الاثنين، 19 يناير، 2009

حان الوقت كي يتوقف الحجب الاعتباطي لمصادر المعلومات


 اود الاشادة باهتمام الجمعية الوطنية لحقوق الانسان برفع الحجب المفروض على مواقع انترنت تابعة لمنظمات حقوقية دولية . طبقا لما نشرته الصحافة المحلية فقد قالت الجمعية في خطاب لهيئة الاتصالات ان حجب هذه المواقع يتعارض مع حق المواطن في الاطلاع على المعلومات والارتقاء بثقافته الحقوقية .
اعلم ان معظم المثقفين واهل الراي في بلدنا منزعجون من سياسة الحجب التي تتم بمبررات غير معروفة اذا لم نقل اعتباطية ، ومن غياب اي آلية واضحة لمحاسبة الهيئة التي تقوم بالحجب. جربت شخصيا مخاطبة الهيئة طالبا رفع الحجب عن مواقع محددة او تقديم مبررات لقرارها ، لكني لم اتلق ردا رغم تكرار المحاولة مرات كثيرة . وطرحت المسألة على آخرين فابلغوني بانهم فعلوا الشيء نفسه ولم يتلقوا اي رد. والخلاصة ان الهيئة تفعل ما تريد ولا تجد نفسها مسؤولة او مطالبة بتقديم تبرير او كشف حساب .

هيئة الاتصالات هي واحدة من احدث الاجهزة الرسمية ، ومسؤولة عن احدث القطاعات الاقتصادية واكثرها تعرضا للتحولات ، وهو قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات. لكن خلافا لما نعرفه على المستوى النظري فان انشغالها بقطاع حديث لم يؤد الى تحديث في روحية القائمين عليها او اساليب عملهم . بل نجدها تحمل ذات الروح البيروقراطية التقليدية التي نعرفها في قطاعات الاقتصاد القديم ، اي تلك التي تعطي نفسها سلطة مطلقة وتعفي نفسها من اي حساب  او مساءلة.
كلما سئل احد اعضاء الهيئة عن سبب الافراط في حجب المواقع الالكترونية ، اخرج من جيبه الاسطوانة المعروفة ، اي التبرير الذي يتلخص في هوس الشباب بالمواقع الاباحية ، وكأن الشباب لا يعرفون من الانترنت الا هذه ،  او كأن الانترنت لا تحوي شيئا غيرا هذا ، او كأنه لا يستعمل الانترنت سوى الشباب المهووس بالاباحية .
 وسمعت هذا التبرير اخر مرة في مقابلة على قناة الاخبارية في الاسبوع الماضي . لكن المواقع المحجوبة لا تقتصر على تلك التي تعرض مواد اباحية او المواقع التي تشجع العنف والفساد والجريمة . ثمة مواقع لمجلات محترمة ومراكز ابحاث ونشرات خبرية محجوبة ايضا . واظن ان كثيرا من قرارات الحجب تتم بقرارات مزاجية وتتاثر بتوجهات او ميول الاشخاص الذين شاءت الاقدار ان يكونوا في هذا الموقع.
لدى السادة في هيئة الاتصالات ردا واحدا على كل سؤال ، هو انكار الحجب الاعتباطي. وهم يعتبرون انكارهم ذاك نهاية المطاف . لكننا نناشدهم ونناشد مرجعهم الرسمي اعتماد معايير العدالة والانصاف والتاكيد على روح المسؤولية . معايير العدالة تعني ان الحجب يجب ان يكون الورقة الاخيرة . والواجب ان يبدأ الامر بمخاطبة اصحاب المواقع وانذارهم بازالة الصفحات التي يراد حجبها ، قبل اتخاذ القرار الاخير. ثمة مواقع حجبت لانها نشرت خبرا او مقالة او صورة غير مرغوبة. فلنفترض ان ذلك الخبر او المقال او الصورة ازعجت القائمين على الهيئة ، فهل يعتبر رايهم او انطباعهم مقياسا لما هو حق وما هو باطل و ما هو صحيح وما هو فاسد ؟.
اجد احيانا ان موقعا قد حجب بعد نشره مادة معينة ، بينما تركت مواقع اخرى نشرت المادة نفسها. فهل يتقرر الحجب بناء على صدفة اسمها اكتشاف الرقيب لتلك دون هذه ، ام لان الهيئة تلقت طلبات من الناس لحجب هذا الموقع دون غيره ؟. واذا كانت الهيئة تستمع لطلبات الحجب من الناس ، افليس من العدل ان تستمع ايضا للطلبات المعاكسة ، اي تلك التي تدعو الى رفع الحجب ؟.
نعرف ايضا ان كل موقع انترنت يحتوي على عشرات الصفحات ، فاذا كانت الهيئة غاضبة من صفحة معينة فلماذا تحجب الموقع باكمله ؟ هذا يشبه تماما ان تمنع كتابا  لان احدى صفحاته احتوت على كلام غير مريح او تمنع مجلة لان صفحة فيها احتوت على صورة مزعجة ، بل هو اشبه بان تحكم بهدم منزل لان غرفة من غرفه حدث فيها تشقق او عطب .
لا نريد القول ان الناس قد ملت وسئمت كثرة الممنوعات والمحضورات – وان كان هذا هو الواقع - . لكننا نناشد من يملكون قرار التوسيع والتضييق الرفق بالناس والتوسيع عليهم فان الامعان في التضييق يدفع الى الياس ويحبط الثقة ويشجع على البحث عن طرق ملتوية او غير قانونية ، وربما يقود الى تفكير بعيد عن العقلانية.
اتمنى ان تواصل الجمعية الوطنية لحقوق الانسان محاولاتها وان تستهدف بالتحديد وضع قانون معلن يحدد مبررات الحجب وحقوق اصحاب المواقع المحجوبة وكيفية رفعه وتحديد الجهة المفوضة بمحاسبة القائمين على هذا العمل ، كي لا تكون مصالح عشرين مليونا من السعوديين واهتماماتهم ورغباتهم مرهونة براي شخص او بضعة اشخاص في هيئة الاتصالات.
عكاظ 19 يناير 2009

 

مقالات مماثلة


الخميس، 15 يناير، 2009

الحرية وحدودها القانونية


نشر في نشرة مساواة – يناير 2009

شغل تعريف مفهوم "الحرية" جانبا عظيما من اهتمام الباحثين في علم السياسة . ولعل اكثرها انتشارا هو تعريف توماس هوبز الذي يقرن الحرية بعدم التدخل . فقد رأى هوبز واتباعه ان جميع القوانين تمثل قيودا على حرية الفرد . فالقانون بطبيعته اما محدد لحركة الانسان بمعنى انه يفرض عليه السير في طريق معين ، او كابح له من السير بحسب رغبته وارادته الخاصة[1]. ومال الى نفس الفكرة الفيلسوف الانجليزي بنثام في القرن التاسع عشر فقرر ان كل حرية تعطى لفرد تنطوي ضرورة على تقييد لحرية غيره ، حتى القانون الذي تسنه الحكومة لحماية ملكي هو قيد عليك كما ان القانون الذي يحميك هو قيد علي ، بل ان القانون الذي تسنه الحكومة لحماية حريتي هو بشكل او بآخر قيد علي لما ينطوي فيه من الزامات ذاتية او متقابلة [2]. خلاصة هذه الرؤية اذن ان الحرية الحقيقية تكمن في صمت القانون.

اما جان جاك روسو فقد قرر ان جميع الناس يولدون احرارا متساوين ، لكن على الانسان ان يتخلى عن حريته الطبيعية لصالح الحرية المدنية . حرية الانسان في الحالة الطبيعية تكمن في قوته الجسدية التي تمكنه من فعل ما يشاء ، والاكثر حرية هو الاكثر قوة والعكس بالعكس . اما في المجتمع المدني فان حقوق الانسان وحريته محمية بالقانون والسلطة التي تنفذه نيابة عن المجموع . بعبارة اخرى فان ما يخسره الفرد حين ينضم الى المجتمع المدني هو حريته في استعمال قوته الجسدية لممارسة حرياته الاخرى ، وما يربحه هو اعتراف المجتمع بحريته المدنية وملكية ما يحوزه باعتبارها حقوقا ثابتة لا تحتاج الى قوة فردية تحميها. وحسب روسو فانه لا فرق بين الحريتين الطبيعية والمدنية من حيث الجوهر والمحتوى، انما  تختلفان في الارضية التي تقوم عليها والحدود النهائية لكل منهما . من هنا قد يمكن القول ان الحرية المدنية هي ذاتها الحرية الطبيعية لكن مع تاطيرها وتحديدها بالارادة العامة المتمثلة في القانون.

يقوم هذا المفهوم على التمييز بين الحرية والقدرة . "انا قادر على" هي شيء مختلف عن " انا حر في". يستطيع الانسان فعل ما يشاء حين تغيب الموانع التي تحول بينه وبين مقصوده او تزاحم فعله فيه . وما دام الفرد يعيش مع الاخرين فان تلك الموانع حاضرة ، ان الظرف الوحيد الذي تغيب فيه الموانع والمزاحمات للحرية الفردية تماما هو ظرف العزلة ، اي حين يعيش الفرد وحيدا وبعيدا عن اي فرد آخر ، لان مفهوم الحرية لا يكون له موضوع الا حين يوجد آخرون تتزاحم اراداتهم مع ارادات الفرد .

نستطيع اذن التمييز بين حرية خارج المجتمع المدني وحرية في المجتمع المدني ، او حرية طبيعية وحرية مدنية ، وابرز سمات الاخيرة هي كونها مضمونة ومحمية بالقانون الذي يمثل اجماع الجماعة وارادتهم العامة حسب تفسير جون لوك.

ترى .. هل يعني هذا ان القانون هو الذي يمنح الحرية ؟. اذا كان الامر كذلك فان القانون (اي ارادة الجماعة) اعلى من الحرية الفردية ؟.
اشرنا سابقا الى تقسيم الفلاسفة للحقوق الفردية الى صنفين : صنف ثابت للانسان بالولادة وهو ما يسمى الحقوق الطبيعية ، وصنف يثبت له بمقتضى العقد الاجتماعي ، اي كونه عضوا في المجتمع المدني . مرجع الصنف الاول هو قانون الفطرة وهو اعلى من كل قانون يضعه البشر ، بل هو مرجع كل قانون بشري وحاكم عليه . الحقوق الطبيعية - تبعا لهذا المبدأ - فوق القوانين الوضعية وحاكمة عليها ، بمعنى انه لا يجوز للمجتمع او الدولة اصدار قانون يخرق حقوق الافراد الطبيعية لانها جزء من جوهر انسانيتهم وضرورة لها . ولعل ابرز ما يدخل في تلك الحقوق هو حق الحياة ، اذ يحق لكل فرد فعل ما شاء للمحافظة على حياته ، بما فيها الهرب حين يحكم عليه القاضي العادل بالموت . ومنها المساواة مع الغير ، ويدخل فيها ايضا الحريات المرتبطة بالضمير مثل حرية الاعتقاد والدين ، وحرية التفكير والتعبير ، والحرية في اختيار نمط المعيشة واساليب العيش . كما يدخل فيها حق الملكية واستثمار الجهد الشخصي .

اما الصنف الثاني فيطلق عليه اسم الحقوق الدستورية او التعاقدية ، وهي حقوق يحددها القانون وترتبط بالوصف القانوني للفرد ، اي كونه مواطنا او عضوا في مجتمع مدني . من هذه الزاوية فان الصنف الاول سابق للقانون وحاكم عليه ، اما الصنف الثاني فهو تابع للقانون وخاضع له . وابرز ما يدخل ضمن هذا الصنف هو حق المشاركة المتساوية في الشؤون العامة للجماعة ، بما فيها حق الوصول الى المناصب العامة وانتخاب الغير لها . ومنها ايضا حق الاستفادة المتساوية من الموارد العامة المادية وغير المادية الخ . ويعتبر اعلان حقوق الانسان والمواطن الذي اصدره برلمان الثورة الفرنسية (1791) من بين الوثائق المبكرة التي حددت العلاقة بين الحقوق الطبيعية والدستورية التي يتمتع بها الفرد ، فقد اكد هذا الاعلان على تمايز النوعين لكنه اعتبر الحقوق الطبيعية ارضية واساسا للحقوق الدستورية للمواطنين ، واكد على الارتباط العضوي بين انسانية الفرد وتمتعه بالحقوق الطبيعية التي تشمل "حقه في الحرية ، الملكية ، الامان ، ومقاومة الظلم" ، انها حق له حيثما كان وفي اي ظرف عاش ، وليس للفرد التخلي عنها وليس لاحد حرمانه منها لان "الناس يولدون احرارا متساوين"[3]

من العسير في حقيقة الامر وضع خط فاصل يحدد بدقة اين تبدأ واين تنتهي الحقوق المنطوية في كل من الصنفين . ولعل اكثر صيغ التمييز بين الصنفين شهرة هي تلك التي توصل اليها ايسايا برلين في كتابه المعروف "مفهومان للحرية"[4] ، والذي يصف فيه النوع الاول كحريات سلبية والثاني كحريات ايجابية . طبقا لهذه الرؤية فان الحرية السلبية تساوي عدم التدخل من جانب الغير ، اي "الحرية من.." ، او المساحة التي يستطيع فيها شخص او جماعة ان يفعلوا ما يريدون دون تدخل من اي شخص اخر. بينما تساوي الحرية في معناها الايجابي القدرة على فعل شيء يتطلب مباشرة او مداورة موافقة الغير ، اي "الحرية في .." وينطوي هذا المعنى في جواب سؤال : من هو او ما هي الجهة التي يمكن ان تقرر ماذا يفعل شخص ما او كيف يكون على هذا النحو وليس سواه . اذا منعت من جانب الاخرين من فعل ما اشاء فاني الى ذلك القدر غير حر. واذا كانت المساحة التي استطيع التصرف فيها بحرية محددة من قبل اخرين فانه يمكن وصفي حينئذ بالمقهور coerced او يمكن ان اكون مستعبدا. القهر هو التدخل العمدي من جانب الافراد الاخرين في المساحة التي اريد ان اعمل فيها . انت محروم من حريتك فقط حين تمنع من الوصول الى غاياتك من جانب الغير. وليس مجرد العجز عن الوصول الى الغايات لاسباب تتعلق بعدم كفاية الانسان نفسه مثلا او لظروف طبيعية . بطبيعة الحال لا يمكن تصور هذه الحرية من دون حدود ، لان الحرية المطلقة تعني ايضا حرية الانسان في ان يخترق مساحات الاخرين ، وربما تقود الى فوضى اجتماعية ، تضيع معها فائدة الحرية ، ويستأثر بها الاقوياء على حساب الضعفاء[5]. المبرر الوحيد لهذا التقييد هو العدالة ، فالبديهي ان الحرية حق متساو لجميع الافراد ، وتقتضي العدالة ان يتمتع كل فرد بنفس القدر الذي يتمتع به غيره ، وهذا يؤدي بالضرورة الى تقييده.



[1] Pettit, Philip, Republicanism: A Theory of Freedom and Government, (Oxford, 1997), p. 41
[2] Pettit, Philip, ibid., p. 45
[3]  Macdonald,  M.,  “Natural Rights”, in Laslett, Peter (ed.),  Philosophy, Politics and Society, Basil Blackwell, 1970 , p. 40
[4] Berlin, Isaiah, Two Concepts of Liberty, Clarendon Press, 1958

الاثنين، 12 يناير، 2009

النموذج اللبناني في الصراع والتوافق


مهما كان رايك في النموذج اللبناني فانه يكشف عن عمل سياسي متقدم على معظم نظائره في البلدان الاخرى . واريد الاشارة خصوصا الى القدرة الباهرة على الانتقال من حالة الشقاق الى حالة الوفاق. قبل شهر تقريبا رأينا ممثلي حزب الله على طاولة واحدة مع زعماء سلفيين . مثل هذا التلاقي كان مفاجئا ومدهشا لانه جمع بين فريقين يقفان على طرفي نقيض . لم ينجح ذلك الاتفاق لكنه شكل اختراقا غير مسبوق.

 بعد ذلك بايام ، فوجئنا بمفاوضي حزب الله على طاولة واحدة مع ممثلي وليد جنبلاط ، الذي يعتبر المحرك الرئيس للصراع بين الموالاة والمعارضة . والواضح ان لقاء حزب الله مع السلفيين في طرابلس ومع جنبلاط في الجبل قد جعل اللقاء بين الحزب وتيار المستقبل الخطوة التالية المتوقعة . وهذا ما حدث فعلا . من يقارن الكلام الدائر في الساحة اللبنانية خلال الاسبوع الاخير من رمضان  بذلك الذي كنا نسمعه في اول الشهر سيصاب قطعا بالدهشة ، او سيفهمه كتعبير عن حيوية النموذج السياسي اللبناني وقدرة رجاله على الانتقال – من دون مقدمات احيانا – بين المواقف المتناقضة .

الامر يبدو محرجا بعض الشيء للمراقبين خارج لبنان وللسياسيين المهتمين بالشان اللبناني او المتعاطفين مع احد اطرافه. المتعاطفون مع المعارضة تكلموا عن رموز الموالاة كاعداء وعملاء ، والمتعاطفون مع الموالاة تحدثوا عن المعارضين كاطراف في مؤامرة تستهدف العرب باجمعهم . لكن السياسيين اللبنانيين كانوا ينظرون الى هذا الكلام كاوراق قوة يجمعونها كي يطرحونها في الوقت المناسب على طاولة التفاوض مع منافسيهم . بالنسبة للسياسيين اللبنانيين فان اي طرف من اطراف الصراع هو قوة سياسية محلية اولا واخيرا ، مما كان لونها ومهما كانت تحالفاتها الخارجية . وهم يتصارعون فيما بينهم من اجل كسب مواقع او تعزيز مواقف ، وهم يستثمرون الكلام الذي يقوله المراقبون والسياسيون خارج لبنان ، لكنه لا يهمهم جديا ولا يعتبرونه دليلا لهم .

استغل اللبنانيون فرصة رمضان المبارك لترتيب اوراقهم مع بعضهم البعض . تصالحت الموالاة والمعارضة ، او بدأوا مشوار المصالحة ، وتراجعت حملات التخوين والاتهام ، لتحل محلها ادبيات التوافق والسلام . جميع الفرقاء ينظرون الى استحقاقات العام القادم حين ياتي موعد الانتخابات النيابية ، ويحتاج كل طرف الى الاخر لضمان موقعه في الساحة السياسية .

في مقابل هذا التوجه الايجابي ، استغل الشيخ يوسف القرضاوي فرصة رمضان لاطلاق حملة تخويف عنوانها "الاختراق الشيعي للعالم السني" . كانت هذه فرصة لعدد ملحوظ من الباحثين عن فرصة لاسماع اصواتهم من الفريقين الشيعي والسني . الشيخ راشد الغنوشي الذي يكافح منذ سنين للحفاظ على اسمه في التداول السياسي علق قائلا ان جماعات شيعية استغلت غياب حركة النهضة التي يتزعمها لاختراق المجتمع التونسي .

بعض السلفيين السعوديين الذين كانوا يعتبرون القرضاوي عدوا لدودا ، اعاد النظر في هذه الاوصاف واكتشف انه رجل المرحلة وزعيم الحركة الاسلامية الذي لا ينازع. على الجانب الاخر ، استغل عدد من المشايخ والكتاب الشيعة تصريحات القرضاوي فاطلقوا حملة تشهير بالرجل واتهموه بالانزلاق الى مواقف منسجمة مع الصهيونية والامبريالية ، وما الى ذلك من الكلام المعتاد في ادبيات السجال الطائفي.

ما يدعو للعجب ان كثيرا من هذا الكلام كان تموجا لما سمعناه من سياسيين ورجال دين لبنانين اثر اجتياح المعارضة التي يتزعمها حزب الله لغرب بيروت في مايو الماضي. ويعتبر غرب العاصمة اللبنانية منطقة نفوذ لزعماء الطائفة السنية ، ولا سيما تيار المستقبل الذي يقوده سعد الحريري.

كثير من الذين تناولوا ذلك الحادث بالتحليل او اتخذوا مواقف منه ، اعتبروه انقلابا شيعيا على السنة او اختراقا موسعا للمجتمع السني وما الى ذلك . وهذه الاوصاف والتحليلات جاءت اولا على لسان سياسيين لبنانيين . لكن هؤلاء سرعان ما تجاوزا هذا الكلام وانصرفوا لترتيب البيت من خلال الحوار مع من كانوا اعداء .
لكن جماعتنا لا زالوا يكررون الكلام الاول الذي قيل في مايو ويونيو . اللبنانيون نجحوا خلال اربعة اشهر في تغيير سكة القطار من التصارع الى التفاهم . اما الجماعة الذين حجزوا مقاعد المتفرجين فالواضح انهم لازالوا مشغولين بانهاء فروض الصراع . ولعلهم يريدون استنفاذ ذخيرته قبل ان ينتهي زمنها .

خرج اللبنانيون من رمضان وهم اقرب الى بعضهم ، وخرجنا من رمضان ونحن ابعد عن بعضنا ، فكرمى لهم ونعم ، واسفا علينا وعلى شيوخنا وزعمائنا . اني آمل ونحن في العيد ان نستعيد معناه الابرز ، اي التراحم والتعاطف وان نتحدث حديث المحبة والسلام ولو تكلفا وتصنعا . في نهاية المطاف فان الكلمة الطيبة تطيب الخواطر والنفوس حتى لو كانت مصطنعة ، بخلاف كلمة الفراق المؤذية والمؤلمة ، حتى لو صدرت عن فم مخلص.
يناير 2009

كيف يضمن القانون حرية المواطن ؟


قلنا في مقال سابق إن عدالة النظام الاجتماعي رهن بتوفر الضمان القانوني للحريات الفردية. وهذا يتعارض إلى حد كبير مع النظريات التي ترى أن القانون بطبعه قيد على الحرية. من المفهوم أن القانون ضروري لسلامة الحياة الاجتماعية مثلما الحرية ضرورية لانسانية الانسان. الاشكالية اذن تكمن في الموازنة بين متطلبات هذه ومتطلبات ذاك. وهذا يقودنا بالضرورة إلى التساؤل عن كيفية ضمان القانون للحرية.
في الحقيقة فإن العدو الأول للحريات الفردية هو التدخل الشخصي والاعتباطي في خصوصيات الناس ومصالحهم وإرادتهم.
في المقابل يتميز القانون بالثبات وعدم التمييز بين شخص وآخر أو بين حالة وأخرى. وحسب تعبير مونتسكيو الفيلسوف الفرنسي الذي اشتهر بكتابه «روح القانون» فان الحرية هي أن «لاتكون مجبرا على فعل شيء لم يأمر به القانون، وأن لا تمنع من شيء لم يمنعه القانون. ذلك لان القانون هو الحاكم، نحن أحرار لاننا نعيش تحت قانون مدني».
في أي نظام اجتماعي ثمة فرص لتدخل الأقوياء في حياتك. وفي غياب القانون فأنت مضطر لاستخدام قوتك الجسدية أو المال أو العلاقات الشخصية لتحييد أو اعاقة التدخلات الاعتباطية والشخصية. لكن كم من الناس ياترى يملك المال أو القوة أو العلاقات، أو يستطيع استخدامها لضمان مصالحه ؟. في الحقيقة لا يمكن الاعتماد على هذه الوسائل في إقامة نظام اجتماعي سليم. وجود القانون هو الضمان الوحيد لمصالح الجميع بغض النظر عن قوتهم الشخصية.
عمومية القانون هي أبرز الفوارق بينه وبين التدخلات الشخصية التي تصاغ عادة في صورة أوامر ادارية. تصدر هذه الأوامر لمعالجة حالة خاصة، أما القانون فهو يقوم على مبدأ عام ويتوجه للجميع دون النظر إلى أشخاص بعينهم أو حالات بعينها. ولهذا فان القانون يبقى ساريا إلى أن يلغى بقانون مماثل، بينما ينتهي مفعول الأوامر الادارية فور انتهاء موضوعها الخاص.
من ناحية أخرى فان القانون هو تقرير للأغراض المستهدفة. فهو يصدر بعد دراسة متأنية ويشرح في ديباجته العلل التي اوجبت صدوره. ولهذا قيل إن القانون لا يطاع إلا إذا كان معلنا ومعروف المبررات. أما الامر الاداري فيعبر عن إرادة المدير، وربما يصدر في لحظات انفعال ومن دون دراسة متانية أو من دون أن تكون متوقعة من قبل عامة الناس. كما لا يتضمن تعليلا قانونيا مفتوحا لنقد العامة وتدقيقها.
وقد تقرر في نظام أثينا القديمة أن فهم الناس للقانون هو ما يوجب طاعتهم له. وكما يقول هانز- جورج غادامر الفيلسوف الألماني، فإن أحد الأركان الكبرى في فكرة النظام القانوني هو أن أحكام القاضي قابلة للتنبؤ مسبقا لأنها تقوم على مبررات وقواعد قانونية معروفة للجميع. وهذا هو الذي يجعل القانون علة للاستقرار. كل محام أو مستشار قادر من حيث المبدأ على إعطاء مشورة صحيحة، أي أنه قادر على التنبؤ بشكل صحيح بقرار القاضي بناء على القوانين الموجودة.
يتميز القانون أيضاً بأنه ضامن للحقوق والالتزامات التي أنشئت في ظله حتى بعد إلغائه. ذلك لأن القوانين العادلة لا تكون رجعية، بمعنى أن مفعولها يسري منذ لحظة إعلانها، فلا تلغي حقا جرى اقراره في ظل قانون سابق. فاذا حصل مواطن على حقوق أو مصالح أو التزامات في إطار القانون، فإنها تبقى قائمة محترمة حتى لو صدر قانون جديد مختلف. ومن هنا يستطيع الناس التخطيط لمستقبلهم بثقة واطمئنان، لأن أحداً لن يستطيع نقض مكتسباتهم.
عكاظ 12/ يناير /2009  العدد : 2766

مقالات ذات علاقة


الاثنين، 5 يناير، 2009

حدود الحرية .. حدود القانون


؛؛ دعوة التيار الديني الى "حرية منضبطة" لا تنطلق من الاقرار بالحرية كقيمة عليا. ولو قبلنا بها ، فقد ننتهي الى تهميش قيمة الحرية ؛؛

يتفق العقلاء جميعا على ضرورة الحرية للانسان لانها شرط لكمال انسانيته . كما يتفقون على ضرورة القانون والنظام العام لانه شرط لسلامة الحياة الاجتماعية . من دون الحرية سيكون الانسان عبدا او شبه عبد ومن دون القانون سيكون المجتمع غابة او شبه غابة يأكل القوي فيها الضعيف.

المشكلة لا تكمن في الاقرار بالضرورتين ، بل في الحدود الفاصلة بينهما. وتظهر اهمية هذا الاشكال في ظروف الازمة بشكل خاص . 


فالدولة والمجتمع يميلان في مثل هذه الحالات الى توسيع مجالات اشتغال القانون ، مما يؤدي بالضرورة الى تضييق نطاق الحريات الفردية . بل قد يحدث هذا في الحالات الاعتيادية ايضا . ثمة حكومات تميل بطبعها الى التضحية بالحريات الفردية تحت مبررات مختلفة من السلامة الوطنية الى الارتقاء بمستوى المعيشة الخ .. ونذكر مثلا ان الحكومات الشيوعية كانت تسخر من قيمة الحرية الفردية وتصفها بالبرجوازية بناء على ان مهمة الدولة هي ضمان العدل الاجتماعي وتامين حاجات المواطن الاساسية . ونعلم ان تلك التجربة تحولت الى رمز لفشل النظرية الماركسية لانها ببساطة حرمت الانسان من بعض شروط انسانيته مثل حرية الاعتقاد والتفكير والتعبير والعمل والانتقال . وهو الامر الذي جعل معظم الماركسيين يعيدون النظر في عدد من مسلماتهم الايديولوجية الاساسية ، ولا سيما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي في 1991 .

لا يمكن الموافقة اطلاقا على المقولة الشائعة التي تصف الحرية السليمة بالمنضبطة . لانها في نهاية المطاف لا تحدد المعايير الحاكمة ولا تنطلق من الاقرار بالحرية كقيمة عليا. ولو قبلنا بها ، حتى على المستوى النظري ، فقد ننتهي الى تهميش قيمة الحرية . بدلا من ذلك فاننا نتحدث عن الحقوق المدنية التي تعني :

1-       الضمان القانوني لشريحة من الحقوق والحريات الطبيعية الضرورية لانسانية الفرد .
2-       الحقوق التي يحصل عليها الفرد بسبب انتمائه الى مجتمع سياسي يحكمه قانون.

ترجع الشريحة الاولى الى فطرة الانسان التي يعتبرها الفلاسفة اعلى من كل قانون يضعه البشر. وابرز تمثيلاتها حق الحياة ، اذ يحق لكل فرد فعل ما شاء للمحافظة على حياته. ومنها المساواة مع الغير ، ويدخل فيها ايضا الحريات المرتبطة بالضمير مثل حرية الاعتقاد والدين ، وحرية التفكير والتعبير ، والحرية في اختيار نمط المعيشة واساليب العيش وحق الملكية واستثمار الجهد الشخصي .
اما الصنف الثاني فيطلق عليه اسم الحقوق الدستورية او التعاقدية ، وهي حقوق يحددها القانون وترتبط بالوصف القانوني للفرد ، اي كونه مواطنا او عضوا في مجتمع مدني . من هذه الزاوية فان الصنف الاول سابق للقانون وحاكم عليه ، اما الصنف الثاني فهو تابع للقانون وخاضع له . وابرز ما يدخل ضمن هذا الصنف هو حق المشاركة المتساوية في الشؤون العامة للجماعة ، بما فيها حق الوصول الى المناصب العامة. ومنها ايضا حق الاستفادة المتساوية من الموارد العامة المادية وغير المادية الخ . 

بطبيعة الحال لا يمكن التمتع بالحرية ما لم يكن ثمة قانون يحمي ممارستها . كما لا يمكن تصور حرية من دون قانون يضع حدودا لما هو مقبول وما هو ممنوع ، لان الحرية المطلقة تعني ايضا حرية الانسان في ان يخترق مساحات الاخرين ، وربما تقود الى فوضى اجتماعية ، تضيع معها فائدة الحرية ، ويستأثر بها الاقوياء على حساب الضعفاء. المبرر الوحيد لهذا التقييد هو العدالة ، فالبديهي ان الحرية حق متساو لجميع الافراد ، وتقتضي العدالة ان يتمتع كل فرد بنفس القدر الذي يتمتع به غيره ، وهذا يؤدي بالضرورة الى تقييده. الطريق المتبع في المجتمعات المتقدمة هو تقسيم الحياة الى مجالين : مجال شخصي يتمتع فيه الفرد بالحرية المطلقة ، ومجال عام يطبق فيه القانون . وقد وجدت في التراث الاسلامي نظائر كثيرة لهذا التقسيم ، حتى في تطبيق الاحكام الشرعية من جانب الدولة . واظن انه يشكل مدخلا مناسبا للنقاش في الحدود الفاصلة بين ولاية القانون ونطاق اشتغاله وبين حرية الفرد في ان يفعل ما يشاء .

السبت، 3 يناير، 2009

على باب الله: ذكريات من الايام الاولى


اكتشاف العالم

لعلي كنت في الثانية عشر من العمر حين اقنعت زميلي محمد المعتوق ، الذي اصبح الان استشاريا بارزا واستاذا في كلية الطب ، اقعته بالذهاب الى القطيف مشيا على الاقدام كي نشتري فلافل. بعدما توارت بيوت جزيرتنا الصغيرة "تاروت" في عصر ذلك اليوم الربيعي ، قرر محمد ان يعود لان الوقت قد تاخر . واصلت حتى منتصف الجسر الحجري الذي يربط الجزيرة بجارتها القطيف حين توقفت فجأة سيارة الوالد وطلب مني العودة .
بدأت حياتي في بيت كنا نسميه "العود" اي الكبير يقع في ظلال قلعة بنيت في اوائل القرن السادس عشر الميلادي كما قيل . مع اني وجدت نفسي دائما خارج هذه الجزيرة الجميلة ، الا اني عدت اليها تكرارا وما زلت اعود. هي بداية الطريق ولعلها نهايته.
بعد ذلك بعام واحد وجدت نفسي في سيارة وانيت من تلك السيارات التي تحمل الخضار والتمر الى اسواق الكويت. انحشرنا اربعة في كابينة السائق ، انا وابي والسائق ومساعده ، الذي ترجل قبل قليل من وصولنا الى مركز الحدود الذي كان يسمى يومئذ "الزرقاني". بعدما تجاوزنا حدود الكويت توقفت السيارة برهة ووجدت المساعد قادما من الصحراء لينضم الينا ثانية. فهمت لاحقا ان جواز الرجل قد انتهى ولم يسعفه الوقت لتجديده قبل السفر . كانت تلك المرة الاولى التي اشهد فيها عملية "تهريب" . فيما سياتي من الزمن سأشهد عمليات اخرى وربما اكون جزء منها . كانت تلك اول رحلة لي خارج البلاد ، وكان غرضها هو تحقيق امنية الوالد الذي اراد ان يصبح احد اولاده طالبا للعلوم الدينية في النجف الاشرف ، كي يتخرج – ربما فقيها مجتهدا في الشريعة.
بعد ثلاثة ايام وصلت النجف الاشرف ، ووجدت نفسي حائرا اتساءل ما الذي يجب ان افعل طوال اليوم.
مضت الايام . اكملت كتاب "متن الاجرومية" الذي بدأته في البلد على يد المرحوم الشيخ ميرزا حسين البريكي (ت 1976)، وكتابا في الفقه لعله كان "منهاج  الصالحين". كنت اذهب كل صباح الى مسجد الهندي للانضمام الى حلقات الدرس ، وفي المساء الى متوسطة منتدى النشر الاهلية . في النجف تختلط بالكثير من الناس من الزائرين او المقيمين ، لكن لا تجد من يديرك او يحاسبك على الوقت او العمل او الدراسة ، كل فرد رقيب على نفسه. واذا كان صغير السن حديث التجربة مثلي فهذا يعني ضياعا او غربة.
 اوقات الفراغ الطويلة قادتنى الى اكتشاف المكتبة. في جزيرتنا الصغيرة كان ثمة مكتبة وحيدة تبيع قصص الاطفال وكان الوالد ينجح احيانا في تهريب كتب دينية ، مثلت وقتئذ المورد الوحيد تقريبا للثقافة غير المدرسية. اكتشفت في النجف احسان عبد القدوس ونجيب محفوظ ويوسف السباعي وتوفيق الحكيم وشعراء مثل نازك الملائكة ونزار قباني. كانت كتب الادب هذه تشغل حيزا بارزا في مكتبة ابن عمتى عبد العلي السيف الذي كان قد ذهب قبلي لدراسة علوم الدين ، ثم تحول الى الدراسة الدينية الاكاديمية في كلية الفقه . اكتشفت حينئذ نهمي الشديد للقراءة حين سهرت ليالي بكاملها كي اكمل جزءا من رواية يوسف السباعي "رد قلبي" او "يوميات نائب في الارياف" لتوفيق الحكيم او "النظرات" للمنفلوطي.
في مساء يوم كنت عائدا من المدرسة فاشتريت مجلة "العربي" الكويتية وديوانا جديدا لنازك الملائكة . توقفت في طريقي عند مصور كهل ، فسألني عما احمل فقلت له انه كتاب شعر ، سأل : "يوكل خبز؟" اي هل يطعم خبزا ، قلت لا ، قال ببساطة "لعاد ما يفيد".
تركت هذا التعليق وراء ظهري ، لكني بقيت اذكره  كلما وصلت الى حافة الافلاس ، وما اكثر ما حدث ذلك خلال العقود الاربعة التالية . تساءلت دائما عن فائدة هذا الجنون بالكتاب والكلمة ، مع ان الذين احترفوها ، معظمهم على الاقل ، عاش فقيرا او مات فقيرا. هل هو الولع بالذات ام الرغبة في اكتشاف حدودها ، ام الولع بالتمايز ، ام الفضول الى معرفة المجهولات ، ام هو الانسياق الاعمى . مرة سالتني جارتنا العجوز ، واجابت على السؤال: "تدري ليش الموامنة [اي طلبة العلم الديني] يموتون في الكتب؟ .. لانهم مقرودين  [اي منحوسين] - من اصلهم". ربما كان هذا تفسيرا للولع بشيء يقودك الى الفقر ، بينما يناضل الناس من اجل الغنى.

النجف

النجف الاشرف كانت النافذة التي عرفت العالم من خلالها . كان هذا اول سفر في حياتي. اتيت الى هذه المدينة في 1971 سعيا للالتحاق بالحوزة العلمية. في الثالثة عشرة لم اعرف ماذا اريد ، لكنها مشيئة الوالد الذي اراد واحدا من ابنائه مجتهدا في الفقه . كان رأيه ان من يعرف الفقه يعرف كل شيء : "افتح الرسالة العملية ، ستجد فيها بابا عن كل شأن من شؤون الحياة . اذا درست الفقه ستنفتح على كل ابواب الحياة " هكذا كانت رؤيته.
ظاهريا تبدو النجف مدينة ثانوية بالنسبة للعراق والعالم . مظهرها العمراني بسيط في الغالب ، اناسها متوسطو الحال ، وثمة شريحة كبيرة من سكانها تعيش في مستوى الكفاف . ورغم العدد الكبير من الزوار الذين يفدون اليها سنويا ، الا انها كانت – في ذلك الوقت على الاقل – تفتقر الى اي مرفق معقول لخدمة الوافدين. ولهذا السبب ربما يفضل الزوار قضاء معظم الوقت في كربلاء التي تبعد اربعين ميلا ، وتتمتع بخدمات افضل نسبيا.
لكن النجف هي مركز الحوزة العلمية ، اي – بالضرورة – مركز المرجعية العليا لشيعة العالم. وتحتضن حاراتها الضيقة عشرات من المدارس الصغيرة والكبيرة المخصصة لطلبة العلوم الدينية . الحوزة العلمية عنوان يطلق على المؤسسة الدينية اي مجموع المدارس ومن يسكنها او يرتادها من اساتذة وطلاب. خلال تاريخها القديم والمعاصر حاول كثيرون السيطرة على مسار الامور في النجف او التحكم في رأيها ، لكن ايا من تلك المحاولات لم يكتب له النجاح. فشلت محاولات البريطانيين في القرن التاسع عشر ، وفشل الشيوعيون في 1959 ، وفشل البعثيون في 1963 ثم في 1974 واخيرا في 1991 . كما فشلت محاولات من داخلها استهدفت احيانا فرض مرجعية وحيدة او اعاقة مرجعيات صاعدة .
من الناحية المادية تجد المدينة خاضعة للحكم القائم في بغداد، لكنها في الواقع مشحونة بالتمرد ، السلبي احيانا والنشط احيانا اخرى. الحكومات تملك الاجسام والابنية والطريق ، اما القلوب والعقول فتبقى عصية على اي سلطان . تنطوي المدينة على قوة هائلة لكنها خفية ، لا يعرف تفاصيلها الا من انغمس في صراعاتها . لعل قوتها ترجع الى اتساع نفوذها واتصالها الوثيق بالعالم. او لعله يكمن في تعدد مراكز القوى داخلها . وربما لقدرتها على البقاء مستقلة في حياتها ومعيشتها عن اي حكومة او اي مجتمع او جماعة محددة. في كل الاحوال تبقى النجف عسيرة المنال. لا الدولة العراقية ولا الحكومة المحلية ولا المرجع الاعلى ولا النافذون في الحوزة العلمية نجحوا في القبض على قلب هذه المدينة.
تبعد النجف نحو سبعة كيلومترات عن الكوفة ، التي تقع شرقها وتحاذي فرعا من فروع نهر الفرات. ويقصدها كثير من سكان النجف في الاجازات لما تتمتع به من طراوة الهواء وكثافة الزراعة ، فضلا عن اطلالتها الجميلة على النهر.
وخلافا لمعظم مدن العراق التي تحاذي احد نهريه الكبيرين او فروعهما ، فقد اقيمت مدينة النجف على حافة الصحراء ، فوق هضبة ترتفع قليلا عن المستوى العام للصحراء المحاذية. ويبدو الفارق جليا في الطرف الجنوبي الغربي للمدينة التي حيث تطل من علو واضح على المنخفض الزراعي المسمى "بحر النجف". طبيعتها الصحراوية تظهر في طقسها المتطرف حرارة وبرودة بين الصيف والشتاء.
في اوائل السبعينات كان يسكن المدينة ما يقارب المئة الف نسمة ، نصفهم تقريبا في جزئها القديم حيث يقع ضريح الامام علي بن ابي طالب والاسواق التجارية ومدارس الحوزة العلمية. وكانت قد تمددت ، لا سيما بعد بداية العهد الجمهوري في 14 يوليو 1958 في اتجاه الشرق حيث مدينة الكوفة ، وبني العديد من الاحياء الحديثة. ومنذ اوائل السبعينات ، اتجه جانب من التمدد الحضري نحو الجنوب ، مما تسبب في تقليص المساحة الزراعية – الصغيرة  اصلا – حول المدينة[1].

يسع... يسع..!!

النسق العمراني للمدينة القديمة يتلاءم الى حد كبير مع طقسها القاسي ، فمعظم الدروب ضيقة لا تصلها اشعة الشمس الا لماما ، وجميع البيوت مبنية من الطابوق الطيني الذي يتمتع بكفاءة عالية في عزل الحرارة ، كما ان نوافذ البيوت صغيرة عادة. ويصنع الطابوق من الطين المستخرج من حواف نهر الفرات ، وثمة عديد من المصانع التي تشمخ مداخنها العالية على امتداد النهر ، لا سيما في الطريق بين النجف وكربلاء ، حيث يحرق الطين بعد صبه في قوالب خاصة ، وينشر بعدها في الهواء الطلق اياما قبل ان يستعمل في البناء.
وقت قدومي الى المدينة ، كان "السرداب" هو الوسيلة التقليدية لمواجهة القيظ الشديد. وهو عبارة عن غرفة تحت الارض تعادل ثلث مساحة البيت تقريبا ، تستعمل للقيلولة او جلسة ما بعد الظهر، كما تحفظ فيها الفاكهة لا سيما البطيخ الاحمر الذي يسمونه "الرقي". ومعظم البيوت في المدينة القديمة قليلة المساحة ، واظن ان معظمها يقل عن 200 متر مربع. وينقسم عادة الى قسمين : ما يسمونه البراني ، وهو غرفة صغيرة مع حمام لاستقبال الضيوف ، وما يسمونه الدخلاني ، وهو القسم الخاص بالنساء والعائلة.
 واذكر ان دار المرحوم الشيخ منصور البيات في النجف، كانت مساحتها دون 100 متر مربع ، وكان مجلسه في الدور الثالث ، تصعد اليه في درج ضيق يكاد ان يكون عموديا ، يتسع لشخص واحد فقط ، وكان المجلس نفسه صغيرا يتسع لعشرة اشخاص فحسب. كنت اذهب اليه بعض ايام الجمع ، حيث ينعقد مجلس صباحي للطلبة يحضره كثير من الزملاء. رغم ضيق البيت والمجلس ، فان نفوس الناس هنا واسعة ، تحتمل الضيق و التزاحم دون تبرم. ومن طريف ما يذكر عن مجالس المشايخ في النجف قاعدة طريفة مشهورة سوف اسميها قاعدة "يسع" وهي كلمة يقولها صاحب المجلس او ضيوفه للقادمين الجدد الذين لايجدون مكانا ، ويقصد بها دعوة القادم الى صدر المجلس ، ودعوة  الجالسين لفسح مجال له. الذي يحصل عادة ان جميع الجالسين ينهضون لتحية القادم ويقومون بزحف جانبي بسيط ينتهي بايصال الشخص الاخير الى الباب ، وعندها يتوجب عليه ان يستأذن ويخرج. وهكذا يدخل اناس ويخرج غيرهم دون حرج على صاحب المجلس او القادمين. قاعدة "يسع" هذه ابتكار غرضه التعامل مع ضيق المكان.

الحوزة العلمية والمرجعية الدينية

يدور معظم حياة النجف حول محورين: "مشهد" الامام علي بن ابي طالب ، والحوزة العلمية. ياتي المدينة عشرات الالاف من زوار الامام من كل اصقاع العالم الاسلامي. ويقرر قليل منهم البقاء "مجاورا" للامام . يحدث هذا باستمرار ، الامر الذي جعل التنوع الديمغرافي – وتبعا له التنوع الثقافي - واحدا من اهم سمات المدينة. بعض من قرر الاقامة ينخرط في "الحوزة العلمية" ، حيث تدرس علوم الشريعة ، ويتدرب دعاة ومجتهدو المستقبل. وهناك بطبيعة الحال من ياتي قاصدا الدراسة بشكل محدد ، في المراحل الاولية او العليا. ثمة عديد من طلبة الشريعة المتقدمين ياتون النجف لسمعتها كمركز لكبار الاساتذة والفقهاء. وكان يقال ان اي مجتهد لن يستطيع اعتلاء سدة المرجعية ما لم يستوطن النجف. واظن ان هذا القول كان صحيحا حتى العام 1974 حين قررت الحكومة العراقية تهجير الايرانيين والعراقيين من اصول ايرانية ، وهو قرار ادى الى نزوح عشرات من الاساتذة والفقهاء الى مدينة قم الايرانية ، التي اصبحت من ثم مركزا منافسا للنجف على المستوى العلمي وعدد الفقهاء المرشحين للمرجعية الدينية.
المرجعية الدينية والحوزة العلمية هما - على الارجح - ابرز ما يميز النجف الاشرف. يرجع تاريخ الحوزة الى العام 448 هج حين جاء اليها الشيخ ابو جعفر الطوسي الذي ضاقت به الحال ، بعدما نجح العسكر السلاجقة في الاطاحة بدولة البويهيين في بغداد. كان الطوسي احد المع تلاميذ الشيخ محمد بن النعمان العكبري المعروف بالمفيد. واعتقد ان الشيخين اضافة الى الشريف المرتضى، التلميذ الاخر للمفيد ، هم الاباء المؤسسون للمدرسة الفقهية للتشيع الامامي القائم اليوم[2].
تكمن اهمية الدور الذي لعبه المفيد في ارساء منهج الاجتهاد - او القول بالراي كما كان يسمى يومذاك - في المدرسة الشيعية بعد ان كان منبوذا لزمن طويل ، بناء على فكرة فحواها ان ماورد في القران والسنة من احكام كاف لحاجات الناس وانه لا يصح وضع راي الفقيه في منزلة موازية لقول الرسول والامام. درس المفيد على رجلين ، احدهما هو الشيخ الصدوق صاحب المجموعة الحديثية المرجعية " من لا يحضره الفقيه" ، والحسن بن ابي عقيل العماني ، وهو من دعاة منهج الاجتهاد[3] . عاش المفيد معظم حياته في بغداد التي عرفت مدرستها بميل واضح الى قبول دور العقل في استنباط الاحكام ، خلافا لمدرسة قم التي ينتمي اليها استاذه الصدوق ، والتي عرفت بميولها التقليدية ، ولاسيما في تاكيدها على محورية النص واالتهوين من مكانة العقل ودوره. وقد برز تمايز المفيد عن استاذه بعد نشره كتاب " تصحيح الاعتقاد" الذي جاء ردا على كتاب الصدوق "اعتقادات الامامية".  
تعتبر الاعمال العلمية التي خلفها المفيد والمرتضى قليلة بالقياس الى اعمال الطوسي. واظن ان هجرة الاخير الى النجف قد لفتت انتباهه الى نقاط الفراغ الكثيرة في المدرسة الفقهية الامامية . كما احتمل ان حياته في النجف - التي كانت يومذاك قرية صغيرة قليلة السكان - قد اتاحت له فرصة اوسع لبحث العلمي ، قياسا الى الحياة السريعة والكثيرة المشاغل في العاصمة. ينظر مؤرخو الحوزة العلمية الى الشيخ الطوسي كمؤسس لمدرسة النجف. وهو تقدير لا يبتعد عن الحقيقة. توفي الشيخ الطوسي في محرم 460 هج ، ودفن في داره الواقعة شمالي حرم الامام علي ويقع فيها الان مسجده والشارع الذي يحمل اسمه .
تراجعت مدرسة النجف كثيرا بعد وفاة المؤسس . ومع انها شهدت قدوم المزيد من طلاب العلوم الشرعية ، الا ان الكاريزما الهائلة للطوسي تسببت في تعطيل الاتجاه النقدي ، فبقي الطلاب يرددون اراءه ويعيدون انتاج افكاره  طيلة القرن اللاحق لوفاته. 
يطلق اسم "الحوزة العلمية" على مجموع المدارس وحلقات الدرس الخاصة بعلوم الشريعة والعلوم المساندة لها ، مثل اللغة العربية والمنطق والفلسفة والعقائد الخ.
اما المدارس فهي في الغالب مساكن للطلبة العازبين الذين قدموا من خارج النجف. وحين قدمت النجف كانت "دار العلم" التي اسسها المرحوم السيد محسن الحكيم احدث تلك المدارس. وكان بين اقدمها مدرسة المقداد السيوري ، التي عرفت لاحقا بالسليمية في محلة المشراق في الجزء القديم من النجف. وتقول بعض المصادر انها كانت قائمة في اوائل القرن التاسع الهجري. وبين المدارس التي لفتت نظري "جامعة النجف الدينية" التي تقع في  بناء جميل خارج حدود النجف القديمة ، على الشارع الذي يربطها مع الكوفة. وكانت هذه المدرسة الوحيدة التي هيأت لطلبتها مواصلات منتظمة ، تأخذهم يوميا الى مواقع الدرس في النجف القديمة وتعيدهم منها.
وقد تكفل ببناء المدرسة والانفاق عليها المرحوم محمد تقي اتفاق ، وهو تاجر ايراني ، وادارها الفقيه السيد محمد كلانتر ، واراد الرجلا ان يجعلا منها مثالا لنمط جديد من المدارس الدينية يتميز بالانضباط ، قياسا الى العرف السائد في المدارس الاخرى والذي يتميز بالتحرر واللانظام[4]. وقرات في كتيب عن هذه المدرسة انها تلزم طلابها باوقات محددة واختبارات ، وتمنعهم من اقتناء الصحف واجهزة الراديو. بعبارة اخرى فقد كانت نموذجا لمدرسة تقليدية في المنهج والتوجه ، لكنها منظمة وحسنة الادارة.
ولاحظت ان التقشف هو السمة الغالبة على حياة الطلبة في الحوزة العلمية. وتجد هذا اكثر وضوحا في حياة الطلبة الذين لم يصلوا مستويات متقدمة. لكن الحال يميل الى التحسن بعد ذلك. الطالب الذي درس سبع سنوات او اكثر يستطيع ممارسة الخطابة والتبليغ في بلاده او غيرها فيحصل على بعض المال الذي يقيم أوده. كما ان الذين يبرعون في التدريس يجدون بين تلاميذهم من يمد لهم يد العون.
فيما عدا هذه الحالات ، فان الطلبة يعتمدون في معيشتهم على ما يرسله اهاليهم اضافة الى مكافآت  بسيطة يوزعها المراجع الكبار. وهي تتفاوت بين مرجع وآخر بحسب قوة مداخيله وعدد الطلبة المسجلين في ديوانه. وحين كنت في النجف ، كان بعض زملائي يحصلون على ما مجموعه 15 دينارا اضافة الى 30 رغيف خبز في الشهر ، ومن يحصل على 50 دينارا فهو يعد من القلة الاثرياء. وكان الدينار يعادل يومئذ ثمانية ريالات سعودية. وعلمت لاحقا ان الاحوال تحسنت كثيرا في  السنوات التالية.
ولمناسبة الحديث عن المعيشة ، اتذكر ان كلفتها كانت منخفضة في تلك الايام. واعتدت ان اذهب في صباح بعض الايام الى سوق العمارة الواقع غرب الروضة الحيدرية لشراء ما يلزم للافطار والغذاء ، ويسمى في النجف "المسواق". فكنت املأ السلة بما يصل الى 300 فلس ، ويشمل هذا قيمة الخبز والجبن وشيئا من اللحم والخضار والفاكهة. وكانت وجبة الغذاء في المطعم تكلف 90 فلسا. وافترض ان هناك من ينفق اكثر من هذا المبلغ وهناك من ينفق اقل منه. لكن المستوى العام لطلبة الشريعة ، لا سيما في المراحل الاولية والمتوسطة تميل الى التقشف والبساطة في كل جوانبها.

المرجعية الدينية

يظهر مما سبق اننا نستطيع وضع تقديرات معقولة عن ظروف تاسيس الحوزة العلمية وتحديد تواريخ قريبة من الواقع. لكن الامر مختلف في موضوع المرجعية الدينية ، حيث تتفاوت التقديرات بشان بدايتها.
يكمن السبب الرئيس لتفاوت التقديرات في تحديد المقصود بالمرجعية. ليس ثمة شك انه في مختلف الازمان لعب رجال الدين ، لا سيما المجتهدون منهم ، ادوارا اجتماعية وسياسية بارزة ، وربما عد بعضهم زعيما على المستوى العلمي او السياسي. لكن هذه الزعامة كانت في الغالب محلية ، على مستوى مدينة او اقليم ، او على المستوى العلمي ضمن اطار الحوزة العلمية. 
اواخر القرن التاسع عشر حدث تطوران بارزان احدهما ذو طبيعة نظرية والاخر سياسي: الاول هو بروز نظرية الشيخ مرتضى الانصاري (1799-1864) التي تقرر وجوب التزام المكلف باراء فقيه واحد اذا اطمان الى تفوقه في العلم على غيره.  اما الحدث الثاني فهو فتوى الميرزا الشيرازي بحرمة التعامل في التنباك ، بيعا وشراء واستعمالا، وهي الفتوى التي  شكلت بداية لتفارق حاد بين الحكومة القاجارية والمجتمع الديني.
تتمتع اعمال الشيخ الانصاري النظرية بتاثير خاص في الفقه الشيعي المعاصر. وكما لاحظ خوان كول فان رايه القائل بضرورة الاقتصار على مصدر واحد للفتوى ، قد حظي بترحيب بالغ بين طلبة العلوم الشرعية . وبالتالي فقد شكل الارضية التي اقيم عليها  البناء النظري لمؤسسة المرجعية الدينية التي نعرفها اليوم. ظهور نظام المرجعية الدينية ، وتحول الفقيه من مصدر للفتوى فقط الى زعامة متمركزة يعتبر تحولا  بالغ الاهمية في تاريخ الشيعة  . وطبقا لملاحظة كول فان تنظير الانصاري للفكرة قد وفر الاساس الضروري لزعامة قوية في السنوات التالية[5].
كانت "انتفاضة التنباك" في ايران عام 1891 الفرصة الاولى لاستعراض القوة السياسية لمؤسسة المرجعية التي وضع الانصاري ارضيتها النظرية. فالفتوى التي اصدرها خليفته الميرزا محمد حسن الشيرازي ، بتحريم تداول واستعمال التبغ ، طبقت من جانب اغلبية الايرانيين واجبرت الشاه ناصر الدين القاجاري على الغاء امتياز كان قد منحه لشركة بريطانية لاحتكار تجارة التبغ[6]. رغم محدودية اهدافها ، فان هذه الحركة كانت اول تعبئة عامة للشعب ضد الدولة ، وقد اسهمت في بلورة الدور الخاص للمؤسسة الدينية في الحياة السياسية للشيعة ، حيث ظهر العلماء كممثلين طبيعيين لعامة الشعب ومصالحهم[7].
رغم الشعبية الواسعة التي كسبها الميرزا الشيرازي ، الا ان اصداره لفتوى التنباك اججت بعض نزاعات على الزعامة. وعند وفاته في 1895م لم يكن في النجف زعيم قادر على ملء الفراغ الذي تركه. وساهمت الثورة الدستورية التي اندلعت في 1905 في توسيع تلك النزاعات. لكن ليس كل الظروف السيئة سيئة بالمطلق ، فبعضها يلفت انظار الناس الى حاجاتهم. هذا ما حصل فعلا فيما يتعلق بالمرجعية. فالنزاع على النفوذ حمل خلفاء الميرزا على الاهتمام بالجانب المؤسسي لعلاقة الفقيه بالجمهور. واظن ان السيد محمد كاظم اليزدي (ت 1337 هج)، الذي كان معارضا للثورة الدستورية قد ساهم بدور هام في تطوير هذا الجانب بشكل خاص. يمثل كتاب "العروة الوثقى" النموذج الاول لما يعرف اليوم بالرسالة العملية ، وهي مجموع يضم فتاوى المجتهد في مختلف الامور العبادية والعملية ، موجه لعامة الناس وليس للمتخصصين كما جرت العادة في الماضي. في الوقت الراهن يعتبر المراقبون نشر احد الفقهاء لرسالة عملية بمثابة اعلان عن تصديه للمرجعية الدينية. وجميع الفقهاء المعاصرين لديهم مثل هذه الرسالة التي تمثل خيط العلاقة الرئيس بينهم وبين مقلديهم.
اضافة الى نشره لكتاب "العروة الوثقى" ، تشير بعض المصادر الى ان اليزدي ارسل مبعوثين الى قرى ومدن العراق المختلفة ، كما اقام صلات مع العلماء المحليين في هذه المدن. ليس لدينا الكثير من المعلومات حول هذه الاتصالات ، التي جرى معظمها في العقد الثالث من القرن العشرين. لكننا نعلم ان فترة ما بعد الحرب الحرب العالمية الثانية قد شهدت تحولا هاما في مكانة النجف وعلمائها. فقد تراجعت – لاسباب مختلفة – اهمية الزعامات الدينية المحلية ، ومال الشيعة بشكل متزايد الى "تقليد" احد المراجع البارزين في النجف الاشرف. واظن ان خمسينات القرن العشرين كانت هي الفترة التي اكتمل فيها بنيان المرجعية الدينية كمؤسسة ومركز للزعامة في العالم الشيعي.

وادي السلام

قد لايكون شأن المقابر مهما في مدن العالم . لكنها في النجف حالة مختلفة. حتى اواخر الستينات من القرن العشرين ، كان بعض سكان البلدة القديمة يعدون قبورهم داخل بيوتهم ، ويوصون اهلهم بدفنهم فيها بعد وفاتهم. وتخصص لهذا الغرض غرفة خاصة محاذية للطريق او جزء من السرداب بمدخل وسلم مستقل. وكان بعض العلماء يوقف داره لتكون مكتبة عامة او مدرسة ويوصي بدفنه فيها. ودفن المرجع الكبير  السيد محسن الحكيم في المكتبة المسماة باسمه وهي من اضخم المكتبات العامة في العراق. ودفن بعض العلماء والوجهاء في صحن حرم الامام علي (ع) ، ومن بينهم المرجع الراحل السيد ابو القاسم الخوئي وولديه محمد تقي وعبد المجيد.
 وأقمت برهة في بيت يحوي قبر صاحب الدار ، وعلمت مرة ان احفاده ارادوا زيارة القبر ، فابى المستأجر فتح السرداب ، واخبرهم انه سيترك البيت ان اصروا ، لان اهله يكرهون الشعور بانهم يعيشون على سطح مقبرة. ولم اسمع ان اولئك الاحفاد كرروا المحاولة.
وتنتشر المقابر الفردية والعائلية على امتداد الجزء القديم من المدينة. لكن مقبرة النجف الكبرى المسماة بالغري او وادي  السلام تمثل عالما مختلفا تماما ، فهي تمتد على مساحة كبيرة ، قيل انها تجاوز 17 مليون متر مربع ، وتغطي واجهة النجف الشمالية باكملها وجزء من واجهتها الشرقية. ودفن فيها على مر السنين مئات الالاف من عامة الناس والعلماء والزعماء السياسيين. وحوت جنباتها رفات اشخاص من مشارب متباينة ، اصدقاء واعداء. فضمت جدث عسكري جزار مثل اللواء ناظم كزار الذي قتل وعذب مئات من الناس خلال عمله ضابطا في المخابرات ، وضمت اجداث المئات ممن ماتوا تحت سياط ذلك الجزار وامثاله ، ومنهم اية الله محمد باقر الصدر الذي قتل مع مع اخته في مطلع ثمانينات القرن المنصرم.
حين تطل على المقبرة الشاسعة يغمرك شعور بالغربة والضآلة وربما الضياع ، فالاف القبور التي تمتد شواهدها على مرمى البصر ، وتلك التي اندثرت ، كلها تذكار لخطوط الانكسار التي هي ابرز سمات الحياة. هنا يرقد كثير من الشهود على عوالم كثيرة بادت بعدما سادت ، واصبح اهلها فريسة الدود بعدما كانوا يملأون الدنيا.

 
منتدى النشر

في مساء صيفي اخذني الوالد الى مدرسة "منتدى النشر" الاعدادية ، التي بقيت فيها اربع سنين ، هي مجموع الفترة التي عشتها في النجف. هذه المدرسة جزء من مشروع تعليمي طموح وضعت لبناته الاولى في نهاية ثلاثينات القرن العشرين ، حين تاسست جمعية منتدى النشر على يد مجموعة اصلاحية في الحوزة العلمية ، يتزعمها الشيخ محمد رضا المظفر. ارادت المجموعة انشاء نظام تعليمي حديث  يمكن ان يشكل نواة لتنظيم وتحديث الدراسة في الحوزة العلمية التي اشتهرت بعدم نظاميتها. وكانت فكرتهم ان تفتتح مدرسة ابتدائية واخرى متوسطة وثانوية ، تجمع بين الدروس المعتادة في التعليم العام والدروس الدينية الاضافية . وكانت درة التاج في هذه المنظومة هي كلية الفقه. التي اعترفت الحكومة العراقية بشهادتها وساوتها ابتداء من العام 1958 بشهادات الكليات الادبية في جامعة بغداد. وكان المستهدف الرئيسي بالكلية طلبة الشريعة الذين يدرسون فيها ما يعادل المستوى المعروف بالسطوح في الحوزة التقليدية ، اضافة الى مواد غير متعارفة مثل القانون والبلاغة وعلم النفس والاجتماع ومناهج البحث. لكن يبدو انها توسعت في القبول فضمت عشرات من الطلاب من خارج الحوزة العلمية. كانت الكلية تفرض رسما على هؤلاء ، بينما تعفي الطلبة المعممين من الرسوم. واذكر ان الكلية استقطبت في اوقات مختلفة عددا من كبار الاساتذة مثل د. مصطفى جواد عالم اللغة الاشهر في العراق ، والشاعر د. مصطفى جمال الدين الذي درس فيها البلاغة والعروض ، ود. عبد الهادي الفضلي وهو فقيه من الاحساء ، والسيد محمد تقي الحكيم استاذ اصول الفقه ، ود. جواد علي وهو مؤرخ معروف ألف موسوعة فريدة عن تاريخ العرب قبل الاسلام ، وغيرهم. وعلمت فيما بعد ان حكومة صدام حسين قد سيطرت على الكلية وصادرت مبانيها ، مثلما صادرت العديد من المنشآت الاهلية المماثلة بحجة او باخرى. لكنها استعيدت بعد سقوط النظام العراقي في 2003.
كنت اذهب كل مساء الى المدرسة مرورا بشارع الصادق ، ثم شارع الخورنق ، الذي تقع عليه مدرستان هما الخورنق والسدير ، ثم امر على نادي المعلمين ، وهو ملتقى اجتماعي خاص بهذه الفئة ، زرته مرة فوجدته مكانا لطيفا يحوي مقهى وحديقة ويشكل وسطا اجتماعيا طبيعيا للتعارف بين اهل مهنة التعليم.
في نهاية شارع الصادق ثمة مكتبة صغيرة نسيت اسمها الان ، توفر الكتب الجديدة والعديد من المجلات التي كان اكثرها مواليا لحكومة بغداد. واعتدت شراء واحدة من هذه المجلات هي "الاحد" التي كان يراس تحريرها كما اذكر علي بلوط. ثم تركتها الى مجلة "الاسبوع العربي" التي كان يحررها فيما اذكر جورج ابو عضل وهي ارقى واكثر حرفية من السابقة ، وكان الذي لفتني اليها تحقيق عن ثوار ارتيريا كتبه جورج قرداحي. وكانت تلك اول مناسبة اتعرف فيها على الثورة الارتيرية التي انتهت باستقلال هذه البلاد عن الحبشة. اصبح قرداحي فيما بعد مقدم برامج تلفزيونية ، واشتهر خصوصا بتقديمه برنامج "من يربح المليون" على قناة ام بي سي.
درست في اعدادية منتدى النشر اربع سنوات من الصف الاول متوسط الى الاول ثانوي. وشهدت خلال هذه الفترة بداية تمدد حزب البعث الى المدرسة من خلال "الاتحاد الوطني لطلبة العراق" الذي افتتح مقرا له فيها حوالي العام 1974 ، وكان ابرز شخوصه زميل لي ينتمي لعائلة الرفيعي. وعلمت بذلك حين جاءني يوما وعليه سيماء الجد ، واخبرني ان هناك من ينقل عني كلاما ينطوي على سخرية من حزب البعث ، وان هذا قد تكون له عواقب سيئة: "انا صديقك وانا بعثي .. ولهذا احذرك من المشاكل" ، هكذا شرح  الامر بوضوح وبساطة. علمت ان بين الطلاب من لا يرغب في الانضمام للاتحاد لانهم لا يحبون الحزب . لكن نادرا ما تجرأ احد على التصريح بذلك. فقد كان الحزب متداخلا مع جهاز المخابرات ، وكان يطلب من اعضاء الحزب وانصارهم التبليغ عن اي شخص معاد او يمكن ان يكون معاديا. وحين تصنف كعدو للحزب او حتى غير متعاطف ، فان عالمك ينقلب راسا على عقب.
***
بين نادي المعلمين ومدرستي ، يلفت نظري كل يوم سيارات نقل الرمل القديمة. لم اكن قد رأيت هذه السيارات من قبل ، ولم ارها بعد ذلك. وهي تتميز بحجمها الصغير قياسا الى الشاحنات الاخرى ومقودها الواقع على اليسار كما هو المعتاد في بريطانيا . وعلمت فيما بعد انها تعمل في العراق منذ الحرب العالمية الثانية ، وان الفنيين العراقيين نجحوا في ابقائها على الطريق رغم ان عمرها يتجاوز ثلاثة عقود.
وقصة المحافظة على السيارات والاجهزة القديمة امر ملفت حقا. حين جئت العراق كانت الحكومة تطبق سياسة اشتراكية ، وتفرض رسوما باهضة على الواردات ، من اجل تشجيع الصناعة المحلية كما قيل. ويبدو ان هذه السياسة كانت متبعة منذ استيلاء حزب البعث على السلطة في 1963 . لكني اميل الى الظن بان ضيق ذات اليد هو الذي جعل العراقيين حريصين على الاحتفاظ بما يملكون من سيارات وتجهيزات وامثالها.
ولمناسبة ذكر السيارات ، فقد كان طريقي الى المدرسة يمر ايضا بورشة لصناعة الباصات الخشبية. وهذه ايضا لم اكن قد رايتها قبل ذلك ، لكني وجدتها في السنوات التالية في الهند وبعض الاقطار الشرق اسيوية. كان العراق يستورد موتور السيارة من طراز فولفو السويدية ، وتقوم ورش متخصصة ببناء جسم الباص من الخشب الصلب. واذكر ان بعض الباصات العاملة على طريق النجف – كربلاء كانت تحوي مقاعد من الخشب ايضا. بل ان حافلات النقل العام الحكومية كانت هي الاخرى مقسومة الى درجتين اولى ذات مقاعد مريحة وثانية ذات مقاعد خشبية. واظن انهم قد تخلوا عن تلك الباصات وهذا النظام الان.
ومما لفت نظري في شاحنات العراق وحافلاته مداخنها التي تتجه الى الاعلى ، وليس الى الاسفل كما هو شان كافة السيارات والشاحنات في البلاد الاخرى. وقيل لي ان تلك المركبات تعمل على الديزل وهو ليس صافيا ، ولذا فهي تقذف بكمية كبيرة من الدخان ، ففضلوا ان يجعلوا مدخنتها موجهة الى السماء كي لا تقذف مخرجاتها في وجوه الناس او ثيابهم. والحقيقة ان كل شاحنة او حافلة كانت تشبه مصنعا صغيرا ، بما تقذفه من دخان اسود كثيف.

بعض التحولات 

لعل اكثر التحولات التي اثرت في نفسي خلال السنوات الاربع التي قضيتها في النجف هي انتصار العرب في حرب رمضان (اكتوبر 1973). وقد تابعت الحرب من خلال الصحف المحلية التي كان معظم اخبارها مكررا يختلط فيه الخبر بالتحليل والتوجيه الحزبي ، فلا تعلم صحيحه من كذبه. لكني استفدت من المجلات اللبنانية ولا سيما مجلة "الاسبوع العربي" التي لا زلت اتذكر صورة غلافها في الاسبوع الذي تلا هجوم المصريين والسوريين على القوات الاسرائيلية. وبقيت وزملائي نتبادل الحديث عما جرى اياما طويلة ويغمرنا شعور بالفخر والاعتزاز.
ومن بين الحوادث التي عاصرتها قصة الانقلاب الذي اتهم بتدبيره اللواء ناظم كزار مدير الامن العام (المخابرات) منتصف 1973، وقتل فيه وزير الدفاع حمادي شهاب وجرح وزير الداخلية سعدون غيدان. وسمعت لاحقا ان صدام حسين ، الذي كان يومئذ نائبا للرئيس ، دبر المسالة كلها كي يتخلص من الثلاثة معا ، وكانوا يعتبرون يومها من اقوى رجال الحكم في العراق. وقيل ان كزار هو الذي اراد الخلاص من الرئيس ونائبه والوزيرين. على اي حال فقد اعتقل كزار وعشرات من الزعماء البعثيين واعدموا دون محاكمة.
ومنها ايضا انفراط اتفاق 11 اذار 1970  الذي حصل الاكراد بموجبه على الحق في الحكم الذاتي. في سبتمبر 1971 ارسلت الحكومة وفدا من رجال الدين لمقابلة الزعيم الكردي الملا مصطفى البرزاني. وقيل ان المخابرات فخخت سيارتهم وجهاز تسجيل يحمله احدهم. لكن البرزاني نجا وقتل الضيوف[8]، وكان بينهم رجل دين مقيم في النجف ، مشهور بعلاقته القوية مع المخابرات.  وادى الحادث الى عودة التوتر في اقليم كردستان.
واذكر ايضا اشياء صغيرة مثل افتتاح فرع لشركة اورزدي باك ، وهي شركة عراقية - اجنبية مختلطة متخصصة في استيراد وتوزيع الاجهزة المنزلية ، وقد صادرتها الحكومة مثل كثير من الشركات الاخرى. وافتتح الى جانبها فرع لشركة باتا المتخصصة في صناعة الاحذية. وكان يوم افتتاح المحلين يوما مشهودا ، تحدث عنه اهل النجف. ربما لانها المرة الاولى التي تتوفر للناس فرصة الحصول على اجهزة كهربائية منزلية ، ذات مستوى جيد وباسعار معقولة.
ومن طرائف ما حدث في تلك الايام انضمام اول سيارة لكبس الزبالة الى اسطول بلدية النجف. وقد اعتنت البلدية بتعليق لافتة كبيرة كتب عليها "هدية حكومة الثورة الى بلدية النجف". وقد وجدت فيها اشارة على بساطة اولئك الناس او قلة لياقة الحكومة التي تعتبر شراء شاحنة لمدينة رئيسية شيئا يستوجب الاشادة على هذا النحو. واذكر للمناسبة ان القمامة في النجف تجمع بواسطة عربات يدوية كبيرة ، ربما لان طرقات المدينة القديمة لا تتسع لمرور سيارات ، او لان البلدية لا تملك العدد الكافي من السيارات. ومررت يوما في سوق العمارة بجامع قمامة يحدث ابنه الصغير ويمنيه بانهم "ربما" يذهبون يوما الى بغداد. فسأله الطفل: "اذا سافرنا الى هناك فاين ستضع مكنستك؟". كان الذهاب الى بغداد امنية عند فقراء النجف ، نظرا لافتقارها الى اي مرفق ترفيهي من اي نوع.
***

النجف القطيفية


بعد اشهر قليلة من وصولي الى النجف ، (اوائل شوال 1390 هج) ، حل علينا ضيوف مختلفون ، اكتشفت معهم عالما مختلفا . لم يأت السيد حسن العوامي والاستاذ عبد الله الخنيزي للدراسة الدينية ، فقد كان كل منهما وجيها مرموقا في البلاد ، ولم تجر العادة ان ينضم طالب الى الحوزة العلمية في سن متقدمة ، كان الرجلان قد تجاوزا الثلاثين من العمر ، بينما يبدا معظم الطلبة تحت العشرين. ومع الرجلين بدأت ارى شبابا من القطيف يدرسون في جامعات العراق وعلمت لاحقا انهم جزء من محاولات حزب البعث الحاكم لانشاء تنظيم حزبي في المملكة . كلفني السيد حسن يوما بتبييض مقالة وجدتها بعدئذ منشورة في مجلة "صوت الطليعة" المعارضة للحكومة السعودية. اكتشفت عندذاك هذا الجانب المختلف في الحياة : المعارضة السياسية . وبدأت افهم فحوى الاخبار التي اسمعها في المجالس عن اعتقالات متواصلة في البلد لاشخاص يتهمون بمعارضة الحكومة .
اقام الاثنان ، اول امرهم ، في دار ابن عمتي الاستاذ عبد العلي ال سيف الذي كان يومئذ طالبا في كلية الفقه. و ربما لهذا السبب عرفت بوجودهم ، ولعل غيرهم قد لجأ مثلهم الى النجف ولم اعرف عنه. وفي وقت لاحق انضم اليهم الاستاذ محمد رضي الشماسي وكان – بالقياس الى سابقيه – شابا في مقتبل العمر. وقد تعلمت على يديه مقدمات اللغة الانكليزية.
فهمت لاحقا ان جهاز الامن يشن حملة اعتقالات في القطيف ، وان الثلاثة هربوا بعدما علموا انهم مطلوبين للاعتقال. كانت هذه هي المناسبة الاولى التي اتعرف فيها بشكل مباشر على الاوضاع السياسية في المملكة. فيما بعد لاحظت ان عدد الهاربين من المملكة كان كثيرا نسبيا ، وان بعضهم قد اقام في العاصمة بغداد. وكان له نشاط سياسي معارض. من بين هؤلاء اذكر خصوصا المرحوم عبد الرسول الجشي (1926-2008) ، وهو شاعر عذب ، والده الشيخ علي الجشي قاضي القطيف واحد ابرز زعمائها الدينيين في النصف الاول من القرن العشرين. كان الجشي مقيما في بغداد ، وقدر زرته مرة في منزله بحي المنصور. كان الجشي ياتي الى النجف في المناسبات ، ويحرص على زيارة السيد حسن والشيخ عبد الله. وكنت استمع احيانا لما يذكر في هذه الجلسات من اخبار البلد ، ولا سيما اخبار الاعتقالات الجديدة. كما اطلعت للمرة الاولى على مجلة "صوت الطليعة" التي لا تنشر اسماء كتابها او مديريها ، لكني فهمت ان للجشي علاقة وثيقة بها. وفي وقت لاحق ، علمت ان الاعضاء السعوديين في حزب البعث ، هم الذين يصدرونها. في ذلك الوقت كانت المجلة تعتبر رزينة جدا وذكية في طروحاتها. وقد عرفت من خلالها معلومات كثيرة عن التاريخ السياسي لبلدنا ، وما يدور فيه وحوله من صراعات.
واطلعت يومئذ على بعض قصائد الجشي ، وبينها ملحمة شعرية عظيمة تصف احتفالا فولكلوريا يقام في  القطيف في ربيع كل عام شاركت فيه في طفولتي وكنا نعرفه باسم "واصفيروه" . ولا اعلم ان كان هذا هو اسمه الصحيح ام انه مجرد تصور ذهني رسخ في ذهني بسبب الاغنية الخاصة بالمناسبة والتي تبدأ بهذه الكلمة. و وقد اندثرت هذه المناسبة ولم يبقى من ذكراها سوى مهرجان "الدوخلة" التراثي الذي يقام سنويا على ساحل سنابس ، شرقي جزيرة تاروت. والدوخلة اناء من سعف النخل المجفف يستعمل لزراعة بذور القمح في منتصف الشتاء ، فاذا جاء الربيع وبرز النبات من ترابه ، حمله الاطفال الى ساحل البحر والقوا به في الماء وهم ينشدون اناشيد تراثية ، ما عدت اذكرها الان.
 عبد الله الخنيزي كان شخصية معروفة قبل قدومه ، فعائلته مشهورة بالعلم والادب ، وظهر فيها العديد من الشخصيات المحترمة . والده الشيخ علي ابو الحسن الخنيزي كان فقيها مرموقا ذا ميول اصلاحية (ت 1363 هج)، واخوه الشيخ عبد الحميد كان قاضيا للقطيف . واشتهر خصوصا حين اعتقل في ::: بعد نشره كتابا بعنوان "ابو طالب مؤمن قريش". وكاد ان يعدم بحكم مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن ابراهيم ال الشيخ ، الذي قال ان الكتاب يحوي مخالفات جسيمة للعقيدة الصحيحة. والمشهور ان نجاته من القتل كانت ثمرة لتدخل من جانب المرجع الاعلى يومئذ السيد محسن الحكيم الذي ناشد شاه ايران السابق محمد رضا بهلوي بذل مساعيه الحميدة لدى السلطات السعودية.
عاد الخنيزي الى القطيف في اواخر محرم 1401هج ، حيث نجح في تحسين علاقته مع الحكومة . وعين قاضيا للقطيف بعد وفاة اخيه الشيخ عبد الحميد في ابريل 2001 حتى 2005.
حين جاء الخنيزي الى النجف تلقاه وجوه المجتمع الديني باحترام. وفيما بعد اصبح من الشخصيات الدائمة الحضور في مجلس المرجع السيد ابو القاسم الخوئي. وقد اعتدت زيارته بعد ظهر كل يوم لدراسة المقدمات. ولفت نظري اعتداده الشديد بنفسه وحدة طبعه. كما لفت نظري شدة اهتمامه بالادب والبيان ، وتاثره بكتابات جبران خليل جبران وطريقته في التعبير.
اما السيد حسن العوامي فهو – على الارجح – ابرز وجها ء القطيف في الربع الاخير من القرن العشرين. وقد حظي بمكانة اجتماعية رفيعة وكلمة مؤثرة ، ترجع في ظني الى ثقافته الواسعة وسعة صدره وتعامله اللين مع مختلف الاطراف والاطياف. وكان مجلسه مجمعا لمختلف الناس ، يلتقي فيه المثقفون والناشطون ، ولعله بين الاماكن القليلة التي نجحت في جمع المتنافسين والخصوم.
في العام 1974 او ربما العام الذي سبقه شنت السلطات العراقية حملة اعتقالات شملت عددا من طلاب العلوم الدينية السعوديين. ولم نعلم السبب على وجه التحديد ، لكن شائعات قالت انهم اتهموا بالتجسس لصالح المملكة. وجاء هذا بعد فترة وجيزة من حملة على الطلبة الايرانيين اثمرت عن ابعاد المئات منهم ، وعلمت لاحقا انها طالت ايضا الافا من العراقيين الذين اعتبرتهم السلطات ايرانيي الاصل.
وللمناسبة فمسالة الجنسية والاصل كانت واحدة من القضايا الغريبة في العراق. واظن انها ترجع الى عهد العقيد عبد السلام عارف الذي استولى على السلطة في 1963 بعدما اطاح باللواء عبد الكريم قاسم. طبقا لما سمعت. فقد اقرت الحكومة في تلك الحقبة نظاما يقضي بان على العراقيين ان يحملوا وثيقتين: الجنسية وشهادة الجنسية. شهادة الجنسية تشير الى الاساس الذي صدرت وفقه الجنسية العراقية. بالنسبة لمن كانت جنسيتهم السابقة عثمانية او صنفتهم الدولة كرعايا عثمانيين ، فانهم يعتبرون عربا ، اي عراقيين اصيلين ، ومن لم يحملوا الجنسية العثمانية ، فانهم يصنفون في الجملة كـ "تبعية" ويقصد بها انهم يرجعون الى اصول ايرانية. هذا التقسيم كان من ابرز ادوات القهر السياسي التي اتبعتها الحكومة. وهو مثال على عملية تطييف الدولة التي جرت خلال الفترة التي كانت الحكومة تتالف من اعضاء في حزب البعث العربي الاشتراكي. فقد جرى تهجير مئات الالاف من الاكراد والعرب باعتبارهم "تبعية". والطريف ان بين المهجرين الاف ممن يوصفون في العراق بـ "العرب" اي سكان الريف في جنوب العراق ، وهم ينحدرون من قبائل بدوية استقرت في هذه المناطق.
عودة الى اعتقال طلبة العلوم الدينية السعوديين ، فقد افرج عنهم بعد اسابيع . وسمعنا من بعضهم انهم اجبروا على توقيع اقرارات بانهم ضباط في المخابرات السعودية وانهم يحملون رتبا عسكرية .. الخ. لكن الغريب في الامر ان معظم هؤلاء بقي في النجف الاشرف لمواصلة الدراسة ، رغم توقيعه على تلك الاقرارات ، الامر الذي يشير الى عبثية ذلك الاجراء. فلو كانت السلطات مقتنعة حقا بصدقية تلك الاقرارات ، لابقتهم في السجن او على الاقل ابعدتهم من البلاد.
واتذكر للمناسبة قصة جرت لصديقي الاستاذ عبد الله قريش في بغداد. كان الرجل في حافلة للنقل العام في العاصمة حين سأله شاب عراقي عن اسمه وبلده وعن كاميرا من طراز ياشيكا كان يحملها ، فلما ذكر له انه من عائلة القريش ، سأله الشاب عما اذا كان له اقارب من العائلة المالكة السعودية. لم تثر المسالة كبير اهتمام عند الصديق ، لكنه بعد نصف ساعة توقف الباص وصعد اليه اشخاص مدنيون اخبروه انهم ينتمون لجهازالامن وطلبوا منه النزول ، حيث اخذوه الى مركز امني وحققوا معه حول عائلته وقرابته مع العائلة المالكة والكاميرا التي يحملها ، وكانوا مندهشين خصوصا لان الكاميرا تحوى عدستين ، واشياء من هذا النوع ، ثم اخلوا سبيله. سمعنا امثال هذه القصة تكرارا ، وهي تكشف عن اجواء القمع والخوف التي كانت تسود العراق في تلك الحقبة.
كان جهاز المخابرات العراقية غبيا جدا وقاسيا جدا. لكنه تمدد في مفاصل الدولة العراقية حتى اصبح واياها شيئا واحدا. هذه الحكومة التي يختلط فيها العمل الاداري بالامني ، وصفها الاستاذ حسن العلوي ، الاعلامي والكاتب العراقي المعرف بـ "دولة المنظمة السرية". وهو يعتقد – كما في كتابه الذي يحمل هذا الاسم ان "الدولة" بمعناها المتعارف في العالم ، قد تلاشت في ظل حزب البعث ، وحل محلها نظام هو اشبه بمنظمة سرية . تدار مركزيا ، وتعمل على  طريقة العصابات المنظمة ، لكنها تسيطر على دولة وتستعمل اموال امة بلد بكامله.
ولا انسى ان والدي المرحوم قد ذهب ضحية لهذه المنظمة. هاجر الوالد الى النجف في منتصف الثمانينات ، حيث اشترى بيتا واقام عملا تجاريا مع اشخاص من اهل المدينة. وحين اعتقل ، سمعنا ان بعض شركائه التجاريين ، او ربما اشخاصا اخرين قد وشوا به. وبقي حبيسا دون محاكمة حتى اندلاع حرب الخليج الاول في 1991 ، حين اطلق سراحه مع طائفة كبيرة من السجناء العرب ، وابعد الى سوريا. كان رحمه الله في غاية الضعف ، مريضا ، عاجزا عن التركيز حين وصل  الى دمشق ، وقد بكى كثير من معارفه حين رأوه على تلك الحال البئيس.

الكويت

في 1974 او ربما 1975 هجرت النجف عائدا الى حياتي القديمة . لكن اقداري قادتني الى الكويت فاعادتني الى ذات السلك الذي زهدت فيه. في طريقنا الذي يمر بالكويت ، ذهبت مع الوالد  لزيارة صديقه القديم اية الله الشيرازي. وحين دخلنا المجلس نهض الحضور احتراما واجلسني "السيد" بجانبه وتلطف في الحديث معي ، الى درجة عجزت معها عن التفكير فيما يجري. في حقيقة الامر لم يسبق لروحاني كبير ان عاملني بهذا القدر من اللطف ودماثة الخلق . وقد وجدت نفسي وانا اصغر القوم محل احترام لا يقل عن باقي الحضور. طيلة السنوات التالية اكتشفت في الشيرازي مربيا ومعلما ومصدر الهام. كان السيد محمد الشيرازي نموذجا مختلفا تماما عن الروحانيين الذين عرفتهم في النجف ، في لطفه وتواضعه وثقافته واهتمامه بعامة الناس ، وتركيزه الشديد على اولولياته .
في مدرسة الشيرازي تعرفت عن قرب على رفيق الدرب الاتي الشيخ حسن الصفار ، واظنه قد اقنعني بعدم الرحيل. وهكذا وجدت نفسي راغبا في مواصلة الدراسة هنا بعدما قررت هجرانها. اختلف الحال هنا عما كان عليه في النجف. في المدينة المقدسة كان الولد الصغير متروكا لشأنه ، يدرس ما يريد ويقرأ ما يريد ويعيش كما يريد. لكنه هنا ملزم بمنهج محدد في ساعات محددة ، كما كان عليه ان يلتزم بسلسلة من القراءات والجلسات التربوية والنشاطات الدعوية خارج المدرسة. اكتشفت بعد عام او نحوه ان الحياة في هذه المدرسة تسير وفق تقدير محسوب ، وان هدف الدرسة هنا لا يقتصر على اعداد امام جماعة او خطيب منبر ، او استاذ شريعة او فقيها يفتي الناس ، كما كان الامر في النجف الاشرف. تعلمت للمرة الاولى الجواب على اسئلة مثل "من انا" و "ماهو العالم الذي يحيط بي" و"اين موقعي من هذا العالم" ، بعبارة اخرى بدأت تتشكل في ذهني صورة اولية عما سيكون لاحقا هويتي كانسان ، كمثقف ،  كناشط في المجال السياسي ، وكاصلاحي في المجال الديني.
هنا ايضا تعرفت للمرة الاولى على التشيع الاخر المختلف عما عرفته في بلدنا في العراق. قرات عن الحركة الاسلامية الايرانية التي تعارض حكومة الشاه . قرأت لعلي شريعتي ، مجاهدين خلق ، مهدي بازركان ، واية الله الخميني . وتعرفت على اسلام يختلف جوهريا عن الاسلام التقليدي الذي اعتدت عليه ، بعدما قرأت حسن البنا وسيد قطب وزينب الغزالي وسعيد حوا وفتحي يكن. وفهمت لماذا تختلف هذه المدرسة عن التيار السائد في التشيع من خلال كتابات اية الله الشيرازي ، محمد تقي المدرسي ، هادي المدرسي ، رسول اللاري ، صاحب الصادق .. الخ. تعرفت لاحقا على عوالم اخرى من خلال رسائل جواهر لال نهرو الى ابنته "لمحات من تاريخ العالم" ومذكرات غيفارا وتشرشل وهتلر .. الخ.
كنت في النجف اتلقى العلم واقرأ واستمع ، ولم يسألني احد يوما ان كنت افهم شيئا . اما هنا فالطالب جزء من عمل قائم ، فهو مطالب بالمشاركة في توجيه الاخرين ، بالحديث معهم وتشجيعهم على القراءة واقناعهم بالمشاركة في نشاطات دينية وثقافية. وجدت نفسي اذن منجذبا دون وعي الى تيار حركي محور اهتمامه هو اعادة صوغ الثقافة الدينية ، واعداد كادر قادر على ايصال رسالة الحركة الى الناس.
الحركة
رغم شغفي القديم بالصحافة ومتابعتي لاحداث العالم ، الا ان السياسة التي تعلمتها في اطار "حركة الرساليين الطلائع" كانت شيئا مختلفا تماما. معرفة العهد القديم كانت معلومات تتراكم في الذهن . اما المعرفة الجديدة فهي سعي وراء تفسير ما يجري. انت هنا لا تكتفي بمعرفة ما حدث ، بل تسعى لفهم خلفياته وتداعياته المحتملة . والاهم من كل ذلك موقعك منه وموقفك ازاءه. بعبارة اخرى فانت لا تتفرج على ما يجري في العالم بل تضع نفسك فيه ، تصبح جزء منه .
الكتاب الاول من برنامج الحركة التربوي "رسالة الانبياء" يعيد قراءة تاريخ الرسالات السماوية مستخلصا رؤية لتاريخ البشرية . تدور هذه الرؤية حول ثلاثة محاور اولها : حتمية الصراع ، فالرسالات تثير صراعات وهي لا تتقدم الا عبر الصراع . الثاني : تحديد جبهات الصراع . في كل الاحوال كانت الطبقات الدنيا وصغار القوم هم انصار الرسل ، وكان الكبار اعداءهم . والثالث : دور الفرد . بدأت جميع الرسالات بافراد تمردوا على واقعهم وانفصلوا عن نظام المصالح القائم في مجتمعاتهم وحملوا الرسالة وكافحوا من اجلها فصنعوا التاريخ . البشرية – في هذا الكتاب – امة واحدة ، وتاريخها سجل للصراع بين المستضعفين والمستكبرين . الوحي السماوي هو برنامج الضعفاء لاستعادة التوازن المفقود ، ولترسيخ العدالة واطلاق حركة التقدم . الرسالة النهائية للكتاب هي دعوة للفرد كي يحدد موقعه في جبهة المستكبرين او المستضعفين ، ويحدد دوره متفرجا او شريكا او فاعلا. في نهاية المطاف يجد الفرد نفسه متصلا بكل ما يجري في العالم من صراعات . من يقبل الدعوة فسيكون في صف المقاومة الفلسطينية ضد اسرائيل ، مع الفيتناميين ضد امريكا ، و الارتيريين ضد اثيوبيا ، مع المؤتمر الوطني الافريقي ضد العنصريين في جنوب افريقيا ، ومع الحركة الاسلامية في ايران وتركيا ومصر الخ ..
يقدم الجزء الثاني من البرنامج التربوي للحركة صورة مختلفة لعلاقة الشيعة بالسياسة . فيما مضى كان التشيع حركة هروب من الواقع . التركيز على العمل العلمي والجدل الفلسفي ، المبالغة في تعظيم شأن الفقه والتشديد على الالتزام الدقيق بفتاوى الفقيه ، تخفي انسحابا من مواجهة الواقع . الانسان الصالح في الفهم التقليدي هو الانسان الملتزم حرفيا بتفاصيل المعتقدات وما حولها من جدل . كان الدين ملخصا في نوعين من الكتب : كتب الجدل مثل "الغدير" و"المراجعات" و"النص والاجتهاد" واسلافها ، والرسالة العملية التي تضم فتاوى الفقيه المرجع في قضايا العبادات والمعاملات.  سؤال السياسة مسكوت عنه وسؤال المجتمع مؤجل . تجد الناس يعظمون ثورة الامام الحسين لانها احيت الدين ، لكنهم يفضلون موقف ابنه زين العابدين الذي اختار اعتزال السياسة والصراع .
 اذا بحثت عن جواب علمي لهذا الموقف المزدوج فسوف تسمع العشرات من الروايات عن عبث الدخول في السياسة وحرمة التمرد على السلطان قبل قيام المهدي الغائب. السياسة - في التصور الديني التقليدي – محصورة في احتمالين : حكم شرعي مستحيل الا عند عودة الامام الغائب ، وحكم ظالم هو الواقع السائد في كل مكان . الشيعي - في هذا التصور– كائن سلبي ، لا يصارع الظالم لان الفشل محتوم ، ولا يسعى للاصلاح في دولة الغاصب لان الدخول فيها عون على الظلم وترسيخ للغصب .
يتتبع هذا الجزء حركات المعارضة الشيعية منذ عاشوراء حتى اوائل القرن العشرين ، كي يستنتج ان التشيع ليس مذهب الهروب من الواقع ، وان الشيعة لم يكونوا مجتمعا سلبيا يتفرج على حركة التاريخ .  قام التشيع كتعبير عن الاعتراض على الواقع السلبي ، واستمر معارضا له ، وحقق نجاحات في احيان كثيرة . يعرض الكتاب فكرة انتظار الامام الغائب بصورة مختلفة ، فهو يركز على مفهوم "التمهيد" لخروج القائم ، كجوهر لفكرة الانتظار. انتظار الفرج ليس قعودا سلبيا ، فالامام لن يعود الا في ظرف مناسب . اعداد الظرف المناسب يعني تحديدا اقامة المجتمع النشط والدولة العادلة التي تجسد رسالة الامام . يتجاوز الكتاب الروايات المنتشرة في كتب الحديث الشيعية ، ويركز في استدلاله على سيرة الشيعة المناضلين خلال التاريخ . انه بعبارة اخرى دعوة لتحديد نوعية التشيع الذي تريد الايمان به : تشيع الانتظار السلبي ام تشيع التمهيد والاعداد . انت هنا امام خيار سيحدد حياتك القادمة : في صف قراء الحديث القاعدين ، او في صف المكافحين من اجل العدالة.

تاثير شريعتي

في بداياتها ، تأثرت حركة الرساليين الطلائع بالمنهج الفكري الذي طوره المرحوم علي شريعتي. درس شريعتي علوم الدين في خراسان ، ثم درس الاجتماع والتاريخ في فرنسا خلال النصف الاول من ستينات القرن العشرين. وفيها تاثر بفلسفة التمرد التي حملها يومئذ مفكرون مثل فرانز فانون. بدلا من الاهتمام بالتصوير الفقهي للدين ، اهتم شريعتي بفهم القرآن الكريم ، وتاثر في هذا المجال بالذات بوالده محمد تقي شريعتي وهو ايضا مفكر ومفسر للقرآن . كمت تعرف على رفاق ابيه ، وهم حركيون حاولوا في منتصف القرن العشرين اطلاق حركة تجديد ديني متوازية مع النشاط السياسي . بين اعضاء هذه المجموعة تبرز اسماء تركت تاثيرا عظيما في مسار الاسلام السياسي الايراني ، مثل اية الله كاشاني ، اية الله طالقاني ، مهدي بازركان ، ويد الله سحابي . في اول الامر عمل هؤلاء ضمن الجبهة الوطنية ، بقيادة محمد مصدق . وبعد اسقاط حكومته في 1953 وجهوا اهتمامهم الى طلبة الجامعات ، مستهدفين طرح نموذج جديد للتدين يعيد ربط القيم الدينية السامية مع الحياة اليومية ، ويفسح مجالا واسعا للناس كي يشاركوا في صياغة رؤيتهم الخاصة لدينهم وعالمهم ، خلافا للتقليد الموروث الذي يحصر التفكير في الدين والنشاط الديني في طبقة الروحانيين .
في 1969 اسست المجموعة "حسينية ارشاد" واتخذتها مقرا لنشاطاتها ، التي كان من ابرزها محاضرات الدكتور علي شريعتي. كانت هذه الحسينية نموذجا جديدا لمراكز التبليغ الديني ، تركز على الشباب وتقصر برامجها على المحاضرات التي تدعوا لتجديد الثقافة الاسلامية.
 اجتذبت محاضرات شريعتي الساخنة الافا من طلبة الجامعات الذين سمعوا للمرة الاولى تفسيرا لتاريخهم ورؤية لمذهبهم تناقض تماما ما اعتادوا سماعه في اماكن اخرى. قدم شريعتي الدين الاسلامي كحركة ثورية تستهدف تحرير المستضعفين ، وصور الاثرياء والساسة وكبار الروحانيين وعلية القوم كعقبات تعيق انجاز المهمات الكبرى التي يريدها الدين. في كل محاضراته كان ثمة اشارة الى ما اعتبره تحالفا ابديا بين ثلاثة اطراف "ملك ، مالك ، ملا" او "زر=الذهب ، زور = السلطة ، تزوير = التحريف". وكان يرى ان مشكلة العدالة تكمن في قدرة هذا التحالف على اقناع الجمهور البسيط بمشروعية السلطة ، وسيطرته في الوقت ذاته على معيشة الناس وعلى مصادر السلطة والقوة في البلاد.
حركة التاريخ عند شريعتي هي حلقات في صراع ابدي بين هذا التحالف وبين المصلحين وانصارهم المستضعفين. من بين ابرز ما تركه كتاب "التشيع العلوي والتشيع الصفوي" الذي يقارن بين منهج ديني يكافح من اجل انصاف الضعفاء ، ومنهج يركز على الشكليات والمظاهر ، ويقدس السلطة. قدم شريعتي تفسيرا للتاريخ يقترب من التفسير الماركسي . لكنه نجح في تجاوزه من خلال التركيز على تبيئة الفكرة واعادة انتاجها ضمن شروط الواقع الثقافي الخاص. وفي هذا السياق رسم شريعتي صورة جديدة لعشرات من الشخصيات التاريخية المناضلة التي اعتبرها نماذج للمسلم الحق.
في تلك الحقبة التي عزز الماركسيون مواقعهم بين الجيل الايراني الجديد ، نجح شريعتي في استعادة عشرات الالاف الى دائرة الاسلام . لكن طروحاته الناقدة جعلته العدو الاول للروحانيين الذين نسبوا اليه نفور الناس منهم . لكن الحقيقة ان سوق الروحانيين كانت – في ستينات وسبعينات القرن العشرين – قد بارت بتاثير الشعور العام بالفشل الذي ساد ايران اثر سقوط حكومة مصدق الوطنية في 1953، ولا سيما شعور الجيل الجديد بان جانبا من الفشل يرجع الى انسحاب الروحانيين من الصراع وعدم دعمهم للحركة الوطنية.
بعض الازمات تطلق حركة تجديد معاكسة ، تعيد ترتيب البيت الوطني على اسس جديدة. وبعضها يطلق حركة جلد للذات ، تعزز الشعور بان البلد كله معطل ، وان المجتمع كله فاشل ومقيت . وهذا ما حصل في ايران يومذاك. في خضم هذا الشعور القاتل ، كان فكر شريعتي المتمرد وخطبه البليغة مصدر الهام لعشرات الالاف من الشباب ، فانتشلهم من حمأة الحيرة بعدما هيمن عليهم اليأس ، او وجدوا انفسهم يبحثون بلا جدوى عن بديل يبرر القطيعة الضرورية مع النسق الديني التقليدي ، وما يسوده من ثقافة وقيم ونظام علاقات.
ترك شريعتي مئات من المحاضرات والمقالات ، وطبع من كتبه ما يتجاوز 15 مليون نسخة حتى العام 2000 . وبلغ عدد الدراسات التي اهتمت باعماله وتاثيرها في ايران نحو 150 دراسة علمية.

الصراع

محاولاتنا الاولى لنقل تجربة الحركة الى مجتمعنا كانت اقرب للتجريب منها الى العمل الفعلي. بدأ رفيق دربي الشيخ حسن الصفار احاديث مع شباب يسكنون في الجوار ، وكررت لاحقا نفس التجربة ، لكن تصورنا للعمل يومئذ كان يدور في الغالب حول النشاط العام ، رغم ان برنامج التربية الحركية موجه الى الفرد في المقام الاول. انشأنا ندوة اسبوعية اقتصر حضورها على خطباء ومثقفين وكانت قدرتنا على التاثير فيها محدودة. لحسن الحظ فقد تعرفنا مبكرا على طلبة في السنة التمهيدية لجامعة البترول والمعادن ، وكان العمل معهم فرصة ، تعلمنا خلالها كيف نصحح اولوياتنا ، ونصوغ افكارنا على نحو جذاب ومؤثر. معظم الذين تعرفنا عليهم في تلك المرحلة اصبحوا فيما بعد من صناع الحركة وقادتها ، وقد تعلمت من كل فرد فيهم بقدر ما تعلم مني وربما اكثر.
الكلام في السياسة والخروج عن خط "المرجعية" كان العقبة الاصعب في تلك المرحلة المبكرة من تاريخ الحركة. وجدنا اناسا كثيرين يتساءلون: اذا كان علينا ان نتدخل في السياسة ، فلماذا لا يفعل المرجع ذلك؟. المرجع المقصود هو المرحوم اية الله الخوئي الذي اتبعه معظم الناس يومذاك. برز الخوئي كزعيم للمدرسة الفقهية التقليدية وتميز عن اقرانه ببحوثه المعمقة في اصول الفقه ولا سيما الادلة العقلية. وتولى سدة المرجعية بعد وفاة السيد محسن الحكيم في 1970. وعرف بميوله المحافظة ، واصطدم بالمجموعات التي سعت الى التجديد في الدراسة او العمل الديني ، ومن بينهم الشهيد محمد باقر الصدر ، والسيد الشيرازي ، كما اتخذ موقفا متشككا من الثورة الايرانية ، وقيل انه اظهر تعاطفا مع الشاه ، لكنه لم يتخذ موقفا علنيا رغم محاولات عقيلة الشاه فرح بهلوي التي زارته في 1978 طلبا للدعم.
في تلك الحقبة ، كان اهل بلدنا ينظرون الى موقف المرجع كمعيار وحيد لما يصح وما لا يصح . وكان سكوته عندهم موقفا. وقد جرت عادة المراجع ، معظمهم على الاقل ، على اختيار السكوت حتى حين يتطلب الامر موقفا معلنا. اما التبرير الضمني للسكوت فهو الخشية من التورط في صراعات تتجاوز حدود سيطرتهم. والحقيقة ان النفور من السياسة والابتعاد عنها هو المسار المتعارف في النجف الاشرف وفي الحوزة العلمية بشكل عام.
نحن اليوم نرى في كل رجل دين مشروعا سياسيا ، لكن هذا السلوك لم يكن مألوفا قبل 1979. واذكر ان الشيخ محمد علي التسخيري ، الذي يعمل الان في مكتب مرشد الثورة اية الله خامنئي ، حل ضيفا علينا في منتصف 1978 ، وراى بعض ما لدي من اوراق وكتب حول الثورة الايرانية ، فقدم نصيحة مخلصة بالابتعاد عن "هذه الامور" لان ما يجري في ايران لعبة شيوعية ، وان "السيد" – اي الخميني – بعيد عن الساحة ولا يعرف حقيقة ما يجري. زرت الشيخ التسخيري في ابريل 1980 فوجدت صالون بيته مغطى بصورة للخميني طولها متران . وقد حدثنا نحو نصف ساعة عن فضائل "الامام" الخميني ، وما جرى على يديه من خوارق.
في 1979 انكسر النسق التقليدي المعتاد في المجتمعات الشيعية ، النسق الذي ينفي الاخلاق عن السياسة ، ويرتاب في النشاط السياسي ، ويعتبر معارضة الحاكم عبثا او طغيانا. كان الدين منفصلا عن السياسة ، وكان التنكر للدنيا وتجنب الصراع عليها ، فضيلة تسجل لصاحبها. لكن الامر انقلب راسا على عقب بعد ثورة ايران ، فاصبح انخراط رجل الدين في الصراع السياسي ، تمهيدا ضروريا لنيل الزعامة وكسب قلوب الاتباع .
لم يعد الناس يسألون عن موقف المرجع ، فقد اصبحت السياسة خبزا يوميا لعامة الناس . بل اصبح المخلصون للمرجع في حرج من امره ، مضطرين للبحث عن مبررات لموقفه او لا موقفه . بالنسبة للعالم كان انتصار الثورة الايرانية زلزالا سياسيا ، اما بالنسبة للمجتمعات الشيعية فقد كان زلزالا ثقافيا وعقائديا ، حطم الى الابد اساطير ثقافية ، تجذرت في العقول والقلوب ومنظومات القيم الاجتماعية ومضى عليها مئات السنين.



[1] لمعلومات اكثر حول تاريخ النجف واحوالها ، راجع مكتبة الروضة الحيدرية ، http://www.haydarya.com/maktaba_moktasah/21/fehres.htm
[2] Said Arjomand, The Shadow Of God and the Hidden Imam, (Chicago, 1984), p. 211
Also: Heinz Halm, Shi‘a Islam : From Religion to Revolution, (Princeton, 1996), p. 108 
[3] القمي ، عباس : الكنى والالقاب 1/199
  أيضا الامين ، محسن: اعيان الشيعة 1/124
  أيضا الامين ، حسن: مستدركات اعيان الشيعة 5/277
[4] لبعض المعلومات حول المدارس الدينية في النجف ، انظر: محمد الخليلي : مدارس النجف القديمة والحديثة.  موقع  مكتبة الروضة الحيدريةhttp://www.haydarya.com/maktaba_moktasah/21/book_24/main.htm

[5] Juan Cole, ‘Imami Jurisprudence and the Role of the Ulema’ in   Nikki Keddie, , Religion and Politics in Iran, Yale University Press, (New Haven 1983), p. 34
[6] حول حياة الميرزا الشيرازي وزعامته ، انظر:
 Litvak, Meir, Shi‘i Scholars of 19th Century Iraq, (Cambridge 1988), p. 84
[7] Keddie, N, “Iran, Understanding the Enigma: A Historian’s View”, Middle East Review of International Affairs Journal, V 2, No. 3, September 1998. retrieved from (www.ciaonet.org/olj/meria/meria98_keddie.html)
[8] لتفاصيل عن هذه الحادثة ، انظر عادل الركابي: حكومة القرية  ، شبكة اخبار النجف الاشرف http://www.alnajafnews.net/najafnews/news.php?action=fullnews&id=863

نشر جزء منه في جريدة الوقت 3 يناير 2009
مقالات ذات علاقة