الخميس، 8 فبراير 2001

لماذا لا يطالب الناس بحقوقهم


خلال عقدين من عمر مجلس التعاون الخليجي توصلت الدول الاعضاء إلى عشرات من الاتفاقيات والمواثيق الثنائية والجماعية ، صرف لاجلها المسؤولون من الدول الاعضاء وقتا غاليا ، لانها في نظرهم كانت ضرورية لتوثيق العلاقة بين دول المجلس ، وبغض النظر عما طبق فعلا من تلك الاتفاقيات ، وما لم يطبق ، وبرغم النقد الذي يوجه عادة لتباطؤ العمل الخليجي المشترك ، فان معظم الخليجيين حريصون على الدفاع عن تجربة المجلس وتطويرها .

وكنت اتمنى دائما ان يتبنى المجلس ميثاقا خليجيا لحقوق المواطن ، فهذا هو الحقل الوحيد الذي لم يطرق في اي من اجتماعاته ، وكان سمو امير الكويت قد اقترح قبل بضع سنوات ، تشكيل هيئة استشارية تشكل اساسا للدور الشعبي في المجلس ، لكن من المؤسف اننا لا نسمع كثيرا عن دور هذه الهيئة ، ولا نعلم ان كانت توصل صوت شعوب المنطقة إلى المجلس ، أم انها تكتفي بتاييد ما تقترحه الحكومات ، وعلى اي حال فان ممثل الشعب لا بد ان ياتي بتفويض  شعبي كي يستطيع ممارسة عمله ، أما  إذا عين بقرار حكومي ، فان من ياكل على مائدة السلطان يضرب بسيفه ، كما قيل في الامثال .

(حقوق المواطن) هي الغائب الكبير في التداول السياسي والاعلامي على امتداد الخليج ، والغريب ان احدا من السياسيين وصناع القرار لا ينكر ايا من هذه الحقوق ، ولا ينكر الحاجة إلى رعايتها ، بل انهم يفاخرون عادة بتجذرها في التراث الاسلامي والتقاليد الاجتماعية ، بحيث يخيل للسامع ان دول المنطقة هي التي وضعت الميثاق الدولي لحقوق الانسان ، واجبرت دول العالم على ضمه إلى دساتيرها .

لكن اولئك السياسيين لا يقبلون ابدا بتحويل مباديء حقوق الانسان إلى نصوص قانونية ملزمة ، ولا يوافقون على قيام هيئات اهلية تراقب الالتزام بمضمون تلك المباديء ، بل ولا يقبلون ممارسة المواطن لما يفترض انه حق لـه ، ولنأخذ مثلا حرية التعبير التي تقول بها الانظمة والدساتير ، فهي لا تحترم اطلاقا لعشرين سبب وسبب ، وهي تخرق بعشرين وسيلة ووسيلة ، ومن ابسطها دوائرالرقابة ، في معرض الكتاب العربي بالكويت مثلا منعت الرقابة عشرات من الكتب ، رغم ان بعضها كان موجودا قبلئذ في الاسواق ، وفي دول خليجية أخرى ، يعتبر اي كتاب ممنوعا في الاصل إلا إذا ثبت خلافه ، ولانه لا يوجد اساس منطقي ومعياري لتحديد المسموح والممنوع ، فان الامر يتعلق كليا بنفسية الرقيب وثقافته ، ومزاجه الخاص في اليوم الذي وصله الكتاب ، ومن طريف ما يذكر هنا انني جمعت عددا من مقالاتي المنشورة في صحف محلية وطبعتها في كتاب ، وحين عرضته على الرقابة للحصول على ترخيص النشر ، ابلغت بان الكتاب ممنوع ، فاخبرت مدير الرقابة بان محتويات الكتاب منشورة جميعها في الصحف المحلية ، فرد علي بان " مسمى " الكتاب يختلف عن " مسمى " المقال ، وهذه قاعدة قانونية لا اظن احدا في العالم كله قد توصل اليها من قبل ، فهي تستحق ان تكتب بماء الذهب وتعمم على جميع الدول الاعضاء في الامم المتحدة كوثيقة دولية ، ومنعت الرقابة ديوانا لشاعر معروف وكان التبرير ان بعض القصائد غير مفهومة ، وعدم فهم الرقيب حجة شرعية تستحق ان يضيفها الفقهاء ورجال القانون إلى الادلة المعتمدة في استنباط الاحكام .

وقد تحدثت هنا عن انتهاك حرية التعبير بواسطة الرقابة ، واغفلت انتهاك هذا الحق بواسطة الاجهزة الامنية والسياسية ، فهناك لا يتوقف الامر عند المنع ، بل يصل إلى الاستجواب والتحقيق وتوجيه التهمة ،  وربما الحبس أو المنع من السفر ، فضلا عن الخروج من دائرة الموالين أي المرحومين .

على اننا في الخليج نتميز عن غيرنا بنوع آخر من الرقابة ، يلخصها المثل المشهور عندنا (العين من العين تخجل) ومضمونه ـ لمن لا يعرف - ان من يرفع صوته ، أو يتحدث فيما لا يخصه ـ اي الشان العام الذي لا يخص شخصا معينا - يستدعى من قبل مسؤول ما أو شخصية رفيعة ، فيعاتب ويسأل ان كان ينقصه شيء ، وقد يحصل على بعض الاحسان ، وعندئذ فان آليات العرف والتقاليد تتدخل لتقرر الخطوة التالية ، وهي ان يرد المستدعى على احسان داعيه بالسكوت عما يسبب الازعاج لـه أو لمن يليه ، وهكذا تحل المسائل باللطف واللين ومن دون ضجيج ، واظن ان قليلا من الناس في العالم يعرفون هذه السياسة أو يمارسونها في الوقت الحاضر ، ولهذا فانها يمكن ان تعتبر ابتكارا خليجيا يثير الاهتمام.

ربما يرتاب بعض الناس في فاعلية هذه السياسة أو تاثيرها ، لكني اجد انها شديدة التاثير ، خاصة إذا انضمت إلى الوسائل الأخرى المعروفة ضمنا أو الظاهرة  في خلفية الصورة ، فالذي يستدعى يعرف ان عدم الاستجابة تؤدي إلى الحرمان من الترقية أو ربما خسارة الوظيفة ، أو ربما العقاب الجسدي والمعنوي في مستويات أخرى .

لكن المسؤولين لا يجدون الوقت الكافي لمواجهة كل صاحب لسان ، لهذا لجأوا إلى الحلول الجماعية ، ففي أحد اقطار المنطقة قالت الانباء ان اساتذة الجامعة يتحدثون عن " حرم جامعي " اي مكان يتمتع فيه الاستاذ والطالب بحرية التعبير ، وبعد نحو ثلاثة اشهر من تاكيد وجود هذه الاحاديث ، امر ولاة الامر بتخصيص قطعة ارض سكنية لكل استاذ جامعي ، وجرى النص في الامر المذكور على الحد الادنى لقيمة المنحة ، وهي تعادل راتب الاستاذ في اربع سنوات .

واعتقد ان المركب الكامل للسياسة في الخليج ، هو السر وراء تأخر ظهور مطالبة شعبية بحقوق الانسان على مستوى المنطقة ، هذا المركب يضم التلويح بالقوة  وعدم قانونية المطالبة من جهة ، وبالمكاسب المادية للانصياع من الجهة الثانية .

والحقيقة ان احدا لا يرغب في الحديث عن هذه الامور ، فالكلام فيها موجع لكل الاطراف ، لكن مراسلا اجنبيا سأل خبيرا ماليا عن السر في انتعاش سوق المنطقة فور نهاية حرب الخليج الثانية ، فاجابه الخبير ببساطة ان الحكومة تدخلت بائعا وشاريا في سوق الاسهم ، كما صرفت مبالغ كبيرة بغرض تحريك السوق ، لانها ارادت تخليـص الناس من " الهمـوم " التي اثارتها الحرب ، فسأل المراسل : هناك تقارير عن عجز مالي كبير لدى الحكومة ، فمن اين جاءت بهذه الاموال ، فاجابه الخبير برقة : الحكومات تعرف دائما اين يوجد المال ومتى يستخدم .

وخلاصة القول اننا نحصل على الرفاه المادي ، ولدى الكل أو الاكثرية حرية كاملة في البحث عن المال ، وكلنا يعرف هذا كما ان حكوماتنا تعرفه ، ولهذا فقد اكرمتنا بما يكفي ويزيد عن الحاجة ، وفي المقابل فقد اكرمناها بالسكوت عن حقوقنا الاساسية ، ليس حق الاكل والشرب والتنعم في المسكن والملبس ، بل حقنا في التفكير والتعبير عما نفكر فيه ، وحقنا في فرص متساوية امام القانون ، وحقنا في تقرير الطريقة التي تدار بها حياتنا ،  وحقنا في تقرير صورة مستقبل ابنائنا .

الرأي العام 8 فبراير 2001

الثلاثاء، 6 فبراير 2001

حاكمية الاسـلام … تحــولات المفـهــوم


اقامة الدولة الخاضعة لسيادة الدين هو الهدف الاسمى لجميع فصائل الحركة الاسلامية ، والامنية الغالية على قلوب رجالها ، لا فرق في هذا بين من يوصفون بالاعتدال ومن يوصمون بالتطرف ، ولا يحتاج الامر الى كثير من الحجاج ، فمعظم ادبيات الحركة تتحدث عن هذا الهدف ، وتنظر اليه باعتباره حتمية تاريخية ، سوف تصبح يوما ما ضمن دائرة الممكنات . لقد كان هذا هدف الحركة يوم لم يكن لها دور في السياسة ، ولايزال اسمى اهدافها بعد ان اصبحت قوة في الشارع و لاعبا بارزا في ميدان السياسة .

ظهرت فكرة الحاكمية كهدف ومحور للعمل السياسي على يد المفكر المصري الراحل سيد قطب ، الذي ربط اسلمة السلطة بالعقيدة ، واعتبر اقامة الحكومة المؤمنة تفريعا عن الاعتقاد الضروري بالتوحيد (توحيد الالوهية وافراد الله بها معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل ولامراء والحكام ورده كله إلى الله ، السلطان على الضمائر والسلطان على الشعار والسلطان على واقعيات الحياة والسلطان في المال والسلطان في القضاء والسلطان في الارواح والابدان .. لا اله إلا الله ثورة على السلطان الارضي  الذي يغتصب اولى خصائص الالوهية وثورة على الاوضاع التي تقوم على قاعدة من هذا الاغتصاب وخروج على السلطات التي تحكم بشريعة من عندها لم ياذن بها الله) ([1]) ويشير قطب إلى ان عدم تبني المجتمع لحاكمية الله يعبر - بصورة أو باخرى - عن نقص اعتقادي ، ولهذا فهو يطالب باقامة (المجتمع المسلم الذي يقر عقيدة : لا اله إلا الله ، وان الحاكمية ليست إلا لله ، ويرفض ان يقر بالحاكمية لاتحد من دون الله ، ويرفض شرعية أي وضع لا يقوم على هذه القاعدة .. وحين يقوم هذا المجتمع فعلا تكون لـه حياة واقعية تحتاج إلى تنظيم والى تشريع  ، وعندئذ فقط يبدأ هذا الدين في تقرير النظم وفي سن الشرائع لقوم مستسلمين اصلا للنظم والرائع ، رافضين اصلا لغيرها من النظم والشرائع) ([2]) .

ولم يبذل قطب جهدا في شرح وتعريف الفكرة التي عرضها ، ولعله لم يحصل على الفرصة اللازمة لتبين مدى الاهمية والخطورة التي انطوت عليها ، فقد كانت نتاج السجن ، ولم يطل به العمر بعد ذلك طويلا حتى استشهد ، لكن يمكن من خلال القراءة المتأنية في كتابه هذا (معالم في الطريق) وفي تفسيره للايات المتعلقة بالموضوع في تفسير (في ظلال القرآن) يمكن الجزم بانه كان يعني بصورة محددة نظاما سياسيا شموليا ، تكون مهمة الدولة الرئيسية فيه إلغاء كل ما يمت إلى غير الاسلام بصلة من الانظمة والسياسات وطرق العمل والعادات والاعراف وموارد العيش وانماطه وكذلك ادوات التثقيف ومناهج التعليم والاعلام ، وكل امر عام دون استثناء ، ولتحقيق هذا فلا بد من استبعاد أو تصفية قنوات ومصاادر التاثير الثقافي المخالف للاسلام ولا سيما الغربي ، الذي يعتبره مصدرا لجاهلية جديدة (لم تكن وظيفة الاسلام ان يغير عقيدة الناس وواقعهم فحسب ، ولكن كانت وظيفته كذلك ان يغير منهج تفكيرهم ، وتناولهم للتصور والواقع . ذلك انه منهج رباني مخالف في طبيعته كلها لمناهج البشر القاصرة الهزيلة) ([3]) ويذكر هذا التصور بالثورة الثقافية في الصين ، التي ارادها ماو تسي تونغ وسيلة لايجاد قطيعة تامة مع الثقافة الموروثة عن العصر السابق على الثورة الشيوعية ، واعادة تثقيف الشعب كله وفق النموذج الذي اقترحة للصين الجديدة .

وبعد قطب ، تكررت فكرة اعتبار  المجتمع المسلم الذي لا يطبق مفاد حاكمية الله ، جاهليا ، عند سعيد حوى ، الذي يعتبر هو الآخر مفكرا بارزا في الاخوان المسلمين ، الذي يعرف المجتمع الجاهلي بأنه (كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده . متمثلة هذه العبودية في التصور الاعتقادي وفي الشعائر التعبدية وفي الشرائع القانونية ، وبهذا التعريف تدخل في إطار "المجتمع الجاهلي" جميع المجتمعات القائمة اليوم في الارض فعلا) ([4]) ولكي لا يترك مجالا لاي تفسير آخر ، يعود للتاكيد على ان (المجتمعات التي تزعم لنفسها انها مسلمة) داخلة في هذا الاطار ايضا (لانها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها ، فهي -وان لم تعتقد بالوهية أحد الا الله - تعطي اخص خصائص الالوهية لغير الله ، فتدين بحاكمية غير الله ، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها وشرائعها وقيمها وموازينها وعاداتها وتقاليدها) ([5])

وعدا عن رد الاعتراضات المتعلقة بتجهيل المجتمع ، فلم تكن فكرة الحاكمية الالهية موضع نقاش في الفترة السابقة لأوائل الثمانينات ، اذ ليس ثمة حركي يتصور وجها للشك في ضرورة السعي لتمكين الشريعة ، ولهذا فان احدا لم ينظر الى الامر من زاوية امكانية تحقيقه ، ولم يذهب احد الى نقاش تفصيلاته العملية ، فضلا عن طرحه بكليته على مائدة النقد ، لكن التطورات التي حدثت في العالم  منذ منتصف الثمانينات ، ولاسيما تهاوي المبررات النظرية لنظام الحكم الشمولي ، اضافة الى اخفاق بعض فصائل الحركة في تطوير رصيدها الشعبي الى مشاركة سياسية ، قد اوجد حاجة الى اعادة تقييم الاهداف واستراتيجيات العمل التي تتبناها الحركة ، ومن بينها مسألة الحاكمية ، ومضمون السلطة التي تكافح في سبيل بنائها ، وقد تعرضت آراء قطب إلى الكثير من النقد ، ووصف الشيخ القرضاوي هذا النسق المتشدد في طرح الفكرة الاسلامية بانه تعبير عما وصفه بفقه المحنة (فقه المحنة او فكر المحنة الذي ظهر في زمن المحن العاتية التي هبت على الحركة الاسلامية في الخمسينات والستينات … وهو فكر حي دافق لكنه ينضح بتكفيرالمجتمع من حوله ،  وينظر الى الناس والحياة بمنظار اسود ، ويكاد يعزل دعاته عن المجتمع ويشعرهم بالاستعلاء عليه ،  وهو فقه مازال له تاثيره على كثير من كتاب الحركة الاسلامية وموجهيها ، وما زال يصبغ بقدر أو بآخر كثيرا من النتاج التربوى والدعوي والتوجيه السياسي) ([6]) ويريد القرضاوي التاكيد على كون هذا النسق من التفكير ، نتاج ظرف غير طبيعي ، واحادي البعد ، فلا ينبغي ان يكون معياريا .

وبدلا من ذلك فهو يحاول إعادة تعريف فكرة الحاكمية بوضع مجالها الموضوعي ضمن تصنيف مختلف ، حيث يذهب إلى ان (مبدأ الحكم للشعب الذي هو اساس الديمقراطية ليس مضادا لمبدأ الحكم لله الذي هو اساس التشريع الاسلامي انما هو مضاد لمبدأ الحكم للفرد الذي هو اساس الدكتاتورية) ([7]) على خلاف رأي قطب الذي قرر ان حكم الشعب يساوي العبودية لغير الله ([8]) ويبدو ان تحليل قطب كان يستهدف معالجة الايديولجيا الحاكمة ، أي كون الشريعة اساسا للحكم ، بينما اراد القرضاوي معالجة أحد التصريفات المتصورة لراي قطب ، وهي كون الشعب مصدرا لمشروعية السلطة ، أي التفويض القانوني لشخص أو هيئة معينة بممارسة الحكم .

 وتتضح معالجة القرضاوي من خلال تصنيفه للمجالات الموضوعية التي تنصرف اليها فكرة الحاكمية ، حيث يقسمها إلى حاكمية كونية قدرية بمعنى ان الله هو المتصرف في الكون "والله يحكم لا معقب لحكمه" ، وحاكمية تشريعية امرية وهي حاكمية الالزام والتكليف والامر والنهي وهذه لا يرفضها مسلم  (المسلم الذي يدعو الى الديمقراطية ، انما يدعو لها باعتبارها شكلا للحكم يجسد مباديء الاسلام السياسية ، في اختيار الحاكم واقرار الشورى والنصيحة ، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقاومة الجور ورفض المعصية ، خاصة اذا وصلت الى الكفر البواح) ([9]). ثم يقترح تكييفا فقهيا لتحكيم رأي الاكثرية فيرد على من قال بان الاسلام لا يعتد بها ، ومن استدل على هذا بما ورد من ايات تدم الكثرة وتمدح القلة ، فيقرر ان هذا القول مردود (لاننا نتحدث عن الديمقراطية في مجتمع مسلم لا في مجتمع جاحد او منكر للدين ، ثم ان الثوابت لا يتدخل فيها التصويت وانما مرجعها الى الشرع انما التصويت في موارد الاجتهاد ، فاذا اختلفت الاراء في هذه فهل تترك بلا مرجح ؟ وقد ثبت بادلة من السنة ترجيح راي الاثر على راي الاقل كما ثبت في الامر باتباع السواد الاعظم واعتداد الفقهاء براي الجمهور "الاكثرية" في المسائل الخلافية ، والقول بان الراجح هو الحق يصدق في ما هو بين ومنصوص لا في المختلفات او الاجتهاديات ) ([10]) واخيرا يدعوالى تغيير في نسق الاستهداف ، ويدعو إلى اعتبار اقرار الحريات العامة ، الهدف المحوري للحركة الاسلامية في هذا العصر ([11]) .
ويظهر من الآراء المنشورة لحركيين بارزين ان (حاكمية الله) بمعنى اقامة النظام السياسي على فلسفة الاسلام واهدافه ، واعتبار الشريعة الاسلامية مصدرا للقوانين ومنظما للحياة العامة في الدولة ، يبدو انها لا تزال الهدف الاسمى للحركة الاسلامية ، لكن الذي اختلف فعلا هو طريقة الاستهداف وترتيب اولوياته ، كما اختلف فهم الحركيين لطبيعة الحاكمية المنشودة ومستلزماتها ، وكما قرر القرضاوي ان الهدف الفعلي هو اقرار الحريات العامة ، فان كثيرين اخرين يعتبرون انجاز الهدف مقدمة ضرورية قبل طرح الهدف الاعلى الذي لا يراد تحقيقه بالوسائل الانقلابية ، بل من خلال التفويض الشعبي ، بكلمة أخرى فان فكرة الحاكمية التي كانت بين المسلمات ، لم تعد الان في نفس الموقع ، فقد اختلف ترتيبها في سلم الاولويات ، كما اختلفت طبيعتها ومستلزماتها النظرية ايضا ، وحسب بن كيران القيادي في الحركة الاسلامية المغربية ، فان إعادة النظر في مسلمات الحركة جاءت نتيجة للممارسة السياسية الفعلية التي كشفت للحركة ابعادا في الساحة لم تكن قد اكتشتها أو تعرفت عليها قبلئذ (العمل السياسي ليس فرصة يتم تحينها لاقامة احلام غير قابلة للتطبيق ، بل هو مجال يساهم الواقع الاجتماعي بمعطياته وقواه المختلفة في صياغته ، والحركة الاسلامية او الجماعات العاملة في اطارها جزء من ذلك ، وليست مؤهلة وليس بمقدورها ان تتحمل ذلك بمفردها . سيكون الدور الاكبر للحركة هو التمكين للبعد الديني في الواقع السياسي تدريجيا حتى يكون له دور وتاثير اكبر .. بامكان الحركة الاسلامية القيام بهذا الدور بعد خروجها من السرية والخفاء والظلام الى الواقع بما يقتضيه ذلك من تنازل وتواضع وقبول بالاطراف الاخرى .. كذلك فالحركة تتوفر على كفاءات يمكنها ان تساهم لا في تغيير المنكر كله ، لكن على الاقل في نقل الواقع من منكر الى منكر اقل منه) ([12]) مثل هذا الرأي يعبر بدقة عن مرحلة جديدة في التفكير السياسي الاسلامي ، يقوم على القبول بالمشاركة في السياسة مع الغير ، بغض النظر عن متبنياتهم الايديولوجية ، وهو يعبر عن نقلة واضحة ، سياسية وفكرية ، من الموقف التقليدي الذي فحواه ان الاسلام - وتاليا الحركة الاسلامية - لا يقبل شراكة غيره الذي لا يتبنى مناهجه واهدافه .

من الواضح ان لكل شخص ، كما لكل جماعة ، الحق الكامل في تبني اي هدف يريد ، والسعي الى اي أمل يتمنى ، لكن الامر لا يتعلق بحقوق ، او متبنيات نظرية ، بل بامكانيات وفرص يحددها ميزان القوى الفعلي في ميدان السياسة ، فقد يتمنى الانسان اعظم الاشياء ، لكنه يفتقر الى مقدماتها ، فلا يعمل لها ، او يجاهد في سبيلها دون ان يوفق في الوصول .

وكانت هجمات المنافسين وسخريتهم ، سببا اضافيا للتعجيل بطرح الموضوع للنقاش ، اتخذ هؤلاء من الغموض المحيط بموضوع حاكمية الشريعة ، ذريعة لرجم الحركة وتاليب السلطات والقوى السياسية عليها ، يقول د. نصر ابو زيد (هذا المفهوم ـ الحاكمية ـ ينتهي على المستوى التطبيقي الى تحكيم بشر من نوع خاص ، يزعمون لانفسهم احتكار حق الفهم والشرح والتفسير والتاويل … اذا كانت حاكمية البشر يمكن مقاومتها والنضال ضدها وتغييرها بوسائل النضال الانسانية المختلفة ، واستبدال انظمة اكثر عدالة بها ، فان النضال ضد الفقهاء يوصم بالكفر والالحاد والزندقة ، بوصفه هرطقة وتجديفا ضد حكم الله ، ويصبح المفهوم بذلك سلاحا خطيرا ، يفقد البشر اية قدرة على تغيير واقعهم او تعديله ، لانه ينقل الصراع من معركة بين البشر والبشر الى معركة بين البشر والله) ([13]) ويظهر التركيز على رغبة رجال الحركة في التسلط باسم الدين ، بعض ما تنطوي عليه النفوس من مخاوف ، وقد استعير التصوير الاوربي للدولة القائمة على اساس الدين في العصور الوسطى ، وعرض باعتباره تجسيدا مماثلا لفكرة الدولة الدينية التي يريدها الاسلاميون ، يقول د. وحيد رأفت (دعاة تطبيق الشريعة يريدون ان يصبحوا  " كهنة آمون " من جديد ، لانهم وحدهم الذين يملكون تفسير الشريعة واقامة الثيوقراطية الدينية ، حيث سيطرة رجال الدين والحكم بالحق الالهي ) .
 مدنية لا دينية
وقد دأب الاسلاميون على انكار تهمة السعي الى نموذج السلطة التي تحكم استنادا الى التفويض الالهي ، كما فعل د. يوسف القرضاوي (دعاة الاسلام لم يدعوا الى دولة دينية بل الى دولة اسلامية .. فرق كبير بين الدولة التي تقوم  على اساس الاسلام ، والدولة الدينية التي عرفها الغرب النصراني في العصور الوسطى … الدولة الاسلامية دولة مدنية تقوم على اساس الاختيار والبيعة والشورى ، ومسؤولية الحاكم امام الامة وحق كل فرد في الرعية ان ينصح للحاكم .. الحاكم في الاسلام مقيد غير مطلق ) ويؤكد مصطفى مشهور المرشد العام للاخوان المسلمين على هذا الاتجاه (الذين يعادون التيار الاسلامي ينسبون اليه انه اذا وصل الى الحكم فسيقيم حكومة دينية ذات تفويض الهي … حكومتنا لن تكون حكومة مشايخ وانما حكومة من المتخصصين … حكومة مدنية في اطار الشرع .. حكومة ليست دينية ، ولكنها مدنية في اطار فكري معين ) [14].

البديل للدولة الدينية اذن هو الاسلامية ، والبديل للحكم المقدس هو الحكومة المدنية ، والمفهوم الاخير يعتبر جديدا في الادبيات الاسلامية ، وقد يكون ـ عندما نطابق العنوان على مفهومه السياسي ومخرجاته العملية ـ اكثر التطورات اهمية في تفكير الحركة الاسلامية الحديثة ، الا ان استقراره كثابت نظري في النسيج الثقافي للحركة ، يحتاج الى مزيد من التنظير والاسناد ، حتى تنتشر جذوره افقيا وعموديا في ثقافة الحركة وبرامجها التربوية وخطابها السياسي ، ان ظهور هذا المفهوم الجديد هو احد الثمار الطيبة للتعامل الايجابي مع النقد ، وهو يؤكد مرة اخرى ان النقد ـ ايا كانت اغراضه او مصادره ـ لا يخلو من فوائد ، حتى لو كان قاسيا موجعا .

يرجع الغموض المحيط بمسألة الدولة وحاكمية الشريعة  ، الى توقف الفقه الاسلامي عن معالجة القضايا المستجدة ، ولاحظت ان عددا بارزا من المفكرين واصحاب الراي من الاسلاميين ، قد شكا من ضمور الفقه السياسي ، وندرة البحوث الفقهية في المجالات المتعلقة بالسياسة العامة ، كما فعل د. باهنر ، ثالث رؤساء الحكومة الايرانية بعد الثورة (في السابق كنا نطلق شعارات تستهدف استعادة الثقة بالاسلام وبين رجال الدين والشباب ، ولتحديد الخط الفاصل بين الاسلام ونظام الطاغوت ، اما اليوم فاننا بحاجة الى تقديم الاجوبة حول مشروعنا … اصبحنا في مواجهة طوفان من الاسئلة ، ولانستطيع بالاتكال على عدد محدود من الاصول الثابتة للجواب على كل هذه الحاجات ) ([15]) ويرى آية الله منتظري ان سبب المشكلة ، هو الفجوة التي فصلت الفقهاء عن اصحاب القرار (بسبب انعزال الفقهاء عن السياسة ، اصبح البحث في السياسة والولاية وفروعهما متروكا في فقه الشيعة ، الا نادرا او تطفلا ) ([16]) كما لاحظ مرتضى الشيرازي ان عدم تصدي الفقهاء للشأن العام ، ادى الى قلب بعض المفاهيم او تحريفها او تركها ، كما حصل لموضوع الشورى الذي لم يحظ بعناية في البحث الفقهي (عدم القول بالشورى راجع الى عدم تصدي الفقهاء للولاية العامة .. الولاية الخاصة التي قال بها اكثرهم ، لا تتعدى الامور الحسبية الداخلة ضمن باب القضاء ، والمعلوم ان لا شورى في القضاء .. الامور الحسبية خارجة عن تخصص ادلة الشورى ) ([17]) ويميل د. القرضاوي ، إلى ان الفقه الاسلامي كله يعاني من اختلالات منهجية ، لكن (اكثر الخلل وقع في القه السياسي وهو فقه لم ياخذ حقه من البحث والعتعمق قديما كما اخذ فققه العبادات والمعاملات والانكحة ونحوها وهو كذلك يشوبه اليوم كثير من الغبش والتباس المفاهيم واضطراب الاحكام وتفاوتها في اذهان العاملين للاسلام تفاوتا يجعل المسافة بينهم كما بين الشرق والغرب) ([18]).
الطريق الى حاكمية الشريعة
يتفق الاسلاميون على مبدأ  حاكمية الشريعة ، لكنهم يختلفون على مفهومها وعلى سبل اخراجها من دائرة الفكرة الى ميدان العمل ، سنجد في ادبيات الحركة وممارستها ثلاثة خطوط رئيسية ، يمثل كل منها منهجا خاصا ، ينطلق من اجتهاد نظري وقد يكون نتاجا لمعطيات الواقع الاجتماعي لساحة العمل :

الاول : لا يتصور تطبيق الحاكمية منفصلا عن التزام النخبة الحاكمة بالمشروع الاسلامي ، النخبة المقترحة هنا هي ذات الجماعة .

الثاني : يدعو الى تمكين الناس من الاختيار وازالة الموانع التي تحول دون مشاركة الاسلاميين في التنافس السلمي على السلطة ، ان توافق الشعب على التصويت للتيار الاسلامي هو بذاته تعبير عن سيادة الاسلام .

الثالث : يتبنى اعادة صياغة النظم والقوانين السائدة لكي تتوافق مع معطيات الشريعة الاسلامية ، اي الاحلال التدريجي لعناصر الشريعة محل النظم الاخرى .

ويبدو ان الخط الاول هو الاكثر شيوعا بين فصائل الحركة ، لانها مثل كل حركة سياسية اخرى ، تضع  الوصول الى السلطة في راس اهدافها ، ولانها تراهن بالدرجة الاولى على تعديل حاسم في ميزان القوى ، يمكنها من تجاوز العقبات التي تحول عادة دون تطبيق متكامل لعناصر المشروع ، ان التعديل الحاسم المطلوب هو امتلاك القوة المادية ، والشرعية القانونية ، هذه القوة والشرعية مكثفة في اطار السلطة السياسية .

اما الخط الثاني فيتبناه الحركيون الذين يواجهون منافسة قوية في ساحات عملهم ، ونلاحظ ان معظم التطورات على مستوى الطرح السياسي ، قد حدثت في ساحات من هذا النوع ، كما هو الحال في الاقطار التي تشهد تعددية سياسية واضحة المعالم  ، يقول الاستاذ احمد بن يوسف (يرحب الاسلاميون بالديمقراطية لانهم مطمئنون الى خيار الشعب ) وتظهر التجارب الفعلية في ساحات مختلفة ان الاسلاميين كانوا من اكفأ القوى السياسية في تعبئة الجمهور وتحريك الشارع العام لصالحهم .

ومع تركيز الخطين السابقين على الجانب السياسي من الصراع ، فقد اختار الخط الثالث ان ينأى بنفسه عن ساحة السياسة ، واتجه الى التداخل مع التنظيم  القائم في المجتمع او السلطة ، مستفيدا من الامكانات المتاحة ، في اصلاح ما امكن من قوانين البلاد ، وسوقها باتجاه الانسجام مع الشريعة ، ورأينا تجليات لهذه الجهود على مستوى البنوك الاسلامية ، وفي مراكز التعليم والبحث العلمي والهيئات التشريعية ، وفي العالم الاسلامي نماذج كثيرة من هذا النوع ، مثل اللجنة التي اقامتها حكومة الكويت لمراجعة القوانين الجارية ، واقتراح صيغ لمطابقتها مع احكام الشريعة .
ومع ان عددا ملحوظا من الحركيين يساهم في اعمال من هذا النوع ، الا انه يعبر بالدرجة الاولى عن توجهات التيار الديني التقليدي غير المسيس ، او غير المنتظم في حركات سياسية ، وهو ينطلق من الايمان بامكانية اشتغال احكام الشريعة ، بغض النظر عن كونها حاكمة ، او ان جوهر الحاكمية هو احتلال الشريعة لموقع الدليل والمنظم لحركة المجتمع ، وهذا يتحقق اذا اصبحت جميع قوانين البلاد منسجمة مع مراد الشرع .





[1]  سيد قطب : معالم في الطريق 30-31
[2]  سيد قطب : معالم في الطريق 45
[3]  سيد قطب : معالم في الطريق 56
[4]  سعيد حوى : الاسلام 1/33 مكتبة وهبة ، القاهرة 1977
[5]  سعيد حوى : الاسلام 1/35
[6]   د. يوسف القرضاوي : مقال بجريدة الشرق القطرية 16 يناير 1997
[7]  د. يوسف القرضاوي : مقال بجريدة الشرق القطرية 22 يناير 1997
[8]  سيد قطب : معالم في الطريق 81
[9]  د. يوسف القرضاوي : مقال بجريدة الشرق القطرية 22 يناير 1997
[10]  د. يوسف القرضاوي : مقال بجريدة الشرق القطرية 22 يناير 1997
[11]   د. يوسف القرضاوي : مقال بجريدة الشرق القطرية 22 يناير 1997
[12]  عبد الاله بن كيران : مقال بصحيفة المستقلة 11 نوفمبر 1996
[13]   نصر حامد ابو زيد ، نقد الخطاب الديني 81
[14]  د. عمرو عبد السميع ، الاسلاميون حوارات حول المستقبل
[15]  د. محمد باهنر : تقييم مسؤوليات الحوزة العلمية  . مجلة حوزة  العدد 14
[16]  حسين علي منتظري : بحوث في الحكومة الاسلامية  1/14
[17]  مرتضى الشيرازي : شورى الفقهاء 97
[18]  د. يوسف القرضاوي : مقال بجريدة الشرق القطرية 16 يناير 1997