الأربعاء، 27 مايو، 2015

اليوم التالي للمذبحة


تفجير المصلين في مسجد الامام علي بالقديح قد يكون مجرد مبادرة جنونية معزولة ، وقد يكون جزء من مخطط واسع النطاق. ثمة كلام كثير يشير الى الاحتمال الثاني ، لكن ليس لدينا معطيات مادية تؤكده. في الوقت ذاته يصعب تخيل ان هذ الجريمة فورة غضب محدودة او منفصلة.
اكتشاف حقيقة الهجوم ومغزاه الفوري مهم دون شك. لكن الاكثر أهمية هو التفكير في انعكاساته الموضوعية ، اي تلك الآثار التي تترتب بشكل طبيعي على مثل هذا العمل ، سواء كانت مقصودة بذاتها او غير مقصودة. يقولون عادة ان الحرب تستخرج اسوأ ما في الانسان. ذلك انها – على خلاف الصراعات السلمية المعتادة – تثير الخوف الغريزي على الوجود. وليس في الغرائز ما هو اقوى من غريزة البقاء ، عند البشر والحيوان على السواء. اذا شعر الانسان بان وجوده مهدد فسوف يفعل أي شيء لمقاومة هذا التهديد ، ولن يفرق آنذاك بين الافعال العاقلة وتلك الجاهلة التي لا تليق بالانسان.
الخوف على الوجود يبدأ كحالة شعورية ، فاذا صادف تمثيلات واقعية لذلك التهديد فان الشعور يتحول الى انشغال ذهني وروحي بالبحث عن وسائل الدفاع عن الذات وانشغال مواز بالانفصال عن جهة التهديد المفترضة. تبدأ الصراعات على هذا النحو ، ثم تتطور وفق ديناميات جديدة ، قد لا تكون ذات علاقة بالدافع الاول.
خلال السنوات الثمان الماضية ، وبالتحديد منذ العام 2006 كشفت وثائق لتنظيم "القاعدة" تتحدث صراحة عن مثل هذا السيناريو باعتباره استراتيجية يمكن ان تختصر الطريق الى الهدف المركزي للتنظيم ، اي اقامة "الدولة الاسلامية". ثمة رسالة لزعيم القاعدة السابق في العراق ابو مصعب الزرقاوي ، تتحدث عن خطة محددة غرضها الفوري هو دفع الناس للتفكير في اقامة منظومة للامن الذاتي. وهو يفترض انها ستكون تحت هيمنة رجاله.
الخطوة الاولى اذن هي افشال الدولة وفصلها عن الجمهور ، من خلال اقناعهم بأن عليهم ان يحموا انفسهم بانفسهم وليس بقوة الدولة وقانونها. المرحلة الثانية تأتي بشكل طبيعي. من يفكر في امتلاك قوة خاصة فلا بد ان يحدد في الوقت ذاته العدو المفترض الذي سيكون هدفا لهذه القوة. هذا الهدف يجب ان يكون واحدا من ثلاثة: اما الدولة الوطنية او دولة اجنبية او طيفا آخر من المجتمع يصنف كعدو.
بالعودة الى المذبحة التي نفذتها داعش في مسجد الامام علي في القديح. فقد يكون الهجوم من تدبير مجموعة مجنونة ، تصرفت ربما بدافع الكراهية الطائفية ، او بدافع الانتقام من الدولة ، او بغرض اثبات الوجود والقدرة على الضرب في كل مكان. ايا كان الدافع ، فما يهمنا هو الفعل نفسه والانعكاسات التي يمكن ان تترتب عليه ، والتي قد تكون اشد خطرا منه. يوم الاحد قال بسام عطية ، العميد بوزراة الداخلية ان داعش تتبني فعليا استراتيجية لتقسيم المملكة الى خمسة اجزاء ، وان هجوم القديح جزء من هذه الاستراتيجية.
هذا يؤكد ان الامر لم يعد في نطاق الاحتمالات ، او على الاقل ان جهاز الامن الوطني يتعامل معه كخطة قيد التنفيذ وليس كاحتمال. نحن اذن امام تحول جوهري في اتجاه الارهاب الموجه للمملكة. فيما مضى كنا نتعامل مع جرائم الارهاب باعتبارها محاولات ازعاج غرضها الضغط على الحكومة ، او اثبات الوجود ، او حتى الانتقام ، وفي احيان اخرى كنا ننظر اليها كانعكاس للتوترات الخارجية. اما اليوم فالامر يتعلق بمخطط له اهداف سياسية محددة ، ابرزها تقسيم البلد. هذه قضية مختلفة تماما ، تتطلب استراتيجية عمل هدفها على وجه التحديد هو معالجة البنى الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية التي تشكل ارضية او بنية مناسبة لانجاح المخطط التقسيمي.
كنت قد تحدثت تكرارا عن الحاجة لقانون واستراتيجية عمل لصيانة الوحدة الوطنية وتجريم اثارة الكراهية. واجد اليوم ان المسألة ما عادت تحتمل الانتظار ، لأن أعداء الوحدة الوطنية قد بدأوا فعلا بتنفيذ مشروعهم. نحن بحاجة الى تفكير جديد وارادة جديدة لافشال هذا المشروع الخطر ، كي لا نذهب الى مستقبل كارثي.
الشرق الاوسط  8 شعبان 1436 هـ - 27 مايو 2015 مـ رقم العدد [13329]
 http://bit.ly/1MUUUf3

السبت، 23 مايو، 2015

كلمة عزاء لأهلي في القديح العزيزة


"الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون"
لا توجد كلمة تصف هول الفاجعة التي اصابت ابناء القديح الأبية. دماء المؤمنين وأشلاء العابدين المصلين التي تناثرت في بيت الله اشد هولا من ان تصفها كلمة. لا نستطيع سوى استعادة قول الحق سبحانه "انا لله وانا اليه راجعون".

أعزي ابناء القطيف جميعا واهل القديح خاصة في الانفس الزكية التي أزهقت لا لجرم ولا جريرة سوى تمسكهم بدينهم وحبهم للمصطفى وأهل بيته صلوات الله عليهم وعلى محبيهم واتباعهم. لقد دفع اتباع اهل البيت ارواحهم الغالية في الماضي والحاضر من أجل الحفاظ على ميراث محمد ، وسيفعلون الشيء نفسه في المستقبل دون خوف ولا وجل ولا تردد. وليعلم التكفيريون والقتلة والجهلة ان ميراث محمد واهل بيته جزء من وجودنا ، وسوف نصونه بالغالي والنفيس ولو كان فناء دنيانا.

ليعلم أبناء ابي لهب ان حطبهم سيحرقهم اليوم او غدا ، وان دعوتهم البائسة الى زوال مهما طال الزمن وتراكمت الخطوب. هذا وعد الله وهو ميعادنا "كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين". لو كنا سنهون او ننكل ، لفعلنا ذلك يوم بدر او يوم الاحزاب او يوم صفين او يوم عاشوراء او يوم التوابين. لكننا ، منذ عرفنا ربنا وعرفنا انفسنا ، آمنا بأن الله غالب على أمره ، وان الدم ينتصر على السيف. ربما لم يعرف دعاة جهنم هؤلاء زينب ولا سمعوا كلمة  زينب التي خطت تاريخنا: "فكد كيدك ، واسع سعيك ، وناصب جهدك ، فوالله لا تمحو ذكرنا ، ولا تميت وحينا ، ولا يرحض عنك عارها. وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد ، وجمعك إلا بدد ، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين". 
يادعاة السوء ، ياقتلة المصلين ، ياشهود النار، تبا لكم وترحا. لو حولتم ديارنا قفارا ، ولو أسلتم دماءنا انهارا ، فسننهض ثانية من تحت الركام ، وستجدونا دائما شوكة في حلوقكم وغصة في قلوبكم ، الى ان يرث الله الارض ومن عليها ، وعند الله تحتكم الخصوم.

أما انتم يا أهل القديح خاصة ، ويا أهل القطيف عامة ، فاعلموا ان عصابة التكفيريين التي قتلت ابناءكم مجرد أداة ، وأن الفاعل الحقيقي هو من حرض على قتل الشيعة وقهرهم من شيوخ متعصبين وصحافة جاهلة ، وقد رأينا ذلك كل يوم خلال الاشهر الماضية. ان هدفهم هو الانتقام من التزامكم ومدنيتكم وتعاونكم واخلاصكم وايمانكم بربكم وأهل بيت نبيكم وايمانكم بذاتكم ومجتمعكم وثقافتكم.
فليكن ردنا جميعا على هؤلاء الجهلة المتعصبين هو المزيد من الالتزام ، التمسك بالمدنية وتعميق التعاون والاخلاص والايمان. لن ننزلق الى فتنهم ، ولن ننزل الى مستواهم ، ولن نسعر الحطب الذي حملوه.

لقد شهدت مثلكم في يوم الجمعة ، في وسط الفاجعة ، شهدت الالاف يتجهون الى المستشفيات للتبرع بالدم لأخوانهم الجرحى ، وشهدت العشرات من الطواقم الطبية ، من أطباء وممرضين ، وسائقي سيارات الاسعاف ، قطعوا اجازاتهم واتجهوا الى المستشفيات للمساعدة حيث استطاعوا ، وقد حصل ذلك بعد اقل من 90 دقيقة من شيوع خبر الهجوم البربري ، ونداء المستشفيات للتبرع بالدم. فهنيئا لك من مجتمع ينهض فيه الصغير بهمة الكبير ويلتحم فيه القريب والبعيد ، جسدا واحد وروحا واحدة. هنيئا لكم بهذه الروح الوثابة ، وهنيئا لنبيكم بكم ، بشجاعتكم وتفانيكم في سبيل اخوتكم.

هذه ليست الفاجعة الاولى.
قبل ثمانية أشهر حدث مثلها في الدالوة الحبيبة. وقتذاك دعونا حكومتنا للتعجيل بوضع قانون يوقف حملات التكفير والتخوين والكراهية. وقد تبنى هذه الدعوة المئات من نخبة المملكة ، من علماء ومفكرين ورجال اعمال واعضاء في مجلس الشورى وناشطين ورجال قانون من السنة والشيعة. لكن الحكومة لم تصغ لهذا النداء. بل على العكس فقد الغت قرار وزير الاعلام الموقر بوقف قناة "وصال" الخارجية التكفيرية.
 لقد فضلت مجاملة أقلية من الشيوخ المتعصبين ودعاة الفتنة على الاصوات الداعية لتعزيز وحدة الوطن وصون السلام الاهلي ونبذ القتل والكراهية. وخلال الشهرين الماضيين تصاعدت موجات التكفير وتأجيج الكراهية والبغضاء ، وخصوصا ضد الشيعة. وها نحن اليوم نرى  ثمرة اخرى لهذه الشجرة الملعونة. فمتى ستصغي حكومتنا الى أصواتنا ، متى ستضع القانون الذي يصف اثارة الكراهية والتحريض المذهبي والطائفي كجريمة تستوجب العقاب؟

يارجال الدولة: هل تنتظرون مزيدا من الجثث حتى تصغوا لاصوات الناصحين؟
هل يجب ان يموت الالاف بالنار التي يسعرها دعاة البغضاء والكراهية حتى تقتنعوا بالحاجة الى القانون الذي يهذب الاخلاق ويحمي البلد من شر هؤلاء الأفاكين وتجار الدم؟.

الدولة مسؤولة عن كل قطرة دم تراق في البلد ، مسؤولة عن أحزان كل أم فقدت ابنها في هذه الكوارث المتنقلة. لافرق في ذلك بين شهيد في القديح او القصيم او الدالوة او جدة او الرياض او غيرها. الدولة مسؤولة سياسيا واخلاقيا عن كل هؤلاء. الذين قتلوا في القديح ، مثل الذين قتلوا في القصيم وغيرها ، قتلوا بسلاح واحد هو التحريض والتكفير وتأجيج الكراهية. من يقوم على هذا الفعل الشنيع معروف باسمه ، فلماذا لا تضربون على ايديهم ، ليس بسيف الظلم بل بهيبة القانون. لا يمكن لأي دولة في العالم ان تضع شرطيا على كل شارع ، لكن القانون هو الذي يهذب الاخلاق وهو الذي يمنع الجريمة قبل ان تقع.
أول الحل ان كنتم حريصين على وحدة البلد وسلام البلد هو اعلان المساواة بين المواطنين وقانون تجريم الكراهية  ، ايا كان صاحبها ومهما كان مبررها. نحن نعلم اننا سندفع ايضا ثمنا لمثل هذا القانون ، لكننا راضون بذلك لان صون وحدة البلد وسلامة ابنائه اعلى عندنا من اي اعتبار. من يقع ضحية للكراهية في اي شبر من بلادنا هو اخ لنا وعزيز علينا ، وليس عند الله وعند عباده شيء اعظم قيمة من الدم الحرام.
لا مبرر ابدا للتراخي والتأخر. المجتمع السعودي كله يعاني من دعاة الكراهية المذهبية والقبلية والمناطقية والعرقية وأمثالها ، وأول الحل هو صدور قانون يجرم هذه الدعوات. ان لم تفعلوا فانكم تفرطون في مسؤوليتكم ، تفرطون في أمن البلد وسلامه وكرامة أهله  ، ولا أحسبكم تريدون هذا.

أقول لرجال الدين والحركيين الذين وصفناهم يوما بالمتنورين والمعتدلين: لقد انزلقتم – ويا للاسف – في مستنقع الكراهية والتحريض ، وبعضكم لازال الى اليوم غير مكترث بالدماء التي سالت والارواح التي ازهقت ، قدر اهتمامه بتأجيج الكراهية والبغضاء. اقول لهؤلاء: لقد استخدمكم الصغار والجهلة لاجنداتهم ، وقد ارتضيتم ان تكونوا شركاء صغارا في حمل الحطب التي اججت هذه النار ، وقد رأينا حصادكم المر ويا للاسف.

اما انتم يا شيوخ القطيف ويا أهل الرأي فيها ، فلتكن هذه الفاجعة الجرح الذي ينفذ منه نور الله الى قلوبكم. ادعوكم ، وأنتم أهل للاستماع الى اصغر اخوتكم ، لبذل كل جهد ممكن لتطييب خواطر اهالى القديح العزيزة ومواساتهم وحث جميع اهل البلاد على التكاتف والتعاون ونبذ الفرقة والتحوط من السلبيات. رجائي لكم ان يكون ردكم على هذا المصاب هو الدعوة الى  المدنية ونبذ التعصب وسد الطريق امام الصغار ودعاة الفتنة.

وادعو في ختام هذه السطور شباب القطيف الشجعان الى اتخاذ ما جرى درسا وعبرة لنبذ شجرة التعصب الملعونة. فليس فيها من ثمر غير المرارة والالم. كما ادعوهم واحدا واحدا لتكريس حياتهم من اجل التفوق والتقدم في كل مجالات الحياة. اعداؤكم غرقوا في مستنقع الماضي والتقاليد المتخلفة فانتجوا هؤلاء القتلة الذين يزرعون الدم والدمار اينما حلوا. فليكن عملكم عكس عملهم ، اي صناعة المستقبل المتفوق. ابذلوا كل جهد للتفوق في دراستكم وعملكم. كونوا كما قال امامكم الصادق صلوات الله عليه: "كونوا دعاة لنا بغير السنتكم... كونوا زينا لنا ولا تكونوا شينا علينا .. حتى اذا رآكم الناس قالوا هذا ادب جعفر". لا تسجنوا انفسكم في آلام التاريخ ، بل كونوا صناع مستقبلكم ومستقبل البلد. حفظكم الله.

كما ادعوا جميع أهل القطيف ، عامتهم وشيوخهم ورجال الفكر والثقافة فيهم ، الى المشاركة الفاعلة في تأبين الشهداء ورعاية اهليهم معنويا وماديا. كلكم اهل مصاب وعزاء ، وكلكم شركاء فيه.
عظم الله لكم الاجر وانعم عليكم بلطفه ومحبته والحق شهداءنا بالحبيب المصطفى وأهل بيته في مستقر رحمته ، وصان بلادنا من كل مكروه.
اصغر اخوتكم
توفيق السيف


الأربعاء، 20 مايو، 2015

الهوية المتأزمة



ازعم ان الميل العميق للتمثل بالتاريخ ، سيما عند مسلمي الشرق الاوسط ، يمثل انعكاسا لهوية متأزمة. تقديس رجالات التاريخ واعتبار مجرياته معيارا يقاس عليه الحاضر ، يؤدي بالضرورة الى انكار الحاضر واعتباره نكسة. رغم ان التحليل الواقعي يؤكد عكس هذا تماما. صحيح ان المسلمين لم يعودوا سادة العالم ، لكن انتشار الاسلام اليوم ، وما يملكه اتباعه من علم وثروة وقوة يفوق كثيرا ما كان لديهم في ذروة مجدهم الغابر. اعتبار الماضي نموذجا ، يصدق في شيء واحد فقط ، هو تفوقنا السابق على غيرنا.
تصوير الاسلاميين والقوميين للغرب كعدو مطلق او كسبب لفشلنا الحضاري ، يعبر في احد وجوهه عن تلك الهوية المتأزمة ، التي لا تتشكل في سياق وصف مستقل للذات ، بل في سياق التناقض المقصود او العفوي مع "الاخر" الغربي الذي يوصف ايضا بالكافر. اما السبب المباشر لتأزم الهوية فيكمن في عجزنا عن المنافسة ، وهو ليس عجزا عضويا او تكوينيا. ان سببه كما اظن هو عدم الرغبة في دفع الثمن الضروري للتمكن من المنافسة. هذا الثمن هو ببساطة التماثل الاولي والتعلم ثم اعادة انتاج القوة ، تمهيدا لمنافسة الآخر على قدم المساواة وربما تجاوزه.
معظم النزاعات الدائرة حولنا تحمل هوية تناقضية. هذه نزاعات يحركها او يعمقها تناقض هوياتي ، يجري تبريره بمبررات دينية او قومية. ولذا فهي تسهم في تعزيز المفاصلة بين الدين والعصر ، وتشدد على ربط الدين بالماضي بدل الحاضر ، وبالتالي فهي تعزز اغترابنا عن عالمنا الواقعي.
من ملامح الهوية المتأزمة ايضا انها تحمل في داخلها ازدواجية مدمرة. تؤكد بحوث ميدانية ان معظم عرب المشرق يعتبرون "الغرب" سيما امريكا والولايات المتحدة عدوا حضاريا ، او على الاقل ، مصدر تهديد. لكن ارقام المبتعثين السعوديين مثلا تشير الى ان 67 بالمائة منهم اختاروا الدراسة في هذه الدول ، وعلى الخصوص الدول التي شاركت في حرب الخليج (1991) التي اعتبرها بعض الدعاة ذروة الهجوم الغربي (النصراني) على قلب العالم الاسلامي. ومن الطريف ان كثيرا من اولئك الدعاة رحبوا باختيار ابنائهم لتلك الدول بالذات للدراسات العليا. هذه الازدواجية تعني اننا نكره الاخر (الغرب) ونعتبره عدوا ، بل ونرحب بمن يقاتله.  لكننا بموازاة ذلك نحتفي به ونحب ان نكون مثله.
هذا يوضح اننا لا نشكل هويتنا ، اي معرفتنا بذاتنا وتصورنا لذاتنا بطريقة ايجابية تنطلق من الرغبة في ان اكون كما احب او كما يليق بي ، او - على الاقل – ان اكون كما استطيع. على العكس من ذلك فاننا نشكل هويتنا من خلال مناظرة الاخر ، اي في سياق التعارض معه والتباعد عنه ، ولو على المستوى الشعوري ، مع رغبتنا في تقليده على المستوى المادي.
خط التأزم هذا يحيل نقد الغرب الى مجرد كلام للتسلية وتبرير المواقف ، لكنه على اي حال يبقى فعالا في تعطيل التفاعل الايجابي البناء مع الغرب المعرفي والحضاري ، تفاعلا يقود الى التعلم العميق المؤدي للقدرة على المنافسة فالاستقلال.
من الناحية الواقعية لسنا قادرين على مناوأة الغرب ، ولا يوجد بيننا من يعتقد  - جادا – انه قادر على التحرر من الحاجة اليه في المدى المنظور. ومثل هذا الشعور المتناقض يحول التصارع الى جدل مؤرق داخل النفس ، الامر الذي يتطلب تنفيسا من نوع ما. ولسوء حظنا فقد استبدلنا المنازعة الملكلفة مع الغرب بمنازعة تبدو سهلة مع اطراف اخرى في المجتمع ، نختلف معها سياسيا او فكريا. العجز عن مناوأة الغرب يدفع دعاة الصراع الى مناوأة من يصفونها بالنخبة المتغربة او المتاثرين بالغرب اي – بعبارة اخرى – تحويل الصراع الخارجي المكلف الى صراع داخلي يبدو قليل الكلفة.
زبدة القول ان الهوية المتأزمة تفسر العديد من الصراعات الاجتماعية والسياسية ، التي يستعمل فيها الدين اوالقومية كشعار او كمبرر. انها تعبير عن ارادة للتحرر من "آخر" تجاوزنا ، ونشعر بالعجز عن مجاراته. لكن عجزنا عن دفع الثمن الضروري للمنافسة جعلنا ننشغل قاصدين او غافلين ، بصراعات داخلية بديلة ، تشير الى العدو لكنها لا تصل اليه.
الشرق الاوسط -  1 شعبان 1436 هـ - 20 مايو 2015 مـ
http://bit.ly/1LlwrlI

الأربعاء، 6 مايو، 2015

بين هويتين



ليس من طبائع المجتمعات ان تتوحد "قلبا وقالبا" كما يقال في الادب. هذا خلاف سنن الحياة الطبيعية. في كل مجتمع ، صغيرا كان او كبيرا ، مصالح متفاوتة وتطلعات مختلفة واراء متباينة وتجارب متنوعة ، يمثل كل منها أرضية اختلاف. يتحدث الباحثون في علم الاجتماع عن "دوائر مصالح" متنوعة ، كل منها يمثل اطارا يجمع طائفة من الناس حول فكرة او عاطفة او مصلحة مادية.
تعبير "مصالح" المستعمل هنا تعريب مقرب للاصل الانكليزي interests. وقد حرصت على هذه الاشارة لأن لفظة "مصالح"  في العربية المتداولة تشير غالبا الى امور مادية ، بينما يشير التعبير الاجنبي الى نطاق أوسع ، يشمل مثلا كل موضوع يجتذب اهتمام الانسان أو يحركه. وهو في هذا التعريف الواسع يشمل مختلف العناصر التي تحرك مشاعر الناس او تدفعهم للاجتماع مع بعضهم او توحيد نشاطاتهم.
هذه اذن طبيعة المجتمعات وهكذا تعيش. ثمة من يجتمع حول نسب واحد فيشكلون عائلة او قبيلة. وثمة من يجتمع حول قضية واحدة فيشكلون شركة تجارية او نقابة او جمعية مهنية او حزبا سياسيا او جماعة دينية او ثقافية وهكذا. كل واحدة من هذه التجمعات هي دائرة مصالح ، اجتمعت فيها شريحة من الناس ، طمعا في ان تحقق بعض ما يريدون.
بنظرة عامة نستطيع القول ان دوائر المصالح هذه نوعان: اولها عمودي موروث ينضم اليه الانسان بالولادة لا بالاختيار. فالانسان لا يختار انتماءه الديني والمذهبي والعرقي والقبلي ، فهذا ينتقل بين الاجيال بالوراثة. اما النوع الثاني فهو الافقي الذي ينضم اليه الانسان اختيارا ، ويتركه اذا شاء ، وقد يطلق عليه التعاقدي. ينضم الانسان الى جمعية تجارية او حرفية او سياسية او خيرية اذا شاء ويتركها اذا شاء.
لاحظ دارسو علم الاجتماع ان النمط الاول هو السائد في المجتمعات التقليدية ، بينما تتسم المجتمعات الحديثة بانتشار النمط الثاني. احد الاسباب هو سيادة مفهوم الاختيار والتعاقد القائم على تقدير الفرد لنفسه ، و- بشكل عام – ارتفاع قيمة الفرد والمبادرة الفردية في المجتمعات المتقدمة ، بخلاف نظيرتها التقليدية التي لا تمنح الفرد سوى قيمة ثانوية.
لاحظ الباحثون ايضا ان النمط الاول هو الاطار الاكثر شيوعا للتعصب والصراعات الطويلة الامد. اذا جرى شحن الانتماء القبلي او الديني او المذهبي او العرقي بمضامين سياسية ، فانه سيشكل قاعدة لتنازع مزمن ، بخلاف النمط الثاني الذي لا يخلو – هو الاخر - من تعصب ولا يحول دون انفجار صراعات ، لكنها قصيرة الأمد وقابلة للتفكيك والمعالجة باجراءات غير مكلفة. هذا هو السبب الذي يجعلنا نقول بان منظمات المجتمع المدني توفر اداة فعالة لتفكيك البنية الثقافية – الاجتماعية للتعصب ، وتسويد لغة الحوار والتفاهم بين الشرائح الاجتماعية من جهة ، وبينها وبين الدولة من جهة اخرى.
يفسر التقسيم السابق ايضا اسباب تصاعد المشاعر القبلية والطائفية مع انتشار وسائل الاعلام واتساع التعليم ، مع ان المفترض هو العكس تماما. وهذه احدى المسائل الرئيسية التي عالجها بندكت اندرسون في كتابه المرجعي "مجتمعات متخيلة".
بندكت اندرسون
تشجيع الناس على صب تطلعاتهم في اطارات حديثة تعاقدية ، أي تحويل مفهوم المصلحة من الانتماءات الموروثة الى الانتماءات الحديثة ، سيؤدي تدريجيا الى تفريغ الانتماءات التقليدية من مضمونها السياسي واضعاف قابليتها للشحن السياسي. لهذا تهتم الانظمة السياسية الحديثة بتشجيع ودعم المجتمع المدني في مختلف تعبيراته وتمثلاته ، حتى لو اتخذ – في بعض الاحيان – مسارات غير متوافقة مع سياسات الدولة الرسمية.  الامر ببساطة اختيار بين من يعارض الدولة في مجال محدد وبين من يعتبرها كينونة غريبة بناء على تبرير ديني او أثني او قبلي.
الشرق الاوسط 6 مايو 2015
http://goo.gl/E0po9W