‏إظهار الرسائل ذات التسميات مارتن هايدجر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مارتن هايدجر. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 14 يونيو 2017

كهف الجماعة



أنت وأنا ننظر الى واقعة واحدة ، فأرى شيئا وترى شيئا آخر. انا وأنت لا نرى الواقعة كما هي ، بل نرى صورتها التي في أذهاننا. لا يختلف الناس في حكمهم على الاشياء لأنهم يجهلون الحقائق ، بل لأنهم يرونها على صور متباينة. قدم الفيلسوف الالماني مارتن هايدغر صياغة مبسطة لهذا المفهوم فقال ان كل فهم جديد مشروط بالفهم السابق. ولا فهم من دون فهم مسبق. لهذا السبب على الارجح رأى توماس كون ، المفكر الامريكي المعاصر ، ان ما يكتشفه البشر في مراحل العلم العادي ليس سوى اعادة ترتيب لما يعرفونه سلفا.
قبل ذلك بزمن طويل ، رأى افلاطون ان عامة الناس سجناء للذاكرة الفردية او الجمعية التي تحدد رؤيتهم للعالم. تخيل افلاطون كهفا يتسلل اليه بصيص ضوء ، فتنعكس على جدرانه ظلال من حركة الحياة في خارجه ، فيتخيل أهل الكهف انهم يرون الحياة بذاتها. لكنهم في حقيقة الامر لا يرون غير ظلالها. قلة قليلة ممن يملكون البصيرة أو يتحلون بالشجاعة ، يتمردون على كهف الذاكرة فيخرجون الى النور ، فيرون العالم كما هو ويرون الحياة كما هي. وحين يصفونها لأهل الكهف فان قليلا منهم سيجرأون على تقبل فكرة ان هناك ، خارج جدران الكهف ، عالما ينبض بالحياة أو يتحرك في اتجاه مختلف عما تخيلوه طوال حياتهم.

أعاد فرانسيس بيكون شرح الفكرة في نظريته الشهيرة عن أصنام العقل الاربعة ، أي منظومات الأوهام الساكنة والنشطة التي تتحكم في رؤية العقل للحقائق ، وبينها أصنام الكهف.
اصنام الكهف او كهف الذاكرة تنطبق بصورة بينة على المسار الاجتماعي الذي نسميه التمذهب. نحن ننظر الى معتقداتنا فنراها صحيحة دائما. بينما ينظر اليها اتباع مذهب مختلف ، فيرونها خاطئة دائما. نأتي بالادلة والشواهد ، فيأتون بأدلة وشواهد مقابلة. وفي نهاية النقاش ، يزداد الطرفان قناعة بما كانوا عليه أصلا. وكأن النقاشات كلها حوار بين طرشان أو مجرد نفخ في الهواء.
ليس بين الطرفين جاهل او قليل العلم ، وليس بينهما من لا يفهم الادلة او طرق الاستدلال. المسألة وما فيها انهم يفكرون في قضايا تتحد في الاسماء ، وربما تتحد في الجوهر ، لكنهم لا يهتمون بجوهر الاشياء ولا باسمائها ، بل يهتمون بالمعاني المتولدة من تلك الاشياء.
معنى الشيء هو الصلة التي تربط بينه وبين الناس. ولا قيمة لأي شيء ما لم تتحدد علاقته بالاشخاص الذين يتداولونه. جرب ان تعرض على طفل خمسمائة ريال او لعبة بعشرة ريالات ، فما الذي سيختار؟. المؤكد انه سيختار اللعبة ، لانها تعني له شيئا. اما الخمسمائة ريال فليست – بالنسبة اليه – سوى ورقة.
اتباع الأديان والمذاهب وأعضاء الجماعات السياسية ، بل كافة الناس على وجه التقريب ، لايجادلون قناعاتهم الاساسية ، ولا يتخلون عن مسلماتهم ، حتى لو رآها الاخرون غير معقولة. لانها ليست عناصر هائمة في الفضاء ، بل هي اجزاء متناغمة ملتحمة في صورة كاملة مستقرة في ذاكرتهم ، تشكل كهفهم الخاص ، اي عالمهم الحقيقي ، الذي قد يماثل عالم الناس او يختلف عنه ، لكنهم يعرفون انفسهم والعالم على هذا النحو.
هل يستطيع أحد البرهنة على ان عالمك اكثر معقولية من عالمي ، أو ان كهفك اوسع من كهفي؟. ربما. لكننا نتحدث في نهاية المطاف عن كهف ، واسعا كان أو ضيقا.
الشرق الاوسط 14 يونيو 2017

مقالات ذات علاقة


السبت، 3 يوليو 2004

العلم في قبضة الايديولوجيا: نقد فكرة التاصيل

فكرة التاصيل هي احدى علل الفكر الديني المعاصر . ابتكرت هذه الفكرة في سياق الرد على الحداثة لا سيما في ميدان العلوم الانسانية . فكرة التاصيل هي حل ينطوي على نوع من المساومة مع الحداثة تستهدف في نهاية المطاف ابقاء العلم ميدانا خاصة للنخبة ، ومن هذه الزاوية فهي تستوحي فكرة قديمة – وراسخة الجذور الى حد ما في التراث الديني – تقول بان من الافضل ابعاد عامة الناس عن الفلسفة والعلوم العقلية لان عقولهم اضعف من احتمال اشكالاتها ، ولهذا يخشى على دينهم ان يتزعزع اذا انفتح عليهم موج الاسئلة.



 في سياق الجدل حول الحداثة ، تبلور في العالم الاسلامي ثلاثة اتجاهات : يدعو الاول الى رفض العلوم الحديثة كليا او جزئيا لان ما ورثه المسلمون من علوم ابائهم فيه خير وزيادة . ويدعو الثاني الى الاخذ بالعلوم الحديثة وما تقوم عليه من اسس فلسفية لان العلم هو ميراث الانسان في كل الازمان والامكنة ، وان الاخذ بهذه العلوم سيؤدي بالتدريج الى توطينها واغنائها بالقيم الخاصة بالمجتمعات المستقبلة. اما الثالث الذي يبدو انه حل محل الاتجاه الاول فيدعو الى الاخذ بالجوانب التقنية في العلم الحديث وترك القواعد الفلسفية والمعيارية . ثم تاصيل تلك الجوانب ، اي اعادة بنائها على اساس المعايير الخاصة بالاسلام.
حتى هذه النقطة يبدو اقتراح التاصيل حلا مريحا ، خاصة لاولئك المهمومين بقلق الغزو الفكري والهجمة العالمية على الاسلام وبقية مفردات نظرية المؤامرة . لكن هذا الحل الذي يبدو مريحا ، غير صحيح من الناحية المعيارية وغير ممكن من الناحية العلمية . يقوم هذا الحل على فرضية خاطئة اساسا تخلط بين الدور الوصفي-التفسيري للعلم والدور التوجيهي للعالم. الممارسة العلمية بالمعنى الفني هي عملية وصف وتحليل وتفسير ، اما توجيه النتائج ووضعها في سياق دعوة او استخدامها لتعزيز دعوة ، فهي خارج نطاق العلم ويمكن ان يقوم بها اي انسان عالما او غير عالم . ولهذا تميزالمجامع العلمية بين الابحاث التي تستهدف العلم بذاته وتلك التي تستهدف وضع سياسات عمل . الاولى تقوم – او ينبغي ان تقوم - على معايير علمية بحتة ، بينما تهتم الثانية بوضع خيارات ملائمة لاهداف محددة مسبقا ولهذا فان اعتبارها العلمي ادنى من الاولى. 

لكي يقوم الباحث او المفكر بممارسة علمية صحيحة من الناحية التقنية ، فانه يحتاج الى التحرر الكامل من قيود الاستهداف المسبق . يجب ان يكون الغرض الوحيد للبحث هو التوصل الى معرفة جديدة حتى لو كانت تعارض المسلمات والبديهيات التي يؤمن بها سلفا ، لان غرض العلم ليس تعزيز الايمان بل كشف الحقائق الغائبة .
طبقا للفيلسوف الالماني مارتن هايدجر فان من المستحيل تقريبا الانفصال عن المسلمات الذهنية السابقة التي تشكل عقل الانسان ونظرته الى العالم . دور الخلفية الثقافية في تحديد تصورات الانسان – الباحث والعادي – للناس والاشياء من الامور المسلمة ، لكن لا بد من ملاحظة الفارق الدقيق بين التاثر العفوي بهذه المسلمات وسوق الحقائق والتفسيرات بالقوة لكي تطابقها . مشكلة فكرة التاصيل انها تدعو الى المعنى الثاني على وجه التحديد ، اي فرض مسلمات سابقة (يدعى انها دينية ) على صورة الحقيقة وكيفية وصفها وتحليلها ثم تفسيرها ، وفي هذه الحالة فاننا لا نتوصل الى اي معرفة جديدة بل الى تاكيد ما نعرفه مسبقا او ما نريد تحويله من رغبة عاطفية الى معرفة او شبه معرفة .

الاشكال الثاني يتعلق بالمعايير الدينية التي يراد تطبيقها على العمل العلمي . الكتاب والسنة لا يقدمان بحوثا علمية بل منظومة قيم تتعلق اساسا بمسألة الوجود والكينونة . نقل هذه القيم من صورتها الاصلية ، المجردة والمعيارية ، الى نطاق محدد علمي او عملي ، يؤدي فعليا الى نزع صفتها التجريدية المتعالية على الوقائع وتحويلها من مطلق الى محدد ، ومن مجرد الى نسبي . هذه العملية التي يطلق عليها احيانا "الاجتهاد" تتضمن بالضرورة تأثر النتائج التي يتوصل اليها المجتهد بخلفيته الذهنية الخاصة .  الزعم بامكانية اخذ النص واستعماله في الاجتهاد او التطبيق دون مؤثرات ذهنية او خارجية ، يستحيل اثباته علميا وتجريبيا .

كل اجتهاد هو بدرجة او باخرى نتاج عقل مختلف في مكوناته ، ولهذا تختلف اجتهادات المجتهدين وتتعارض . فاذا توجهنا الى المجتهدين للحصول على ما يوصف بالقيم الدينية ، فان ما سنحصل عليه ليس قيما معيارية بل منظورات شخصية . وبهذا فان ما سنبني عليه علمنا ليس القيم بل اراء اشخاص محددين . لهذين السببين ، ولاسباب اخرى ربما نعود اليها لاحقا ، فان فكرة التاصيل التي يدعى اليها كسبيل للمواءمة بين العلوم الحديثة والتقاليد العلمية او السلوكية (التي يدعى انها دينية) لا يمكن ان تنتج علما . لكي ينتعش العلم فانه يحتاج الى التحرر من الاهداف المسبقة والرغبات.

http://www.okaz.com.sa/okaz/Data/2004/7/3/Art_122424.XML
جريدة عكاظ السبت - 15/5/1425هـ ) الموافق  3 / يوليو/ 2004  - العدد   1112

مقالات  ذات علاقة
-------------------


المساواة: اشكالات المفهوم واحتمالاته

بقلم ايزايا برلين (*) ترجمة د.   توفيق السيف ربما ترغب أيضا في قراءة: برنارد وليامز:    فكرة المساواة   ديفيد ميلر:  ا لمساو...