‏إظهار الرسائل ذات التسميات العقلانية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العقلانية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 1 مايو 2019

ماذا يختفي وراء جدل العلاقة بين العلم والدين



|| النقاش حول دور العلم والعقل ، يتناول في الجوهر دور الانسان في صياغة وتعديل الفكرة الدينية||
مقالة الاستاذ نجيب يماني المعنونة "بل العقل سابق للنص" المنشورة في عكاظ 29 ابريل 2019 ، مثال على المراجعات الراهنة في التفكير الديني ، ولا سيما القيم المعيارية السابقة للاحكام الشرعية والضابطة لصحتها.
وقد استاثرت مكانة العقل في الاسلام وفي تشريع الاحكام ، بنصيب الأسد من هذه النقاشات. لكني أظن اننا قد تقدمنا خطوات صغيرة فحسب ، نحو استعادة العقل لهذا الدور. وهذا بدوره يستدعي التساؤل عن سبب التأخر ، مع كثرة النقاش حوله ، وسعة الشريحة المؤمنة بالحاجة اليه.
ويظهر لي ان هذا جزء من مشكلة عميقة جدا. لكنها من نوع المشكلات التي لا يطيق الناس نقاشها بانفتاح ، أعني بها علاقة الانسان بالدين ، والتي يتفرع عنها بطبيعة الحال علاقة العلم والعقل بالدين.
دعنا نبدأ من الفرع كي نفهم الأصل. فقد سالت انهار من الحبر في مناقشة العلاقة بين الاثنين. اما في الغرب فالفرضية السائدة في غالب الدراسات ، هي التفارق بين عالمي الدين والعلم. اما في العالم الاسلامي فاتخذ البحث مسارا تبجيليا واعتذاريا. 
كان محور المسار التبجيلي هو التأكيد على ان الاسلام رفع من قيمة العلم وكرم اهله ، وانه لا تفارق بينهما. وركز المسار الاعتذاري على التشكيك في قيمة العلم وقطعيته ، بالقول مثلا ان نتاج العلم ليس احكاما يقينية ، بل نظريات محتملة التغيير ، وان العالم لا يخلو من قضايا تتجاوز ما يستطيع عقل الانسان ادراكه ، وامثال هذا من الاعتذارات ، التي  غرضها الرد على دعوى عدم التوافق بين الدين والعلم.
هذا المنهج في النقاش ، بمساريه التبجيلي والاعتذاري ، عتم على العنصر المحوري في القصة كلها ، أعني به دور الانسان في صياغة وتعديل الفكرة الدينية. نعلم طبعا ان العلم نتاج بشري ، وان الجدل بشانه ، وكذا الجدل بشان العقل ودوره ، يتناول - في حقيقة الامر - دور الانسان وعلاقته بالدين. تبدأ هذه العلاقة بسؤال: هل جاء الدين من أجل الانسان ام خلق الانسان من اجل الدين؟. ثم: هل الدين مبني على اساس منطقي ، اي متوافق مع عقل الانسان ، وبالتالي هل القضايا الدينية مما يمكن للانسان استيعابه ، ام تنتمي لعالم آخر يتجاوز المنطق البشري.
فاذا كان متوافقا وقابلا للفهم ، فهل يمكن – او يسمح – للعقل بالتدخل في تعديله ام هو ممنوع عليه. واذا كان مما يتجاوز قابليات الانسان ، فكيف يكون الانسان ملزما به ، ونحن نعلم ان فهم الامر واستيعابه شرط للتكليف به ، والا كان من نوع تكليف ما لايطاق ، المخالف لأصل العدل.
هذه المجادلة توضح اذن ان النقاش حول دور العلم والعقل ، يتناول في الجوهر دور الانسان في صياغة وتعديل الفكرة الدينية. فاذا قلنا بان للانسان دور حاسم وتام في تصميم وصياغة الفكرة الدينية ، سيرد علينا بان هذا سينتهي الى نزع الصفة الالهية عن الدين ، وجعله بشريا تماما. واذا قلنا ان للانسان دور جزئي ثار سؤال: من يضع الحدود.
ثمة اسئلة اخرى لا يتسع لها المجال. لكني اود الاشارة قبل الختام الى ان دور الانسان ، رغم كثرة الجدل ضده ، لازال اقرب الى روح الدين ، واقرب الى منطق الحياة ايضا ، من القول بعدمه. لكن هذا يحتاج الى حديث أوسع ،  قريبا ان شاء الله.
الشرق الاوسط الأربعاء - 25 شعبان 1440 هـ - 01 مايو 2019 مـ رقم العدد [14764]

مقالات ذات صلة

 الحداثة كحاجة دينية (النص الكامل للكتاب)

الأربعاء، 2 مايو 2018

تجديد الخطاب الديني: رؤية مختلفة


|| ادعو لصياغة نموذج جديد للفكرة الدينية مواكب لتحولات الحياة المعاصرة ، يتأسس على رؤية غير تقليدية لمكانة الانسان في العالم الجديد ، وموقع الدين في حياته ||
مع اقتراب شهر رمضان المبارك ، يتجدد الحديث عن الحاجة الى تجديد الخطاب الديني. وهو مطلب يتفق غالبية المسلمين على عمومه. لكن آراءهم تتباين في معنى التجديد ومجالاته وحدوده. فمعظم الناس يصرفه الى تجديد الفقه وتيسير الاحكام ، وترك الشاذ والعسير. ويدعو فريق منهم الى مراعاة ما استجد في حياة الناس ، وما جاء في سياق الحداثة من تحولات ، في مصادر العيش وأنماطه أو في العلاقة بين الناس.
لكني أود دعوة القاريء الى معنى أبعد قليلا مما سبق. أعني به صياغة نموذج جديد للفكرة الدينية ، قادر على مواكبة تحولات الحياة في العصر الجديد ، الذي أهم سماته عولمة السوق والثقافة وسيولة القيم والهويات. نموذج كهذا ينبغي تأسيسه على رؤية غير تقليدية لمكانة الانسان في العالم الجديد ، وموقع الدين في حياته. وهو يستدعي بالضرورة تحررا من الانساق والاعراف الموروثة ، أي ما ورثناه وما تعارفنا عليه باعتباره صورة وحيدة للدين ، او تعبيرا وحيدا عن الايمان. 
مصطفى ملكيان
 في رمضان الماضي قدم العلامة د. محمد شحرور رؤية عميقة في هذا الاتجاه ، خلاصتها ان العالم الديني هو العالم الذي تتجلى فيه عقلانية البشر. الدنيا العاقلة هي التطبيق القاعدي للدين. ومن هنا فهو يميز بين الرؤية الكونية التي تصل الانسان بالعالم ككل ، وما فيه من بشر وأشياء ، وبين التشريعات والاحكام التي تحمل سمات الجماعة والمكان.
وفي هذا السياق يلح شحرور على ان الواجبات والمحرمات الدينية محدودة العدد. أما العشرات من الاحكام الاخرى التي تنطوي على الزام او منع ، فهي جزء من نظام ثقافي او قانوني ، يضعه المجتمع في ظرف محدد ، بحسب حاجاته أو أعرافه. ومن هنا فهي ذات مضمون محلي ان صح التعبير ،  وليست قواعد عمل  كونية ، كنظيرتها المستقاة من القيم العليا الاساسية.
في سياق قريب اقترح د. مصطفى ملكيان التركيز على ركني العقلانية والمعنوية ، كعمودين متساندين لأي رؤية دينية جديدة. المعنوية عنده هي جوهر الدين ومحور تمايزه عن الايديولوجيات البشرية. انها جوهر كافة الاديان ، وربما تشكل نقطة التقاء بين أتباعها ، بل وحتى نقطة توافق مع اولئك الذين لا يتبعون أي دين.
أما العقلانية عنده فتعني في أحد وجوهها ، قابلية الدعاوى الدينية للاختبار في هذه الدنيا. الدين المفيد هو ذلك الذي يمكنه تقديم حلول لمشكلات البشر الدنيوية ، ولا يكتفي باحالة العلاج الى الاخرة. لو اخذت نوعين من العلوم ، احدهما يعرض حلولا يمكن لك اختبار ثمراتها الآن ، بينما يدعوك العلم الثاني لتطبيق مقولاته ، وانتظار نتائج اختبارها العملي في الاخرة ، فما الذي سيتخاره الانسان العاقل؟.
الواضح ان كلا الرجلين يشير الى ثلاثة أركان للتفكير الديني الجديد: أولها محورية العقل في التشريع وتقديمه على النقل. وثانيها التمييز بين القيم الكبرى المعيارية ، وبين التشريعات ذات الطبيعة المؤقتة او المحلية. وثالثها هو التركيز على آنية الحل الديني ، وضرورة كونه قابلا للاختبار في الحياة الدنيا.
ينطلق الرجلان من فرضية ان الله سبحانه انزل الدين من أجل الانسان. ولم يخلق الانسان من أجل الدين. وبهذا فان مفهوم الطاعة والعبادة والايمان والسلوك الى الله ، يتخذ معنى مغايرا لما عرفناه من خلال تراث الماضين.
قد تتفق مع شحرور وملكيان وقد تخالفهما. لكن تنظيرات الرجلين تفتح افاقا للتأمل في معنى التجديد ، يتجاوز ما تعارفنا عليه حتى الآن. 
الشرق الاوسط الأربعاء - 16 شعبان 1439 هـ - 02 مايو 2018 مـ رقم العدد [14400]
http://aawsat.com/node/1255201

الأربعاء، 16 يناير 2013

(كتاب) الحداثة كحاجة دينية

هذه مرافعة على شكل حوار بين عقلين حول واحد من اهم الاسئلة في واكثرها اثارة للحرج في ثقافتنا الدينية المعاصرة ...
 سؤال: كيف ينهض المسلمون من سباتهم المزمن ، وكيف يعودون الى قطار الحضارة بعدما نزلوا او انزلوا منه.
هي سلسلة من التساؤلات يتلو كلا منها ما يشبه الجواب ، لكنه جواب مؤقت ، اذ لا يلبث ان يثير سؤالا اخر يتلوه جواب اولي وهكذا. فالغرض اذن ليس تقديم اجوبة نهائية. ... هذه المرافعة تحاول اثارة ذهن القاريء ومجادلته ودفعه للتفكير في السؤال.
 في ظني ان تفكيك وتفصيح سؤال النهضة هو بذاته الجواب عليه .

للقراءة براحة اكثر اضغط هنا

السبت، 17 يناير 2004

طرائف الجدل حول الاصلاح


ينطوي الجدل الدائر في بلادنا حول فكرة الاصلاح على بعض الامور الطريفة التي تثير الاهتمام. ولا اظن احدا يخالف فكرة الاصلاح ، على الاقل في صورته المجردة ، لكن من جهة اخرى فان الكثير من الناس يعبر عن مخاوف تجاه ما يختفي تحت العنوان العريض او ما يستهدفه بعض الداعين اليه. ويبدو لي ان الارتياب ليس سلوكا استثنائيا ، بل ربما يشكل احدى المسارات الرئيسية للنشاط الذهني عند الانسان العربي ، لا سيما اذا فكر في السياسة.

يرجع بعض المحللين ذهنية الارتياب الى طغيان نظرية المؤامرة التي يتباهي المثقفون بالتبرؤ منها ، رغم ان ملامحها تظهر في  خلفية الكثير من احاديثهم وتحليلاتهم ومواقفهم. هذا التناقض بين انكار نظرية المؤامرة من جهة واعتماد فرضياتها من جهة اخرى هو احد الامور الطريفة التي يكشف عنها الجدل القائم.  وقد استمتعنا خلال الاسبوع المنصرم بعدد من الاحاديث والكتابات التي تحذر من مؤامرات هنا وهناك تشارك فيها قوى محلية ودولية الخ ..

والذي اظن ان هذا السلوك المتناقض لا يرجع الى ايمان بنظرية المؤامرة ، بل الى طغيان الفهم الذرائعي للعالم والناس. الفهم الذرائعي هو ببساطة اعتبار ظاهر الناس غطاء لباطن مختلف ، فاذا تحدث احدهم عن الحاجة الى اصلاح التعليم ، فان الذرائعي لا يهتم كثيرا بمحتوى الفكرة بل بالدوافع التي اوصلت صاحبها اليها . ولهذا فهو يهمل النقاش حول الحاجة الى اصلاح التعليم ومناهج التعليم ، ويركز بحثه على دوافع المطالبين به ، ويكتشف غالبا ان جهة ما في مكان ما من العالم تحبك مخططا لحرماننا من شيء نفيس. لو ناقش الذرائعي نفسه فلربما وجد في هذه الدعوة الكثير من المصداقية ، لكنه لا ينشغل بالموضوع بل بما اوصل اليه. ولسوء الحظ فان هذا البحث لا يؤدي ابدا الى احتمالات متساوية ، فبحث الذرائعي يستهدف منذ البداية التوصل الى اثبات المؤامرة ، وما دام الامر كذلك فان نتيجة البحث الحتمية هي التحقق من بطلان الدعوة وخطورة اثارها.

ورغم ان النتيجة المنطقية – والحتمية - للتفكير الذرائعي هي اكتشاف المؤامرة ، الا انه لا يدل على ان نظرية المؤامرة هي الباعث وراء هذا النوع من التفكير. الباعث في اعتقادي هو ضمور - او ربما انعدام – مفهوم "الفرد العاقل" في ثقافتنا العامة. 

 فكرة "الفرد العاقل" تفترض ببساطة ان الانسان البالغ لا يقدم على عمل الا بعد حساب عقلاني للمكاسب التي سوف يجنيها ، والاضرار التي سوف يتحملها من وراء كل تصرف يقدم عليه. المكاسب والاضرار قد تكون مادية وقد تكون معنوية ، فالفرد الذي يتبرع لعمل خيري لا يحصل في المقابل على مكسب مادي ، بل يحصل على سعادة المشاركة في اسعاد الغير او الانسجام معهم وهو مكسب عقلاني يستحق التضحية . دافع الفرد للتبرع بالمال قد لا يكون صافيا تماما (اي الرغبة الذاتية الخالصة في فعل الخير) فقد يتبرع بتاثير ظرف اجتماعي ، او دعاية ، او ضغط شخص مؤثر ، او رغبة في نيل الاحترام او الحصول على مكسب في المستقبل. لكن على اي حال فان ايا من هذه الدوافع لا يمكن اعتباره ظرفا قاهرا ، فلو لم يحسب الفرد الفوائد والاضرار التي سوف تترتب على فعل التبرع لما اقدم عليه ، ولهذا السبب فنحن نعتبر تصرفه عقلانيا. هذا الاعتبار بعينه يجري في كل تصرف من تصرفات الانسان. قد نوافق على الفعل وقد نخالفه ، لكنه في كل الاحوال عمل قام على حساب عقلاني تترتب عليه مسؤوليات. ولان الامر كذلك فان الفرد يعاتب او يعاقب اذا قام بعمل مخالف للنظام ، والقاعدة في العقاب هي اعتبار الفرد عاقلا ، قادرا على حساب المكاسب والاضرار التي تترتب على فعله ، وبالتالي اقراره بتحمل المسؤولية عن هذا الفعل. فلنفترض ان شخصا ما تبنى رايا او موقفا بعد ان تعرض لتاثير دعاية خارجية ، فهل نعتبر موقفه هذا نتاج حساب عقلاني او نتاج تغرير ؟  اذا كان الجواب هو الثاني فان من الظلم اعتباره مسؤولا عن عمله .

والحقيقة هي ان الفرد لا يتخذ موقفا الا بعد حساب للمكاسب والاضرار. لكن الذرائعيين لا يقرون بعقلانية الفرد ، ولهذا فانهم لا يهتمون كثيرا بالاراء التي يحملها والمواقف التي يتبناها ، فهي عندهم ليست نتاج حساب عقلاني ، بل نتيجة خديعة او تغرير او قلة فهم ، الخ .. ولهذا يشيع عندهم  وصف الناس بانهم مضللون او مغرر بهم او مخدوعون او متأثرون بالغرب ، وما الى ذلك من الاوصاف التي تستهدف التقليل من قيمة صاحب الراي او الفعل باعتباره مجرد العوبة في يد لاعب يختفي وراء الستار. وبنفس المنطق فانهم لا يحترمون الراي او الفعل باعتباره مجرد واجهة خادعة لباطن مختلف.

الذرائعي لا يفهم راي الاخرين وافعالهم باعتبارها مواقف محسوبة وتجسيدات قطعية لثقافتهم وقناعاتهم وحساباتهم ، بل باعتبارها ذرائع تستهدف غايات اخرى ، وهو ينصب نفسه محققا يبحث عما في قلوب الناس وعما ليس في قلوبهم ، عما تخيلوه وما لم يتخيلوه ، حتى يصل الى اثبات ما قرر منذ البداية انه الحقيقة.

عكاظ  17 يناير 2004   العدد 944

الخميس، 27 أغسطس 1998

الفكرة وصاحب الفكرة



ليس من واجبات الكاتب ان يقول للناس ما يحبون ، والا كان حديثه اعلانا عن نفسه ، لا دعوة الى الفكرة ، والاصل ان المهمة الكبرى للكتاب والمثقفين ، هي دعوة الناس الى تبني الافكار أو المواقف التي يظنونها صحيحة ، ولهذا قال اهل العلم في سالف الزمان ، ان العلم حجة على صاحبه ، كما ان الدعوة اليه وظيفة ، يقوم بها شكرا لله الذي انعم عليه بهذا القدر من المعرفة .

بناء على هذا ، فقد يظن الكاتب نفسه قادرا على قول ما يشاء حين يشاء ، لكن الفرق عظيم بين الحقيقة والواقع ، فما هو صحيح قد لا يكون ممكنا ، وما هو ممكن قد لا يكون صحيحا ، وقد يجد الكاتب نفسه مخيرا بين السكوت ، أو التحول الى رجل علاقات عامة ، يقول للناس ما يرغبون في سماعه ، بدل اخبارهم بما ينبغي لهم معرفته ، البديل الصحيح هو التسلح بالقدر الممكن من الشجاعة لقول ما يراه صحيحا ، ان كان الامر يستحق العناء ، أو كان العناء قابلا للتحمل.
لو سألت الناس عن الكاتب الذي يفضلونه ، فسيخبرك معظمهم ـ إذا لم نقل جميعهم ـ بانهم يريدون كاتبا يتحدث بصراحة وتجرد ، ولعلهم يغتنمون الفرصة لذم كتاب العلاقات العامة ، الذين يفصلون المادة على مقاس الشخص الذي يتوجه اليه الخطاب ، لكن إذا تعلق الامر باشخاصهم ، فان هؤلاء الناس انفسهم ، لا يرغبون في كاتب يقول لهم ما لا يعجبهم ، أي ما لا يتفق مع رأيهم الحاضر أو مصلحتهم الراهنة أو ميولهم  .

ويبدو لي ان هذا هو الامر الطبيعي ، فكل انسان يريد من الآخرين ان يكونوا موضوعيين ومنصفين ، شرط ان لا تؤدي تلك الموضوعية وهذا الانصاف ، الى الاضرار به أو ايذاء مشاعره ، وعلى أي حال فلكل انسان الحق في ان يحمي مصالحه وما يراه من حقوقه ، وله الحق في ان يدافع عن آرائه ، بعض النظر عن مواقف الاخرين ومصالحهم ، فاولئك ايضا لن يقفوا مكتوفي اليدين إذا اقتربت النار من خبزهم .

اقول ان هذه ممارسات مقبولة ، ينبغي تفهم ما يترتب عليها ، ولو كان غير مريح ، لكن من ناحية ثانية فان الافراط في التمسك بالاراء والمواقف ، ولا سيما الضجر من آراء الاخرين المخالفة ، يجعل الانسان معزولا عن محيطه الثقافي ، ويحرمه من ثمرات التفاعل مع اراء الغير وحاصل عقولهم ، وخير للانسان ان يتحمل اذية الخلاف البسيطة من ان يبقى اسيرا للجهل .

ويكره الناس ان يوصفوا بالجمود والانغلاق والعاطفية ، ويحبون ان يوصفوا بالمرونة والانفتاح والعقلانية ، لكن الى أي حد يا ترى يستطيعون تلبية المتطلبات النفسية والسلوكية ، التي تؤهلهم للاتصاف بتلك الاوصاف المرغوبة ؟ .

الجمود يعني التمسك بالاراء والافكار المعتادة ، ومقاومة أي محاولة لتغييرها او تعديلها ، والانغلاق هو اقامة جدار بين الذات والاخرين ، يمنع وصول اراءهم وتاثيرهم ، هذا الجدار عبارة عن تصنيفات مسبقة لكل شخص ، تجعل افكاره موصومة ومعيبة ، قبل ان يكلف المتلقي نفسه عناء البحث فيها او تحليلها ، اما العاطفية فهي بناء الاراء والمواقف على اساس قرب الموضوع من الذات وبعده عنها ، لا على اساس مقومات الموضوع ، والقواعد العقلانية والمفاهيمية ، التي يسميها اهل العلم (بناء العقلاء) والتي يشترك في الايمان بها كل ذوي العقول .

وعلى العكس من هذا فان الانفتاح والمرونة والعقلانية ، هي الاستماع الى الاراء المختلفة ، بغض النظر عن الموقف النهائي منها ، ثم الاخذ بعين الاعتبار احتمال ان تكون صحيحة حتى لو خالفت ما هو مقبول سلفا لدى الشخص المعني ، فالانسان المنفتح يقبل بالاستماع الى الاراء المختلفة بغض النظر عن الموقف النهائي منها ، ويعلم ايضا ان الزمن فعال سلبا وايجابا في المعلومات والافكار ، معلوماته ومعلومات الاخرين ، افكاره وافكار الاخرين .

لكي تنطبق صفة الموضوعية والانفتاح والمرونة على شخص ، فانه مطالب باحتمال مخالفة الغير لارائه ، ومطالب باحتمال التخلي عن بعض هذه الاراء ، أي التخلص من الاعجاب بالذات ، الذي يضفي على المتبنيات الذاتية نوعا من العصمة والمصونية من التغيير والتعديل ، فالعاقل لا يرفض فكرة دون تمحيصها ، ولا يرفض فكرة لأنه يبغض صاحبها ، ولا يشكك في فكرة لانها دارت حول موضوع ثقيل على نفسه ، او ارتبطت شواهدها بمواقف تباين ما يميل اليه ، وقد ورد في الاثر عن نبي الله عيسى عليه السلام ان الحكمة كالجوهرة تؤخذ ولو كانت في فم الكلب .

كما تحترم افكارك فان الاخرين يحترمون افكارهم ، ومثلما تتوقع من الغير ان يقبل بارائك فان اولئك يتوقعون منك موقفا مماثلا ، ولو ان كل الناس اختاروا التمسك بآرائهم ، وطرح ما يقوله الاخرون ، لما قام للعلم بنيان ، ولما تطورت معارف البشرية ، ينبغي للعاقل ان يعامل الناس بمثل ما يحب من المعاملة ، فاذا ارادهم ان يقبلوا بما عنده ، فلا بد له ان يقبل بعض ما عندهم ، والا كان من المطففين الذين توعدهم القرآن بالويل ، لانهم (اذا اكتالوا على الناس يستوفون واذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون) .

الموضوعية والعقلانية هي ان تقول الحق ولو كان مرا ، وتقوله ولو كان خلاف ما ترغب ، وتقوله ولو انتهى الى قناة من لا تحب ، فالحق مجرد في ذاته ، لا يتكيف بحسب الميول والرغبات ، والموضوعية تقتضي النظر في أبعاد الموضوع ذاته ، دون قياس للمسافة التي تفصله عن المتبنيات الشخصية .

يستطيع الكاتب ان يقول للناس ما يحبون ، لكنه لن يكون صادقا معهم ولا امينا ، ويستطيع ان يتحول الى كاتب عرائض يكيل الأوصاف بحسب المناسبة ، لكنه لن يكون صادقا مع نفسه .

 الى جانب هذا فهو يستطيع احيانا قول ما يؤمن به ، والتعبير عما يعجز الاخرون عن التعبير عنه ، بعض الحقيقة ليست زيفا ، فهي القدر المستطاع ، فان قدر على الحقيقة كلها ، وجب عليه اظهارها ، وان عجز عنها كلها ، فخير له ان يعتصم بالصمت كي يريح ويستريح ، فليس اسوأ من قتل الحقيقة غير تزييفها .

نحن بحاجة الى توسيع مساحة التعبير ، بحاجة الى فضاء يخلو من العقبات التي تجعل الكاتب عاجزا ، نحن بحاجة الى ان نحتمل بعضنا ، وان نسمع اراء بعضنا ولو خالفت اراءنا او اضرت بمشاعرنا ، ذلك هو السبيل الوحيد الذي اذا سلكه الناس ارتقت معارفهم واصبح للعلم شأن ومكان .
عكاظ 27 اغسطس 1998  

مقالات  ذات علاقة
-------------------


"الفرج بعد الشدة"

|| ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احت...