الثلاثاء، 10 مايو، 2011

الاسلام في ساحة السياسة: متطلبات العرض والتطبيق

http://www.adabwafan.com/display/review.asp?id=44D30498-1B42-432C-8645-3734E6108A53

علي سالم  - النهار
عرض نقدي
 الاسلام في ساحة السياسة ، تاليف توفيق السيف

128 صفحة ، دار الجديد ، بيروت 2000


يشهد العالم الاسلامي اليوم مرحلة من التفكير الديني الجديد الذي يتوافق مع بروز حركات اسلامية سياسية تسعى الى تبديل انظمة الحكم السياسية القائمة, من خلال طرح المشكلات العامة التي تهمّ الشعوب المعنية, كالأمان الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والحرية والديموقراطية والعدالة والاستعمار والتقدّم, الخ. وتمكّنت هذه الحركات من تحقيق سيطرتها في بعض البلدان, كإيران والسودان وافغانستان. وكان لها دور مهم ولا يزال في بلدان اخرى, مثل الجزائر ومصر والشيشان وسواها. وقد يكون ظهورها نتيجة الاخفاقات الاقتصادية الاجتماعية السياسية او العسكرية التي حصلت, مما ساعدها على كسر التقليد والتهميش والعزل والتصوّر, او الفكرة التي تفصل بين الدين والسياسة, والتي سادت لفترة طويلة من الزمن. في هذا الاطار, ظهر حديثا كتاب لتوفيق السيف عنوانه "الاسلام في ساحة السياسة" يعالج فيه المسائل المتعلقة بأزمة الاسلام السياسي (تحديدا مسألة حرية الرأي وحق الاختلاف), حاليا, من منظار نقدي ديني (الانطلاق من مسلّمة الدين كشيء مقدّس) يدمج بين الرؤيتين الوضعية والدينية. 

هنا بعض ملاحظاتنا المنهجية: 

- بين الوصف والتحليل: تتميز الطريقة المستخدمة بأنها وصفية اكثر منها تحليلية. فالكاتب يتحدث عن علّة العلل (شيوع الاستبداد بالرأي), والتقدم البطيء للعالم الاسلامي في معالجة مشكلاته الجوهرية, وعدم التغيير في ما يتعلق بنظرة الناس الى الافكار الجديدة, عوض البحث عن السيرورات الاجتماعية والسياسية والثقافية للاستبداد, وفي الاسباب الاجتماعية للتقدم البطيء وعدم التغيير. وينطلق من فرضية ان الاسلام يتيح لأبنائه او للآخرين حرية التفكير, ويحاول التأكد منها استنادا الى نصوص محدّدة او نموذج تطبيقي يعكس وجهة نظر معارضة في الاسلام, ويعمّم استنتاجاته كحقيقة لا لبس فيها, كأن حرية التفكير تتحدد بنفسها ولنفسها من طريق المبادئ والمثل والاخلاق, لا من طريق الظروف والمصالح والتناقضات والصراعات. وحتى المثل والاخلاق مرتبطة بمصالح محدّدة. وفاته ان مشروعية الاختلاف التي تشدّد عليها المعارضة كفكرة خاصة بالدين ليست سوى فكرة خاصة بفهم الدين, وان اي خلاف في الرأي هو خلاف في المصالح, وان معنى الدين لا يمكن فصله عن معنى الاشخاص او المجموعات المعنية به. وعلى هذا, تبرّر مشروعية الاختلاف كما يُبرّر التوافق والاتفاق. وتأتي الخطوات الاصلاحية (الدعوة الى التغيير, والتمسك بحق الرأي) للمؤلف بعد التشخيص (وصف الحالة الاجتماعية بناء على احكام قيمية تدلّ على القبول او الرفض), متجاهلة الفهم والشرح والتفسير وتحديد الاسباب, وان الحق قيمة اجتماعية قبل ان يكون قيمة نظرية. ويشرق الامل على الافكار الجديدة, وكأنه لا جديد بعدها. 

- بين الدين والمعارف الدينية: يورد الكاتب ادلة غير مباشرة عن التفريق بين الدين والمعارف الدينية. ويبدو ان مفهومه للعلم صحيح لجهة النقصان. اذ, مهما بلغت درجة تطوره, فإنه لن يتجاوز الوقوع في الاخطاء والصفة النسبية للحقيقة. ولن نتساءل في شأن نظرته القدسية الى الدين, وليس هدفنا ان نقول انها صحيحة او غير صحيحة. لكن يهمنا من هذا الجانب التأكيد على ان اي نظرية, قدسية او غير قدسية, لا يمكن تجريدها عن انظمة الاستعدادات والتصورات والواقع, وان الشيء المقدس ما هو الا نظرة. وبالتالي, من الصعب الفصل بين الموضوع والذات او بين الدين والمعارف الدينية. والشيء, في رأينا, لا يكتسب قيمة بذاته, بل هو الانسان مَنْ يمنحه قيمة. وحتى, عندما يحدِّد الانسان قيمة للشيء ويعتبرها خارجة عنه, فإنها, في الحقيقة, ملازمة له, لأنه هو الذي منحها. انها احدى الصور العديدة التي يملكها. والصفة القدسية التي تكتسبها لا تعدّل طبيعتها كنظرة الى الشيء. وفي هذا الاطار, ما قيمة الدين, اي دين, إن لم يوجد ناس يؤمنون به? وما قيمة النبي, اي نبي, ان لم يوجد اعتقاد به? وهل الفنان العظيم عظيم بذاته ام لأن الناس منحوه تلك القيمة? وعليه, فالعلاقة جدلية, لا موضوع من دون ذات, ولا ذات من دون موضوع. 

- الموقف من الشورى: الشورى, في رأي المؤلف, دليل على حق الاختلاف في الاسلام, وتُطبّق بالنسبة الى غير الرسول. ولكن, كيف تتحدّد عصمة النبي? هل الدين بذاته هو الذي يحدّدها ام الانسان? وهل ثمة امكان لفصل الدين عن الناس المعنيين به? ومن في استطاعته القول إنه المؤتمن اكثر من سواه على تفسير الدين بمعزل عن الناس والظروف? وهل الدين الذي يتحدث عن نفسه, ام الانسان الذي يتحدث عنه? ومن يملك المبادرة? 

- حول المسؤولية الفردية: يشير الكاتب الى ادلة فردية للتكليف والاختيار. وحول هذه النقطة, لا نعتقد بالنظرية القائلة إن الانسان حر او وُلد حرا مختارا على طريقة روسو, إذ لا امكان لسلخ الانسان عن ظروفه وواقعه. كما لا يعيش الانسان في السماء كجوهر او كقيمة بذاتها. والانسان ليس مجرد وعي مستقل عن الظروف الاجتماعية الطبقية او الضرورة. ولا يمكن الفصل كذلك بين حرية الفرد او خياراته وامكاناته الموضوعية (من رأس مال مادي او ثقافي او علمي...). وتصرف الانسان لا يُعتبر ارادة وحرية كما يتصور المفكرون المثاليون, ولا قدرا, كما يعتقد المفكرون الماديون. انه فعل تاريخي تتبدل حقيقته بتبدّل الزمن او الاسباب. وهو عبارة عن علاقة جدلية بين الذاتي والموضوعي. وفضلا عن ذلك, عامل المسؤولية الفردية غير علمي, في تقديرنا, وله صفة سياسية او ايديولوجية او اخلاقية. ويستند هذا العامل او الاعتبار الى فكرة ان الانسان جوهر بذاته (خارج الواقع او الظروف) ومسؤول عن تصرفاته. وتكون مسؤولية الظروف بسيطة او ثانوية. ويمكن النظر, في هذه الحال الى كيفية تعاطي القوانين السائدة في العالم مع الاشخاص والى وضع المحاكم والسجون واحكام الاعدام. ونحن, اذ نرفض الموقف الذي يعتبر الاختيار مسألة ارادية, فإننا نرفض ايضا لصق الصفة الارادية بالموقف المتعلق بالامتناع. والاكراه او الارغام غير مقتصرين على الضغط, ففي "الحالة الطبيعية" ثمة إكراه رمزي يتطابق ووضع الشخص المعني. وفي هذا الاطار, يُبرّر علمياً وليس اخلاقياً موقف اولئك الذين رفضوا الدعوة الربانية, تقليدا لآبائهم, وتنازلوا عن حقهم في الاختيار (المهم بالنسبة الى الباحث هو الانطلاق من الموقف الحاصل وتفسيره), وكذلك عدم فاعلية الوسائل التي تمكّنهم من الاختيار او تأثيرها. وبناء على ذلك, فالمسؤولية الفردية تنبع من فلسفة فردية ذاتية ماورائية لا صفة علمية لها. وتتكرس تلك الفلسفة بموازين قوى سياسية تفرض حقائقها على الافراد والمجتمعات كحقائق ابدية مقدّسة غير قابلة للنقد او التساؤل. 

- حول الزامية النظام العام: يميّز المؤلف بين فردية التكليف والزامية النظام العام. ولهذه الناحية الاخيرة, نشير الى ان مشروعية النظام الاسلامي (او نظام الشورى فيه) لا تختلف عن مشروعية النظام غير الاسلامي. فالشورى لا تضمن انتفاء المواقع المتنوعة, وبالتالي, المصالح, والهيمنة في أشكالها المختلفة, والتناقضات الفكرية والسياسية والاخلاقية, والصراعات. وقول مجموعة من الناس ان لا حق للدولة في فرض الافكار والمعتقدات (مناشدة اخلاقية صرفة), لا يعدّل من حقيقة فرض الدولة تلك الاشياء او من حقيقة الدولة, حديثا, كرأس مال متمركز او كقوة رأسمالية اساسية (فيزيائية واقتصادية وثقافية واعلامية وقانونية وسياسية ورمزية) تمارس, باسم حماية النظام, عنفا رمزيا (القوانين المتعلقة بالميادين المختلفة) يكتسب قيمة شرعية تعترف بها كل فئات المجتمع وتخضع لها. واي دولة, مهما كان شكلها, تمارس شرعية معينة تتضمن الزاما في الافكار والمعتقدات. والمعتقدات الجديدة ليست مجردة من صفة الالزام. فأي كلام مرتبط بسلطة وبأفكار لتبريرها وحمايتها وضمان استمرارها. 

- بين البحث والفهم القيمي: ثمة خلط دائم لدى المؤلف بين موقفه كباحث وموقفه كمناضل. ويأسف لحجب حرية الاختلاف في العالم الاسلامي, عوض البحث في الاسباب الاجتماعية لذاك الحجب. وعدم قبوله بالتبريرات الموجودة يفترض منه تقديم تبريرات جديدة. ويتحدث عن عمومية الاستبداد كأن الامر لا يحتاج الى البحث والتفسير. ويكرر اسفه في شأن موضوعات اخرى, بدلا من تحليلها كمعطيات ملموسة. ويشرح قمع الاختلاف في العالم الاسلامي بعدم وجود شرعية صحيحة (كأن هذه الاخيرة, من خلال الانتخابات العامة, لا تعكس التفاوت الاجتماعي, وتجسّد المصلحة العامة). ويطلب الى المظلومين والمكافحين ان يتحلوا بالديموقراطية, ويدعو الى اعتماد القرآن كميزان لكل فكر او عمل, والى العدل والاعتراف بحق الآخر, والى عدم الاستسلام والتخلي عن الارادة وتجميد العقل والاعتماد على عقل الرؤساء والتكفير... (كأن المسألة في كل تلك الحالات خيار ارادي ذاتي اخلاقي, لا خيار محدد بشروط الواقع). وتحدث عن الخمول والتخلف وعدم التعلّم والابداع وتشتتنا الى قبائل والاستبداد, ويرى في التفكّر والتعقّل والابداع, الطريق الوحيد الى النهضة, من غير تناول الاسباب او الشروط الاجتماعية. ويؤكد على التميز بين الدين وفهم الدين, بين النص وتفسير النص, بين الحقيقة المجردة والاجتهاد, كأن حقيقة الدين هي خارج حقيقة الانسان, وقدسيته ليست فهما او تصورا. ويدين الموقف الذي ينقل صفة القدسية من الدين الى تصورات الانسان. ويطرح موقفا من النقد يقوم على رفع حجاب العصمة عن اي موضوع, باستثناء الدين. ويتحدث في استغراب عن توجه التيار الاسلامي شأن اي تيار اجتماعي او سياسي, يسعى الى اكتساب القوة المادية, كأن ثمة امكانا لتيار فكري فوق تجاذب القوى والمنافسة. ويفصل الدين عن السيطرة, مع ندرة الامثلة التي تدلل على تعالي الانظمة المتعلقة به عن التجاذبات الاجتماعية او تساميها. ويعرّف الحرية بأنها مقياس واحد ذو نتائج متشابهة, من غير ان يحدد اساسها المادي الاجتماعي او كيفية ضمان حرية الآخر. وهل يكفي ان نقول ان الاستبداد بغيض ومرفوض كي نتخلص منه? الا تُشن باسم الديموقراطية حروب وتُرتكب جرائم كثيرة بحق الانسانية? الا يمارس العنف والهيمنة والسيطرة والاخضاع والاذلال ونهب الثروات باسمها? أليست الفاشية وليدتها وشكلا من اشكالها? وهل الغاء الآخر مقتصر فقط على الفكر الايديولوجي? ويقول ان العلاقات داخل المجتمعات الاسلامية غير طبيعية, دونما تحديد لمعنى الطبيعي وغير الطبيعي وشرح للاسباب. واعتقادنا انها غير طبيعية لو كانت غير متلازمة مع الشروط الاجتماعية التاريخية. بيد ان اللاتلازم المفترض يوجب براهين وادلة ملموسة.

السبت، 7 مايو، 2011

نافذة على فلسفة كارل بوبر



مجلة الخط – العدد الثالث – مايو 2011

د. توفيق السيف

اكتب هذه الملاحظات ناصحا زملائي واصدقائي بقراءة كارل بوبر ، الفيلسوف البريطاني ، النمساوي المولد ، الذي يعتبر واحدا من اهم الفلاسفة المعاصرين واكثرهم تاثيرا. رغم اني اميل شخصيا الى نظرية "تغير الانساق" التي اقترحها توماس كون فيما يتعلق بفلسفة العلم ، الا ان فلسفة بوبر تذهب الى افاق اوسع من تلك التي عالجها كون ، في فلسفة المعرفة وفي الفلسفة السياسية والمجتمع وغيرها.


ولد بوبر في فيينا عام 1902 ، وتوفي في 1994. في اوائل القرن العشرين اشتهرت فيينا بحلقاتها العلمية ولا سيما الفلسفية ، وكان لكل حلقة مذهب خاص ، وقد انتجت تلك الحلقات بعض اهم المساهمات في الفلسفة الحديثة. ليس من قبيل المبالغة القول بان الامة الالمانية قد ارست بعض اهم الاسس في العلوم والتقنيات الحديثة ، ولا شك ان شيوع الفكر الفلسفي في الثقافة الالمانية كان من ابرز العوامل وراء شيوع التفكير العلمي.

قدم بوبر نظرية هامة في فلسفة العلم تبدأ بنقد منهج الاستقراء الذي يقوم في صورته المبسطة على ملاحظة العناصر المشتركة بين الامثلة الواقعية وصياغة قاعدة عامة وصفية بناء على تلك المشتركات. رأى بوبر ان ملاحظة الواقع ليست بسيطة : حين ترى شيئا فانك لا تستعمل عينك فقط ، العين هي مجرد اداة لنقل المشهد الخارجي الى منصة فرز وتصنيف في داخل عقلك. هذه المنصة هي اداة فهم للاشياء تتشكل على ضوء ثقافتك السابقة وتوقعاتك وفهمك لنفسك ولمحيطك. ولهذا فان الوصف الذي تعطيه لذلك الشيء يتضمن – بصورة صريحة او ضمنية – حكما عليه. ومن هنا فان ما قرر الباحث انه عنصر اشتراك بين الاشياء هو في حقيقة الامر حكمه الخاص عليها ، وهو حكم قد يحكي الواقع وقد يجافيه.

يعتقد بوبر ان البحث العلمي في كل مراحله هو سلسلة من المشكلات الذهنية او الواقعية التي يجري تجريب الحلول عليها بشكل تدريجي. ما نسميه حلا او تفسيرا او نظرية هو في واقع الامر تجربة او مرحلة من مراحل تطور الفكرة وليس نهايتها. الباحثون في العلوم لا يختلفون في عملهم عن سائر الناس . اولئك مثل هؤلاء ، يتبعون نفس الطريق التجريبي في التعامل مع المشكلات التي يواجهونها . تبدأ العملية بتحديد المشكلة ، وهذا يقود الى بروز العديد من الحلول المحتملة ، التي تخضع للمقارنة بغرض استبعاد الاحتمالات الاضعف . ما ينتج عن هذه العملية هو احتمال اقوى وليس حلا نهائيا او حقيقة صريحة . سياتي اشخاص اخرون ويكتشفون بعض العيوب في تلك النتيجة ، ويقترحون حلا ارقى ، اي اقل عيوبا. وهكذا تستمر العملية ولا تتوقف ابدا. من هنا فان البحث العلمي لا يستهدف اثبات حقائق نهائية ، وهو على اي حال لا يستطيع بلوغ هذه المرتبة مهما حاول . هدف البحث العلمي هو تقديم حلول مؤقتة كل منها يمثل احتمالا افضل في وقته.
وضع بوبر معيارا للتمييز بين ما يعتبره علميا او غير علمي ، اثار الكثير من الجدل ، فحواه ان القابلية للتفنيد هي ما يميز العلمي عن غير العلمي. النظريات التي لا يمكن دحضها او تفنيدها ليست علما. يجب ان تكون الفكرة قابلة للتفنيد كي توصف بانها علمية. كلما ازدادت العناصر القابلة للتفنيد في النظرية كانت اقرب الى العلمية والعكس بالعكس. بناء على هذا المعيار قرر بوبر ان المادية التاريخية التي تعتبر من اعمدة النظرية الماركسية ليست علما لانها لا تحوي عناصر قابلة للتفنيد. كذلك الامر بالنسبة لنظرية فرويد المشهورة في التحليل النفسي.

غير العلمي يمكن ان يكون ايديولوجيا او ايمانا او ميتافيزيقا او انطباعا شخصيا ، اي – في العموم- شيء تؤمن به لانك تريد ذلك ، بغض النظر عن قابليته للاثبات والتجربة او عدمها. هذا المعيار ، الذي يبدو غريبا بعض الشيء ، ينطلق من اعتقاد بوبر بان العلم ليس اكتشافا واحدا ، بل هو سلسلة من الكشوف التي لا تتوقف . يتوقف العلم اذا توصلنا الى الحقيقة النهائية ، لكن هذا مستحيل بالنسبة للانسان . نحن نسعى للتعلم والبحث لا ننا لا نعرف الحقيقة الكاملة والنهائية ، ولو وصلنا الى هذه الغاية لما عاد الانسان محتاجا الى العلم ، وهذا من الاحتمالات المستحيلة.

يخلص بوبر من وراء هذه التحليل الى ان النظرية التي نعارضها قد لا تكون "خطأ" في الحقيقة ، بل هي احد الاحتمالات ، وان ردنا عليها هو احتمال آخر. سلسلة الاحتمالات هذه هي خط متصاعد يتطور من خلاله العلم وتتسع المعرفة. كل احتمال هو مرحلة ، ليس بالضرورة خطأ وليس بالضرورة صحيحا. هي في كل الاحوال احتمالات ومراحل تطور. نحن نستفيد من الفكرة التي نعتبرها خاطئة بقدر استفادتنا من الفكرة التي نعتبرها صحيحة.  فالاولى مثل الثانية تفتح اعيننا على بدائل وخيارات مختلفة عنها.

"منطق البحث العلمي" و "المجتمع المفتوح واعداؤه" هي ابرز كتب بوبر التي ترجمت الى اللغة العربية ، ويحوي الاول ابرز محاور نظريته في المعرفة ، بينما يدور الثاني بشكل رئيسي حول فلسفته السياسية التي ركز فيها على نقد الانظمة الشمولية والمثالية.

دار معظم فصول الكتاب الثاني حول نقد اليوتوبيا التي اقترحها الفيلسوف اليوناني افلاطون في "الجمهورية". ويعتقد بوبر ان اليوتوبيات او النظريات المثالية كانت من اكثر الافكار التي اساءت للانسان ، لانها قامت ابتداء على انكار فردانيته وخصوصيته ، وبررت للاقوياء ميولهم للاستبداد والتسلط. ولعل الانظمة الشمولية مثل النازية والشيوعية هي ابرز تمثلات المباديء السياسية القائمة على يوتوبيا . فهي تنطلق من ايمان اصحابها بانهم يملكون الحقيقة والادوات المناسبة لاجبار الاخرين على ان يكونوا صالحين وسعداء.

ويكرر بوبر السؤال الذي تردد عبر العصور: هل يستطيع احد غيري ان يحقق لي السعادة التي اتصورها واسعى اليها؟ هل السعادة تصور شخصي لما يريد الانسان ان يكون عليه او يفعله لنفسه ، ام هي تصور يصنعه الاخرون ويحشرونك في عباءته؟  بعبارة اخرى : هل انا الذي اصمم حياتي كي اصل الى سعادتي الخاصة ، ام ان غيري هو الذي يفكر نيابة عني ويقرر كيف يجب ان اعيش وما هو معنى السعادة التي اريدها؟.


مقالات ذات صلة
كتاب اخر يستحق القراءة : كارل بوبر "منطق البحث العلمي