الأربعاء، 28 فبراير، 2007

الخطوة الأولى لمكافحة الفساد.. تيسير القانون وتحكيمه


صدور الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد هو الخطوة الاولى لعلاج هذا الداء المستفحل. من المفهوم ان الفساد مثل جميع العلل الاخرى لا ينتهي بمجرد اتخاذ قرارات حازمة. فهو يحتاج ايضا الى بيئة قانونية وثقافية واجتماعية تسد ابوابه وتسمح بتشكيل جبهة واسعة لمقاومته. مع تزايد عولمة الاقتصاد وانفتاح الاسواق الدولية بعضها على بعض، تحول الفساد المالي والاداري الى واحد من الشواغل الحرجة للسياسيين والباحثين ورجال الاعمال، وعقدت لأجله العديد من المؤتمرات .

 وفي الوقت الحاضر ثمة منظمات دولية، حكومية وتجارية، مكرسة لمراقبة حالات الفساد وتقييم الجهود المبذولة في مكافحته على المستويات الوطنية. وفي السياق نفسه فقد اضيف مستوى الفساد الى قائمة المؤشرات التي تقيس كفاءة كل دولة من دول العالم للاستثمار، ولا سيما استقبال الاستثمارات الاجنبية. البلدان المبتلاة بظاهرة فساد متكررة تعتبر اليوم اقل أمانا للاستثمار. الفساد المالي والاداري لا ينتج فقط عن سوء النية او قلة الورع . ثمة اسباب جوهرية تجعل الناس مضطرين في بعض الاحيان الى تجاوز القانون، وتجعلهم في احيان اخرى اقل حرجا واكثر جرأة على العبور فوقه.
 من بين تلك الاسباب -على سبيل المثال- عسر القانون او ضيقه. وأذكر ان المفكر الامريكي المعروف صمويل هنتينجتون كتب قبل بضع سنوات مقالة اثارت كثيرا من الاستغراب، واظن انها نشرت لاحقا في كتابه «النظام السياسي لمجتمعات متغيرة». يقول الرجل ان الفساد قد يكون الطريق الوحيد للحياة والتقدم حين يتكلّس النظام القانوني ويستحيل اصلاحه. 

ويضرب مثالا بالهند في حقبة السبعينات حين كان الحصول على ترخيص لاقامة مشروع تجاري او صناعي يستغرق شهورا وفي بعض الاحيان اعواما، ويحتاج الى مراجعة مئات الموظفين والدوائر. وهي صعوبات اوجدت تجارة جديدة في تلك البلاد هي تجارة الحصول على التراخيص في شهر او شهرين . وهو عمل يقوم به بعض النافذين لقاء رشوة يقتسمونها مع موظفي الادارات الحكومية. ويبدو ان الكثير من المستثمرين كان يفضل دفع الرشوة على الجري وراء العشرات من الدوائر طيلة عام او اكثر .

في مثل هذه الحالة – يقول هنتينجتون – فان السماح بقدر من الفساد مفيد لتسهيل الاعمال. ولو ارادت الدولة ان تتشدد في تطبيق القانون فلن يكون هناك عدد كاف من المشروعات الاستثمارية الجديدة، ولن تكون هناك فرصة لتوليد وظائف جديدة.

قد يبدو هذا الحل سخيفا ومُثيرا للاحباط . لكنه يشير في حقيقة الامر الى واحد من منابع الفساد، اعني به عسر القانون وعدم واقعيته. وقد استدرك العديد من الدول هذه المشكلة بتبسيط الاجراءات القانونية وجعل الاستفادة من القانون مُيسرة لكل مواطن.

واذكر ان بعض البلديات في العاصمة البريطانية بدأت في تطبيق مفهوم جديد يطلقون عليه «one stop shop» وخلاصته حصر مراجعة الجمهور في دائرة واحدة تقوم بكل الاجراءات المطلوبة، فاذا كنت تريد الحصول على رخصة بناء، او كنت تريد دفع رسوم، او استعادة تامين او اغلاق شارع بشكل مؤقت او حتى ترخيصاً لعقد حفلة او اجتماع في حديقة عامة، فان مكتبا واحدا يتكفل بها جميعا.

واضافوا الى ذلك تنشيط المراجعة عن بعد، فانت تستطيع القيام بهذه الاعمال جميعا بواسطة البريد او التلفون او الانترنت. بعبارة اخرى فانهم بصدد الغاء العلاقة الشخصية بين الموظف والمراجع. في الوقت الحاضر هناك العديد من الشركات السعودية تسعى وراء تطبيقات مماثلة . اعرف مثلا ان التقدم للوظائف في شركة ارامكو واتحاد اتصالات وربما غيرهما تتم عن طريق الانترنت حيث يقال ان فرز طالبي الوظائف يجري بصورة آلية، الامر الذي يُقلل دور الوسيط الشخصي الى حد معقول. مثل هذه الاجراءات تتطلب بالضرورة جعل القانون محددا ويسيرا.

ان غموض القانون او عسره يفسح المجال لتدخل الاشخاص، سواء كانوا مديرين او ذوي نفوذ. وتدخل الاشخاص قد يكون مفيدا في بعض الاحيان لكنه على أي حال باب يمكن ان يُستغل في الفساد. ثمة بعد آخر يظهر فيه العامل الشخصي، حين يضع الموظف الاداري نفسه في محل واضع القانون او المشرع، او حين يطبق القوانين والتعليمات بصورة انتقائية. ثمة موظفون يعطون لانفسهم الحق في اصدار تعليمات او فرض عقوبات من دون سند قانوني يسمح بها او من دون ان يكونوا مخولين – قانونيا – باصدارها. قد يكون هذا الموظف مديرا عاما او وكيل وزارة او وزيرا او موظفا بسيطا، لكنه في كل الاحوال لا يملك الحق في وضع القانون او تجاوز القانون.

ومع ان القانون لا يسمح – نظريا على الاقل – بممارسة مثل هذه الاجراءات، الا انها متعارفة ومنتشرة. ثمة من يقف في وجه هؤلاء، لكن اكثرية الناس لا تستطيع تحمل الاذى الذي قد يترتب على مثل هذه الوقفة. نحن بحاجة الى منع هؤلاء الاشخاص من التحكم على هذا النحو، لانه يُضعف قيمة القانون من ناحية ويفتح ابوابا للفساد والاستغلال من ناحية اخرى.
خلاصة القول اذن ان القضاء على الفساد ينبغي ان يبدأ بتقليل الحاجة اليه، وهذا يتحقق بتيسير القوانين وجعلها قليلة المؤونة على الناس، وكذلك جعلها واضحة محددة. اما الخطوة الثانية فهي تقليل العامل الشخصي في التعاملات الحكومية الى اقل حد ممكن . اخيرا فاننا بحاجة الى تشجيع الناس على الوقوف بوجه الموظفين الذين يتجاوزون صلاحياتهم، وحمايتهم من الانتقام اذا اقتضى الامر ذلك.

http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20070228/Con2007022891427.htm
عكاظ- الأربعاء 10/02/1428هـ-   28/ فبراير/2007  العدد : 2082  

السبت، 24 فبراير، 2007

الحداثة باعتبارها حاجة دينيّة وواجباً أخلاقياً "عرض لكتاب الحداثة كحاجة دينية"



بقلم  علي ال طالب
ليس ثمّة أدنى شكّ بأن الأبحاث والدراسات التي جعلت من الثنائيّات «حقيقة المعرفة ومعرفة الحقيقة / الثابت والمتحوّل / الدين وفهم الدين... أغلبها – إن لم يكن كلها – ترنو إلى أهداف تقترب من الواقع كنظام حياة وتطوّر بغض النظر عن ماهوياتها الأيديولوجية والنظامية، والدكتور توفيق السيّف من خلال هذا الكتاب «الحداثة كحاجة دينية» «الدار العربية للعلوم، ناشرون، مركز آفاق للدراسات والأبحاث، 2006»، أراد أن يجعل من الإنسان محوراً مهماً في عملية البحث عن نظم التقدم وفق معايير مدروسة تنتظم وحداثات الواقع «اللحظي» من دون أن يغيب عن ذهنه مدى تجاذب العلاقة بين «النص وفهم النص» وبين «الدين وفهم الدين» أو بين الإسلام والعلمانيّة أو العولمة والهوية... أو أن تهرب منه العادات والتقاليد والتطوّر الاجتماعي بين الأمس واليوم، وبين الأصيل والحديث. إذ يدفع الأمور باتجاه صياغة جديدة تتغذّى على الواقع المتغيّر وتضع الإنسان وعقله ووجدانه في محور مهمّ من هذه العملية الإنتاجية، وكما يبدو هذا هو الرهان المرجو من الباحث والكاتب.

ومن اللافت اعتماده على توصيل الأفكار بطريقة سهلة وطيّعة فضلاً عن الأسلوب الحواري الذي أضفى حالة من التشويق والتجاذب، عبر ضخّ أكبر كمية من الأسئلة التي اقتضت صناعة حوار بين اثنين «الكاتب وصاحبه» في عملية أشبه ما تُوصف بالماراثون الفكري، وهو بذلك يعكس حالة المونولوج بينه وبين ذاته، وبينه والواقع من جهة أخرى.

«أقول إنها مرافعة وليست بحثاً علمياً، فهي سلسلة من التساؤلات يتلو كل منها ما يشبه الجواب، لكنه جواب موقت، إذ لا يلبث أن يثير سؤالاً آخر يتلوه جواب أوّلي وهكذا. فالغرض إذن ليس تقديم أجوبة نهائية»ّ هكذا جاءت صناعة الأفكار وتسلسلها الدرامي عبر المثير من التساؤلات حتى لو لم يكن ثمّة نهاية جلية جراء هذا العصف الذهني الهائل والتي دار رحاها حول محور الثنائية «التقدم والتخلّف» وهو سؤال تصدّر مقدمة الكتاب «كيف ينهض المسلمون من سباتهم المزمن، وكيف يعودون إلى قطار الحضارة بعدما نزلوا أو أُنزلوا منه»؟ وعلى رغم نزعة السؤال التقليدية إلا أن تدافع الإجابات تلو الأخرى أكسب هذه المرافعة – بحسب قوله – حالة بعث جديدة للتراكم الفكري ازاء اجابات متعددة الجوانب والأبعاد ساهم في شكل أو آخر في سدّ مناطق الفراغ اثر التصدّع المستمر والمتلاحق في جدار الأمّة الإسلامية والعربية.

لقد صرف الذين كتبوا أو تحدثوا في هذه المسألة جل جهدهم لعلاج هاتين الإشكاليتين: دور الدين في النهوض الحضاري، والعلاقة مع الغرب... إذ يحدد السيّف، مدى تجاذب العلاقة بين الدين والنهضة من جهة، والارتباك بالقوة والاستطاعة من جهة أخرى، وهذا ما يظل محل جدل في الأوساط الفكرية ما برح المفكرون يجترّونه مع كل الحوادث الواقعة المتولدة عن تلاحق الواقع باطراد، ويبقى الجدل سارٍ حتى يتمكن المسلمون من لحاق قطار التطوّر والنهضة.

وعلى رغم الجهد المبذول في هذا الصدد سواء من جانب الباحثين الغرب أو من الإسلاميين، فإنها «لم تنجح في تقديم حل عملي لمشكلة النهضة في العالم الثالث، كما لم تنجح في تقديم اطار قابل للتفعيل للعلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي» نظراً لاختلاف المنطلقات والأهداف ما بين الجهتين إلا أن ذلك لا يلغي مدى حاجة أحدهما للآخر، فالغرب لا يخفي براغماتيته من خلال هذه العلاقة، كما أن المسلمين تحكمهم الايديولوجيا التي تدفع باتجاه «الإصرار على فكرة الأصالة لم يؤد أبداً إلى توضيح طبيعتها أو مكانها من مشروع النهضة على رغم الجهد الذي بذله كثيرون في هذا السبيل. بل انّ التأكيد على هذا المعنى تحوّل فعلياً إلى إعادة إنتاج فكرة الأصالة في معنى المحافظة على التقاليد والبحث عن حلول لمشكلات العصر في التراث، بدل أن تخدم – كما هو مفترض – معنى المعاصرة، أي إنتاج الفكر والثقافة الإسلامية وفق حاجات العصر وحقائقه وما استجد فيه».

إذ يُثير الكاتب مدى الحاجة الحقيقية إلى هذا التراث، فالمسلمون لديهم خصوصية في علاقتهم بتراثهم مغايرة لما هو عليه سائر الأمم مع تراثها، حيث يظل المسلمون على صلة وثيقة به – والكلام للدكتور السيّف – على رغم ان معظمه قد مات بشخوصه ورموزه وأسئلته والأجوبة التي يقدّمها. «ولقد أصبحنا بسبب هذه العلاقة المعقدة مع التراث مثل حرّاس المتاحف أو المقابر الذين يعتمدون في معيشتهم على مرافقة الأموات أو تركه الأموات من متاع».

  الدين والنهضة
بهذا الاتساق أسس لمعايير جلية ترمي لإحداث الفرق بين «الدين والتراث» إلا أنه لم يكن داعياً للفصل بينهما بقدر ما كان يدفع باتجاه التراث الجيّد بحسب تعبيره وهو «التراث الذي نسخّره وليس الذي يسخّرنا، التراث الجيد هو المعلم الذي يساعدنا على تجاوزه وليس الذي يبقينا أسرى لحدوده» وبذلك جعل من هذا التلازم المقنن بين الدين والتراث منطلقاً إلى علاقة تمتاز بالديناميكية وهي علاقة الدين والنهضة، والجدل الدائر في أيهما يقود الآخر!؟ وبصياغة أخرى: أيهما يسبق الآخر!؟ فمعظم الأبحاث والدراسات التي تناولت سؤال النهضة والتقدّم في شكل مباشر كان محورها مدى التجاذب أو التنافر بينهما، فإن كان الدكتور محمد أركون قد انطلق من السؤال عن امكان انسجام الإسلام والحداثة أو تطوير العالم الإسلامي لحداثة خاصة به سؤالاً مشروعاً وممكناً إلا أن الدكتور السيّف يقف موقفاً مختلفاً، إذ يعتقد بأن الربط بين الدين والنهضة فيه تكلّف غير مستساغ. ويرى بأنه لا رابط موضوعياً بين الاثنين، مع الاعتبار بماهوية مفهوم الحداثة «النهضة» ما بين الطرفين.

ومن هذه الناشئة يؤسّس الدكتور السيّف من خلالها بألاّ ضرورة مع قيام الحضارة بتلازمها مع الدين وأن واقع الحياة يثبت ذلك، هذا لا يعني بأن الدين بصيغه الأصلية قد فشل طيلة التجارب التاريخية في عملية النهوض الحضاري بقدر ما يكون المقصد الفهم المتغاير لهذا الدين، بكلام آخر انّ التديّن السائد في العالم الإسلامي اليوم هو المسؤول عن إعاقة طريق النهضة، التديّن الذي ينتسب إلى العادات والتقاليد والتجارب التاريخية أكثر منه إلى الوحي. ومن هنا انطلق المؤلف ليؤسّس بذلك لمرافعة تضع الملامح الأولية لعملية الفصل بين الدين والثقافة، بين الدين والتراث، بين الأحياء والأموات، إذ لا رهان على الماضي بالواقع المتغيّر، ولا حاكمية للتراث بغثه وسمينه على الواقع المتلاحق وتقرير حق المصير الإنساني من الحضارة والحداثة والنهضة المعاصرة.

يحتوي الكتاب على مقدمة يليها أربعة فصول، الفصل الأول بعنوان «الدين والذات»، والفصل الثاني عنوانه «الإسلام والنهضة: السؤال الخطأ»، أما الفصل الثالث فقد جاء عنوانه «البداية: نقد الذات»، والفصل الرابع والأخير بعنوان «سؤال الحداثة» ليكون بمثابة الخاتمة.

بدأ المؤلف حواره مع صاحبه بسؤال تقليدي دارج: هل هنالك علاقة بين حال المسلمين الراهن وبين إسلامهم!؟ ليستدعي بهذا التساؤل ثنائية الإسلام والحداثة، ومدى ارتباط هذه الأخيرة بالغرب، إذن، كيف نتّصل كمسلمين بقوّة التطوّر المتوافرة لدى الغرب من دون أن نفقد القيمة الروحية والنظام الحياتي الكريم، كل ذلك وفق متطلبات تحكيم الإسلام في كافة الشؤون الحياتية المختلفة بدلاً من أن يكون في مستودع محدّد تحكمه تأويلات امتلاك الحقيقة المطلقة!.

هذا التساؤل كان وليد شعور المسلمين بالفارق الهائل بينهم وبين الغرب على كافة المجالات العلمية والمدنية هذا ما قاله صاحبه في تجاذب ساحر مع الفكرة التي يؤسّس إليها المؤلف، ولعلّ ذلك يتضح في رؤيته تجاه الأسباب التي تقدم من خلالها الغرب على سائر الأمم، فهو للتو – في فترة بزوغ العلمانية – يطلق كافة قوى التقدم والتي أثمرت عن إقامة المدنية الغربية الحاضرة، وهذه النظرة ما فتئ منظّرو التنمية في الغرب يرونها كضرورة إذا ما أراد الإنسان – بالمفهوم الشامل – تحقيق التقدم والأخذ بأسباب الحداثة والتطوّر!. وقد يكون أبرز مَن كتب في مثل هذه الرؤية المنظّران الأميركيان بيتر بيرجر و هارفي كوكس اللذين يُعتبران من الآباء الروحيون لمقولة سيادة العلمانية ولو أنهما استدركا في الأخير عدم دقة هذه الأطروحة وقد كتب بيرجر بعدها «إن العالم ما زال متديناً».
وتأتي المناقشة بينه وبين صاحبه على مناطق أكثر عمقاً من سابقتها نتيجة التطارح الاستفهامي المكثف لتتوالد التساؤلات تلو الأخرى وفق تسلسل منطقي إضافة للغة السهلة والطيعة التي اعتمدها المؤلف بصورة جاذبة وأنيقة، واللافت في الأمر عدم انتصاره لطرف دون الآخر، بل هو وصاحبه يلعبان دوراً تكاملياً عبر تنادي منسجم وفي شكل انسيابي، ولو أمعنا النظر فقد تختفي لدينا هوية المتحاورين حين التعمّق في القراءة ليقودنا بقوة إلى ما يريده الكاتب بكل سلاسة، وأراني ضحية هذا الأسلوب المتميّز.

  الاعتراف بالتخلف
وتتدحرج الأفكار لتصل بالمؤلف لأن يدفع باتجاه الاعتراف بحجم التخلف الذي يعيشه المسلمون والذي لا يمكن التخلص منه دفعة واحدة، وبالقناعة بأننا متخلفون! مما يحفزنا لعقد الصلة مع الواقع ومحاولة فرز كوامن القوة من الضعف معززين بالتالي دور الحوار مع الذات، فـ «المناقشة العلمية هي السبيل الوحيد للاقتراب من الحقيقة، وهي الوسيلة الوحيدة لاكتشاف دواء لعلتنا الكبرى، أعني التخلف عن قطار المدنية الذي انضمت إليه أكثر أمم الأرض وبقينا وحدنا من دونهم، لا راضين بما نحن فيه ولا عازمين على الخلاص منه». ليتصدّر قائمة المناقشة السؤال الحرج: هل الإسلام مسؤول عن تخلفنا أم لا...؟ وإن لم يكن مسؤولاً... فمَن هو المسؤول إذن!؟

وأعتقد بأن صاحبه الذي يحاوره أبرأ ساحة الإسلام من مسؤولية التخلّف حين دعا إلى التجديد معززاً ذلك برواية تنسب إلى النبي الأكرم «صلّى الله عليه وسلّم» حيث قال: «إن الله يبعث لهذه الأمّة على رأس كل مئة سنة، مَن يجدّد لها دينها». فلا غرو من إذكاء عنوان التجديد والمتكرر على مرّ العصور وليس في ذلك جدة بتاتاً؛ إنما كان الغرض الإشارة إلى لازمة الارتباط ما بين التجديد والأشخاص على مرّ العصور الماضية، حيث من النادر تناوله حسب علاقته بالزمن، «فموضوع التجديد وعلاقته بالزمن لم تطرق إلا لماماً وبصورة سطحية إلى حد كبير، بينما تركز الجدل حول الأشخاص الذين يدعى انطباق صفة المجدّد عليهم والعمل الذي أوجب لهم هذا الاعتبار» ولربما الظرف التاريخي ساهم في شكل أو آخر في تسليط الضوء على الشخوص مما أدّى إلى انصرافهم عن الموضوعات وإخراجها عن اطارها الواقعي، والإسلام لم يخرج يوماً من نفوس المسلمين بقدر ما كان قد فَقَدَ جذوته الاجتماعية عندهم حتى أصبح الدين شأناً فردياً مقتصراً على العبادات والنظم الأخلاقية الشخصية، وبالتأكيد مثل هذا النمط من الدّين لا ينفع به أن يكون مصدر فاعلية مع الواقع ومتغيّراته الحياتيّة، فهو بهذا الحد أدنى من أن يساهم في دفع عجلة التطوّر المدني، لأن دعوات التجديد وبحسب التجربة التاريخية كانت مرتكزة على إصلاح العقيدة أو العبادات بدعوى أنها جوهر الدين، لكن التجديد – والكلام للمؤلف – في هذه الجوانب حتى لو قبلنا بالحاجة إليه لا يغيّر شيئاً في الجانب الحرج من حال المسلمين اليوم، أعني تخلفهم في الاقتصاد والعلم والسياسة وغير ذلك من جوانب الحياة الحديثة.

واستطراداً للحديث المتعلقة بالفاصلة ما بين الدين والفهم البشري إليه، أفرد الكاتب عنواناً فرعياً يتعلق بهذا الأمر «ما لحق بالإسلام من مفاهيم وتقاليد خلال التأريخ» حتى أصبحت هذه المفاهيم والتقاليد تتماهى إلى حد كبير مع الأصول الدينية، هذا إن لم يعتبرها الخاصة من الناس قبل العامة بأنها هي الدين ولا مناص من التنصّل منها في الوقت الذي تثبت سيرورة التأريخ بأن ثمّة ما ألحق بالدين وهو لا يرقى إلى قداسته، وبالضرورة بأن الثقافة التي يحملها المسلمون – اليوم – ليست على طرفي نقيض مع المعتقدات الدينية، وتجدر الإشارة إلى كيفية التعاطي معها من قِبَل الأمانة العامة من الناس على وجه التحديد، إذ لا تمايز بين أهل العلم وبينهم بقدر ما هي المسؤولية وتحمّل عبئها، فصلاح العامة مقرون بصلاح الخاصة إلا أن رباط العلاقة يظل براغماتياً حسب مقتضى الحال ومسارات الحياة، فـ «حقيقة الأمر أن المثقفين والعامة متواطئون على مواصلة هذا الطريق بعضهم لأنه يصعد في مسارات الحياة فهو صاحب مصلحة في بقاء الحال السائد، وبعضهم لأنه لا يحتمل الأعباء النفسية والاجتماعية للتغيير، فهو الآخر صاحب مصلحة في الحيلولة دون تغيير يؤدي إلى المشاكل أو يوقعه في مواقع الأذى» بالتالي نحن أمام أزمة خطاب ذاتيّة، فلسنا على وفاق اجتماعي يساهم في تصالحنا مع فهم الدين ولسنا على استعداد لذلك أيضاً طالما بقي الفهم مرهوناً بالماضي.

وقد استشهد الكاتب بشواهد حيّة وردت في تقارير فهمي هويدي أثناء رحلته إلى افغانستان في فترة حكومة طالبان ساهمت بقدر كبير في توضيح ما كان يرمي إليه في العنوان الفرعي المذكور آنفاً، حيث تطرّق إلى نظرة الثقافة الإنسانية للمرأة عن طريق بلدين متجاورين، ففي بلاد افغانستان كان المسلمون يحرِّمون على المرأة الخروج للعمل مطلقاً يعللون ذلك استناداً للآية الكريمة: «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ» بينما يقبل جيرانهم في ايران بأن تتأبط المرأة مكانة مرموقة في مهام العمل، فتصبح قاضية ووزيرة ونائبة للرئيس ومستشارة استناداً للآية المباركة: «وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاُت بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ». فالذي جعل أولئك مختلفين عن هؤلاء، ليس الإسلام في صيغته النظرية المجرّدة، بل الفهم الحاصل من تفاعل المسبقات الثقافية التي يحملها كل منهم مع الصيغة النظرية للإسلام.

ثم انطلق المؤلف من خلال عنوان فرعي على صيغة سؤال «كيف تتحوّل الرغبات إلى مسلّمات مقيّدة للعقل» من أجل عقد صلة البحث المتعلق بثنائية «النص وفهم النص» «الدين والمعرفة الدينية» فهو بهذا السؤال يسلّط الضوء باتجاه مدى تأثر المعرفة «الدينية / فهم النصّ / التفكير...» بالواقع المتغيّر، بمعنى آخر أن التخلّف الذي يضرب المجتمع الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه هو نتاج انفصال معرفتنا الدينية – الحديث للمؤلف – عن عصرنا؟... ولماذا غفل معظم الناس عن الحاجة إلى إصلاح ثقافتهم وبالتالي تجديد حياتهم بما فيها الجانب الديني؟

يراهن الدكتور السيّف من خلال هذه التساؤلات على قـدرة العقـل المتـحرّر من قيود الرغبات على كشـف الحقيـقـة، وتشخيـص أماكـن الداء العـضال في الأمّة، متى ما أدرك هذا الإنـسان من إحداث عملية التوازن ما بين الذات والعقل، هذا التماهـي لا بـد له من التعـامـل معـه بحـذر ليتمكن هذا العقل من الانـفـكاك من قيود الذات والتي قـد تـصل بالإنسان إلى مرحلة من الرضا الكاذب على النفــس، فهذه قدرة عجيبة تستفرد بها الــذات لتمرير ما يخـدع العين فإذا بالمسلمات الحياتية والأعراف والتقاليد تكون في مصاف الثوابت الراسخة وبالتالي تتـعاظم الأنا العليا ليصل الأمر إلى حد لا يستطيع هذا الكائن أن يجد عيباً في ذاته عنـدها تـتـحوّل هذه القناعة الداخلية إلى دين خاص يعيش في داخله ويجده مكتملاً في نموه، من هنا يكون التفكير وتجلياته خارج نـطاق التغطية بالنسبـة لرحـلة البحـث عـن الحقـيقـة وسبل التقـدم والتـطور.
و«المشكلة إذن ليست في مجرد الانفصال بين مسار الذات ومسار الدين، بل في احتلال أحدهما المساحة الخاصة بالمسار الآخر الذي في أنفسنا هو ما أردناه أن يكون. لقد انتـخبـنا منـه ما ينـاسبـنـا ومـا ينسجم مع التقاليد والأعراف والتوازنـات التي نريد العـيـش في ظلها، وصنـعـنا من هذا الخليـط صـورة هي أقـرب ما تكون إلى صورتــنا، ثم أحطنــاها بهـالة من الافتراضات والاعتبارات حتى تحوّلت إلى صنـدوق مغـلق يحـوي بعـض الحـقـيـقـة وبعـض الوهم وكثـيـراً من الرغبة».
على هذا لا يجد الكاتب بأن عقل الإنسان على قدرة كافية لنقد ذاته!، ويعزى السبب إلى وقت إطلاق عنان التفكير تجاه ذاته فإنه في الحقيقة يدور حولها كما الفراشة التي تدور حول شعلة نور لتنصرف بالانشغال بهالة النور عن مصدره، والكاتب يجد في هالة الضوء هي بمثابة الحجاب عن بلوغ الحقيقة، كما الثقافة الحياتية التي يحملها الإنسان فتصبح كما الحجاب الذي يحول بين عقله ومكنون ذاته. ولو جاء النعت لهذه الذات بالمتخلّفة فإن العقل بالتالي يكون عاجزاً عن رؤية التخلّف، ولو نعتناها بالمتقدّمة يصبح العقل أيضاً غير قادر على التمييز بينها وبين الغير!.

ثم يعلّق صاحبه على استنتاجاته بتساؤل جديد حيث يقول: لو لم يكن عقل الإنسان قادراً على نقد ذاته لما كان قادراً على التطوّر أصلاً، ليضعنا الكاتب في موجة عارمة من العصف الذهني الهائل والتي ليس غرضها هو الإجابة فحسب بقدر ما يكون الهدف خلق دافعيّة محفزة لانطلاقة التفكير بكل قوة حيال مقاصد التطوّر والنهضة، ولا فصل ما بين عقل الفرد وعقل الجماعة في هذا المقام إن لم يكن هو مرآة للآخر، ولا يخفى عليكم بأن عقل الإنسان لا يعمل من فراغ ولا يشتغل من دون مقدمات ورضيات وتراكم معرفي ضخم، وهذا ما تسالم عليه الكاتب وفكرة المفكر مالك بن نبي حين قال: «إن عقل الفرد – حين يفكر وينظر – ليس عقلاً فردياً بل هو عقل الجماعة الذي اتخذ له موضعاً في رأس فرد معين، فجعل شخصيته وسلوكه العفوي وردود فعله، نموذجاً لما يناظرها عند كل فرد آخر في نفس الجماعة».

وبالتالي تتكوّن العادات والتقاليد برؤية جماعية لتصبح ديناً دونما شعور، ونصاً ثابتاً دون أدنى مناقشة، فيتم تكيّف التديّن للفرد والجماعة بما لا يتناقض والمسلمات الاجتماعية والتي إما أن تكون صنيعة المجتمع نفسه أو أفكاراً تتبناها في لحظة من لحظات ما، ومثل هذا القول يقترب إلى حد ما مع فكرة «الدين المدني» والتي ابتكرها جان جاك روسو، وفكرة «الدين» التي ناقشها اميل دوركهايم، مع الاعتبار للفارق الجوهري ما بين الفكرتين، فروسو فكرته معززة للفرد، بينما دوركهايم متعلقة بالجماعة على رغم كونها تكليفاً للفرد في الوقت نفسه.
صحيفة الحياة اللندنيّة
 24/02/2007م

الخميس، 15 فبراير، 2007

ما الذي نريد: دين يستوعبنا جميعاً أم دين يبرر الفتنة؟



؛؛ اسلام المتعصبين معناه أن الفتنة هي خلاصة ما تستطيع الامة الاسلامية فعله، او ان ديننا عاجز عن صياغة نموذج سليم للتعايش بين اتباعه؛؛

المتعصبون شيوخا كانوا او سياسيين ، لا يرون في الدنيا غير المؤامرات والصراعات. هؤلاء يقدمون الغذاء الذي يستهلكه مجاهدو الانترنت ذوو الوجوه الخفية والسيوف الافتراضية، والكتاب المتساهلون الذين يتعاملون مع أعظم القضايا وأصغرها مثلما يتعامل البقال وطالب الابتدائية الذي لا حظ له من المعرفة سوى ما يطالعه على شاشة التلفزيون او يسمعه في مجالس الكلام.

وراء ذلك الكم الهائل من مقالات الشتيمة والتحريض الطائفي والقومي، ثمة رسالة واحدة بسيطة فحواها ان المسلمين عاجزون عن اصلاح امورهم، عاجزون عن الاتفاق فيما بينهم، عاجزون عن التسالم والتعايش مع اختلافاتهم المذهبية والسياسية، منشغلون بإعادة كتابة التاريخ الماضي بدلا من التركيز على صناعة مستقبل افضل من حاضرهم.

هذه الرسالة التي ربما لم يلتفت اليها الكتاب المتساهلون، ولا يفهمها ابطال الانترنت، ولا يهتم بها المتعصبون والتكفيريون، تدمي ضمير المسلم العادي مثلما يدمي السيف نحر الضحية. المسلم العادي لا يربح شيئا من صراعات السياسيين ولا جدالات المشايخ ولا خيالات الكتاب، لكنه يخسر الكثير من وراء التشكيك في قدرة دينه على احتواء جميع ابنائه، المحسنين منهم والعصاة، المستقيمين والمائلين، المتحمسين والفاترين.

أشد ما يؤرق ضمير المسلم المعاصر هو السؤال القديم الجديد :

لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟. قدم الغربيون جوابا بسيطا فحواه ان المسلمين مصابون بعجز ذاتي/ ثقافي عن الاقلاع عن حالة التخلف، لأنهم مشغولون بأنفسهم، منغمسون في تاريخهم، غافلون عن رؤية العالم الحاضر والآتي. وهم يرجعون هذا العجز إلى «التزام المسلمين بدينهم».
طوال العقود السابقة كافح المسلمون لدحض هذا الجواب وإثبات ان الاسلام ليس معيقا لنهضة المسلمين، الاسلام ليس عصبياً ولا يجيز العصبية، وأنه منفتح متسامح يستطيع احتواء الخلافات والاختلافات ويتعامل بالحسنى مع ابنائه وغير ابنائه.
الاسلام ليس ضد العلم بل يحترم النقاش العلمي والخلاف في الافكار والمتبنيات.
الاسلام لا يجيز التقاتل والتشاحن والشتم والتحريض.

الاسلام يدعو الى السلم الاهلي والاحترام المتبادل بين ابنائه وبين الامم المختلفة.. الخ.
هذا هو الجواب الذي يرغب المسلم العادي في سماعه، وهذه هي الرؤية التي يريد المسلم العادي تحويلها الى واقع حي في حياته اليومية.

بعبارة اخرى فان المسلم العادي يريد ان يجمع في ضميره عنصر الايمان وعنصر المحبة وعنصر النهضة كي تشكل صورة واحدة هي صورة المسلم المعاصر وهويته وطموحه.
اذا اردنا تثبيت وصيانة هذا الضمير فعلينا ان نبحث في وقت الازمة عن خيوط الضوء، أي الطريق الذي يقودنا الى نهاية النفق.



علينا ان نفصل انفسنا عن ابطال الفتنة، لا ان نتحول الى جنود في كتائبهم او مصفقين لانتصاراتهم او بكائين على هزائمهم. في كل ازمة ثمة متقاتلون من اجل السلطة والسياسة، وثمة مستفيدون ومتاجرون بالصراعات، وثمة من يبحث عن مغانم وسط الاشلاء، وثمة من يركب الموجة بحثا عن دور او مكانة يعجز عن ضمانها من خلال المنافسات الشريفة العادلة. وثمة متساهلون لا يهمهم كم يراق من الدم وكم تراق من الكرامات وكم يدمى من ضمائر.

كل واحد من هؤلاء يسعى لتبرير عمله وإقناع الاخرين بتأييده، وهو لا يتورع عن استعمال الرمز الديني او القومي، ولا يتورع عن استدعاء التاريخ واختزاله واستخدامه في غرضه الخاص.
أي رسالة نريد ايصالها الى عقول الناس؟. هل نريد القول بأن الفتنة المذهبية الراهنة هي خلاصة ما تستطيع الامة الاسلامية فعله، ام نريد القول بأن ديننا عاجز عن صياغة نموذج سليم للتعايش بين اتباعه على اختلاف قومياتهم ومذاهبهم ؟.

أي رسالة يتمنى المسلم المعاصر سماعها : اهي رسالة المتقاتلين والمتاجرين بالفتنة والمتساهلين، ام رسالة التسالم والتعايش؟.

دعونا نستمع لصوت العقل ونداء الضمير، ليس من اجل مذهب او حزب او منصب، بل من اجل انفسنا جميعا، من اجل مستقبلنا، ومن اجل ديننا.

دعونا نثبت لانفسنا واولادنا فضلا عن الغرباء بأن ديننا قادر على استيعابنا جميعا مهما اختلفنا، قادر على توحيدنا مهما تباعدت أوطاننا او تعارضت آراؤنا.

 فبراير 2007

مقالات  ذات علاقة
-------------------