الأحد، 28 يناير، 2001

الحد الفاصل بين الاسلام و الحركة


ما هي طبيعة العلاقة بين الاسلام والحركة ، وما هي الحدود الفاصلة بين ما هو مقدس وملزم وبين ما هو سياسي يومي ، بين ما هو ديني يرجع الامر فيه إلى صاحب الشريعة ، وبين ما هو مصلحة عامة يرجع الامر فيها إلى اصحاب هذه المصلحة ، أي عامة الناس ، واخيرا بين ما ينتمي إلى النظرية التي تتبناها الحركة دون ان تعتبرها ملكا خاصا - كما يفترض في أي حركة ايديولوجية - وما ينتمي إلى الحركة كاطار عمل يخص جماعة محددة من الناس .

اهمية هذا النوع من الاسئلة ياتي من حقيقة موضوعية خلاصتها انه في العمل الاجتماعي والسياسي لا يمكن الفصل بين النظرية ودعاتها ، وسواء اقتصر موضوع اشتغال النظرية على جوانب محددة من الحياة ، او كانت ايديولوجيا متكاملة ، فهي لا تنفك ابدا عن الطريقة التي تطرح بها ، ومجموع الاهداف التي يسعى اليها دعاتها . ونضيف إلى هذا ان الفكرة في تجريدها النظري الاولى ، لا تطابق صورتها بعد ان تتحول إلى ايديولوجيا لحركة تصارع في ساحة العمل اليومي .

وفي هذا المجال فان الاسلام لا يختلف عن غيره من المذاهب الفكرية والاجتماعية ، فالاسلام في تجريده النظري الاولي لا يطابق الاسلام الذي تحول الى ايديولوجيا حركة ، لانه هناك عام مجرد ، بينما هو هنا محدد في اغراض واساليب عمل ، تشكل ـ اذا اضفنا اليها النشاط الاجتماعي الذي تقوم به الجماعة السياسية او الدعوية ـ تمحورا اجتماعيا متمايزا عن المجتمع العام ، ومتمايزا عن الجماعات الاخرى التي تتبنى الفكرة الاسلامية ذاتها ، لكنها تعتمد في تحديد منظوماتها الثقافية والعملية على اجتهادات مغايرة .

 ونسمع عادة في تبرير التفارق بين الدين والحركة الدينية تبريرات من نوع ان الاسلام لا يتحمل اوزار حملته أو اتباعه ، وهذا تبرير صالح في كل ايديولوجيا ، لكنه لا يجدي نفعا في العمل السياسي ، فالناس الذين تخاطبهم الحركة الاسلامية ، والقوى التي تنافسها الحركة الاسلامية ، سيتعاملون في نهاية المطاف مع هذا المركب البشري الذي اسمه الحركة الاسلامية ، وليس مع الاسلام النظري ، أي مع التجسيد المادي للاسلام بكل ما ينطوي عليه من متبنيات وافهام قد تقترب من حقيقة الشريعة شيئا وقد تبتعد عنها شيئا ، ولهذا فانهم بحاجة إلى معرفة حدود القداسة التي تقول بها الحركة لافكارها ومتبنياتها ، بغض النظر عن تقدير الاخرين لمدى قرب هذه المتبينات أو بعدها عما يعتقدونه من الشريعة في تجريدها الأولي ، وقد عرضنا في الفصل الأول نموذجا عن المواقف التي تجعل طرح هذا السؤال مبررا .

ان السبب الرئيس للتباين السياسي والفكري بين الجماعات التي تنطلق من مصدر واحد ، هو الاعتماد المكثف على تفسيرات النص ـ وليس النص ذاته ـ كمرجع ، وتأثر هذه التفسيرات بمعطيات الواقع الذي يعيش فيه الفرد او تعمل فيه الجماعة ، حيث تتعدد الافهام بقدر ما العقول مختلفة ، وبقدر ما طريقة الاستجابة لشروط البيئة المحيطة مختلفة بين فرد وآخر ، ان خط الاختلاف يتوازى مع خط الاجتهاد ، بل ان القبول بالاجتهاد هو تشريع للاختلاف ، فكلما انبسط ذاك توسع هذا ، وكلما انكمش ذاك ضاق هذا . ومن هنا يمكن القول ان اختلاف الافكار والمواقف بين هذه الجماعة وتلك وتنوع الاغراض واساليب العمل ، ليس خيارا ابتدائيا لاصحابه ، بل هو ناتج قهري لوجود الحركة وفاعليتها في ساحة العمل .

ويمكن بسهولة ملاحظة ان جميع النشطين في العمل الاسلامي ، افرادا او جماعات ، سياسيين او دعاة  ، يعتمدون بصورة رئيسية على تفسيراتهم الخاصة للنص الديني ، عندما يحتاجون الى مرجعية لاثبات راي او تعزيز موقف ، حيث يتحول النص هنا من حالته المجردة المتعالية على التأطير ، الى جزء من ايديولوجيا يؤدي دورا محددا في اطار الجماعة .

وقد كان هذا التاطير موردا لاحتجاجات عدد من الفقهاء في الازمان السابقة ولا يزال ، يقول ابن الجوزي  (كان الفقهاء في قديم الزمان هم اهل القرآن والحديث . . . انما الفقه استخراج من الكتاب والسنة ) لكن من الناحية الفعلية فان احدا لا يستطيع التخلص من الاشكالات الخاصة بـ ( فهم ) النص ، ذلك ان عقل الفرد رهين تشكيله الخاص ، المتأثر بمعطيات البيئة والجماعة ونظامها الثقافي ، ولهذا السبب فان تاطير النص ليس مقصورا على الافراد والجماعات التي تعتمد الادلة العقلية بصورة مكثفة ، فالذين يقللون من اهمية دور العقل في استنباط الحكم الشرعي ، ويعولون على العودة الى النص مباشرة ، لا يستطيعون تشغيل النص في موضوع العمل ، بدون وساطة فهمهم الخاص للموضوع ، او للعلاقة بينه وبين النص .

الحجية واليقين
وقد جرت سيرة عقلاء البشر على اعتماد فهمهم للفكرة المرجعية او للنص المرجعي ، باعتباره حجة يعملون وفق مقتضاها وهم مطمئنون الى انسجامهم مع منطلقاتهم ، ولا يختلف الامر بين ان يتوصل الانسان الى هذا الفهم من خلال منهج الاستنباط المتعارف عند الاصوليين ، او يحصل عليه بالقراءة المباشرة للنص من دون منهج ، فهو في الحالين فهم محتمل ، قد يكون تاما فيصيب مراد الشارع ، وقد يكون قاصرا فلا يبلغ ، لكن صاحبه متكل عليه ومعتد به في كل حال.

والمفترض ان يعتبر المجتهد النتائج التي توصل اليها حد حجية لا حد يقين ، والفرق بين الحدين يتجسد في كون الاول دليلا ايجابيا يبريء ذمة صاحبه من المسؤولية الشرعية ، اما حد اليقين فهو دليل سلبي يتيح لصاحبه اعتماد موقفه كتجسيد للحقيقة الكاملة وقد يستتبعه الحكم على الاخرين بالخروج عن اطار الديانة ، وهذا هو السبب الذي حمل بعض الاسلاميين في مختلف الازمنة على تكفير مخالفيهم او الحكم بردته ، بل وفي بعض الاحيان اقامة حد الردة عليه كما حدث اواخر العام 1995  في الجزائر حين حكم امير الجماعة الاسلامية المعروف بالزيتوني على امراء آخرين في الجماعة ، ومنهم الشيخان السعيد ورجام بالردة ثم اقام عليهم حد القتل فقد اعتمد الرجل على نصوص وقواعد معينة ، فهمها وفسرها بكيفية معينة ، فخرج بمثل هذه الاحكام ، مع ان المتهمين لم يختلفوا عنه في عقيدته ، ولا في الخطوط الرئيسية لمنهج عمله ، انما خالفوه في السياسات الوقتية وبعض المواقف الميدانية ، وقد قيل فيما بعد ان اميرا آخر في الجماعة ، حكم على الزيتوني بالردة ايضا واجرى عليه حدها ، لنفس المبررات ، وعلى نفس النسق يمكن فهم الجدل الذي أثاره بعض الاسلاميين حول الافكار التي عبر عنها الكاتب المصري نصر حامد أبو زيد والذي انتهى إلى الحكم عيه بالردة وخروجه إلى المنفى ، ومنها الضجة الكبيرة التي اثارتها صحيفة الشعب التي يصدرها حزب العمل الاسلامي الاتجاه في مصر ، والتي اثمرت عن اغلاق الصحيفة وحظر نشاط الحزب ، وثمة قضايا كثيرة وصلت إلى المحاكم أو اتخذت نتيجة لها اجراءات عقابية ، حدثت في الكويت والمملكة العربية السعودية ولبنان ومصر والسودان ، وكانت جميعها قائمة على فهم خاص حاول اصحابه تقديمه باعتباره معياريا أو ممثلا لحقيقة مراد صاحب الشريعة . بينما - على خلاف هذا النسق  يرى الزعيم الاسلامي السوداني د. حسن الترابي ، خطأ  الراي الشائع بين الفقهاء من ان المرتد يقتل ، ويقول ان هذا اجتهاد وان النصوص التي تقول بالقتل تربطه بعوامل اخرى مثل الخروج على الجماعة ، وان الحكم بقتله مخالف لا صل حرية الاعتقاد في القرآن [1].
وفي العالم الاسلامي اليوم مئات من الجماعات السياسية والدعوية ، التي تدعو الى اقامة الشريعة المطهرة ، ونشر الاسلام ، ويسعى كثير منها الى الحكم من اجل تطبيق الشريعة ، ويكتفي البعض الاخر بالدعوة الى التزام الافراد باحكام الدين واخلاقياته الرفيعة ، لكنها تتصارع فيما بينها حول مواقف محددة أو آراء ، هي في نهاية المطاف اجتهادات شخصية ، ويعكس مقال لرجل دين سعودي جانبا من هذا التصارع :
(من جاء الى بلاد مسلمة كالبلاد السعودية فاقام حزبا او دعى الى اقامة حزب فهو على غير هدى وهو في ضلال عريض ، نصوص الوحي الشريف تبطل عمله وتدحض حجته وتلحقه باهل الجاهلية الاولى ايا كان قصده وعلى اي حال كانت نيته ، فليس له حجة مقبولة عند الله تعالى  .. لا يجوز لمؤمن بالله واليوم الاخر ان يقيم حزبا في بلاد المسلمين يخرج به عن جماعتهم فلا "اخوانية" ولا " تبليغ" ولا "تحرير" مع وجود الحاكم المسلم الذي بايعه المسلمون وانتظم به جمعهم) [2] 

ويقول الشيخ محمود مراد مؤسس جمعية القرآن والسنة ورئيسها السابق (الجيل الجديد شغلوا بالخروج على الحاكم وشروطه ونسوا مسائل العقيدة الاسلامية حتى بعض طلاب العلم تورطوا في هذا بل ان بعض الاحزاب الاسلامية جعلت قضيتها الاساسية هي القضايا السياسية .. كثير من المسلمين لا يعرفون معنى التنزيه رغم انه من المفاهيم الاساسية بينما يعرفون الكثير من التفاصيل السياسية) [3] .

وقد فكر بعض القلقين على الدعوة في تشجيع هذه الجماعات الكثيرة على الوحدة ، خشية ان يتطور التعدد الى نزاع ، ورغبة في تاليف القوى لتسريع الوصول الى الاهداف ، لكن لم نسمع حتى اليوم عن مسعى توفق في الوصول الى مبتغاه ، اللهم الا في عدد من الحالات لا يكاد يذكر.
 ان العجز عن التوحد ليس مردودا الى اختلاف هذه الجماعات على وحدانية الله سبحانه ، ولا على الالتزام بالكتاب الكريم والسنة المطهرة ، ولا على السعي الى اقامة الدين في أي صورة من صوره ،  لقد نتج الاختلاف عن تباين الاجتهاد وتاثيرات هذا التباين على المواقف العملية ، أي على مصالح كل جماعة ، ونتج عن وجود حدود اجتماعية تريد كل جماعة ان تحافظ عليها ، من ان تتداعى او تضعف اذا فتحت الباب امام الغير ، الغير المخالف او الغير المماثل .
وعلى الوجه الثاني من الصورة نجد ان الجماعات السياسية او الدعوية الكبيرة تميل الى التفكك ، فجماعة الاخوان المسلمين التي كانت يوما ما ، اضخم تنظيم للحركة الاسلامية تفككت الى عشرات من الجماعات المستقلة ، فكل قطر له اخوانه ، وحزب الدعوة مثلها ، وحزب التحرير لا يختلف عنها ومنظمة العمل الاسلامي سارت على ذات الطريق ، وفي مثل هذه الحالات فان الذين انشقوا ، لم يخالفوا المنطلقات الفكرية العامة ، بل تمردوا على البرامج السياسية ، والاهداف الانية للعمل ، والاجتهادات المتعلقة بتبرير المواقف اليومية .
بين التجريد والتاطير
وخلاصة ما سبق انه لا يمكن التعامل مع الدعوة المتبناة من جانب حركة معينة ، كما نتعامل مع الاسلام المجرد ، كما لا يمكن النظر الى الاسلام المقدم في اطارها ، خارج الاطار نفسه ، بما في هذا الاطار من سياسات واهداف واساليب عمل ، وفي هذا المجال فلا بد من الاقرار بحاكمية الاطار على النظرية لا  العكس كما قد يتصور ، لان وجود جماعة متميزة يستدعي قيام آليات خاصة للحفاظ على كيانها وتميزها عن المجتمع العام ، وضرورات العمل تقتضي الكثير من الاجتهاد ، والاجتهاد يتاثر مباشرة وغير مباشرة بآليات التنظيم والظرف الذي تعيشه الحركة وتعمل ضمن الزاماته .
واذا قبلنا هذا فانه ينبغي النظر الى دعوة هذه الحركة او تلك لاقامة الشريعة ، باعتبارها متلازمة ومتاثرة بسعيها للوصول الى السلطة ، او حصولها على النفوذ الاجتماعي ، او اكتسابها اسباب القوة التي تتيح لها ممارسة دور فوقي في الحياة الاجتماعية .

وبغض النظر عن حقانية هذا المسعى او بطلانه ، وبغض النظر عن تاثيراته المختلفة على الصعيد الفكري والاجتماعي العام ، فانه يقودنا الى ضرورة التمييز بين صورة الاسلام كما هو في حالته المستقلة عن الاطار الحركي ، وبين الاسلام المؤطر ضمن حركة محددة ، كما ان تقييم المساعي الرامية الى اقامة الشريعة ينبغي ان يتجه الى تقييم الحركة ذاتها ، بما فيها من برامج عمل ، ومتبنيات فكرية (هي تفسيرها الخاص للنص الديني ) .

من ناحية اخرى فان الدعوة ،  كعمل يومي وعلاقة مع اطراف اجتماعية وتفاعل مع بيئة لها الزاماتها وشروطها الخاصة ، لا تنفصل عن السياسة حتى لو بدا الامر ملتبسا ، فكل نشاط حركي ، تكرس للسياسة او ابتعد عنها ، هو في جميع الاحوال تطبيقات لنتائج اجتهاد قام به شخص او فريق من الناس ، ولأنه نتيجة اجتهاد ، فهو لا ينطوي على أي نوع من الالزام الادبي او المادي لبقية المسلمين ، الذين لم يقرروا تبني هذه النتائج باعتبارها حجة عليهم ، وعلى نفس الخط يمكن القول ان محاولة جماعة ما ، الزام الغير بمتبنياتها او نتائج اجتهاداتها ـ تحت أي ذريعة كانت ـ لا تستند الى قاعدة مكينة ، اللهم الا ان تتحول هذه الاجتهادات الى نظام للبلاد ، ضمن الشروط الشرعية المقررة للتشريع العام ، فما يدعى اليه في كل الاحوال ليس الاسلام المجرد ، بل الاسلام المؤطر في اطار الحركة التي هي مشروع لطائفة من الناس ، هم احرار في تبنيه مثلما بقية الناس احرار في تبني غيره .


مقالات ذات علاقة



[1]  مجلة المجلة 22 ديسمبر 1996
[2]  الشيخ عبد السلام برجس العبد الكريم : مقال بصحيفة المسلمون 14 فبراير 97
[3]  حديث امام المؤتمر السنوي للجمعية في ديترويت بالولايات المتحدة في  30 ديسمبر 96  انظر تقريرا عن هذا المؤتمر في صحيفة  المسلمون 3 يناير 1997

الأربعاء، 24 يناير، 2001

عن تدخل العامة في سياسة الدولة


تحدثت يوما مع وزير يعتبره الناس مثقفا وصريحا عن مظاهر القصور في وزارته ، فطلب مني تقديم الملاحظات مكتوبة ، ولأني لا اجيد غيرهذا العمل ، فقد قدمت لـه ما ظننت انه صورة وافية عن القصور المزعوم ، مبينا اسبابه وانعكاساته ، كما اقترحت سبلا للعلاج ظننتها غير مكلفة ، وسررت لانه استقبل تلك الملاحظات بترحاب كبير ، وظننت اني قد فعلت شيئا مهما ، لكن بعد نحو عام من ذلك ، لاحظت ان ما شكوت منه لم يتغير فيه شيء ، فتحدثت مرة أخرى إلى الرجل الذي اخبرني ان فلانا - وهو وزير مثله ، لكنه ارفع مقاما - طلب اليه ترك الموضوع ، وفي النقاش طلب مني صراحة عدم التدخل في سياسات الدولة ، لان بعض اولي الامر لا يرحبون بتدخل العامة في امورهم ، وذكرت هذه القصة لرجل من اعيان البلاد ، فقال لي ما هو ادهى ، وذكر انه يلتقي عادة مع كبار القوم في مجالسهم أو مكاتبهم ، وقد تجرأ احيانا فطرق ما يعتبره قضايا سياسية ، وفي ثلاث مرات على الاقل قال لـه صاحب المجلس ان الموضوع معروف لدى اولي الامر ، ولديهم رؤيتهم الخاصة بشأنه ، وهذا كلام فحواه (ان هذا ليس من شأنك) ، وقادني هذا إلى البحث عن اسباب التكتم الشديد لكبار القوم على اعمالهم ، فتتبعت تصريحات ادلى بها احدهم طيلة شهرين ، وفي المحصلة وجدت ان بالامكان تلخيصها جميعا في اقل من عشر كلمات تكررت دائما ، ولم يكن في اي منها خبر جديد مما يرغب الناس في معرفته ، وبكلمة أخرى فان الرجل كان حريصا على ابقاء جميع ما سئل عنه مكتوما رغم الحاح الصحفيين .
لدينا في الخليج عشرات من الصحف ، ولو حسبت صفحاتها لبلغت بضع مئات كل يوم ، لكنك - مع ذلك - لا تجد فيها ما تريد ، فتضطر إلى البحث عن المعلومة والخبر في الصحافة الاجنبية ومصادر المعلومات خارج الحدود ، والطريف في الامر ان الاداريين والمسؤولين في الدولة يعانون من هذه المشكلة - مثل عامة الناس تماما - واعرف عددا كبيرا منهم يهتم بقراءة الصحافة الاجنبية لمعرفة ما يجري في بلده ، كما ان الراديو والتلفزيون المحلي ليس على الاطلاق مصدر الاخبار التي يرغبون في معرفتها .

وكنت اظن دائما ان الامر يتعلق برغبة في العمل واعراض عن الدعاية ، لكني اجد الان ان هؤلاء يتكلمون كثيرا ، لكنهم لا يقولون - في المحصلة - اي شيء ، الوزير يتحدث عن كل شيء ، لكنه لا يتحدث عن عمل وزارته إلا إذا كان مدحا ودعاية ، والسياسي لا يتحدث عما يواجه إلا إذا كان انشاء وبلاغة ، ولهذا السبب فان الناس لا يعرفون حكومتهم على وجه التفصيل ، لا يعرفون ما ذا تفعل ، ولا يعرفون كيف تجري الامور ، لا يعرفون النجاحات الحقيقية ، ولا يعرفون الصعوبات التي تمنع النجاح ، ولهذا ايضا فانهم غير جاهزين للتعاون معها ، لان الانسان يعين فيما يعرف .

وثمة في العالم العربي انطباع شائع مفاده ان الدولة هيئة تخص من يقودونها ، وان السياسة عمل يقوم به هؤلاء ، دون غيرهم ممن هم خارج الاطار الدولتي ، ولهذا فان (التدخل في السياسة) يعتبر تهمة في كثير من اقطار العرب ، وقد اضيفت اليها اخيرا تهمة (ادخال الدين في السياسة) وسبب الاتهام بالطبع هو الوصلة السياسية وليس الدين ، ان ادارات المباحث وامن الدولة والاستخبارات ، التي تنفق عليها الحكومات مبالغ طائلة ، هي منظمات متخصصة في مراقبة واحيانا مكافحة التدخل في السياسة ، ومما يذكر على سبيل الطرفة ان رئيس دولة سابق منح ترحيصا لصحيفة اسبوعية ، وذكر فيه شروطا ، من بينها عدم تدخل الصحيفة في السياسة ، ونعلم الان ان اقطار الخليج جميعا تتشدد في منح تراخيص لصحف أو مجلات سياسية ، بينما تتسامح في غيرها ، وهذا شبيه لحال معظم الاقطار العربية ، حيث تحتكر الدولة أو جهات محددة حق اصدار المطبوعات السياسية .
خلال السنوات الاخيرة اكتشفت وزارات الاعلام والنخبة المثقفة في المنطقة ، ان قنوات الاذاعة والتلفزيون المحلية وكثير من الصحف ، خسرت اهتمام الناس الذين اصبحوا زبائن ثابتين لمصادر المعلومات الخارجية ، وظهر من خلال النقاش ان العلة الرئيسية هي افتقار المصادر المحلية إلى المعلومات الحية ، وافتقارها إلى حرية التعبير ، لكن الكبار قرروا في نهاية المطاف ان خسارة اهتمام الجمهور ، اهون اثرا من خسارة التقليد العريق في التكتم ، اتباعا لمفاد المثل المشهور عندنا في اقفال الباب الذي ياتي منه الريح ، بدل الاستعداد لمقابلة التحدي بما يناسبه ، واتذكر الان طرفة عن صحفي امريكي تحدث مع زميل عراقي ، فقال لـه انهم في واشنطن احرار يستطيعون قول كل شيء ولو كان مدحا لرئيس العراق وقدحا في رئيس الولايات المتحدة ، فقال لـه العراقي انهم في بغداد يفعلون ما هو اكثر، فهم احرار في مدح رئيسهم وقدح الرئيس الامريكي والبريطاني وكل رئيس غربي آخر ، وهي طرفة تعبر عن واقع الحال في المنطقة ايضا ، فانت تستطيع معرفة اخبار العالم كله في الصحافة المحلية ، ما عدا اخبار البلد الذي تصدر فيه الصحيفة .

يفترض - نظريا - ان الدولة جهاز لخدمة الشعب ، وقد بالغ بعضنا فوضع لافتات تقول ان الشرطة ايضا في خدمة الشعب ، مع اني لم اجد اي شرطة في العالم العربي تفعل ذلك ، لا لانها لا تعمل شيئا ، بل لانها لا تصدر في عملها عن منطق الخدمة ، اي كونها جهازا تابعا للمجتمع وخادما لـه ، كذلك فان الدولة في منطقتنا لا تصدر عن هذا المنطق ، فهي ترى نفسها ، واصحابها يرونها ويرون انفسهم - بطبيعة الحال - فوق المجتمع ، يستمدون مشروعية عملهم من الدولة ذاتها ، وليس من التفويض الصريح اوالضمني الذي يحصلون عليه من المجتمع .

هذه الفوقية ، وذلك التكتم - وهما كما قلت من الطبائع السائدة في العالم العربي - ادت إلى تشديد عزلة الدولة ، وفي بعض الاقطار ، إلى قيام علاقة بينها وبين المجتمع مضمونها الاساسي العداوة أو الارتياب ، فالدولة ترتاب من شعبها ، والناس يرتابون في دولتهم ، فكانهما خصمان يراقب كل منهما الآخر قلقا من ان يباغته فينقض عليه .

ومن هنا نجد ان دول المنطقة تخصص جزء كبيرا من مواردها لقطاع الامن ، واعرف شخصيا ان اعضاء جهاز الامن في إحدى اقطار المنطقة ، يزيدون مرتين ونصف عن عدد الجيش النظامي ، ويستأثرون بنحو عشرين بالمائة من النفقات الحكومية ، وهو يكشف عن طبيعة التحديات التي يستشعرها اولو الامر ، مع ان هذا البلد - مثل جميع اقطار الخليج الأخرى - لا يواجه تحديات كبرى على المستوى الداخلي ، لكن الشعور بالعزلة والارتياب المتقابل ، هو الذي يجعل لهذا النوع من السياسات اولوية على غيره .

وزبدة الكلام ان انعدام الشفافية وحجب المعلومات قد ترك انعكاسات سلبية كبيرة على الدولة نفسها وعلى المجتمع وعلى العلاقة بين الطرفين ، وسوف نعرض جوانب أخرى في مقالات لاحقة ، لكننا اليوم بحاجة إلى استعادة الثقة بين المجتمع والدولة ، واول الطريق إليها المكاشفة والمصارحة ، التكتم مريح لصاحبه ، لكنه مدمر للثقة التي تحتاج اليها الدولة ولا سيما في اوقات الازمة ، المصارحة تدعو الناس إلى اعذار المسؤولين وتقدير جهودهم ، والريبة تدعوهم لسوء الظن وتعليق المشكلات ، كبيرها وصغيرها ، على تقصير المسؤولين وانشغالاتهم الشخصية .

الرأي العام 24 يناير 2001

الأربعاء، 17 يناير، 2001

من ديمقراطية المجلس إلى حاكمية القانون


يفخر السياسيون في الخليج بان الوصول إلى اصحاب القرار ، لا يكلف المواطن غير الوقت الذي يصرفه في الطريق من داره إلى مكتب المسؤول ، بينما - في دول عربية أخرى - تعتبر مقابلة الوزير أو وكيل الوزارة حلما لأصحاب النفوذ فضلا عن عامة الناس .

وفي الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية على سبيل المثال ، ينجز الكثير من الناس حاجاتهم بهذه الوسيلة ، حيث يخصص معظم الوزراء أو وكلاؤهم ساعات محددة من دوامهم اليومي ، لتلقي الشكاوى أو المطالبات من كل شخص ، بغض النظر عن صفته الاجتماعية أو طبيعة مشكلته ، وقد شهدت شخصيا عددا من المجالس تقدم خلالها موظفون اجانب ينبيء مظهرهم عن فقر مسكنة ، جاؤوا لمقابلة امير أو وزير لتقديم شكوى ضد ارباب عملهم ، أما  في الكويت فان قيام عضو مجلس الامة بهذا الدور لصالح ناخبيه وسكان دائرته الانتخابية ، هو بمثابة وعد الشرف الذي يتوقع الناخبون من ممثلهم الوفاء به طوال سنوات نيابته ، وهذا هو الامر الذي مكن من تصنيف اعضاء المجلس إلى ما يطلق عليه محليا نواب الخدمات ونواب الرأي .

ينتمي هذا الاسلوب من العلاقة بين الدولة والمواطن إلى التقاليد القديمة ، حينما كان شيخ القرية أو القبيلة أو وجيه الجماعة يقوم بمهمات الدولة ، أو كان وسيطا وحيدا بين جماعته وبين الدولة ، وفي ذلك الوقت كانت الدولة بسيطة ومحدودة ، وكانت تخاطب شعبها كمجموعات .

لكن التطور المعاصر في طبيعة الدولة ودورها ، غير القاعدة ، فدولة هذا العصر تخاطب شعبها كافراد ، وهؤلاء بدورهم ينظرون إلى الدولة كجهاز خدمة ، يجب عليه ان يعطي بقدر ما يأخذ ، لكن على الرغم من هذا التطور في الرؤية ، فان دولة العالم الثالث  لم تطور جهاز عملها كي يستوعب المتغيرات التي طرأت على طبيعة عملها ، ونشير خصوصا إلى الانتقال من حالة الحكومة الشخصية إلى حكومة القانون ، الذي اوجب انشاء جهاز اداري يقوم بمهمات الدولة وفق قواعد قانونية ونظم عمل عامة ومعيارية .
ويعتبر كثير من علماء السياسة قيام البيروقراطية علامة مهمة على عقلنة الدولة ، اي تحولها من إطار العلاقة الشخصية بين الحاكم والمحكوم ، إلى العلاقة الوظيفية ، حيث يحصل الجميع على حقوق متساوية ويؤدون واجبات متماثلة ، ويتحدد على اساسها وبناء عليها ، ارتباط كل منهم بالدولة ، فاذا تحقق هذا التطور المهم ، انتفت الحاجة إلى العلاقة الشخصية أو الواسطة أو نائب الخدمات ، ولم يعد الوزير أو المسؤول الكبير مضطرا إلى صرف ساعات طويلة من يومه لاستقبال مراجعين ، يمكن لموظف صغير في دائرة من الدوائر ان  ينجز حاجاتهم .

واذكر الان زيارة قمت بها لاحد الوزراء ، فوجدته يمضي وقتا طويلا ، امتد إلى ساعتين ، في الاطلاع على طلبات فردية وكتابة مذكرات تحويل إلى دوائر حكومية مختلفة ، ادهشني ان تحتاج معالجتها إلى مسؤول في مستواه ، وكان بينها طلب اعفاء من غرامة صغيرة ، وبينها استرجاع رخصة قيادة سحبها ضابط مرور ، وبينها الحصول على سرير في مستشفى رفيع المستوى ، وبينها تخفيض رسوم على بضاعة مستوردة ، وبينها الموافقة على تبادل قسيمة سكنية مع مواطن آخر ، وامثال هذه المعاملات .

كبار المسؤولين يصرفون وقتا ثمينا في مثل هذه الاعمال ، والاكبر منهم يشددون على ضرورة فتح الابواب امام المواطنين وحل مشاكلهم ، وما ذكرته من المشكلات لم تكن استثناءات من القاعدة ، فالاعم الاغلب مما يحصل في هذا النوع من المجالس ، لا يتجاوز ذلك المستوى ، وبالتالي فان التشديد على سياسة المجالس المفتوحة ينصرف - من الناحية الواقعية - إلى تكليف الوزير أو الوكيل باعمال صغار الموظفين ، في الوقت الذي يتوقع الناس ان يصرف الوزير أو الوكيل جل وقته في اداء الاعمال الكبيرة ، والتخطيط لمستقبل البلاد ، وحل المشكلات التي تحتاج إلى كفاءة استثنائية أو رجلا ذا صلاحيات تمكنه من التدخل حيث يعجز الآخرون.

السبب في هذا يعود إلى ضيق إطار القانون ، الذي يفترض ان يتضمن حلولا لمثل تلك المشكلات الصغيرة ، أو ضيق افق الموظفين الاداريين الذين لا يبدون تفهما لهذا النوع من المشكلات ، أو الطريقة الخاطئة في توزيع الصلاحيات ، حيث جرت العادة على سلب الاداريين صلاحية البت في الامور ، واعادة الصغير والكبير منها إلى السلطة المركزية التي يمثلها الوزير أو الوكيل . وهناك بالاضافة إلى هذا ، رغبة كبار المسؤولين في ممارسة هذا النوع من الاعمال الذي يتيح لهم تعزيز مكانتهم الاجتماعية والتاكيد على حضورهم الفعال في الميدان الاجتماعي .

اسلوب المجالس المفتوحة يتمتع بايجابيات لا تخفى ، لكنه - من الناحية الثانية - يولد مشكلات كبرى ذات اثر يتجاوز سعة وعمقا اي فائدة من فوائده المنظورة ، واول تلك المشكلات واهمها هو شخصنة السلطة ، حيث تتلخص الدولة في المسؤول ، ويترتب على هذا تفاقم العجز في الجهاز الاداري الادنى مرتبة ، وتحوله من نظام للحكم والادارة ، إلى جهاز من الكتبة مفرغ من الصلاحيات والمسؤولية ، كما يترتب عليه ضياع هيبة القانون ، فما دام يمكن للمسؤول الكبير تجاوز القانون - ايا كان سبب التجاوز - فسوف تكون الواسطة والعلاقة الشخصية - على الدوام - فوق القانون ، وهذا يفتح الباب لنشوء طبقة من المستفيدين ، عملها ومصدر عيشها الوحيد هو الواسطة ، ووسيلتها التزلف والمجاملة واحتقار القانون العام ، وسوف يكون التقرب إلى رجال الدولة مطلبا ، يسعى اليه الشطار وطلاب الصعود ، بغض النظر عن كفاءاتهم الشخصية ، ولاحقا سوف يشكل هؤلاء حجابا بين المسؤول والشعب .

ومن المشكلات التي تترتب على شخصنة السلطة ، انصراف كبار المسؤولين عن المهمات الكبرى التي تتطلبها ادارة الدولة ، ولا سيما تلك التي تقتضي جهدا فكريا أو عصبيا ، أو احتمالا لمعرة الناس وخاصة المتزلفين والاصدقاء .

ومن المشكلات ايضا ، انكماش اهمية التخطيط العملي والموضوعي ، وتفاقم تاثير الارادات الشخصية في السياسات ، وهذا قد يصل إلى حد وضع السياسات على مقاس الاشخاص ، بدلا من دعوة الاشخاص إلى التكيف وفقا لمتطلبات العمل .

واخيرا فان من اعظم المشكلات المترتبة عليه ، احتكار النخبة العليا للعمل السياسي ، فالحاجات الصغيرة التي يعالجها المسؤول سوف تكون بديلا - عند المواطن - عن الحاجات الكبرى التي طبيعتها عامة ، وذلك لان الحاجات الصغرى تاخذ مكان الكبرى في العلاقة بين المواطن والدولة ، وقضاء تلك يدفع بالمواطن إلى السكوت عن هذه ، وهذا ثمن يدفعه المواطن وهو يعرف ، كما ان المسؤول يقدم الخدمة وهو يعرف ما سوف يحصل عليه ازاءها ، وينتج عن هذا انعدام المساواة امام القانون وانعدام التكافؤ في الفرص ، فالذي يحصل على الخدمة ويسكت يعتبر مواليا ، والذي لا يحتاج إلى خدمة أو لا يطلبها ثم يعترض على سياسات الدولة يعتبر معارضا اي مستبعدا .

اننا بحاجة إلى تحكيم القانون ، وبحاجة قبل ذلك إلى توسيع هذا القانون كي لا يضيق عن حاجات الناس ، ونحن بحاجة إلى قدر كبير من الشفافية والعلنية كي لا يضطر الناس إلى الواسطة والشخصنة حين تعييهم الحيلة ، وفي اعتقادي ان الكف عن شخصنة السلطة ليس امرا عسيرا ، ولا هو مكلف ، لكني لا اقترح المبادرة قبل علاج الاسباب التي ادت اليه ، إذا ارادت الدولة فرض هيبتها واحترامها ، فالخطوة الاولى تبدأ من هنا ، هيبة القانون وهيبة الدولة هما اولى ضحايا شخصنة السلطة .

التجديد السياسي في الخليج : الفرص والصعوبات




يمكن لاقطار الخليج العربي ان تكون رائدة للتجديد السياسي على المستوى العربي إذا توافرت الشروط اللازمة لتجديد مجتمعاتها ، وهذا قول ينطوي على كثير من المفارقات ، ومن اهمها ان مجتمعات الخليج ، تعتبر واحدة من اكثر المجتمعات العربية انشدادا إلى التقاليد ، التي تعبر بصورة من الصور عن النظام السياسي القديم  .

لكن على الجانب الآخر فان مجتمعات الخليج تتميز بصفات لا تتوفر في غيرها ، ومن بينها على سبيل المثال الاستقرار الاقتصادي النسبي ، الذي يعتبر حافزا مهما للتجديد السياسي ، بالنظر لما ينتج عن عامل الوفرة الاقتصادية من تبريد لبؤر التوتر وتحفيز لاخلاقيات المساومة والشراكة .
ومن بينها ايضا الارتخاء السياسي العام في المنطقة ، فالخليج لم يشهد توترات شديدة داخلية المصدر خلال العقود الثلاثة الاخيرة ، وما حصل من مشكلات امنية في اكثر من دولة ، لم يكن من النوع المستعصي على السيطرة أو الطويل الامد ، لقد تركت حرب الخليج الاولى والغزو العراقي للكويت جروحا بليغة ، ومثلتا تهديدا حقيقيا للسلام الاجتماعي والاستقرار ، لكن من الواضح الان ان مجتمعات المنطقة تتعافى من اثارهما ، كما ان الحكومات لم تحول ما جرى إلى فزاعة سياسية ، كما هو معتاد في أقطار عربية أخرى .

وثمة دواع أخرى تؤكد الحاجة إلى التجديد السياسي ، منها مثلا الترابط الوثيق بين اقتصاديات الخليج والسوق الدولية ، ومع الاخذ بعين الاعتبار التغيرات العميقة التي طرأت على طبيعة واساليب التجارة الدولية خلال العقدين الاخيرين ، ولا سيما تفاقم دور قطاع الاعمال الدولي في صناعة السياسة الخارجية ، وانكماش الهوة الفاصلة بين الداخلي والخارجي ، بسبب الاتجاه المتصاعد إلى عولمة الاقتصاد ، فان الانعكاس الطبيعي لهذه التطورات سيكون انكماش دور الدولة كصانع وحيد للسياسة وموجه للاقتصاد المحلي ، ولهذا العامل اهمية خاصة في الخليج ، من زاوية ان حركة راس المال تعتبر إلى حد ما بوصلة الحياة - وتاليا السياسة - في المنطقة .

لكن المشهد ليس بالجمال الذي ربما توحي به السطور السابقة ، فعدا عن الكويت التي قطعت شوطا بعيدا في اتجاه التجديد السياسي ، فان بقية الاقطار الخمس الاعضاء في مجلس التعاون ، لا تزال بحاجة إلى الكثير من الوقت والكثير من الجهد ، وهي بحاجة - خصوصا - إلى قرارات كبرى ، للاقلاع من حالة الجمود السياسي وقطع الخطوات الاولى في الطريق إلى التجديد .

ثمة رأي يتبناه كثير من الناس فحواه ان حكومات المنطقة ، مثل جمهورها - ولا سيما القوى ذات التاثير اليومي - لا تشعر بحاجة شديدة إلى التجديد ، أو انها لا ترى في ما يدعى من جمود سياسي ، مصدرا لخطر داهم ، بل ربما وجد الطرفان في تفصيلات التجديد السياسي ، ومنها اقرار الحريات العامة مثلا ، ربما وجدا فيه حافزا لانواع من السلوكيات غير المتوافقة مع التقاليد الدارجة والمتسالم عليها ، وربما تتحول إلى سبب جديد للمماحكة السياسية ، التي لا تجد النخبة الحاكمة في نفسها قدرة أو رغبة على مواجهتها أو المشاركة فيها ، ومع الاخذ بعين الاعتبار ان التجديد لا ياتي إلا إذا اصبح حاجة ماسة للاكثرية ، فان علينا الانتظار طويلا قبل ان نرى ما ندعو اليه حيا يمشي على قدمين .

وثمة رأي يتبناه بعض السياسيين - وان كانوا قد توقـفوا عن التعبـير العلني عنه منذ بعض الوقت - خلاصته ان مجتمعات الخليج ليست جاهزة للتجديد الذي يعني حاكمية القانون ، اقرار الحريات العامة ، والمشاركة السياسية ، بالنظر لما يدعى من الافتقار إلى الانسجام الاجتماعي ، الناتج عن التجنيس أو الاصول القبلية لبعض السكان ، أو لان الثقافة العامة لا تزال قاصرة عن توليد روحية المداهنة والمساومة ، التي تؤسس للشراكة في المصالح والاتفاق على قواسم الالتقاء ، بدل الانشغال بالتمايز وعناصر الافتراق .

وثمة رأي سمعته شخصيا من عدد من السياسيين البارزين ، خلاصته ان الفائدة الكبرى للديمقراطية هي تقاسم المصالح العامة بالعدل والانصاف ، وهذه مشكلة غير قائمة في الخليج الذي توفرت فيه امكانات للعيش الرفيع ، انتفت معها الحاجة إلى البحث عن آلية للتقاسم المنصف للمصالح ، فالكل يحصل على ما يكفيه .

ولا اجدني بحاجة إلى مناقشة الآراء السابقة ، فهي ليست مطلقة ، وبالتالي فانها قد تكون الاستثناء على القاعدة ، وان تراءى لمن يتبناها انها هي الاصل وغيرها الاستثناء ، كما ان الديمقراطية - التي نراها الوليد الاهم للتجديد - ليست حاجة اقتصادية ، وليست اداة لمعالجة مشكلة الندرة ، ولا منبرا للتعبير عن الذات ، فهذه كلها من ثمراتها الطيبة .

 التجديد والديمقراطية ليسا حلقة من حلقات التقدم ، بل هي الشرط اللازم للتقدم ، وبدونها فان المدنية المنشودة ، لا تكون غير قشرتها الخارجية ، المتمثلة في البنايات والشوارع والسيارات والملابس النظيفة ، والديمقراطية شرط للاستقرار الاجتماعي ، وبدونها فان الدولة مضطرة لانفاق جانب كبير من مواردها في تعزيز اجهزة السيطرة المادية وما يسمى - تجاوزا - الامن ، ومع ذلك فان مسببات الاضطراب الاجتماعي والتمرد تبقى قائمة ومتفاقمة ، وان لم يلحظها الناظر للامور من الخارج ، والديمقراطية اخيرا هي الاداة الوحيدة المتوفرة في عالم اليوم ، لضمان كرامة الانسان وتحقيق انسانيته ، وتحريره من العبودية للاشخاص والاجهزة والمؤسسات السرية والعلنية .

اظهرت التجربة الفعلية في عدد من اقطار العالم ، ان التجديد وفتح المجتمع المغلق ، كان عسيرا ومكلفا ، رغم انه حدث في نهاية المطاف ، باختيار النخبة أو غصبا عنها ، وما نخشاه جميعا ان تتكرر هذه التجارب في الخليج ، ولهذا فانه من الضروري استعراض الفرص المتاحة لانتقال تدريجي وهاديء ، انتقال من حالة الانغلاق الاجتماعي والجمود السياسي ، إلى الانفتاح والحركة وتجديد الذات ، باستعمال آليات النظام الاجتماعي نفسها ، وبمرافقة ادوات النظام السياسي نفسه ، تغيير من داخل النظام لا بالالزام الخارجي ، كي نتدرج في سيرورة لينة تحقق الغرض ، دون الاضطرار إلى دفع الثمن المؤلم الذي اضطرت اليه اقطار أخرى .

ترى هل هناك فرص جدية لانتقال من هذا النوع في الخليج ؟
وهل يمكن للخليج ان يقدم مثالا على امكانية التقدم دون اللجوء إلى حلول موجعة ؟ .

ازعم ان هذا ممكن ، لكننا بحاجة اولا إلى وضع اليـد على مكامن الداء السياسي وتشخيص العلل .

يناير 2001

الأحد، 14 يناير، 2001

الحركة الاسلامية: الصعــود السـر يـع و الا سئـلة الكـبر ى


بعد ربع قرن من صعود تيار الاسلام السياسي ما يزال التوسع المدهش للحركة الاسلامية ، يثير الكثير من العواصف الفكرية والسياسية ، في داخلها وبين المنافسين ، فهي لا زالت اكثر الموضوعات السياسية اثارة للاهتمام ، واستقطابا للجدل في داخل العالم الاسلامي ، وفي الدول التي لها مصالح واهتمامات باقطاره ، بديهي ان بعض هذا الجدل كان يستهدف تحجيم اندفاعة الحركة ودفع مشروعها الى الزاوية ، ومن الواضح انهم قد نجحوا في تحقيق هذه الغاية في عدد من الاقطار ، الامر الذي جعل الحركة تضيق صدرا بالاشكالات المثارة من حولها .

على ان الانصاف يقتضي الاشارة الى ان تحول الحركة الى مادة رئيسية للاهتمام ، من جانب الاصدقاء والاعداء على السواء ، ليس ظاهرة سلبية ، بل هو مؤشر ايجابي يدلنا على تنامي الوزن السياسي لهذا التيار الجديد .
على الوجه الآخر من الصورة يوفر الجدل والشكوك المثارة ، فرصة ثمينة لاستبيان نقاط الضعف في تفكير الحركة الاسلامية وفي برامجها وعلاقاتها ، فالانسان لا يكتشف نفسه الا عندما يقارن بالغير ، خاصة وان الكثير مما عند الحركة لا يزال غير نهائي ، وبعضه لم يخرج عن اطار العناوين العامة ، فهو غامض عند الاسلاميين انفسهم فضلا عمن سواهم . ولهذا لا ينبغي اغفال الجوانب الايجابية لهذه الاثارات ، ان التعامل السجالي مع ما يطرح من مقولات ونقد ، قد يشفي الغليل ، لكنه في المحصلة النهائية يشغل الانسان عن رؤية الحقائق المجردة ، وفي  ظني ان معظم الاسئلة التي اثيرت خلال هذا الجدل ، تحتاج الى وقفة من جانب الحركة الاسلامية ، بغض النظر عن اغراض المنافسين ، وايا كانت الثمرة المرجوة من مشاركتهم جدلهم .

امثلة عن الاسئة :

ثمة كثير من الاسئلة التي أثارها قيام الحركة ، يتعلق بعضها بالمشروع السياسي الذي تدعو اليه الحركة الاسلامية ، وبعضها بالمرجعية الفكرية والمنهج النظري المتبع في التوصل إلى الآراء والمواقف ، ويتعلق البعض الآخر بطبيعة الحركة ذاتها ، حدود الارتباط بين الحركي والديني فيها والعلاقات الداخلية بين اعضائها ، وعلاقتها بالغير الذين ينافسونها في نفس الساحة .
المشروع السياسي : في الجانب الأول المتعلق بالمشروع السياسي ، لا توفر تجربة الحركة الاسلامية الاطمئنان الكافي لكثير من الناس ، أو لنقل على وجه الدقة انها تقدم اشارات متعارضة ، هي من ناحية دليل على تنوع الحركة وتنوع طروحاتها ، لكنها من ناحية أخرى دليل على عدم وجود مشروع واحد ، الامر الذي يجعل من العسير معالجة موضوع الحركة باعبتاره واحدا .
لقد انتقلت سريعا من ميدان العمل الثقافي والاجتماعي إلى السياسي ، ويبدو ان الوقت لم يتسع كي تحدد فواصل واضحة بين طروحاتها في الميدان الأول الذي يعبر عن دعوة ايديولوجية خالصة ، والطروحات المفترضة في الميدان الثاني الذي ينبغي ان يكون دعوة للحوار والشراكة ، وربما استمد بعض المنافسين رؤيتهم للحركة من المنظور الذي دعا اليه سيد قطب في الستينات ، والذي يقوم على اعتبار الدور الاساسي للحركة الاسلامية هو تصحيح اعتقاد المجتمع الذي رأى انه يخضع فعلا لسيطرة الجاهلية الجديدة ، وان العمل لاقامة حكومة اسلامية في ظل الاوضاع القائمة يعتبر هزلا  لا يليق بالدين .

وخلال العقدين الاخيرين من القرن العشرين ظهر العديد من الحركات الاسلامية في تجارب فعلية ، تقوم اساسا على استبعاد الاخرين أو رفض مشاركتهم في الحياة السياسية ، ومنها مثلا تجربة المقاومة المسلحة في الجزائر التي تطورت إلى اعلان تكفير الدولة والمجتمع واستباحة دماء واعراض واموال كل من رفض مشروع الجماعات التي تتبنى هذا الاتجاه .

ومن بينها ايضا تجربة الامارة الاسلامية التي اقامتها حركة طالبان في افغانستان ، التي تعبر عن تيار في الحركة الاسلامية لـه انشداد عميق إلى التقاليد القروية التي كانت سائدة في العالم الاسلامي قبل نهضته الحديثة ، واتبعت الحركة سياسات داخلية ، لا يمكن لمعظم الناس القبول بها ، مثل ابعاد النساء عن العمل واغلاق وسائل الاعلام وفرض قيود مشددة على اللباس والمظهر الشخصي ، فضلا عن الاعتماد على القوة العسكرية في فرض السياسات ومقاومة أي دعوة لاشراك ممثلي المجموعات الاجتماعية الأخرى في السلطة .

 لقد بادر معظم الحركات الاسلامية إلى التبرؤ من تجربة (طالبان) ولاحقا تبرأ الجميع من تجربة القتال التكفيري في الجزائر ، إلا انه لا يمكن انكار حقيقة ان بعض الجماعات الاسلامية اظهرت - في بعض الاحيان على الاقل - تعاطفا معها وقدمت تبريرات لعلمها ، وبصورة عامة فان هذا الوضع قد قدم صورة قاتمة عن الحركة الاسلامية في أحد احتمالاتها .
خلافا لامثال هذه التجارب البائسة فان فصائل اسلامية أخرى قدمت طروحات ونماذج عمل يمكن اعتبارها مشروعات سياسية بديلة ، ومن بينها مثلا تجربة الحركة الدستورية الاسلامية في الكويت ، وتجربة حزب العمل الاسلامي في الاردن ، وحركة مجتمع السلم في الجزائر ، وجماعة الاخوان المسلمين في مصر ، وحزب الرفاه في تركيا ، التي اعلنت بوضوح التزامها بمشروع للتغيير السلمي وقبول غير مشروط بمشاركة المنافسين في الميدان السياسي ، واعتبار صناديق الانتخابات مصدرا وحيدا للتفويض الشعبي لممارسة السلطة ، كما قدمت تجربة حزب الله في لبنان مثالا على الالتزام العميق باهداف الجمهور العام ، وعدم استثمار المكاسب في الانقلاب على النظام المدني .
كما ان تجربة الاسلاميين في اليمن تمثل هي الأخرى مثالا جيدا على الالتزام باللعبة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة ، اذ ان التجمع اليمني للاصلاح ، وهو حزب الاسلاميين الرئيسي ، حافظ على التزامه بالدستور واصول اللعبة السياسية بعد خسارته الانتخابات النيابية ، فانتقل بهدوء إلى صفوف المعارضة بعدما تمتع بالمشاركة في السلطة لسنوات .

ونشير ايضا إلى تجربة الانتقال السلمي للسلطة في ايران ، رغم ان الانتخابات الرئاسية ، ولاحقا النيابية جاءت بفريق يعارض المتبنيات المعلنة لأقطاب النظام ، كما فشل ابرز رموزه ، وكان الاعتقاد السائد بين المراقبين في الغرب خاصة ، ان فوز السيد ناطق نوري ، المرشح  المعبر عن توجهات زعماء النظام ، يعتبر امرا محسوما ، إلا ان صناديق الانتخاب جاءت بالسيد محمد خاتمي ممثل الفريق المعارض ، وكان وصول خاتمي إلى الرئاسة مثيرا لدهشة المراقبين الغربيين الذين عبروا صراحة عن شعورهم بالدهشة ، لان زعماء النظام الاسلامي التزموا - على غير توقع - بأصول اللعبة الديمقراطية ، ولم يستخدموا ما يملكون من سلطة لفرض مرشحهم .

يشير هذا الاختلاف في الممارسة السياسية ، إلى اختلاف التنظير الايديولوجي الذي يدعمها أو يوفر لها المبررات ، فمن البديهي ان كل فصيل يدعو إلى مشروعه مدعوما بمبررات نظرية تنتمي إلى الفكر الاسلامي ، وازاء اختلاف الاستنتاجات ، فلا مفر من القول بان المناهج المستعملة في التنظير والاستنباط مختلفة ، الامر الذي يؤدي - ضرورة - إلى نتائج متعارضة ، وهذا مع انه يوفر مخرجا مناسبا لتفسير الاختلاف ، إلا انه من جهة أخرى يلقي بظلال من الشك حول مدى العلاقة بين الحركة والدين ، أي بين المشروع السياسي الفعلي والمرجعية النظرية .

الدين والحركة : 
في ايران حكمت المحكمة على رجل دين ومفكر معروف هو د. محسن كديور بالسجن لانه عارض نظرية (ولاية الفقيه) وسجن الوزير السابق عبد الله نوري ، وهو ايضا رجل دين واعلامي لاسباب مشابهة ، وشن عدد من علماء الدين التقليديين حملة متواصلة ادت إلى اقالة وزير الثقافة عطاء الله مهاجراني ، لانه دعا إلى ازالة القيود عن حرية التعبير ، بما مكن المعارضين للمدرسة الثقافية والايديولوجية السائدة ، من التعبير عن ارائهم في الصحافة ، وهدد بعض القضاة بتقديم مهاجراني للمحكمة لما وصوفوه بتساهله أو تشجيعه للانفتاح الثقافي على الغرب وتذليله العوائق امام محاولات الغزو الثقافي الاجنبي ، وفي كل هذه الحالات وغيرها ، كان المعيار في تحديد الاتهام هو عدم توافق المتهم ، تفكيره أو عمله ، مع المدرسة الفكرية السائدة ، فكأن هذه المدرسة منحت قداسة أو عصمة واعتبرت مسطرة يحدد وفقا لها ما هو صحيح وما هو خاطيء .
وفي الجزائر اعلن بيان للجماعة الاسلامية المسلحة وقعه اميرها ابو عبد الرحمن امين (جمال زيتوني) في 3 يناير 1996 عزمها على محاربة جبهة الانقاذ الاسلامية وجناحها العسكري لانه (طائفة ذات شوكة ومنعة اجتمعت على اساس رابطة حزبية من اجل العودة الى الديقمراطية والانتخابات وصناديق الاقتراع والاحتكام اليها والرضا بحكم غالبية الشعب وهذا شرك وكفر وانحراف عن المنهج السليم) و (ان جيش الانقاذ كان اضافة الى بدعته المكفرة خارجا عن الجماعة الاسلامية المسلحة التي تحمل الراية الوحيدة المبصرة والوحيدة في هذه الديار خصوصا بعد صدور بيان الوحدة والاعتصام بالكتاب والسنة وكذلك بيان ابراء الذمة الذي كان بعدما اقيمت عليهم الحجة مرارا من طرف اخواننا سواء في الشرق او الغرب ) وعليه (نقول لاخواننا ان قتالنا لجيش الانقاذ هو قتال واجب …. فيجب علينا ان نقاتل هؤلاء ونثخن فيهم حتى يعودوا الى امر الله ويتوبوا عن بدعهم وضلالهم ويلتزموا المنهج السلفي ) [1] ويتضح من البيان ان الجماعة تعتبر نفسها والانتماء اليها مقياسا للكفر والايمان ، وعلى أساس هذا التصنيف يتقرر من يستحل دمه ومن يعصم .

وتثير هذه التجارب اسئلة حرجة عن تصور الحركة لنفسها وطبيعة علاقتها بالمجتمع ، وبصورة خاصة موقع تشكيلاتها الحزبية الخاصة ضمن مشروعها. مثل هذه الاسئلة مبررة تماما بالنظر للغموض القائم حول الحدود الفاصلة بين المشروع النظري الذي تطرحه الحركة وبين النظام الحزبي الخاص الذي تتوسل به لايصال ذلك المشروع إلى سدة السلطة ، ويساور القلق كثيرا من الناس  - وهم على حق تماما - في ان الدعوة إلى البديل الاسلامي قد لا تكون غير مركب يمتطيه الطامحون للوصول إلى واجهة الحياة السياسية ، وربما تكرار التجربة البائسة لحكومة الحزب الواحد التي عانى منها العالم العربي ولا يزال .

وفي الستينات ادت دعوة المرحوم سيد قطب إلى إعادة تديين المجتمع الذي وصفه بالجاهلي ، إلى حملة على جماعة الاخوان المسلمين ، من منطلق ان أي مفكر أو جماعة لا يحق لها الحكم على الغير بالايمان أو الكفر ، اعتمادا على متبنياتها الخاصة ، لان كل مسلم لـه الحق في الاجتهاد والوصول إلى الله سبحانه من خلال تجربته العلمية أو الروحية الخاصة ، واصدر مرشد الجماعة السابق حسن الهضيبي كتابه المشهور (دعاة لا قضاة) للرد على هذا الموقف ، وبين ان الجماعة لا تتبنى بصورة مفتوحة الفكرة التي دعا اليها قطب ، رغم ان كثيرا من الحركيين اعتبرها ، وبقية الافكار المماثلة لها والتي وردت في كتابه المشهور (معالم في الطريق) ، اعتبرها دليلا نظريا للعمل .
وفي الوقت الحاضر يتفق الاكثرية على رفض اعتبار أي حركة نفسها أو طروحاتها ومتبنياتها الخاصة ، مقياسا للحق والباطل ، لكن - على مستوى الممارسة - فان كثيرا من الجماعات الحركية تتبنى أو تمارس سياسات من هذا النوع ، وهذا يظهر خصوصا في الصراعات القائمة بين بعض الفصائل ، كما هو الحال في موقف الحركة السلفية في الكويت من نظيرتها الحركة الدستورية الاسلامية التي تعبر عن جماعة الاخوان المسلمين ، ومثله موقف اكثر الجماعات السلفية من الفصائل الشيعية .
وبين التعبيرات المهمة عن إعادة النظر في هذه التوجهات ، يجدر الاشارة الى تصريحات عبد الله بن كيران وهو من زعماء حركة التوحيد والاصلاح ، أحد احزاب الاسلاميين الرئيسية في المغرب العربي:  (مفهوم ومضمون الاقصاء وسم المشروع الاسلامي لمدة غير يسيرة .. لايزال في سلوكات ومشروعات البعض .. وهو يتضمن اقصاء القوى المجتمعية الاخرى والمجتمع والسلطة في الاصلاح والتغيير .. .انه اقصاء نظري ينطلق من الذات بمعنى ان ذاتك خير من ذوات الاخرين .. في مقابله توجد فكرة المشاركة التي تنطلق من فكرة انه طالما ان الهدف هو خدمة الاسلام ورفع شانه فان التعاون مع من انطلق من اصل الاسلام او انطلق من نتائج الاسلام امر مقبول ..
كان للحركة في بعض المواقع تصرفات افزعت الاطراف الاخرى فاغلقت الابواب دونها  او اعطت الفرصة للاطراف ان يخوفوا منها …
ما يطلب اليوم من الحركات الاسلامية هو الاعتراف بالاطراف الاخرى وبتعيين برامجها .. وهي مدعوة الى مراعاة الخصوصيات .. انظمة الحياة التي يدخل اغلبها في اطار النمط الغربي اصبحت بمثابة خصوصيات من الضروري الحذر في التعامل معها لانه لايمكن القطع معها ومع النظام الغربي ومع دول وحكومات هذا النظام ..) [2].

النظام الاجتماعي : 
ومن بين الاسئلة التي كثيرا ما تطرح هو موقف الحركة الاسلاميين من عناصر النظام الاجتماعي القائم ، عناصر هذا النظام في وقته الراهن هي نتاج تطور طبيعي للمجتمع من صورته التقليدية القديمة إلى الصورة المعاصرة ، ومن نافل القول ان الاتصال بالغرب كان ابرز محركات هذا التطور ، ونجد تجسيدات ذلك في الاعلام وفي حركة تحرر المرأة وفي قنوات الثقافة والترفيه ، كما نجده في الاقتصاد .
وفي هذا المجال ايضا قدمت الحركة الاسلامية مواقف متعارضة ، وينقل فهمي هويدي الذي قام بتحقيق ميداني في افغانستان عن رحيم الله زرمتي نائب وزير الثقافة والاعلام وهو من اكبر رجال طالبان سنا ، ان (علماء افغانستان لم يجيزوا التلفزيون الذي ثبت ان الضرر فيه اكثر من النفع ناهيك عن ان فيه تصويرا للاشخاص وذلك محرم شرعا ، وإذا قيل  ان في الامكان الاكتفاء بالمواد المشروعة فما يدريك ان الناس لن تتركه إلى المحطات الاخرى التي تبث اشياء فاسدة … عند علمائنا صوت المرأة عورة والموسيقى حرام والرسم جائز ما لم يكن فيه ذو روح أما المسرح والسينما فممنوعان لما فيهما من المفاسد والاختلاط وتدليس على الخلق ثم الن السينما فيها تصوير ) [3].
أما  في الكويت فقد وقف معظم ممثلي الحركة الاسلامية في البرلمان ، ضد قانون أصدرته الحكومة يتضمن منح المرأة حقوقها السياسية ولا سيما حق العضوية وانتخاب نواب الشعب في مجلس الامة ، وثمة جدل لا يزال محتدما حول حرية المرأة ، حقوقها الاجتماعية والسياسية ، من يحدد لها ما هو صالح وما هو غير صالح ، ومع ان التجربة الايرانية تعتبر متقدمة في هذا المجال ، حيث  تتمتع النساء بحقوق سياسية واسعة ، وتشغل إحدى السيدات وظيفة معاون رئيس الجمهورية ، كما سمح لهن اخيرا بتولي مناصب قضائية ، عدا عن مشاركتهن في عضوية مجلس الشورى ترشيحا وانتخابا ، إلا ان الاشكال لا يزال قائما ، وثمة جدل حول المبررات الفقهية وحدود ما تسمح به الشريعة ، ويعكس حديث للشيخ القرضاوي جانبا من طبيعة هذا الجدل حين يقول (توجد فتوى قديمة لبعض علماء الازهر تمنع المراة من حقوقها السياسية في الانتخاب والترشيح. وادلة الفتوى هي انها بمقتضى الخلق والتكوين لها وظائف خاصة تجعلها ادعى للتاثر بدواعي العاطفة. واورد [المفتي] ادلة من القرآن تدل على ان نساء البيت النبوي كن على هذه الشاكلة فكيف بغيرهن. والرد على هذا الاستدلال ان المفتي قد فاته بان هؤلاء النسوة قد اخترن في النتيجة الله ورسوله والدار الاخرة. وهذا من ادلة تغليبهن العقل على العاطفة . ثم هل بريء الرجال من هذه العواطف والله يقول عن صحابة محمد (واذا راوا تجارة او لهوا انفضوا اليها وتركوك قائما) وكثير من الايات مثلها في الرجال مثل (حتى اذا فشلتم وتنازعتم من بعد ما اراكم ما تحبون ..) فهل يؤخذ من هذه الايات ان الرجال تغلب عليهم عند الازمات العواطف ، ثم استدلت الفتوى  بقوله (وقرن في بيوتكن..) وهي خطاب لنساء النبي فقط واتفق المسلمون على جواز ان تخرج المراة للعلم او للعمل والسفر الخ .. ومما استدلت به الفتوى حديث (ما افلح قوم ولوا امرهم امرأة)  وهو قول قاله النبي عندما بلغه ان الفرس ولوا امرهم بنت كسرى بعد موته ، وهذا مع اننا نرى صرفه الى خصوص الواقعة الا انه على فرض عمومه مصروف الى الامامة العظمى التي هي خلافة على جميع المسلمين ، ثم ان النظام القائم حاليا في العالم لا يسمح لفرد بان يكون حاكما بامره بل هو شريك لمؤسسات وافراد في حمل المسئولية)  [4] .

وفي الجانب الاقتصادي وجه شيخ الازهر د. طنطاوي انتقادا شديدا لتجربة البنوك الاسلامية ، وقيام بعض البنوك المصرية بتاسيس فروع تعمل تحت اسم المعاملات الاسلامية وقال ان تحديد الارباح مقدما لايعتبر من الربا ، ودعا المسلمين الى التعامل مع البنوك التي تحدد الربح مقدما ليضمن كل حقوقه ، وشكك في البنوك التي لا تحدد الربح تحت اي مسمى ، ووصف ظهور فروع اسلامية للبنوك بانه نوع من السفه والحمق ، واعلن استعداده لعقد مناظرة في الازهر لاثبات رايه في هذا الموضوع ، وقال انه ليس اول من قال بهذا الراي فقد سبقه اعضاء مؤتمر اسلامي انعقد في القاهرة عام 1976 شارك فيه 13 عالما برئاسة الشيخ محمد فرج السنهوري واتفق ثمانية منهم على جواز التعامل مع البنوك المعروفة من خلال شهادات الاستثمار وغيرها من التعاملات [5].

الاممية والتناسخ :
 ادى تصاعد قوة بعض الفصائل الاسلامية في اوائل الثمانينات ، ووصول بعضها إلى سدة الحكم ، ادى إلى اضفاء قدر من التبجيل أو القداسة على بعض شعاراتها ، ونجد تأثير هذا في مبادرة فصائل أخرى إلى محاولة نسخ تلك الشعارات وتقليد صورة الحركة المنتصرة التي كانت قد وصلت إلى غايتها ، رغم ان الفصائل (الناسخة) كانت قد بدأت للتو ، أو انها لم تخط خطواتها الاولى في ميدان العمل الفعلي ، أو ان الظرف الاجتماعي والسياسي الذي تعمل في ظل شروطه ، كان مختلفا عن ذلك الذي عملت فيه الحركة الاولى (المنسوخة). ونشير هنا إلى الشعارات الشمولية مثل شعار (الثورة الاسلامية في لبنان) الذي رفعه حزب الله في اوائل ايامه ، وتصريحات الشيخ علي بلحاج نائب رئيس جبهة الانقاذ الاسلامية عشية الانتخابات النيابية في 1991 عن الغاء الدستور الجزائري واعادة بناء الحكومة الاسلامية على انقاض ما وصفه بالنظام الطاغوتي .
وزاد الطين بلة ظهور تطورات عكسية ، يمكن اعتبارها نكسات ، من بينها مثلا تحول بعض الناشطين الاسلاميين في الجزائر إلى العنف العشوائي ، وقيام نظام الامارة الاسلامية في افغانستان على يد حركة طالبان .

 ويتفق الجميع على استحالة نسخ تجربة بحذافيرها بين بلد واخر ، الا ان منافسي الحركة الاسلامية في مختلف الاقطار ، انطلقوا في جدلهم من موقع الحركة في تجاربها الواقعية القائمة ، في السلطة أو في المعارضة. وعلى الطرف الاخر فان الحركيين الذين لم تنضج تجربتهم الفكرية ، لم يجدوا بأسا في تبني بعض هذه التجارب ، مثل ارتداء عدد من التنظيمات العراقية عباءة التجربة الايرانية ، رغم سعتها بالقياس الى حجمهم ،  والدفاع عن مشروعهم من ذات الموقع ، ونعني خصوصا الطروحات الفكرية والشعارات السياسية ، وليس بالضرورة ادوات العمل وأساليبه .
بالنسبة لايران فان قائد الثورة ورجاله لم يوفروا جهدا في التاكيد على الترابط البنيوي بين الدولة والسلطة والحركة. وقد ساعدهم على هذا ما تحقق لهم من قوة ونفوذ مطلق في ساحة عملهم ، وصيرورتهم اسياد الساحة بلا منازع. ان القوة تصنع الافكار بقدر ما الافكار صانعة للقوة. لكن الامر ليس كذلك في بقية الساحات ، اذ لم تحظ اي جماعة اسلامية اخرى بقدر مماثل من القوة لكي تقيم الدولة على صورتها .

في وقت متاخر اكتشف معظم الحركيين ان نجاح الحركة الاسلامية في ايران ، أو نجاح الاسلاميين الكاسح في الانتخابات الجزائرية ، ليس ـ بذاته ـ دليلا على امكانية نسخ المشروع ، او الاعتماد عليه كدليل. ثم جاء فشل التجارب اللاحقة ، ولا سيما التجربتين الافغانية والجزائرية ، ليدفع بقطاع واسع من الحركيين الى البحث عن نقاط الضعف في مشروعهم السياسي ، ولا سيما تلك الجوانب النظرية التي صنفت في الماضي كثوابت.
 ونجد اليوم ان الجماعات الاسلامية التي دفعتها حداثة التجربة ، ثم الانبهار بتلك النجاحات ، الى وضع تصورات عن الدولة والسلطة ، هي اقرب الى الاحلام منها الى الاهداف ، عادت بطروحات اكثر نضجا ، واقدر على السير في طريق التكامل ، وعلى اي حال فان دروس الممارسة الفعلية ، قد توفر للاجيال التالية من الحركة  ، فرصة الاتكال على مشروع نظري متكامل وسابق التجهيز ، ونشير هنا - على سبيل المثال - إلى نموذج حزب الله اللبناني الذي قرر في وقت لاحق الانضمام إلى النظام السياسي اللبناني القائم على أساس علماني . ومثله ايضا جبهة الانقاذ الاسلامية في الجزائر التي عاد قادتها بعد المحن الشديدة التي واجهتها بلادهم منذ انقلاب 1992 إلى الاعلان صراحة عن القبو ل بالمشاركة المتكافئة ضمن النظام السياسي القائم .

لا يوجد الان - بين الحركات الاسلامية - من يفكر في نسخ نماذج سابقة ، إلا انها لم تتخل عن علاقاتها الوثيقة بالجماعات التي تتفق معها على المنهج أو المرجعية. ويمكن الان تمييز الجماعات التي تنتمي إلى تيار الاخوان المسلمين التقليدي ، من تلك التي تنتمي إلى تيار الجماعة الجديد (المتمرد على السابق). ويمكن تمييز المجموعات التي تنتمي إلى التيار السلفي ، وتلك التي تنتمي إلى التيار المتأثر بالثورة الاسلامية الايرانية ، من تلك التي تعبر عن توجهات محلية في المقام الأول ، ويشكل كل من هذه التيارات فريقا غير قطري يتبنى طروحات متشابه ومرجعيات موحدة ، حتى لو اختلفت اساليب العمل وربما جهة القرار في كل قطر. هذا الارتباط - الذي يبدو في النظرة الاولى غير مؤثر في القرار المحلي ، يثير هو الآخر بعض التساؤلات عن حدود استقلال كل جماعة ، وهو يشبه كثيرا ذلك الاشكال الذي اثير على الجماعات الشيوعية ، يوم كان الاتحاد السوفيتي قائما .
لكن لا ينبغي المبالغة في خطورة هذا النوع من العلاقة ، اذ ان كل فريق سياسي ، ايا كانت الايديولوجيا التي يتبناها ، يرتبط بتحالفات أو علاقات فكرية و احيانا سياسية مع فرقاء مماثلين لـه في التوجهات خارج حدود القطر الذي ينتمي اليه .

لقد ساعد انتقال حركة الاسلامية إلى العمل السياسي ، على وضع فصائلها في مواجهة الوقائع كما هي. وهذا مهد السبيل امام إعادة نظر كانت ضرورية في كثير من المقولات والمتبنيات السابقة ، كما اثار الشكوك حول بعض الافكار التي لم تخضع لدراسة ، لكنها اعتبرت من المسلمات ، قبل ان تطرح على مائدة النقاش ، والحقيقة ان ممارسة السياسة ، في دوائر السلطة أو ضمن المعارضة تهيء للانسان فرصة للنظر في الامور من زوايا تختلف كثيرا عن تلك التي اعتاد ان ينظر الهيا يوم كان مبشرا وداعيا في المسجد أو الجامعة.
 وحسب تقدير الوزير السابق جمعان العازمي الذي مثل الاخوان المسلمين في البرلمان والحكومة الكويتية فان المشاركة في السلطة مكنته من معرفة كيف تدار الامور ويتخذ القرار في الدوائر السياسية[6]  . والمؤكد ان هذه المشاركة ، وما ترتب عليها من معرفة جديدة كانت طريقا ضروريا لعقلنة الطروحات والنظر إلى الامور من زوايا اوسع . ولهذا فيمكن القول ان الممارسة الفعلية للسياسة قد ساعد على تحديد او تكييف كثير من الاسئلة التي كانت تواجه الحركة الاسلامية ، من داخلها أو من جانب الغير ، وهو الخطوة الاولى الضرورية لتشخيص نطاق الاشكال والبحث عن اجابته .

لكن من السابق لأوانه القول ان مشروع الحركة الاسلامية قد نضج في جانبه النظري ، الضروري لتاسيس مشروع سياسي نهائي. ان الطروحات التي قدمتها بعض الفصائل ما تزال غير نهائية ، وان كثيرا منها مؤسس على معادلات براغماتية يمكن اتهامها بالتكتيكية ، بينما يقتضي الحال دعم المشروع السياسي الجميل المظهر بمرجعية تنتمي بصورة دقيقة وواضحة إلى الشريعة الاسلامية التي تمثل مصدر مشروعية هذه الفصائل ومبرر وجودها. وعلى سبيل المثال ، فاننا لا نزال بحاجة إلى جواب نهائي ومؤسس نظريا على الاسئلة التي تتناول الموقف من النظام السياسي القائم ، وهل تعتبر مشاركتها فيه تكتيكا مرحليا ، أم هو تعبير عن ايمان جديد بامكانية العمل في ظل نظام يقوم على المشاركة مع الغير في صناعة السياسة ، وهل تسعى الحركة إلى تطوير يقبل بالمعادلات القائمة أم انها تسعى - عندما يشتد عودها -  لخلق معادلاتها الخاصة ، كما فعلت حركة طالبان في افغانستان مثلا ؟ .

صعود مفاجيء
 يمكن الاعتذار عن تأخر الحركة الاسلامية في التوصل إلى اجابات نهائية عن تلك الاسئلة ، بحداثة عمرها ، فحتى اواخر السبعينات الميلادية ، كان رواد الدعوة الاسلامية في شغل عن موضوع الدولة ، وكان همهم الاكبر هو الدفاع عن الاسلام ، واثبات صلاحيته لهذا الزمان ، كما كان صالحا للازمنة التي شهدت ظهوره وتطبيق احكامه ، ووجدنا ان معظم النشاط الثقافي في الخمسينات والستينات ، وحتى اوائل السبعينات الميلادية ، قد تمحور حول رسالة محددة ، هي اعادة الاعتبار الى الاسلام ، واقناع المسلمين باستعادة الثقة فيه ، في فاعليته وامكاناته .

اما في النصف الثاني من السبعينات وما بعدها ، فان الكلام العمومي حول قدرة الاسلام ، وحول افضليته على غيره من العقائد ، لم يعد ذا اهمية ، ذلك ان فشل ايديولوجية التحديث التي قادتها نخب العالم الاسلامي ، واتجهت غالبا الى التماهي مع الامم المتقدمة ، قد تكفل باعادة الناس الى التفكير من جديد في دينهم باعتباره مخرجا وحيدا ، او مخرجا رئيسيا ـ على الاقل ـ من الازمة المزمنة ، التي عاشوها منذ وقوع بلادهم تحت يد الاجانب ، ولم يجدوا لها حلا في ظل الحكومات الوطنية .

لقد عاد الاسلام الى نفوس الناس من جديد تحت عنوان اكثر تقدما ، الا وهو تطبيق الشريعة ، اي جعلها حاكمة على الحياة والسياسة . وهذا يتجاوز كل العناوين السابقة ، التي تنطوي على التوفيق بين الاسلام والافكار الاوربية ، وهو منهج كان سائدا عند بعض رواد الدعوة في اوائل القرن العشرين ، كما يتجاوز ـ بالضرورة ـ الافكار التي تعتبر الدين علاقة محدودة بين الانسان وخالقه ، يقتصر تاثيرها على حياة الانسان الشخصية واخلاقياته .
ويبدو لي ان صعود المشروع الاسلامي الى المرتبة الاولى بين خيارات الجمهور للمستقبل ، قد فاجأ الحركة الاسلامية ، التي لم تكن ـ وقتئذ ـ قد اعدت عدتها للدخول في معترك السياسة وتمثيل الشعب ، ولهذا فان طروحاتها التي اعدت على عجل ، لم تتجاوز الخطوط العامة والعريضة للمشروع الاسلامي ، بمضمون اقرب الى السجالية منه الى خطة العمل .

السجالية والتركيز على العناوين العامة والخلط بين الشعار الذي ينادى به لاجتذاب التاييد ، والخطوط العامة لمشروع العمل الذي يعتبر وعدا ، لا يلتزم به إلا من عرف نهاياته وتأكد من قدرته على تحويله إلى واقع عملي ، هذا الخلط هو سمة بارزة في الحياة السياسية العربية ، يستوي في ذلك الحزب المعارض والسلطة الرسمية ، ويتماثل فيه السياسي الماركسي والليبرالي والقومي والمسلم ، فالكل يزف البشائر والكل يسرف في الوعود ، والكل يستهدف غرضا محددا هو الحصول على تعاطف الجمهور ، أما  بعد ذلك ، فهو موضوع آخر .
 ومع الاخذ بعين الاعتبار كون السياق العام للجدل السياسي في اقطار العالم الاسلامي ، لا يخرج عن حدود العناوين والشعارات العامة ، فان الجانب الجدير بالاهتمام هو تقييم كفاءة الحركة ـ بعض فصائلها على الاقل ـ في الانعتاق من قيود الشعار العام ، والانتقال الى طرح السياسات التي تتبناها بوصفها علاجا للازمات العامة ، التي يعانيها هذا القطر او ذاك من الاقطار التي تنشط فيها الحركة.
 نعلم ان كل جماعة سياسية بحاجة إلى مادة تثير اهتمام الجمهور ، ولهذا فلن نتوقف عند الشعارات ، الفخمة منها والبائسة ، لكن الذي يهمنا حقا هو الامساك ببعض النقاط التي يمكن - انطلاقا منها - تطوير خطاب سياسي جديد فعلا وقابل لان يكون بديلا اكثر تطورا مما اعتادت عليه الساحة ، واريد التأكيد هنا على ان محل اهتمامنا هو الخطاب وليس الخطابة ، وشتان بين الامرين ، لقد مضى ربع قرن من الزمن على انبثاق الحركة الاسلامية الحديثة ، وهي مدة كافية لتطوير مشروعات عمل جدية ، خاصة وان بعض الفصائل قد حصل على فرصة التجربة المباشرة في السلطة ، وجرب بعضها العمل السياسي القانوني وان لم يصل إلى السلطة ، مما يتيح لكل منهما النظر في الامور من زوايا اوسع واشمل من تلك التي اعتادت عليها الحركة يوم كان الصراع سمة العلاقة بينها وبين القائمين على الحكم في كل بلد نشطت فيه .

 من  غير المنطقي مطالبة الحركة الاسلامية او غيرها ، ببرنامج عمل تفصيلي عن كل صغيرة وكبيرة من امور الدولة ، الا ان من الضروري التعرف على المواقف والاتجاهات ، التي تشكل اطارا لعمل هذا الحزب او ذاك في السلطة ، اضافة الى بعض البرامج المفصلة في القضايا التي تشكل محاور ازمة في كل بلد .  واظن ان هذه الحاجة اكثر الحاحا في حالة الحركة الاسلامية عما هي في الحالات الاخرى ، ذلك ان المشروعات البديلة للاسلام ، تستطيع الاتكاء على تجارب قائمة ، تستوحي ذات المنطلقات وتعمل في نفس المحيط الايديولوجي ، فالمشروع الاشتراكي يستوحي تجارب الاشتراكيين ، والمشروع الليبرالي يستوحي التجارب الليبرالية ، اما تجربة الحكم الاسلامي فلا تزال حديثة بما لا يكفي للحكم على نتائج تجربتها ، فضلا عن نقلها الى اقطار أخرى .

نضيف الى هذا ان التجربتين الرئيسيتين (السودان وايران) بدأتا بصورة انقلابية ، ولازالتا تعبران المرحلة الانتقالية ، حيث يصعب الحصول على معلومات تفصيلية قابلة للمقارنة ، الامر الذي يعيق الاستفادة من هاتين التجربتين ـ ضمن وضعهما الراهن على الاقل ـ في وضع مشروع يتبنى فكرة التداول السلمي للسلطة ، او يدعو الى تنافس حر  بين برامج العمل ، ان التجربة التركية تعتبر فريدة في هذا المجال ، فقد وصل حزب الرفاه الى السلطة من خلال تنافس سياسي سلمي ، ركز على البرامج والسياسات بالدرجة الاولى ، ومع المحاولات غير المنصفة التي استهدفت عزل الاسلاميين او منعهم من تشكيل الحكومة ، الا ان حزب الرفاه نجح في المصابرة واحتفظ برباطة جأش نادرة ، حتى استطاع ان يكسر ( جدار برلين ) السياسي الذي اراده اتاتورك واحفاده سدا يحول دون عودة الاسلام السياسي الى تركيا ، لكن من المؤسف ان السقوط السريع للحكومة التي شكلها زعيم الحزب نجم الدين اربكان ، لا يسمح الان بتقييم جدوائية المشروع السياسي الذي تبناه أو فاعليته ، على الرغم من الاضافة الهامة التي قدمها والمتمثلة في اصراره على التداول السلمي للسلطة واعتبار صناديق الانتخاب طريقا وحيدا للحصول على التفويض القانوني لممارسة الحكم .



 [1] الحياة 10 يناير 1996
[2]   عبد الاله بن كيران مقال بصحيفة المستقلة 11 نوفمبر 1996
[3]   فهمي هويدي : في مملكة طالبان . الشرق الاوسط 13-12-1998 
[4]  يوسف القرضاوي : مقال بجريدة الشرق القطرية 25 يناير 97
[5]  الحياة 1 يناير 1997
[6]  المجتمع الكويتية 15-7-97