السبت، 23 نوفمبر 1996

الحركة الاسلامية ، الغرب والسياسة (1من3)



لاكثر من سبب اصبحت الولايات المتحدة ، وبدرجة اقل دول اوربا الغربية ، صاحبة نفوذ مؤثر في بلدان العالم الاسلامي ، يطال سياساتها المحلية بمثل ما يطال علاقاتها الدولية ، ويختلف حجم هذا النفوذ ، كما يختلف مستوى تاثيره بحسب قابلية البلد المتأثر ومضمون العلاقة القائمة بينه وبين عواصم التاثير ، ثم وبصورة اخص بحسب طبيعة تعاطي القوى السياسية فيه مع هذا النفوذ وانعكاساته ، ولان معظم الاقطار الاسلامية تقع ـ مباشرة اوغير مباشرة ـ في دائرة هذا التاثير ، فقد امسى من الضروري تلمس انعكاساته على فصائل الحركة الاسلامية ، التي تسعى للمشاركة في الحياة السياسية ، ان سعي الاسلاميين الى المشاركة في سياسة بلدانهم يجعلهم معنيين مباشرة بالعلاقة مع القوى التي تؤثر سلبا او ايجابا على هذا المسعى ، بلا فرق بين القوى المحلية والخارجية .

منذ سقوط المعسكر الاشتراكي اصبحت الديمقراطية كنظام للحياة السياسية ، الموضوع الاكثر استقطابا لاهتمام شعوب العالم ، لا سيما النخب المثقفة ، التي وجدت فيها خشبة النجاة الوحيدة ، من اعاصير القهر في ظل الانظمة الشمولية او التقليدية ، وفي الوقت الراهن فان معظم النخب يفضل الاتصاف بالليبرالية ، في اشارة الى تبنيه هذا التوجه ، لقد تحولت (الديمقراطية)  الى نمط قياسي ، ومسطرة تقاس عليها صحة او مشروعية المناهج ومشروعات العمل في السياسة  .
ومع ان كثيرا من دول العالم يطبق اشكالا من الحكم يصفها بالديمقراطية ، الا ان مطمح الآمال اليوم ، هو الصيغة التي تطبق في اوربا والولايات المتحدة الامريكية ، ربما لانها اكمل من غيرها ، وربما لانها تنتمي الى امم قوية وغالبة ، والمغلوب مأخوذ ـ كما لا حظ ابن خلدون ـ بما عند الغالب منبهر به .
ان تقدم الليبرالية الى المواقع التي اخلتها الاشتراكية ، هو تدليل على على تفوق النمط الغربي في الحياة والعمل السياسي على نظيره الماركسي ، وهو من ناحية اخرى ، صورة من صور التغير الكبير في السياسة الدولية ، الذي احدثه تفكك الاتحاد السوفيتي وسقوط الدولة الاشتراكية الام ، في ديسمبر 1991 .  ان هذا التاريخ هو بداية لانفراط نظام الاستقطاب الثنائي ، لصالح ما وصفه الرئيس جورج بوش بالنظام العالمي الجديد ، وهو في الجوهر نظام استقطاب احادي لصالح الولايات المتحدة الاميركية والدول الصناعية الحليفة  ، ومن المفهوم ان هذا الاستقطاب لا يقتصر على الناحية السياسية ، بل يتعداها الى الاقتصاد والثقافة والتوجهات المستقبلية عامة .

ديمقراطيات

منذ منتصف القرن الحالي حصلت معظم دول العالم الثالث على استقلالها ، واقامت انظمتها السياسية الوطنية ، على اسس ادعى جميع النخب التي ورثت الحكم من المستعمر انها ديمقراطية ، رغم ان العديد من تلك الانظمة كان استبداديا الى حد الاجرام .  وبالنظر الى اختلافها عن النمط الديمقراطي الشائع في الغرب ، وفشلها في ضمان الحد المناسب من حقوق المواطنين ، فقد قالت تلك النخب ان حداثة التنظيم السياسي ، وتخلف الاقتصاد في مجتمعاتها ، لا يسمح بتطبيق نموذج متقدم في العمل السياسي ، شبيه لذلك القائم في الدول الصناعية ، فهي تراعي عند تطبيق نماذجها الخاصة ، الحاجات الوطنية التي من اهمها الانتقال التدريجي الى عصر الدولة الحديثة . وحسب تعبير رئيس عربي كان يتحدث للواشنطن بوست فان موعد الديمقراطية سيحين عندما يصبح دخل المواطن مساويا لنظيره في اوربا الغربية .

وشهد العالم خلال هذه الحقبة التي امتدت من منتصف القرن تقريبا الى وقتنا الحاضر ، ظهور ما يطلق عليه الانماط الوطنية في الحكم ، وهي عبارة عن تجميع انتقائي من الليبرالية الغربية بعضها ، ومن الماركسية البعض الاخر ، وقد صيغت تلك الانماط على شكل ديمقراطية حقيقية في بعض الاحيان ، يتجلى فيها التمثيل الواسع لشرائح الشعب ، والقدرة على المحاسبة العلنية لاصحاب القرار ، اضافة الى قدر معقول من الحريات العامة ، والتداول السلمي للسلطة ، لكن العيب الوحيد فيها انها كانت محكومة في اغلب النماذج بفلسفة حزب وحيد ، وكانت في نماذج اخرى ديمقراطية نخبوية ، لا تتجاوز في التطبيق الاطارات الخاصة لهذا الحزب ، او مجموعة محددة من الاحزاب المتحالفة ، ومثل ذلك الديمقراطية حسب نظام الفئات الاجتماعية ، الذي طبقته بعض الدول العربية.

وبشكل عام فان تلك الانظمة ، لم تبن على اساس التمثيل الحقيقي للشرائح المختلفة في البلاد ، ولم تعبر عن التعدد الفكري او السياسي القائم في المجتمع ، كما لم يتاسس النظام السياسي على قاعدة رجوع الدولة الى الشعب في مشروعيتها وحقوقها ، بل اعتمد بناؤها على اساس تفوق الدولة ومرجعيتها وارجحيتها في التراتب مع المجتمع ، كما وضع نظام للتمثيل يقوم على تصنيف انتقائي للقوى الاجتماعية ، كما تراه او كما تريده النخب الغالبة .

وقد كان الغرب من اشد الداعين الى ديمقراطية مفتوحة ، تتجاوز هذه الاعتبارات ومبرراتها ولهذا فلم تصنف اي  من حكومات العالم الثالث في الادبيات السياسية الغربية ، باعتبارها ديمقراطية حقيقية . ان البديل الذي يطرحه الغرب هو ازالة القيود الحكومية التي تحول دون التعبير الحر عن الراي ، ومن ثم تحكيم صناديق الاقتراع ، باعتبارها الآلية الوحيدة التي يمكن من خلالها التعرف على ارادة الشعب ، وحصول ممثليه على المشروعية القانونية اللازمة لقيامهم بمهام التمثيل السياسي ، بغض النظر عن الادعاءات التقليدية بحاجة البلد الى نمط خاص من الحكم ، او الى فلسفة خاصة للقيادة .

ويعتبر الغرب ان تحرير السوق هو المقدمة الضرورية لقيام نظام سياسي ديمقراطي في العالم الثالث ، حتى ان الانظمة التي تطور تجربة ديمقراطية حقيقية ، لم تحض بالاعتراف الغربي بقيمة تجربتها ، الا بعد ان حررت نظامها الاقتصادي من قيود التوجيه السياسي المركزي ، واعادت صياغته على اساس المبادرة الحرة وتحكيم اليات العرض والطلب ، وقد ادى هذا الربط الذي وجده بعض السياسيين في العالم الثالث متكلفا ، الى اثارة الشك في دوافع الاصرار الغربي على اشاعة الديمقراطية ، ذلك ان تحرير السوق المحلية قد ادى ـ في اكثر البلدان النامية ـ الى جعل الاقتصاد الوطني الضعيف او الحديث النشأة ، نهبا لضغوط السوق الدولية القاهرة ، التي تسيطر عليها بصورة مطلقة الدول الصناعية وشركاتها الكبرى ، وبالتالي فقد بدا كما لو ان دعوة الغرب للديمقراطية ، لا تستهدف سوى اضافة مجالات عمل واستثمار جديدة ، للاقتصاد الغربي ، المتعطش للتوسع على المستوى الكوني .

سياسة انتقائية

في السنوات الاخيرة اعلن العديد من الاحزاب والتيارات الاجتماعية ، بما فيها تلك التي تتبنى ايديولوجيات شمولية ، تبنيه لأسلوب العمل والصراع السياسي ضمن المفاهيم والاطارات الديمقراطية ، على نفس الاسس التي تدعو لها الليبرالية الغربية ، وبالنسبة لدول المعسكر الاشتراكي السابق ، فان جميع الاحزاب الشيوعية التي اطيح بها ، قد اعادت تشكيل نفسها على اسس جديدة ، تتضمن الغاء البرامج التي تشير الى حكم شمولي ، او احتكار للسلطة او استخدام مكثف للايديولوجيا في الممارسة السياسية ، بل ان بعضها ـ كما هو الحال في بولندا مثلا ـ يعرض برنامجا اقتصاديا لا يختلف من حيث الجوهر عن برامج الاحزاب الليبرالية . والى هذا الاتجاه ايضا مال كثير من الحركات الاسلامية ، بل لقد اثار الشيخ راشد الغنوشي وهو من ابرز زعماء الحركة الاسلامية دهشة الكثير من رفاقه حين انتقد علانية قرار الحكومة التونسية بحرمان الحزب الشيوعي من الترخيص الذي يخوله ممارسة العمل بصورة قانونية ، اما حزب الرفاه التركي فقد تجاوز في تعاطيه السياسي كل الخطوط .

 وبالطبع فقد وجد هذا الاتجاه ترحيبا بالغا من جانب الغربيين ، الذين ربما وجدوا فيه تاكيدا لانتصار فلسفتهم في العمل السياسي ، او طارا لدمج العالم في نظام سياسي يدور حول محور مركزي ، وهو جوهر فكرة النظام الدولي الجديد الذي تروج له الولايات المتحدة الأمريكية .

 لكن من غرائب المفارقات ، ان الغرب الذي دعا لهذا التوجه ودافع عنه بصلابة ، يبذل المستحيل لمنع تحوله الى خيار واقعي ، في البلدان التي تقوم فيها حركة اسلامية واسعة النفوذ ، راينا هذا في الجزائر مثلا حيث عبرت الولايات المتحدة وجميع دول اوربا الغربية ، عن تاييد صريح او ضمني لالغاء نتائج  الانتخابات النيابية بعد ان تاكد فوز الاسلاميين ، وكانت قد اظهرت قلقها من هذا الاحتمال قبل ان تظهر نتائج فرز الاصوات ، بل نقل عن الرئيس الفرنسي ـ يومئذ ـ فرانسوا ميتران قوله ان فرنسا قد تعود للحرب في مستعمرتها السابقة ، فيما لو اصبح الحكم بيد الاسلاميين ، وفي الوقت الراهن فان الصمود الذي يبديه الحكم المدعوم من الجيش في مواجهة المشاكل العويصة ، يرجع في جانب كبير منه الى الدعم الغربي ، السياسي والمادي .

ليس المراد هنا هو اثبات ان الغرب يعمل في السياسة الخارجية بمعيارين متناقضين ، فذلك هو الامر الطبيعي لدولة عظمى ، او مجموعة دول قوية ، تعتبر العالم كله ميدانا لعملها السياسي ، وبالتالي مصالحها الاقتصادية ونفوذها ، الذي يشكل اساس نظام العلاقات الخارجية للقوة العظمى .
القضية المحورية هي مدى واقعية النظام الديمقراطي ومؤسساته ، كإطار للعمل السياسي في البلدان الاسلامية التي تتاثر بالسياسات الغربية ، ومدى صدقية الدعوة التي ينادي بها ذلك الفريق من الاسلاميين ، الذين يدعون للمشاركة الكاملة في اللعبة السياسية ، ضمن المعادلات القائمة فعلا في كل قطر ، باعتبارها الوسيلة الامثل للوصول الى السلطة ، او على الاقل المشاركة فيها .
ومن الواضح ان الغرب حريص على اصلاح من نوع ما ، في سياسة البلدان التي تقع ضمن دائرة نفوذها التقليدية ، لكن هذا الاصلاح يجب ـ وفق المنظور الغربي ـ ان يتم في اطار استمرارية النظام القديم ، لا في اطار الانقلاب عليه والغائه ، هذا ما يظهر من السياسة الغربية تجاه العراق ايضا ، الذي على الرغم من ان حكومته قد خاضت حربا فعلية ضد الغرب اثر احتلاله للكويت ، الا ان الولايات المتحدة واوربا الغربية ، تقاعست عن القيام باي خطوة جدية لدعم جهود المعارضة الرامية للاطاحة بالنظام العراقي ، ان حلول المعارضة العراقية محل حكومة صدام حسين ، يمثل انقلابا كاملا في التاريخ المعاصر للعراق ، ولا يبدو ان الغرب مستعد لدعم تحولات انقلابية من هذا الحجم ، حتى لو كان في ظرف مثل ظرف العلاقة الحالية بينه وبين بغداد .

 والحقيقة ان الولايات المتحدة الامريكية واوربا الغربية لم تقم ـ على رغم ادعاءاتها ـ باي خطوات ملموسة تستهدف دعم التحول السلمي نحو الديمقراطية في أي بلد مسلم ، واذا اردنا التحفظ فانه لا يمكن وصف الدعم السياسي الذي قدمته لقليل من البلدان ، الا باعتباره دعما سلبيا ، أي عدم اعاقة تحول كان يتبلور اصلا في ميدان الواقع ، كما حصل في لبنان عقب الحرب الاهلية وكما حصل في الكويت بعد تحريرها من الاحتلال العراقي ، واليمن بعد الوحدة ، اذ يمكن الاشارة الى ان واشنطن والعواصم الاوربية لم تتدخل لاعاقة التحول ، لكن لا يمكن العثور على ادلة تؤكد انها قدمت دعما اكثر من هذا .

وقد أدى الفتور الغربي تجاه الاصلاح السياسي في العالم العربي خاصة ، الى احياء نظرية المؤامرة التي كانت حتى وقت قريب ، المنظار الذي ينظر من خلاله الاسلاميون الى الغرب والعلاقة معه ، لقد غابت هذه النظرية عن الساحة لبعض الوقت ، لكن السلوك الغربي تجاه الدول العربية ، لا سيما تلك التي يسعى الاسلاميون فيها الى المشاركة السياسية ، قد اعاد احياءها من جديد ، وتجد تداعيات هذه النظرية في معظم التحليلات التي تنشرها الصحافة الاسلامية وتتعلق بقضية للغرب فيها علاقة .

الأحد، 17 نوفمبر 1996

الحركة الاسلامية ، الجمهور والسياسة


حتى اواخر السبعينات كان الكتاب الاسلاميون يشككون في مشروعية مشاركة الشعب في السياسة ، وكانوا يتساءلون عن امكانية تحكيم (العامة) الجاهلة او التي لا تعرف الشريعة ، في امر الدولة التي تسيرها الشريعة السماوية ، وكيف يستطيع (العامي) ان يختار الامام الصالح ، وكيف يمكن السماح لهذا العامي بالتصويت (مع او ضد ) سياسة او قانون يفترض انه مطابق لاحكام الله ؟ .

ويبدو لي ان اشكالية تدخل العامة في السياسة ، لم تنشأ كنتيجة لافتراض (سماوية) النظام السياسي وسياساته ، وان كان هذا الافتراض قد ساعد ـ لاحقا ـ على تبرير وجودها  ، ان منشأ الاشكالية يرجع في تقديري الى غياب أي تصور ايجابي عن دور (الجمهور) في التراث التاريخي الاسلامي ، التراث الذي هو بالدرجة الاولى نتيجة للتجربة السياسية ، اكثر مما هو تجسيد للنظرية في تجريدها الاولي ، ولان الامر كذلك ، ولان التراث الاسلامي يشكل الخلفية الثقافية لكل المسلمين المعاصرين ، فان الحركة الاسلامية لم تنفرد في تغييب فكرة المشاركة الشعبية ، انه غياب مشهود عند كل التيارات الاجتماعية العاملة في ميدان السياسة العربية .


لقد ركزت تعاليم الاسلام الاولى (كما تظهر في الكتاب والسنة ) على انصاف الضعفاء (وهم عامة الناس يومئذ)  وحق الجمهور ، ومسؤولية كل فرد منهم عن امته ، وقيام الدين على اكتافهم ، ورجوع الامر العام اليهم ، يقول علي بن ابي طالب في وصيته لاحد ولاته (انما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للاعداء العامة من الامة ، فليكن صغوك لهم وميلك معهم - نهج البلاغة 624)  الا ان الممارسة الفعلية للسياسة لا سيما منذ انتهاء عهد الخلافة الراشدة ، ادت الى احياء القيم الاجتماعية القديمة التي كانت تفصل بين عامة الناس وخاصتهم ، وتركز على التفاضل الطبيعي في المكانة والدور بين الخاصة والعامة ، بكلمة اخرى فان التراتب الاجتماعي القديم قد اعاد بعث نفسه في اطار السياسة الاسلامية ، بينما توارى الى حد بعيد منهج التفاضل الديني الذي يعتمد القيمة الذاتية للشخص ، المتاتية عن علمه اوكفاءته او سبق خدمته ، بغض النظر عن انتمائه القبلي او العرقي .

وقد جرى تنظير هذه الممارسة فاصبحت معلما من معالم التفكير الاسلامي ، يقول د. حسن الترابي في هذا الصدد (كان الائمة الاوائل يذكرون في كتبهم ان هذا الراي هو ما راينا عليه الجماعة ، فكان تعبيرا عن الراي العام ، ثم اصبح الراي للشيوخ وحدهم ، وهذا يعني ان اصل الفقه قد تبدل تماما) ولو نظرت في كتابات قدامى الفقهاء الذين تعرضوا للشأن السياسي ، لوجدتهم ينظرون الى الدولة باعتبارها ملخصة في الوالي ، وهم مع دعوتهم الولاة الى الانصاف والرحمة بعامة الناس ، اغفلوا الحديث عن موقع الجمهور في النظام السياسي ، بل ان كثيرا منهم انكر حق العامة في التعبير عن خياراتهم اذا خالفت الخيارات الرسمية ، خوفا من الفتنة ، او اختلال نظام الامة (انظر على سبيل المثال قاطعة اللجاج للكركي ، عوائد الايام للنراقي ، الاحكام السلطانية للماوردي ، السياسة الشرعية لابن تيمية) .

وقد بقي اشكال التفاضل الطبيعي سائدا حتى في وسط الحركات النهضوية المعاصرة ، وفي اوائل القرن العشرين ، كان الشيخ محمد عبده يرى ان الخطوة الاولى لاخراج الامة الاسلامية من مأزقها ، هي اقامة مدرسة لتخريج نخبة جديدة (اي خاصة بديلة) تقود المجتمعات الاسلامية ، ولا يزال كثير من المثقفين يتحدث عن المستبد العادل باعتباره خيارا مثاليا ،  كما نستطيع ملاحظة ان التاريخ المسجل عن المحاولات الاصلاحية ، ومحاولات النهوض التحرري في العالم الاسلامي ، لا تتحدث عن دور لعامة الناس خارج الدور الاساسي والمطلق للخاصة .

 ويظهر انعكاس هذا التفكير حتى اواسط القرن العشرين ، حينما تحدثت فصائل حركة التحرر العربية عن تحرير الاوطان واستنقاذ حقوق الشعب ، ودعت الى الاطاحة بالطبقات المتنفذة (الخاصة) فانها توجهت في وقت لاحق الى ممارسة لا تختلف كثيرا عن تلك التي ورثناها عن التجربة القديمة ، فالذي جرى بالفعل هو تاسيس نخبة (خاصة) جديدة بدلا عن النخبة القديمة ، بينما لم يحصل الجمهور (باعتباره عامة) على أي من الحقوق المقررة له ، او المزعوم السعي لاعادتها اليه .
العام ، تابعا للسياسة اليومية للدولة متاثرا بما يقوله اهل الخاصة  الجدد ، او سلبيا قانعا بحياة هي الى قتل الوقت اقرب منها الى استثماره ، ان التجربة الناصرية التي لعب الشعب خلالها دورا بارزا في الدفاع عن سياسات الدولة ، لم تؤد الى اعادة تنظيم الحياة السياسية بحيث يصبح المجتمع سيدا للدولة ، وقبلها تجربة الثورة الجزائرية ، ومثلهما جميع تجارب النهوض التي جرت في اكثر من قطر عربي او مسلم .

وتظهر هذه التجارب جميعا ان دور العامة في الحياة السياسية ، ليس من الافكار التي تتمتع بامتداد تاريخي في ثقافة المسلمين ، ان وجود هذه الفكرة وممارستها الراهنة ، انما هي احد وجوه التاثير الثقافي للغرب على العالم الاسلامي ، فنحن قد استوردناها كما استوردنا الكثير من عناصر التفكير ، وعناوين الممارسة السياسية والاجتماعية التي نتداولها اليوم او ندعو اليها ، ولانها كذلك فسوف تبقى مورد جدل بين اصحاب الفكر والسياسيين ، لفترة طويلة ، حتى تعثر على اطار نظري يعيد تشكيلها ضمن النسيج الثقافي الاسلامي ، ولانها كذلك ايضا ، فان رفعها كشعار في ميدان السياسة لا يعني ـ بالضرورة ـ انها ستوضع قيد التطبيق من جانب الدعاة اليها ، حينما يصبح بيدهم الامر والنهي والحول والطول ، انهم قد لا يرون الجمهور ـ بالنظر الى الخلفية الثقافية التي سبق ذكرها ـ الا تابعا او مؤيدا متأثرا ، لا سيدا للسياسة وصاحب قرار قادر على المحاسبة والنقد والترجيح ، كما هو مفترض اذا اخذنا بعين الاعتبار  جوهر فكرة المشاركة السياسية .

لكي تتحقق المشاركة الشعبية في السياسة فلا بد من مقدمات ، اهمها العلنية وحرية الوصول الى المعلومات ، وحرية التعبير ، واعتبار الحزب السياسي ، سواء كان في المعارضة او السلطة ،  مسؤولا امام جمهوره ، وتقرير ارجحية الشعب كمجموع على الدولة او الحزب ، وهذا ما يتعارض مع التقليد المتفق عليه في جميع المجتمعات المسلمة ، والقاضي باعتبار السياسة كنزا للاسرار ، واعتبار التعبير الحر عن الراي ذريعة للفتنة .

وبالنسبة للحركة الاسلامية الحديثة ، فقد كان يبدو ان الجميع متفق ـ تصريحا او تلويحا ـ على الافتراضات السابقة ونتائجها ، ما يتعلق منها خصوصا بعدم امكانية وضع الجمهور العام ، في موضع الحكم على الاشخاص المرشحين للولاية ، والمناهج المقترحة لقيادة الحياة السياسية ، لكن الامر لم يكن موضع جدل ، حتى منتصف السبعينات على الاقل ، بالنظر الى عدم وجود مصاديق للموضوع ، اما في السنوات اللاحقة ، ولا سيما منذ اوائل الثمانينات ، فقد اصبح الامر موضوعا لجدل حقيقي ، بعد ان ظهر لكثير من الاسلاميين ان بامكانهم الاعتماد على الجمهور (العامي) في رفع كلمة الاسلام ، واقامة دولته المنشودة ، وظهر ان تعبئة الجمهور هي الخيار الوحيد ـ في معظم الاحوال ـ المتاح لهؤلاء السياسيين الطامحين الى الفوز في ميدان السياسة ، ويبدو ان الجدل قد حسم عند الجميع لصالح فكرة الاعتماد على القوة الشعبية ، كبديل عن القوى الاخرى التي احتكرها المنافسون ، مثل قوة الاعلام والتنظيم فضلا عن القوى التي يتيحها امتلاك الدولة .

لكن الامر الذي لم يحسم هو المكانة الحقيقية لهذا الجمهور في المعادلة السياسية ، فهل سيقتصر دوره على تقديم التضحيات من اجل انتصار الحزب الذي يرفع الشعار الديني ، ام سيكون هذا الانتصار اشارة الانطلاق نحو المرحلة الاهم والاكثر جذرية ، في السباق من اجل تجديد الحياة السياسية ، المرحلة التي عنوانها استعادة المجتمع لمكانته الطبيعية كسيد للدولة ، بعد ان بقي طوال قرون تابعا لها في احسن الاحوال ، واسيرا في معظم الاحوال .

الشورى والديمقراطية

وفي ايامنا هذه ، تثار قضية المشاركة الشعبية في وسط الحركة الاسلامية ، تحت عنوان الشورى والديمقراطية ، لقد اصبح من المعتاد مشاهدة فريق من الاسلاميين المعاصرين ، من اصحاب الاتجاه التجديدي خصوصا ، يتحدثون عن الديمقراطية باعتبارها الصيغة العصرية لفكرة الشورى التي وردت تكرارا في المصادر الاسلامية ، والتي ينظر اليها كأساس للعلاقة بين الحاكمين والمحكومين في النظام السياسي الاسلامي .

وعلى الطرف الاخر تجد اسلاميين يتحدثون عن الديمقراطية باعتبارها ضربا من الكفر ، بحجة انها فكرة مستوردة ، وان الدعوة اليها تنطوي على تهوين من قدرة الاسلام على ابداع ادوات عمله الخاصة ، اذ ان الاعتقاد ـ يقول بعض اصحاب هذا الراي ـ بان ما في غير الاسلام من الافكار ، هو افضل مما في الاسلام او ان في الاخذ به غنى عما في الاسلام ، هو جحود لعلو التشريع الاسلامي ومطلقية الحق فيه .

لقد وصلنا بالنقاش حول العنوان الى حد التكفير او التبديع ، وما سياتي بعد تجاوز العناوين الى الموضوع ذاته ، سيكون بلا شك ادهى وامر . واذا اردنا الاخذ بصيغة الشورى كما وردت في الادبيات الاسلامية القديمة ، فلا ريب ان الديمقراطية بصورتها الراهنة شيء آخر مختلف ،  لا علاقة له بالشورى التي عرفناها في تاريخنا ، انها بكلمة اخرى نظام قائم بذاته ، كما ان الشورى نظام او جزء من نظام قائم بذاته ، واذا كنا سنقول ان الديمقراطية هي الصيغة المعاصرة للشورى الاسلامية ، فلنقل من باب اولى ان  الصيغ الموروثة من الشورى القديمة ، ليست صالحة للتطبيق في هذا العصر ، وان الاخذ بالنظام الديمقراطي ، ياتي من باب حق المسلمين في الاخذ من اسباب الحياة بما يرونه صلاحا لحالهم ، وهذا حق ثابت لهم في الشريعة ، فلا صلاح للاسلام اذا لم يصلح حال ابنائه ، ولا صلاح لحال المسلمين مالم ينظروا في ادوائهم ويتفقوا على سبيل العلاج . اردنا القول بان المماهاة بين الشورى والديمقراطية لا يخلو من الافتعال والتكلف ، وانه اذا ثبت كون الديمقراطية صحيحة كنظام سياسي ، فليس لانها صورة عن نظام الشورى القديم ، بل لاسباب اخرى .

هذه ناحية اما الناحية الثانية فانه من الصعب البرهنة على ان الصيغة القديمة لنظام الشورى ، كما طبقت في عصور السلف المتقدمين ، هي النظام الذي اراده الاسلام لسياسة البلاد ، في كل الازمنة والامكنة ، وعند التطبيق قد لا تختلف هذه الصيغة النظرية ، عن الصورة التي يمارسها الحكام الجبريون ، لا سيما اهل الاستبداد منهم في سياسة الدولة ، لقد كانت صورة الشورى التي طبقت في تلك العصور ـ على ما يؤخذ عليها ـ الحد الممكن مع ظروف الانقطاع الجغرافي بين العاصمة والاطراف ، وعدم القدرة على تدوير المعلومات بالسرعة المناسبة بين المركز وخارجه ، بل بين عدد كبير من الناس في المركز نفسه ، ان المعلومات هي القاعدة الاساس في صناعة القرار والمشاركة فيه ، ضمن دائرة اوسع نطاقا من العدد المحدود من الخاصة القريبين او المقربين من دائرة القرار ، الذين يمكن تشبيههم اليوم بالنخبة السياسية ، ان ظرف الانقطاع هذا لم يعد له وجود في عالم اليوم ، مع تحول الكرة الارضية الى قرية صغيرة ، تنتشر فيها المعلومات بسرعة كافية لتمكين ابعد الناس عن المركز ، من المشاركة الفاعلة في صناعة الموقف من قضية معينة ، كما لو كان حاضرا في مكان اتخاذ القرار .

لقد اوردنا هذه الاشكالات لكشف حقيقة ان هناك حاجة الى تحديد الموقف الاسلامي من القضايا الراهنة ، لا سيما القضية الاكبر والاخطر وهي قضية السلطة ، ان العرض السابق يكشف ايضا عن الحاجة لتفكير جديد غير متقيد بالعناوين ، وغير خاضع لجبر التاريخ .

ان الاسماء كما هو متفق عليه جسور الى المعاني ، فلايصح اتخاذها بديلا عن مضامينها ، ان تقرير النموذج الاسلامي في السياسة ، هو اليوم اشد ضرورة من أي وقت سابق ، بالنظر الى ان العالم الاسلامي يتعرض مثل غيره من العوالم لتيارات التجديد في السياسة ، وهي في المجمل متجهة نحو اقرار النموذج الغربي الذي ينطوي تحت عنوان الديمقراطية ، واظن ان تحديد بديلنا ، اجدى من اثبات شوروية الديمقراطية او ضرورة الشورى ، او المحافظة على الاسم حتى ، قد نذهب بعيدا في الجدل حول مضامين التاريخ ، بما يجعلنا نغفل عن متطلبات الحاضر ، فلا نصحو الا وقد اصبحنا واسلامنا خارج التاريخ .
مقالات ذات علاقة


الأحد، 10 نوفمبر 1996

الديمقراطية والاسلام السياسي


بالنسبة للعديد من الناس ولاسيما الفاعليات السياسية الوطنية في بلداننا ، فان السؤال الذي لا يزال مطروحا وبالحاح ، هو حقيقة ايمان الحركات الاسلامية بالتداول السلمي للسلطة مع القوى الاخرى المنافسة ،  في اطار  نظام ديمقراطي مبني على القبول بالتعددية السياسية والثقافية ، فهل يقبل الاسلاميون بالالتزام المستمر بنظام كهذا ، ام ان القبول بالديمقراطية وشعاراتها مجرد طريق يسلكونه لنيل الغلبة والسلطان ، ثم هل تحقق الشورى التي يدعو لها بعضهم ، الحد الادنى من متطلبات وفضائل الديمقراطية ، ونعني بها حرية الراي والتعبير والتعددية في اطار المجتمع الواحد ؟ بل هل ثمة ضمان لان يحفظ الاسلاميون اذا امسكوا بزمام الامور ، الحد الادنى من الفرص التي تحققت لعامة الناس في ظل النخب القائمة على قواعد فكرية اخرى غير اسلامية ، والتي سبق ان جاءت الى الحكم عن طريق الوراثة او الانقلاب العسكري ، بل حتى تلك التي تعتبر وريثة للعهد الاستعماري ؟ .
 
تتردد هذه الاسئلة ، كصيغة اتهام من جانب المخالفين للمشروع السياسي الاسلامي ، بهدف التشكيك في صدقية دعاوى الاسلاميين ، باستعدادهم للدخول في حلبة المنافسة السلمية على الحكم جنبا الى جنب مع الاخرين . لكن بعض الاسلاميين المستقلين قد انضموا في السنوات الاخيرة الى قائمة المتسائلين ، فتجربة الحكم الاسلامي في ايران والسودان ، وتجربة العمل السياسي للاسلاميين الذين شاركوا في السلطة في بلدان اخرى ـ اليمن مثلا ـ وتجربة الاسلاميين الذين حصلوا على قدر من القوة المادية ـ الجزائر وافغانستان مثلا ـ هذه التجارب كلها تثير القلق ، ليس في نفوس المعارضين للتيار الاسلامي ، بل في نفوس بعض الاسلاميين ، الذين يخشون ان يكون قبض زملائهم على ازمة الامور ، مدخلا لاستشراء القمع وانتهاك حريات الافراد تحت هذا العنوان او ذاك ، ومما يزيد القلق ان ممارسة القمع باسم الاسلام لاتنتهي نتائجها عند حدود الاضرار المادية ، بل تتواصل الى تصفية الشخصية المعنوية للضحايا ، باعتبارهم معاندين للاسلام او مرتدين ، وما سوى هذا من الاوصاف .

وكان هذا الجدل زادا للكثير من الكتاب والمحللين ، من مخالفي المشروع الاسلامي ، حتى حينما دخل الاسلاميون الجزائريون حلبة المنافسة الانتخابية ، وحينما اجهض العسكر الديمقراطية الوليدة ، فقد كان المبرر الوحيد الذي دافعوا به عن انقلابهم هو عدم صدقية دعاوى جبهة الانقاذ ، في استعدادها لاحترام اللعبة الديمقراطية ، وقد وجدوا في خطابات علي بلحاج ، الرجل الثاني في الجبهة الذي وعد بالغاء الدستور وتطهير الحياة السياسية ممن اسماهم ببقايا الاستعمار الفرنسي اذا فازت الجبهة ، خير مبرر لقرارهم بالغاء الديمقراطية الوليدة . وتجد مثل هذا المبرر يتكرر في كل دولة يتمتع فيها الاسلام السياسي بوجود حركي فاعل .

على ان الشك في جدية ايمان الاسلاميين بالديمقراطية ، لا ينبغي ان يعالج من منظور واحد فقط هو تشكيك المعادين ، الجوهري في تقديرنا هو الاجابة على السؤال ، ان التنظير الفكري ، كما الممارسة السياسية للاسلاميين لا تعطي دليلا مؤكدا عن توافقهم على ممارسة السلطة بالصورة التي يتطلبها النظام الديمقراطي ، وفي الوقت ذاته فان التنظير المضاد او بعض الممارسات ، لا تستطيع الوقوف دليلا على نفى ايمانهم بالديمقراطية سبيلا للحياة والعمل السياسي ، فما دمنا نتحدث عن جماعات اسلامية في بلدان متعددة ، فاننا نتحدث في الحقيقة عن ظروف مختلفة واجتهادات مختلفة ، وبصورة خاصة عن خلفيات اجتماعية مختلفة ، ان الممارسة السياسية اكثر تأثرا بمعطيات المجتمع وثقافته الخاصة منها بدلالة النظرية ، ان الاشتراك في تبني الاسلام كقاعدة للعمل السياسي من جانب عدد من الجماعات ، ليس دليلا على وحدة المشروع او تطابقه ، اننا في الحقيقة بصدد مشروعات مختلفة تقوم على قاعدة تتحمل التباين تبعا للاختلاف في الاجتهاد والاختلاف في المعطيات الموضوعية .

وعليه فان من الصعب جدا قبول الاحكام المطلقة والتعميمية حول الايمان بالديمقراطية او نفيها ، مما يطلقه مؤيدو الفكرة او معارضوها ، فليس من المقبول ـ منطقيا ـ وضع قاعدة نظرية عامة للحكم على ايديولوجيا ينتمي اليها الملايين من الناس ، اعتمادا على قراءة فكرة  او متابعة تجربة حزب محدد او عدد من الاحزاب ، لان هذا المنهج ـ لو قبلنا به ـ قابل لان ينسحب على جميع التيارات الاخرى ، ستجد ماركسيين يمارسون الديمقراطية ويتبنونها عقيدة سياسية ، كما فعلت الجبهة الساندينية التي وصلت الى الحكم في نيكاراغوا عن طريق الثورة الشعبية المسلحة ، ثم تخلت عن السلطة بعد ان فشلت في الانتخابات العامة ، فأقامت بايثارها مصلحة البلاد واحترامها للقانون نموذجا مشرفا ، يحسب لها اليوم وفي المستقبل ، بينما لا يزال اشقاؤها الماركسيون في كوبا المجاورة يحكمون شعبهم منذ اربعين عاما بالحديد والنار ، وتجد الى صف هذا وذاك موالين للغرب الليبرالي يطيحون بالديمقراطيات في عديد من دول العالم ، ويحصلون على دعم الدول الغربية التي تنصب نفسها اليوم مثالا للديمقراطية ومدافعا عنها ، كما هو الحال في الجزائر وتونس ، وتجد في نفس السياق اسلاميين على هذا الخط والخط المقابل ، ولكل نموذج اشباه في اكثر من بلد على امتداد المعمورة ، فهل يصح الاستدلال باي من هذا التجارب ، او المبررات النظرية التي تطرحها الجماعات السياسية في كل قطر ، لوضع احكام مطلقة عن ديمقراطية الماركسية او دكتاتورية الليبرالية ، او العكس .

الخلفية الاجتماعية

الذي اردنا قوله هو ان الاسلام السياسي كتيار واسع في العالم الاسلامي ، هو مجرد تيار في الحياة الاجتماعية ، يتاثر تقويمه لنمط العمل السياسي الذي يراه مناسبا لكل بلد بظروف ذلك البلد ، وبالمؤثرات الخاصة التي تشكل التكوين الثقافي والاجتماعي لاصحابه ، ومثل هذه المؤثرات تكون في العادة مرتبطة بالتاريخ الاجتماعي او السياسي لبلد معين ، بكلمة اخرى فانه يمكن التأكد من ايمان  جماعة معينة بنمط معين في العمل السياسي ، انطلاقا من تصورنا لعنصرين اساسيين ، يمكن اعتبارهما ابرز اركان الحياة السياسية في كل بلد :

الاول : التجربة التاريخية لهذا البلد ، ما يتعلق منها بالسياسة خصوصا ، ثم موقع الجماعة التي تتعرض للتقييم من هذه التجربة ، فثمة بلدان لا يتصور قيام الحكم الدكتاتوري فيها حتى لو حصل فريق على القوة المادية التي تمكنه من التسلط ، كما رأينا في التجربة اللبنانية المعاصرة ، وثمة بلدان على الخط المعاكس ، لا يتصور قيام نظام ديمقراطي مفتوح فيها ، لان تجربتها محدودة في اطار نظام التغلب او الاستبداد الفردي ، او ان ثقافتها لا تحتمل قيام مؤسسات النظام الديمقراطي بدورها الكامل ، فحتى لو اعلنت الديمقراطية كنظام فان مؤسسات النظام التقليدي هي التي ستبقى فاعلة وذات تاثير ، ان نتاج التجربة التاريخية اكثر اهمية وتاثيرا من المتبنيات النظرية غير المؤسسة تاريخيا ، وهذا ينعكس على كل الجماعات السياسية التي تعمل في وسط البلد المعني ،  بدون اي فروق حقيقية بين الاسلامي واليساري والليبرالي .

الثاني : العلاقة السابقة بين المجتمع والدولة ، فكلما كان المجتمع مستغنيا عن الدولة ، قادرا على حل مشكلاته بنفسه ، كانت الديمقراطية اقرب منالا واقوى في الصمود امام المطامح الفردية لمن يملكون القوة والنفوذ ، اما اذا كان المجتمع معتمدا بكله على الدولة ، فان التوازن سيكون راجحا لمصلحة القابضين على ازمتها ، وسيكون في وسعهم الانقلاب على الشعب في اي وقت شاؤوا ، يقول علي بن ابي طالب (احسن الى من شئت تكن اميره ، واحتج الى من شئت تكن اسيره ، واستغن عمن شئت تكن نظيره) وهنا ايضا لاتجد فروقا حقيقية بين تيار اجتماعي وآخر ، او بين اصحاب نظرية واخرى ، فالانسان ـ حين يملك القوة المطلقة ـ هو الانسان ، ومن ملك استأثر .
واذا نظرت الى اي بلد عربي فستجد خريطة القوى السياسية متشابهة الى حد كبير ، ففي جبهة الديمقراطيين ستجد تمثيلا لجميع التيارات الفكرية ، وستجد نظائرها ايضا في الجبهة المعادية للديمقراطية .

 لكن تجربة التاريخ القريب تعطي ادلة قوية على ان الاسلاميين الذين نادرا ما اتيحت لهم فرصة السلطة منفردين او مشاركين ، لم يكونوا اسوأ من غيرهم في ممارسة السلطة ، واذا اضفنا الى هذا الامر جانب الطهارة السياسية فان نظافة الكف والتعفف عن استغلال النفوذ في الاثراء وسرقة الأموال العامة ، كان اظهر في وسط الاسلاميين ، بينما توجد فضائح بلا حدود في الجماعات السياسية الاخرى ، واذا نظرنا في محاولات الاسلاميين الوصول الى السلطة فان تجاربهم لم تكن شذوذا عن الاعراف المتبعة في العالم الثالث ، فقد استخدموا الجيش مثل غيرهم ، واستخدموا صناديق الاقتراع كما فعل منافسوهم ، ولعلهم تميزوا عن اولئك المنافسين بصدقية تمثيلهم للطبقات الاجتماعية الجديدة ، لا سيما في المدن الرئيسية التي لا يتاثر سكانها بالعلاقات الطائفية او العائلية عند اختيار ممثليهم السياسيين ، ان هذه الطبقات هي الاشد رغبة في التغيير وهي الاكثر تضررا من بقاء النظام السياسي التقليدي ، ولذلك فان القوة السياسية التي تمثلها هي الاكثر التزاما بقضايا المستقبل  .

وخلاصة ما اردنا الوصول اليه هو ان الممارسة السياسية لا تعبر عن الايديولوجيا ، الا بقدر ضئيل يصعب الاستدلال به في الحكم على هذه الايديولوجيا ، وبالنسبة للاسلاميين فان الحكم عليهم بالعجز عن الانخراط في الحياة السياسية بصورة سلمية وديمقراطية ، قابل لان ينسحب على كل فريق آخر اذا كان الاستدلال قائما على تجربة هنا وخطاب هناك ، او شعار يرفعه زيد وبيان يوقعه عمرو ، ففي كل تيار سياسي وفي كل مدرسة فكرية ثمة انواع من الناس والتوجهات تنتمي لبيئتها وتتاثر في سلوكها السياسي بمعطياتها ، ويصعب في الحقيقة النظر الى الحركة الاسلامية كفريق واحد مع الاختلاف المشهود في الاجتهادات والمصادر الثقافية ومعطيات البيئة الاجتماعية لكل منها .