الثلاثاء، 21 يونيو، 2011

التيار الديني الاصلاحي امام خيار حاسم


؛؛ منذ 1991 ادى الجدل الداخلي الى تلاشي حالة الميوعة والتعميم ، ووجد الاسلاميون انفسهم امام اسئلة لا يمكن تركها دون حسم ؛؛


وصول باراك اوباما الى البيت الابيض كان له وقع استثنائي بين السلفيين السعوديين. هذا لا ينبع من اهتمامهم بالسياسة الامريكية ، بل لانهم فهموه كتحد جدي لمسلمات ايديولوجية حول الديمقراطية والحكم الصالح . يهمنا النظر في موقف التيار السلفي السعودي لانه يشكل ما يقترب من "مرجعية دينية وسياسية" لكثير من التيارات السلفية في العالم العربي. الجدل بين السلفيين السعوديين سوف ينتقل بالضرورة الى اشقائهم العرب ، وانعكاسات الجدل سوف تظهر هنا وهناك.


قبل بضع سنوات قسم د. سعد الفقيه المدرسة السلفية السعودية الى خمس شرائح لكل منها موقف خاص من الديمقراطية . هناك بطبيعة الحال الكثير من التناظر والتماثل في التفاصيل ، الامر الذي يسمح باختصار عدد الاطياف تتشكل منها المدرسة السلفية الى ثلاثة رئيسية :

** الطيف المتحجر ، والمتشدد ، والمتغير. يتمثل الاول في الحماة التقليديين للتراث الفقهي الاخباري . واغلبهم رجال دين كبار في السن يعملون في المؤسسات الدينية الرسمية او على حاشيتها . اعتاد هؤلاء معالجة الامور من زاوية فقهية بحتة . لا تشغلهم السياسة قدرما يقلقهم تبدل سلوكيات الجيل الجديد وشيوع الاختلاط وسماع الموسيقى الخ .
** يتالف الطيف المتشدد من رجال دين متوسطي العمر تأثروا بصورة متوازية بالطيف الاول وبرجال دين غير سعوديين . وهو طيف مسيس ومهتم بالنفوذ الشعبي. هويته الايديولوجية تشكلت من خلال الصدام مع الاعداء وليس من خلال البناء الذاتي للمتبنيات. وهو يتبنى ايديولوجيا متشددة تميل بشدة نحو السجال والتبرير. ولهذا فان خطابه لا يعرض مشروعا اجتماعيا او سياسيا بقدر ما يركز على نقض المشروعات او الخطابات الموازية . بين ابرز من يمثلون هذا الطيف نذكر الشيخين سفر الحوالي وناصر العمر.

** يمتاز الطيف الثالث (المتغير) بانفتاحه على شريحة من الاكاديميين من الطبقة الوسطى . وقد طور خطابا يقترب من خطاب التنظيمات الاسلامية التي انبثقت من تيار الاخوان المسلمين. يعبر هذا الطيف عن تطلعات سياسية واضحة واهتمام خاص بكسب الجيل الجديد من السعوديين . كما اظهر استعدادا غير اعتيادي للحوار مع الاطياف السياسية والدينية التي يتشكل منها المجتمع السعودي. ومن وجوههخ البارزة نذكر الشيوخ سلمان العودة ، عايض القرني ، عبد الوهاب الطريري ، محمد دحيم ، وعبد العزيز القاسم . فضلا عن مفكرين مدنيين مثل د. محمد الاحمري ود. مسفر القحطاني

من البديهي ان يبدأ الجدل حول الانتخابات الامريكية وفوز "المرشح الاسود ذي الجذور الاسلامية" وسط هذا الطيف ، لان تكوينه الطبقي والثقافي يجعله اكثر استيعابا للمتغيرات ومعانيها الثقافية وانعكاساتها على الجمهور .
بدأ الجدل مبكرا لكنه وصل الذروة بعد فوز اوباما بالرئاسة. في البداية كان الجميع متفقا على ان فوز اوباما مستحيل . قال المتشددون ان العملية الديمقراطية مجرد لعبة لالهاء الجمهور ، وان الرئيس القادم رجل ابيض سبق ترويضه من جانب اللوبي اليهودي وكبار رجال الاعمال. وجود منافسين ضرورة كي تبدو اللعبة حقيقية. مبرر هذا الاعتقاد هو ان النظام الديمقراطي والامريكي خصوصا فاسد ، وثني ، وخاضع لسيطرة الراسماليين الاوغاد.

اما الطيف المتغير فركز على دلالات وصول "المرشح الاسود ذي الجذور الاسلامية" الى التصفيات النهائية. وقارن بين الفرص الممكنة في نظام ديمقراطي وتلك المتوفرة في الانظمة التقليدية العربية . يقول الشيخ سلمان العودة "لو كان اوباما في بلد عربي لوجدته في احد مراكز الترحيل" في اشارة الى المعاملة المهينة التي يتلقاها العاملون الاجانب في الخليج.  بعد فوز اوباما كتب د. الاحمري اراء وقعت كالصاعقة في الوسط السلفي : " المثال الأعلى للحكم هو الحكم الديمقراطي وأن ما عداه من أنظمة لا تستحق أن تذكر في الأخبار أي أخبار إلا أخبار المقهورين، أو المغلوبين على أمرهم، من أهل الهوامش الفاشلة أو المتخلفة".  وينظر الاحمري الى الديمقراطية كطريق للخلاص الديني : "ابن مسلم أسود يحكم أمريكا، إنها الأمم العملية التي تجردت من الوثنيات المتخلفة ... [والوثنية] من علامات الفشل المقيم في قلوب وعقول بعض المسلمين، الذي أسلمت كلماتهم ، ولكن الوثنية تحتل قلوبهم ، والعالم الإسلامي تضعه هذه الوثنية خلف الأمم ، وتمسك به جاهلا تابعا خائفا ، وتدمر روحه ". وقال الشيخ عايض ان فوز اوباما تجسيد لقيم الاسلام التي تحض على اولوية الكفاءة ، وهي قيم تركها المسلمون.

رد الطيف المتشدد بخشونة على هذه الطروحات ، فندد الشيخ ناصر العمر بالانزلاق الى تمجيد النظام الامريكي ، وقال ان الذين تحدثوا في الموضوع مصابون "بحالة من الهوس" هو انعكاس لما يعانونه من كبت سياسي ناتج عما وصفه بـ "الديكتاتورية الادارية" في العالم العربي. وعاب عليهم عدم فهمهم للنظام الامريكي : " قد تكون هناك [في امريكا] حرية نسبية ، لكن في النهاية هي حكم ديكتاتوري" واعتبر كلام بعض الكتاب عن الديمقراطية في الصحف السعودية نوعا من "الديكتاتورية الفكرية".

الطيف المتغير ينظر بجد في التجارب المتكررة التي تكشف فضائل الديمقراطية . تجربة حزب التنمية والعدالة التركي كانت جرسا كشف للكثيرين عن الامكانات الهائلة للديمقراطية. لكن انتصار اوباما سوف يثبت قدرتها على ابتكار المعاجز. 
تجربة الانتخابات الامريكية حركت فعلا السكون الثقافي والعقيدي وطرحت تحديا جديا على حراس النسق المهيمن , ومن المؤكد اننا سنسمع عن تحولات ايجابية في المستقبل القريب. التحول في المدرسة السلفية السعودية مهم جدا لانها التيار الوحيد الذي قاوم – حتى الان – اي تغيير جوهري في ايديولوجيا تجاوزها الزمن.

مقالات  ذات علاقة
-------------------


السبت، 18 يونيو، 2011

فتاوى متغيرة : جدل المعاصرة في التيار الديني


المجتمع شريك في صناعة الفكرة الدينية لانه شريك في صناعة اشكالياتها وصناعة الظرف الذي يحدد صيغتها ومجالات اشتغالها.

زميلي الدكتور عبد العزيز القاسم ارسل مجموعة فتاوى لعلماء بارزين اختار لها عنوان "فتاوى القرن الماضي" ومع ان بعضها صدر قبل اربع سنوات فحسب ، الا ان افقها التاريخي ينتمي الى قرون ماضية بالفعل . خذ مثلا الفتوى بتحريم لعب كرة القدم ، وتحريم دخول النساء لمنتديات الانترنت ، وتحريم تحية العلم والسلام الوطني ، وتحريم لبس المرأة لحذاء عالي الكعب او ارتداء ثوب العرس الابيض، وتحريم اهداء الورود ، وتحريم تعلم اللغة الانكليزية .. الخ .
بعض اعضاء المجموعة البريدية للزميل القاسم علق ساخرا ، وقليل منهم استنكر نشر الفتاوى واعتبره اساءة للعلماء الذين اصدروها . نشر هذه الفتاوى– ولو ضمن نطاق المجموعة – واختيار عنوانها  يمثل اعتراضا عليها ، وان صيغ في اطار التلطف . الزميل القاسم وكثير من اعضاء مجموعته يصنفون بين المدافعين عن التيار الديني التقليدي (الذي ينتمي اليه اصحاب تلك الفتاوى) ، وموقفه المعترض هو احد الامثلة على تغيير متزايد يشهده التيار الديني في السنوات الاخيرة ، تغيير من التسليم بما يقوله الداعية او الفقيه الى نقده ، بل والسخرية منه احيانا.
يدور الجدل داخل التيار الديني حول قابلية التفكير الديني الموروث للتلاؤم مع الواقع المعاش للمسلمين ومتطلبات حياتهم الراهنة. والمرجح ان يثمر عن تبلور صيغة للتفكير والعمل الديني مغايرة لما نعرفه اليوم . بلغ التيار الديني ذروته في الربع الاخير من القرن العشرين ، وكان محركه الرئيس هو الحاجة الى استعادة الهوية والتاكيد على الذات . والواضح ان هذه الحاجة قد تحققت الى حد كبير. في مرحلة الصعود يتركز الاهتمام على الجانب الكمي (الحجم) . فاذا اشبعت الحاجة وتحقق تراكم معقول ، فسوف تتبلور محركات بديلة للظاهرة الاجتماعية. وابرز تجليات هذا التغيير هو النقد الداخلي الذي يركز على تحسين الكيفية (النوع). يؤدي هذا التغيير بطبيعة الحال الى تعارضات داخلية في المصالح والاراء ، تظهر على شكل انشقاقات دافعها فكري او سياسي.
تمثل المملكة العربية السعودية وايران مختبرين اساسيين للعلاقة بين الفكر الديني الموروث وتحديات العصر. وقد شهد كل منهما صعودا للتيار الديني يتناسب مع الارضية الثقافية والامكانات المتاحة لكل من المجتمعين . فبينما كانت الادارة الحكومية هدف التيار الديني الايراني ، ركز نظيره السعودي على المجتمع والافراد العاديين. ومن هنا فقد كانت السياسة محور تركيز التيار الاول ، بينما تركز اهتمام الثاني على السلوك اليومي للافراد.
في ايران نسمع الان مجادلة لما كان في الماضي مسلمات لا تقبل النقاش. من ذلك مثلا الراي الذي كتبه اية الله منتظري وفحواه ان السلطة السياسية ليست حقا مطلقا للفقهاء يستمدونه من الامام المعصوم كما تقول نظرية ولاية الفقيه ، بل هي ملك للمجتمع يفوضها الى الحاكم في اطار عقد وبشروط محددة . ومنتظري تلميذ مقرب لاية الله الخميني ، وكان في 1980 رئيسا لمجلس الخبراء الذي وضع دستور الجمهورية الاسلامية . اما اية الله صانعي وهو تلميذ آخر للخميني فقد دعا الى مساواة كاملة بين الرجل والمرأة في الحقوق السياسية بما فيها تولي منصب رئاسة الدولة والقضاء ، خلافا للعرف الفقهي القائل بان النساء غير مؤهلات لتولي المناصب السيادية . وكتب اية الله شبستري ان الديمقراطية الليبرالية هي اقرب النظم السياسية الى روح الدين واقدرها على ضمان حياة دينية سليمة.
خلال عقدين ونصف انضم الى التيار الديني جيل جديد اكثر التصاقا بتجليات الحداثة لانه اكثر اتصالا بمصادر الثقافة البديلة . هذا الجيل اكثر قدرة على التعبير عن حاجات المسلم المعاصر واكثر جرأة في نقد المسلمات الموروثة. وكشفت بحوث ميدانية لاكاديميين ومراكز ابحاث ايرانية عن ضمور ملحوظ في علاقة الجيل الجديد بالزعماء الدينيين وميل اقوى الى القيم الليبرالية في الحياة اليومية كما في السياسة. بينما يشير الجدل الواسع في التيار الديني السعودي الى رغبة قوية في التحرر من شريحة كبيرة من القيم والمسلمات التي كانت عصية  على المساءلة حتى سنوات قليلة.
في 1989 كتب المفكر الايراني عبد الكريم سروش ان كثيرا من الاحكام الشرعية واراء الفقهاء مؤقتة لانها ثمرة الافق التاريخي الخاص بالمجتمع الذي ولدت فيه . ولهذا لا يجوز جبر الناس عليها . المجتمع – حسب رايه – شريك في صناعة الفكرة الدينية لانه شريك في صناعة اشكالياتها وصناعة الظرف الذي يحدد صيغتها ومجالات اشتغالها. وقتذاك تلقى سروش ردودا غاضبة من المجتمع الديني. لكننا اليوم نرى كثيرا مما قاله يتحقق او يثير النقاش بعدما كان مجرد التفكير في مناقشته يعتبر خروجا عن الطريق القويم.



6-12-2008



مقالات ذات علاقة