‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصراع الاجتماعي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصراع الاجتماعي. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 8 مايو 2012

في تفسير التنازع بين الدعاة والمصلحين



خلال العقدين الماضيين ، تحولت شريحة كبيرة من العاملين في الحقل الديني الى العمل السياسي الصريح او الضمني ، بعدما "اكتشفت" ان الدعوة الى مكارم الاخلاق ، وتعليم الناس عقائدهم وعباداتهم ، تنطوي – ضمنيا – على بعد سياسي.
 تبعا لذلك ، برز في المجتمع المحلي ما يمكن وصفه بحالة استقطاب polarization  متعددة  المحاور، تبرز فيها جماعات دينية تقليدية واخرى اصلاحية ، وجماعات ليبرالية ، فضلا عن مجموعات شبابية غير مؤدلجة. بعض هذه الاقطاب يتبنى مباشرة او مداورة اجندات سياسية ، وبعضها يصر على ترك السياسة للسياسيين والتفرغ للعمل الديني البحت.

كل عمل يستهدف التاثير على المجتمع ، فهو ينطوي – بالضرورة – على مضمون سياسي. لانه يستهدف ، او يؤدي الى اقامة دائرة نفوذ ، يكون الداعية قطبا فيها او موجها لحركتها. وهذا يقود الى مزاحمة – عفوية او مقصودة – لدوائر النفوذ الاخرى ، المماثلة او المختلفة. نعرف ان المجتمع لا يتالف من افراد هائمين في فراغ ، بل من دوائر ينتمي اليها الناس لانهم يرون فيها تعبيرا عن مصالحهم او تطلعاتهم او اطمئنان نفوسهم. العلاقة بين هذه الدوائر تتحدد – في الغالب – على ضوء توازنات القوى او التوافقات والتعارضات في المصالح. اما الافكار فهي تلعب دور التبرير لانظمة العلاقات هذه.

جرت عادة اصحاب النفوذ والساعين اليه على ابراز المبررات والسكوت عن جوهر المطلوب. لان الناس يكرهون مصارحة انفسهم بفكرة التسليم لنفوذ شخص او اشخاص محددين ، مهما علا شأنهم. لكن اولئك الناس لا يمانعون من قبول المبررات التي تؤدي – بالضرورة – الى التسليم لهذا الشخص. حين يطلق الناس على شخص لقبا ذا قيمة ، وحين يمتدحون علمه او خدماته ، او يتحدثون عن قبول الاخرين له ، فهم انما يسعون لارضاء انفسهم بفكرة التسليم له والخضوع لنفوذه.

قديما قال الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو "الاقوى ليس قويا تماما الا اذا اقتنع الناس بان سلطته عليهم حق وان طاعتهم له واجب". واليوم يسعى جميع النافذين والساعين للنفوذ وراء هذا المثال: اقناع الناس بان ما يامرونهم به هو الحق ، وان ما يطلبونه منهم واجب عليهم. هذا واحد من ابرز وجوه السياسة. والذين يمارسونه هم في واقع الامر فاعلون سياسيون ، سواء كانوا واعين بهذه الحقيقة او غافلين عنها.

ظهور دائرة نفوذ جديدة ، او تمدد دائرة نفوذ قائمة ، يؤدي – شئنا ام ابينا - الى شعور الاخرين بالمزاحمة وربما التهديد. هذا يفسر عجز الدعاة والمثقفين والعاملين في المجال الخيري عن توحيد جهودهم. تسمعهم يتحدثون عن قيمة الوحدة وأمر الله بها. لكنهم مع ذلك ليسوا مستعدين ابدا للمبادرة بالاتحاد غير المشروط مع الاخرين. المسالة – في الجوهر – لا تتعلق بالعمل نفسه ، وضرورة توحيده او ابقائه منقسما ، قدر ما تتعلق بكيانات ودوائر نفوذ ، يعتقد اصحابها بالحاجة الى ابقائها قائمة وفعالة ، ايا كانت المبررات اللازمة.

هذا اذن تطور طبيعي يمكن ان يحدث في اي مجتمع : ظهور دائرة مصالح جديدة ، يستثير رد فعل معاكس من جانب الدوائر القائمة ، ويؤدي – تاليا – الى اعادة تحديد من يصنفون كاصدقاء واعداء ومنافسين ، اي كفرصة محتملة او تهديد محتمل.

جدالات ما بعد شحرور

فكرة هذا المقال معروفة لجميع القراء. واظنها مقبولة عند معظمهم . وخلاصتها ان اكثر المفاهيم مرهون بزمن محدد ، قد يمتد بضعة اعوام او عدة ...