة لنا كمسلمين فسوف نختار ما هو اقرب الى ايماننا ورضا ربنا.

8)     إذا أردنا أن نطبق الليبرالية في مجتمعاتنا العربية الإسلامية في الواقع هناك تفاوت في الحقوق بالفقه الإسلامي، مثلاً تفاوت الحقوق بين المرأة والرجل أو بين المسلم وغير المسلم، ومايعتبره البعض من ذاتيات الدين أو ضروراته، بحيث يصح القول أن تساوي الحقوق في الفكر الليبرالي يتعارض مع التعاليم الإسلامية، هل هذا الكلام دقيق؟

هنا تأتي أهمية علم الكلام. الأحكام الفقهية سواء تلك التي قال بها فقهاء معاصرون أو نقلوها عن أسلافهم، بل حتى تلك التي ورد فيها نص. غالب هذه الاحكام تنظيمية - سيما غير العبادية - هي اقرب الى معنى القانون الذي يستهدف تنظيم الحياة الجمعية وتداول المصالح بين الناس. السؤال الان: هل هذا القانون او ذاك نهائي، عابر للزمان والمكان أم أنه مشروط بموضوعه والمصالح التي استهدف تحقيقها. في هذا الجانب تحديدا فاننا نتحدث عن تأثر القانون بظروف الزمان والمكان وحاجات الناس المتغيرة.
لو ذهبنا لعلم الكلام ووضعنا فلسفة للنظام الإجتماعي تقول على سبيل المثال بأن للمسلمين في كل زمان من أزمانهم الحق في إعادة النظر في القوانين التي تحكم نظامهم الإجتماعي. حينئذ سيضع المسلمون المعاصرون يستجيب - من ناحية - للتحديات والاسئلة والحاجات الجديدة، ويستجيب - من ناحية اخرى - لمتطلبات الايمان. بعبارة اخرى فهم سيضعون القانون الذي يتناسب مع شعورهم بالانتماء الى هذا الدين. وبالتالي سيكون القانون إسلامياً بمعنى انتمائه للجماعة المسلمة وبمعنى تلاؤمه مع الشعور الديني عند واضعيه.
من زاوية اخرى، فانه من المهم القول ان الأحكام الفقهية - بما فيها تلك التي تحظى بالاجماع بين الفقهاء - ليست عابرة للزمان والمكان، وسأعرض بعض الامثلة لتوضيح الفكرة:
المثال الاول: اتفق فقهاء المسلمين بمختلف مذاهبهم على أن المرأة لا تتولى المناصب السيادية، مثل منصب القاضي ورئيس الدولة والوزير. لانها - في رايهم - غير مؤهلة تكوينيا للوفاء بحاجات هذه المناصب. وهذه نظرية قال بها اولا الفلاسفة اليونان، ثم دخلت في الفكر الاسلامي وتحولت الى احكام فقهية.
نعلم الان ان كثيرا من الفقهاء تخلى الان عن هذا الراي، رغم ما يحفه من اجماع على امتداد التاريخ الماضي ورغم النصوص الكثيرة التي اختيرت لتبريره. من هذا نفهم أن الأنظمة " التي تصنع في الإطار الفقهي وتصبح أحكاما، هي قضايا تتفاعل في صياغتها مع حاجات الناس وأوضاعهم الإقتصادية والإجتماعية والثقافية في كل زمان.
المثال الثاني: اتفق علماء المسلمين الماضين والمعاصرين على ان «الفائدة المشروطة» هي التي تضفي على التعامل المالي صفة الربا المحرم. لكننا نعلم ان شيخ الازهر السابق، محمد سيد طنطاوي والشيخ محمد مهدي شمس الدين وعدد اخر من الفقهاء، يطرحون قراءة مختلفة. طنطاوي مثلا يميز بين الفوائد المترتبة على القروض الاستهلاكية والاستثمارية، كما يبين بين الوادائع العادية وتلك التي تستهدف مباشرة العمران. وشمس الدين يدعو الى فهم حرمة او اباحة الفائدة ضمن منظور اوسع يتناول الحركة الاجمالية لراس المال في هذا الزمن مقارنا بزمن النص، اي الدور النسبي لكل من راس المال والعمل في توليد فائض القيمة. بعبارة اخرى فهو لا يرى ان الفائدة المشروطة بمفردها علة للربا المحرم. وان التحريم في زمن النص لا يؤخذ منفصلا عن السياق العام للنظام الاقتصادي ودورة راس المال في تلك الحقبة، وهي بالطبع مختلفة عن الحال القائم في زمننا.
مثال اخر يتعلق بالدية. فقد اتفق فقهاء المسلمين قديما وحديثا على ان دية المرأة والكافر تعادل نصف دية المسلم في القتل الخطأ. في ايران افتى عدد من الفقهاء بتساوي الدية، وتحول هذا الراي الى قانون بعد اقراره في مجلس الشورى.
هذه الامثلة وكثير غيرها تشير الى ان تغيير الاحكام الفقهية او تعديلها ليست امرا غريبا. ما نشعر به احيانا من جمود في الفقه هو ثمرة لضعف التفاعل بين الفقيه وبين الحياة الواقعية للناس. واظن ان ظروفا معينة تولد حاجات تدفع الفقهاء وعامة الناس الى مراجعة الثوابت والموورثات واستبدالها. هذا يعني ان التفاعل النشط، اي تبادل التاثير والتاثر بين الفقيه والناس سيفتح طريقا اوسع لتجديد الاحكام الشرعية.

9)     وبالتالي دكتور توفيق هنا يمكن أن نتكلم عن تاريخية النص الديني في سياقات معينة أو في زمان معين أو في مكان معين، وإلا هل هناك شيء آخر؟

تاريخية النص تحدث عنه بعض المفكرين مثل الاساتذة اركون وسروش وشبستري. لكني لا اميل للحديث عنه في هذه الفرصة المحدودة، ففيه تشعبات لا يسمح بها المقام. لكني سأشير الى مسالة مبدئية تلقي ضوءا اجماليا على الفكرة. تاريخية النص معناها ببساطة ان النص مجرد ظرف للرسالة التي في داخله، ما يريده الخالق منا هو الرسالة الداخلية التي تمثل قيمة ومعيارا جرى ادراجه ضمن النص او القضية التي يحكيها النص. بناء عليه فان الثابت والعابر للزمان والمكان هو القيمة والرسالة الداخلية التي عرضت في صورة نص او قضية يحكيها النص. النص بذاته والقضية بذاتها مجرد «ظرف» للرسالة، مثل اناء للطعام، وبهذا المعنى فانه ليس ضروريا اعتبار منطوق النص او القضية التي يحكيها دليلا نهائيا عابرا للزمان والمكان.
في الوقت الحاضر تتركز عملية الاسنتباط «الاجتهاد» على النص باعتباره هو - بذاته - البرهان والدليل. ولذا يقال ان النص الواضح متنا ودلالة والثابت سندا هو دليل قطعي. منذ زمن طويل اكتشف الفقهاء ان هذا القول المطلق بحاجة الى تحديد وتقييد، فوضعوا مثلا «سبب النزول» كامارة مقيدة او شارحة لمراد النص. ووضع الشاطبي وغيره المقاصد الشرعية في نفس السياق. وفي ايران المعاصرة ابتكر الامام الخميني فكرة «وزن المصلحة» في راي الفقهاء مقابل نظيرتها في راي العرف المتمثل في اكثرية نواب الشعب كدليل حاكم للاخذ بالراي الفقهي او رده. هذه كلها محاولات استهدفت تجاوز الاشكالية التي يثيرها القول باطلاق حاكمية النص الواضح.
لكن كما اشرت سلفا فان القول بتاريخية النص يتجاوز هذا كله ويستهدف جعل العقل الجمعي في كل زمان مصدرا للالزام الشرعي.

10) هل ترى ان الفكر والفقه الاسلامي الموجود بين ايدينا اليوم قادر على تجديد نفسه؟

البحوث العلمية سواء في الفقه أو غير الفقه التي سارت على نفس النمط القديم، لا تأتي بأي جديد، هي تعيد إنتاج ماهو معروف ومالوف بصياغات جديدة احيانا. هذا اشبه بكتاب قديم يعاد نشره على الانترنت. الوسيلة الحديثة لا تغير من حقيقة ان الفكرة قديمة ومنفصلة عن زمنها. اما الافكار الجديدة التي نعرفها اليوم فهي ثمرة التفاعل الايجابي مع الاسئلة الجديدة، خاصة الاسئلة التي تتناول المسلمات المعتادة والموروثة، وهي ايضا ثمرة الفصل بين النص وما حوله من معارف وشروح واجتهادات بشرية.

11) هل تكمن المشكلة في أننا نعيد طرح الأسئلة لذلك نعيد إنتاج نفس الأجوبة؟

مشكلة الفكر الإسلامي التقليدي هو بحثه عن أجوبة قديمة لأسئلة حديثة، يعني السؤال يثار اليوم فيذهب الفقيه إلى كتب الفقهاء والمفكرين الذين ماتوا قبل 1000 سنه، أو 500 سنة. فكأنك تفترض أن هذا السؤال هو عينه السؤال الذي اثير في ذلك الوقت.
معلوم أن السؤال نتاج طبيعي لبيئته الثقافية والإجتماعية، اسئلة الناس تتغير بين زمن واخر لان ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية تتغير، مستوى ونوعية معارفهم تتغير، وكذلك همومهم وانشغالاتهم. هذا ما يسمى في الهرمنيوتيك الفلسفي بالأفق التاريخي. فهم الافق التاريخي ضروري لوضع السؤال في اطاره الصحيح وبالتالي تحديد الجواب المناسب. اظن ان معظم اخفاقاتنا الثقافية والسياسية والاقتصادية كانت نتاجا لاختلاط الازمنة في ثقافتنا العامة. ابسط الامثلة على هذا هو ماتسمعه دائما من استدلال باية او حديث نبوي او حادثة جرت في زمن ما، تساق للتدليل على سلوك يدعى اليه او العكس او تساق لتاكيد قيمة او نفيها، دون الاخذ بعين الاعتبار الافق التاريخي الخاص بالدليل واختلافه عن الظرف الذي نتحدث فيه.

12) البعض يعتقد أن الإيمان الحقيقي هو ثمرة إختيار حر غير قسري. ونعرف أن المجتمع الليبرالي يوفر الحرية الكاملة للناس كي يؤمنوا بمن شاؤا، فهو يعتبر العقائد حقا شخصيا لا يجوز للمجتمع او الدولة استعمال الجبر والتحديد القسري فيه. هل ترى ان هذا الظرف هو الامثل لتحقيق الايمان؟

هذا رأي آية الله محمد مجتهد شبستري، وهو أستاذ فلسفة في إيران، فهو يرى أن النظام الليبرالي ديمقراطي هو النظام الذي يوفر فرصة لحياة دينية سليمة، بمعنى أنه يمكن الإنسان من إختيار طريقه ومعتقده، يمكنه من ممارسة عباداته دون قلق او حرج، او حاجة للتبرير للآخرين أو أو خوف منهم.
شعور الإنسان بأنه حر حرية كاملة في إختيار طريقه الديني يجعله أقرب إلى معرفة الله عز وجل، أقدر على فهم علاقته الخاصة والشخصية بالله عز وجل.
التدين في ذروته طريق يسلكه المؤمن إلى الله عز وجل، تواصل روحي واندماج للذات في حب المطلوب المعبود. وبهذا التعريف فهو تجربة شخصية تتوقف على تحرر القلب والعقل من الضغوط الخارجية، سواء ضغط الثقافة أو ضغط المادة او ضغط الأسرة أو ضغط الدولة أو غيرها.

13) كيف يتعين علينا قراءة الإنسان اليوم، على نحو يجلي مبدأ إحترام النفس الإنسانية، وعموماً ماهي في تقديرك المبادئ التي تقرر احترام ارواح الناس وتجنب اللجوء للعنف؟

خلال دراستي لمبدأ «العقد الإجتماعي» «نشرت لاحقا ضمن كتابي رجلىالسياسة» واجهتني بعض الاسئلة التي اظنها اساسية، أحدها يتعلق بمكانة الفرد ودوره ضمن النظام الاجتماعي. العقد الإجتماعي يقوم على فكرة أن أفرادا أحرارا متكافئين قد أتفقوا على النظام الذي يحكمهم، فهل يستطيع الفرد بمفرده أن يقرر ماهو صالح له أو غير صالح، هل الفرد - من حيث المبدأ - مؤهل لهكذا دور؟. هذا السؤال قادني لسؤالين آخرين اولهما: هل يملك الإنسان نفسه؟ هل يملك جسده؟ هل يملك روحه ام لا؟
إذا قلنا بأن الإنسان يملك نفسه فكل سلطة عليه من الخارج هي بغي وعدوان، لأنها تنطوي بالضرورة على تصرف في ملك الغير. لو دخل احد بيتي دون اذني، فان القانون يعتبره عدوانا على ملكي، بنفس المبدأ لو كنت أملك نفسي وتدخل آخر في حياتي ايا كان مبرره فهو إعتداء على ملكي، الا اذا حصل مسبقا على موافقتي.
السؤال الثاني: هل يستطيع الإنسان الفرد وتالياً الجماعة «العقل الجمعي» أن يكتشف الحقيقة، أي هل للحقيقة وجود موضوعي خارجي، قابل للإدارك من جانب العقلاء العاديين.
إذا قلنا نعم.. فإن المجتمع الفرد والمجتمع قادرون على تشخيص المصالح والمفاسد، لأن المصلحة والمفسدة هي حقائق موضوعية، إذا كانت قابلة للإدارك فإن الناس قادرون على تشخيصها. اهمية هذا الكلام تكمن في حقيقة ان وظيفة الدولة والنظام الاجتماعي بمجمله ليس سوى ترتيب المصالح والمفاضلة بينها وتحديد اولوياتها،
أي تقديم مصلحة وتأخير أخرى، إذا قلنا ان الناس قادرون على إدراك الحقيقة وبالتالي تشخيص المصالح والمفاسد، فهذا يعني انهم مؤهلون لتعريف وانشاء نظامهم الإجتماعي، وإذا قلنا بأن الإنسان يملك نفسه فهذا يعني أنه هو مصدر السلطة على نفسه، يعني هو يختار من يرأسه وليس لاحد ان يفرض نفسه عليه دون رضاه.
وجدت كثيرا من الأدلة في الفقه مثلاً تؤكد ملكية الإنسان لنفسه وابرزها القاعدة الفقهية المعروفة بقاعدة السلطنة، والتي تستند الى بناء العقلاء وروايات فحواها ان الناس مسلطون على ما تحت ايديهم. وهذه من القواعد الراسخة في الفقه الإسلامي، ويستدل بها كثير من الفقهاء على ملكية الإنسان لنفسه ويستفيدون منها مثلاً في موضوع نقل الأعضاء، عند السؤال هل يجوز للإنسان التبرع بأعضائه، يقول كثير منهم بالجواز لان الانسان يملك جسده. وقد اعتمدت على هذه القاعدة في تطوير الراي الذي جادلت دونه، اي ان سلطة الانسان على نفسه تامة لا يجوز مزاحمتها او نقضها دون رضاه.
كذلك الامر في النقاش حول موضوعية الحقيقة. ثمة نقاش واسع في الفلسفة الإسلامية حول هذه المسألة، وقد وجدت ان كثيرا من الفلاسفة والاصوليين المسلمين يذهبون هذا المذهب، ولهم فيه ادلة متينة. زبدة القول ان المبدأ الاساس في تحديد قيمة الانسان يتالف من جزئين اولهما هو الاقرار باستقلاله وسلطته على نفسه وعليه نبني القول بعدم قسره او فرض سلطة عليه دون رضاه، والثاني هو ان تحديد القيم والالزامات وفرضها على الناس لا يصح الا بتوافقهم على ذلك. دعوى ان الفقيه او الشرع بشكل عام حدد قيما غير قابلة للادراك واجاز فرضها على الناس دون رضاهم هو قول لا يسنده دليل. وبالتالي فانه ليس لاحد ان يضع قيمة للناس، يرفعهم او ينزلهم، يجبرهم على شيء او يمنعهم من شيء استنادا الى دعوى امر شرعي او مصلحة، لانهم قادرون تشخيص المصالح وهم المكلفون بهذا الامر

14) يبدو لي ان هناك نوع من الصراع بين رجل الدين وبين المثقف الديني، هناك نقاشات عديدة تنطلق بينهما عن مرجعية التمثيل الديني، والقدسية المتوهمة لرجال الدين، ماهي الخلفيات التاريخية أوالأيديولوجية التي تحكم هذا الصراع الذي دائماً نجده في الأدبيات؟

انا لا أجد أي خلفيات تاريخية ولكن هناك دوائر مصالح أو انظمة مصالح مختلفة. رجل الدين، سيما رجال الدين الذين تعلموا ويمارسون العمل ضمن المدرسة الفقهية في فهم الدين، يختلفون في خطابهم الديني وفي دوائر تاثيرهم الاجتماعي وفي انشغالاتهم الحياتية عن تلك الشريحة من العلماء والمفكرين الذين يسعون لفم شامل، او ما نسميه فهم ديني - انساني للدين. الفريق الاول مشغول بالتاكيد على المظهر الديني للحياة، مشغول بالتزام الناس بتفاصيل الاحكام الفقهية. اما الفريق الثاني فهو منشغل بعمران الارض ونهوض الامة وقوتها وتقدمها ومستقبلها. بعبارة أخرى ينطلق الفريقان من هموم مختلفة ويقومون بأعمال مختلفة مثلاً رجل الدين الذي يعمل في الإطار الفقهي عمله الدعوه، والدعوة تحتاج إلى تقديم أجوبة بسيطة وفيها قدر كبير من العموم، تستهدف تطمين الناس والمحافظة على الجماعة، بينما عمل المفكر يستهدف إثارة الأسئلة ودحض الأجوبة وتفكيك حلة السكون والإطمئنان.
اختلاف الخطاب والهموم يؤدي بالضرورة الى اختلاف دوائر النفوذ ومحاور التركيز وبالتالي المواقف من الاحداث والقضايا الاجتماعية. نحن إذا إزاء دائرتي مصالح «دائرتي عمل مختلفتين» هذا هو السبب.

15) اظن ان تجديد الفكرة الدينية يحتاج الى تنشيط الحوار بين الفلسفة والفقه والدين، وارى ان هذا الحوار قد توقف لزمن طويل. هل ترى فرصة لعودته في الوقت الحاضر؟

بحسب معلوماتي وهي قليلة، ثمة عودة الى الاهتمام بالفلسفة في المدارس الدينية وبين المفكرين. بنظرة عامة استطيع القول ان هذا لازال صغيرا في مساحته وفي نوعية القضايا التي يطرحها للنقاش. في ايران هناك حسب علمي مجلتان متخصصتان في الفلسفة الجديدة، وهناك عدد من الأساتذة الأكاديميين الذين يركزون أهتمامهم على نظرية المعرفة والفلسفة الحديثة ويمارسون نقداً منتظماً للفلسفة القديمة والمعرفة الأفلاطونية، التي لا توال هي السائدة المدارس الدينية عموما. كثير من الطلاب الجدد في «الحوزة العلمية» جاؤوا من الجامعات، ولديهم انشغالات ذهنية مختلفة عن المعتاد في الحوزة، وهم يستمعون جيداً للجدالات الفلسفية الجديدة في ايران، سيما وان قيام الدولة الدينية كشف عن نقاط ضعف جوهرية في الخطاب الديني والفقهي التقليدي. لاحظت ايضا ان بحوث الفلاسفة والمفكرين الجدد تحظى باقبال كبير جدا، وهؤلاء يطرحون نقاشات مثيرة للاهتمام.
لذلك لدي امل بأن ماسيأتي سيشهد عودة الجدل والنقاش، والتلاحم النقدي بين الفكر الديني والفلسفة الجديدة.

16) هل الأساليب المستمدة من الدين كافية لتسيير المجتمع المعاصر والدوله الحديثة؟

هذا يعتمد على تعريف الدين الذي تعنيه. اذا كنت تعني «الرسالة العلمية» اي مجموعة الفتاوى التي يصدرها الفقيه لمقلديه، او كنت تقصد الكتب المدرسية فهي بالتاكيد لا تكفي لتسيير قرية فضلاً عن دولة.
لكن إذا تحدثنا عن الدين في المعنى الواسع فالجواب مختلف. اقصد بالدين الذي يسير الحياة عنصرين متفاعلين: القيم العليا التي قررها او اقرها النص الديني، والاجتهادات يقوم بها المسلمون كرد على الاسئلة والمشكلات والتحديات التي تواجه حياتهم.
التحديات التي نواجهها كبشر هي نتاج عملنا وهي لهذا السبب ليست فوق قدرتنا على الاستجابة وتقديم الحلول. ما يميز المجتمع المؤمن عن غيره ليس استجابته للتحديات بل مضمون ومدى تلك الاستجابة. كمثل على ذلك فان القيم التي يتبناها المؤمنون تمنعهم من قتل الناس والاستيلاء على املاكهم كي يحلوا مشكلاتهم الاقتصادية، تمنعهم من تدمير الارض لزيادة ثرواتهم.
انا من القائلين بعدم وجود ارتباط ضروري او سببي بين الدين والحضارة. يمكن للبشر ان يديروا انفسهم ويقيموا حضارتهم مع الدين او بدونه. الفارق الذي يصنعه الدين هو ان الحضارة المتوافقة مع الايمان ستكون اكثر انسانية واقل كلفة.
من نفس المنطلق اقول ان عودة الاسلام الى الحياة مرهون باقلاع الانسان المسلم من حالة الانفعال والاستهلاك الى حالة الفعل والانتاج. هذا لا يحتاج الى المزيد من الالتزام بالاحكام الفقهية او استذكار التاريخ كما يفعل بعضنا اليوم، بل يحتاج الى تعزيز دور العقل النقدي وتعزيز قيمة الفرد وتعظيم قيمة العلوم واصحابها والخروج من سجن التاريخ وجدالاته العقيمة والتخلي عن حالة الخوف من العالم وتعزيز الثقة بالذات والمستقبل.
لدي ايمان راسخ بان الجيل الجديد من المسلمين لديه القدرة على ابداع الحلول لكثير من مشكلاتنا الموروثة والجديدة. ونحتاج الى تمكين هذا الجيل من الامساك بازمة الامور، اي تحريره من القيود الذهنية والروحية التي وقعنا فيها واعتدنا عليها.

17) اشرت الى هيمنة التاريخ على تفكيرنا. هل هذا يعود الى ماوصفه د. محمد اركون بالمخيال العربي الذي يرى الحق والنجاة في القديم دون الحديث ام ان هناك اسباب اخرى؟

واقع الحال أننا نقدس الماضي، ننظر إليه كحالة متعالية، وننظر إلى أنفسنا وواقعنا بشيء من الإستصغار. لا أعلم السبب وراء هذه المقارنة السقيمة بين الماضي والحاضر. ربما تكون أسبابه نفسية، أو حالة التخلف التي نشعر أننا شركاء في المسؤلية عنها، أو ربما شعورنا بالضعف في مواجهة التحدي الأجنبي. ايا كان السبب، فنحن سجناء في تاريخنا ويجب أن نتخلص من هذا السجن. هذا سجن للعقل، فيجب أن نكسر هذا السجن. كي نرى واقعنا كما هو. اول خطوة نحو المستقبل هي الادراك الصحيح لواقعك الفعلي كما هو وليس كما تتصوره او كما خيل اليك.

18) منذ فجر الإسلام أنقسم المسلمون إلى مذاهب وطوائف، ماهو الأساس في هذا الإنقسام؟ وماهي نظرتك حول مسألة المذهبية في الإسلام؟

الإنقسام في المجتمعات هو نتيجة طبيعية للتطور الثقافي والإجتماعي، حينما يتطور الإنسان يكتشف مفهوم الملكية ويكتشف دائرة المصالح الخاصة به، أو التي هو شريك فيها، اود الاستشهاد براي الفيلسوف المعروف جان جاك روسو الذي قرر ان اكتشاف مفهوم الملكية هو الذي تباين المصالح ومن ثم انقسام الناس وتنازعهم. وبالمناسبة فان معظم النظريات المثالية «اليوتيوبية» حاولت تقديم حل للنزاعات بفرض مساواة قسرية في الملكية. لكن هذا خلاف الطبيعة البشرية.
الإنقسام لازم من اللوازم الطبيعية في النمو والتقدم الذي يحدث في المجتمعات، لكن التعامل مع هذه الإنقسامات هو الذي يميز بين مجتمع العقلاء ومجتمع الجهلة.
مجتمع العقلاء يحترم الإختلاف والتمايز وينظر اليه كجزء من الواقع الإعتيادي للحياة. التمذهب كان موجودا في الإسلام منذ البداية. وكانت المذاهب اشبه بانحيازات سياسية او مدرسية داخل الإسلام، ولم تكن طوائف او تكوينات اجتماعية متباينة ومستقلة. التطور الذي حدث منذ القرن العاشر الميلادي، اي في المرحلة الاخيرة من حكم العباسيين، هو أن المدارس تحولت إلى طوائف، وهذه الطوائف تحولت إلى أنظمة إجتماعية مغلقة تحاول الإستئثار بالموارد المادية في الأرض التي تقيم عليها وتقصي الطوائف الأخرى.
تحول المدارس إلى أنظمة إجتماعية مغلقة، اي قيام النظام الاجتماعي الطائفي، هو البلاء الأكبر الذي نواجهه.
في هذا اليوم لا ارى الدعوة إلى الوحدة او الغاء المذاهب والطوائف امرا مجديا او ممكنا. البديل الصحيح هو الدعوة إلى التسامح أي إلغاء الجدران الفاصلة بين الطوائف والإنغلاقات الثقافية التي تبرر انفصالها الاجتماعي والسياسي. يمكننا التعامل مع الاطياف والطوائف كانظمة اجتماعية طبيعية اعتيادية تؤكد التنوع، شرط ان نجعلها منفتحة على بعضها. هذا في ظني سيعيدها الى حالتها الاصلية كمدارس او انماط حياة مختلفة لكن غير متعارضة.

19) هل النظام الديمقراطي القائم على المساواة في المواطنة والتعددية والحقوق هو الحل للأزمات الطائفية في العالم؟

لا شك أن الديمقراطية هي نظام الحكم الأمثل في هذا الزمان، الديمقراطية هي أحد منتجات الإنسان الكبرى والمهمة وهي مقبولة منسجمة مع القيم الكبرى في الدين الإسلامي، وفي الأديان الأخرى.
يجب أن نتعامل مع هذه الفكرة ونطورها، أن نحاول تنسيجها ضمن شبكتنا الثقافية الخاصة، قد نعترض على جزء هنا أو جزء هناك، لكننا لا نرفضها بشكل كلي، ربما نعدل مانراه غير قابل للملاءمة وهذا امر طبيعي ومقبول. لكن في الاساس، ارى ان التقدم نحو الديمقراطية، سيما في نسختها الليبرالية، هو الحل الجذري للنزاعات الطائفية والعرقية والقومية، التي تتصاعد وتتعمق في ظل الاستبداد وهيمنة التقاليد القديمة البائسة.