الاثنين، 8 مايو 2000

بانوراما الخليج: نظرة على السطح السياسي عند بداية القرن



وراء القشرة الخارجية التي توحي بالارتخاء ـ واحيانا الركود ـ تشهد الدول العربية في الخليج تغيرات سياسية واسعة النطاق ، وبعضها عميق التأثير ، وتطال في المقام الأول النظام السياسي ، طبيعته وتركيب هيكل القوة والتراتب فيه .

غداة حرب الخليج الثانية سيطرت على الجو السياسي توقعات متضاربة ، بعض المراقبين انتظروا تغييرات فورية في السياسة المحلية ، وشدد آخرون على ان هزيمة العراق هي تأكيد على الاستمرارية لا التغيير ، ويظهـر الان بعد مرور عقـد من الزمن على تلك الحرب ، انها لم تكن بذاتها عامل التغيير أو الاستمرارية ، بقدر ما كانت البرق الخاطف الذي كشف لكثير من الناس ، ضمن النظام السياسي وخارجه ، عن المأزق الذي آلت اليه الامور كنتيجة لتجميد الحراك السياسي لما يزيد عن عقدين من الزمن ، في الوقت الذي كانت آليات الاستقرار السياسي ، ولا سيما التمويل الحكومي المباشر للمناشط الاجتماعية ، قد وهن فعلها وتراجع تأثيرها ، مما قلص إلى حد واضح من مبررات استمرار النظام السياسي التقليدي .

من نافل القول ان كفاءة الدولة في تدوير عوائد البترول ، كانت المولد الرئيسي للشرعية السياسية ، وبالتالي الاستقرار ، في دول الخليج العربي ، وربما لهذا السبب جرى التاكيد دائما على نموذج دولة الرفاهية والوفرة ، وانعدام الواجبات الضريبية المباشرة ، وكفالة النظام السياسي لحاجات الناس الاساسية وبعض الكمالية ، وتمكين الناشطين من الاثراء ، وبالتالي تميز كل قطر من اقطار المنطقة ضمن محيطه الاقليمي ، جرى التاكيد عليها باعتبارها مبررات لضرورة الانسجام والتكيف مع النظام الاجتماعي الموروث .

والحق ان العلاقة بين المجتمع والسلطة في كل من الدول الست الاعضاء في مجلس التعاون ، تتميز بصفات قلما وجد مثيل لها في اي دولة عربية أخرى ، ومن بينها مثلا فكرة الشراكة في المال التي استعملت كبديل عن المشاركة في السياسة ، وهذه ، رغم كونها دون الحد الادنى من المشاركة السياسية المتعارفة في النظم الحديثة ، إلا انها ساعدت في امتصاص التوترات الاجتماعية ذات المنشأ المحلي ، خلافا لما جرى حتى الان في جميع الدول العربية الأخرى ، حيث تحتكر فرص الاثراء الاقلية التي تملك القوة السياسية ، وبالتالي تكون الثروة مرادفا للقوة السياسية وناتجا عنها ، وهو ما ادى إلى تركيز الصراع حول محور السياسة وما توفره من نفوذ ، ونعلم ان الصراع من اجل القوة السياسية يستوجب اشراك اعداد من عامة الناس ، بينما الصراع من اجل الثروة يكفيه جهد المصارع وذكاؤه وقدرته على استثمار الفرص السانحة أو حتى اختلاق الفرص .

لكن هذا المضمون للعلاقة بين المجتمع والسلطة لـيس ـ هو الآخر ـ بلا ثمن ، فالموارد بطبيعتها متناقصة ، بينما المطالب والحاجات متزايدة ، ولنقل - على سبيل التحفظ - ان الزيادة في الموارد ، لا يمكن ان تقابل الزيادة الموازية في المطالب والحاجات ، والتي يستتبعها ازدياد طبيعي في عدد المحتاجين والمطالبين ، وازدياد في انواع المطالب ، باضافة تلك التي لا يمكن مقابلتها بالمال ، وان امكن تحييدها مؤقتا عن طريق هذه الاداة ، وتبدو على السطح مبادرات عديدة في جميع اقطار المجلس ، يمكن تصنيفها كمحاولات للاصلاح السياسي ، وفي هذا المجال بالخصوص فان النموذج الكويتي يلعب دور البوصلة ، واعتقد ان تجربة الكويت وتطوراتها ستكون مثالا معياريا لاتجاه وسرعة الاصلاح السياسي في بقية اقطار المجلس.

تمتع شعب الكويت برفاهية نادرة سبقت زمنيا جميع دول الخليج الأخرى ، لكن الاجتياح العراقي لاراضيها قد فاقم المطالبة العامة باعادة الحياة الدستورية ، وهو الامر الذي ادى - عقب التحرير مباشرة - إلى احياء الدستور المجمد واعادة مجلس الامة ، الذي كان قد استبدل خلال منتصف الثمانينات بمجلس استشاري في مرتبة ادنى من مرتبة السلطة التنفيذية ، خلافا لمجلس الامة الذي يصنفه الدستور في المكان الأعلى ، وكانت المطالبة باعادة الحياة البرلمانية خلال فترة الاحتلال العراقي ، قد ارتكزت على ادانة تعطيل الحياة الدستورية من جانب الامير ، باعتبارها انتقاصا من شرعية الحكم وسببا غير مباشر في قصور الاداء الحكومي ، الامر الذي ادى إلى تيسير السبيل امام الغزو .

وفي هذا المورد بالخصوص فان الضرر الذي اصاب العلاقة بين المجتمع الكويتي والحكومة ، لم يكن ناتجا بصورة مباشرة عن انخفاض كبير في القدرة على التمويل ، بل على العكس من ذلك فان الحكومة قامت - رغم ظروف الغـزو المريـرة ورغم انهيار الجهاز الحكومي - بتوفير حد معقول من الموارد لمساعدة عشرات الالاف من الاسر الكويتية التي غادرت البلاد اثر اجتياحها ، وهو موقف يحسب لصالح العائلة الحاكمة ، التي لم تستأثر بالمال ، ولم تتخل عن مسؤولياتها تجاه مواطنيها في ذلك الظرف الصعب .

الضرر الذي اصاب العلاقة بين الطرفين ، نتج - تحديدا - عن تفاقم الشعور بان شرعية الحكم لم تعد قائمة على كفاءة الاداء الاقتصادي والتمويل ، بل على مستوى تمثيل النظام السياسي لارادة الجمهور ، ولهذا السبب فان أكثرية الكويتين لم يشككوا في شرعية الاسرة الحاكمة ، وكونها جزء من النسيج السياسي الوطني ، رغم ان ظروفا مثل تلك كانت جديرة بان تثير شيئا من هذه الشكوك ، لكن الذي حصل هو ان معظم الكويتيين ولا سيما القوى السياسية ، ركزت دعوتها على إعادة الحكم الدستوري والتمثيل النيابي والحريات العامة .

ومنذ عودة الكويتيين إلى بلادهم بعد انسحاب القوات العراقية ، كانت هناك دعوات إلى الفصل بين رئاسة الحكومة وولاية العهد ، المرتبطين تقليديا منذ استقلال الكويت في الستينات ، لكن هذه الدعوة لم تصعد إلى واجهة النقاشات المحلية قبل 1998 ، أما  في الاشهر الخمسة الماضية فان الجدل حول الفصل بين المنصبين لم يعد مقتصرا على مجالس نواب المعارضة ، بل انتقل للمرة الاولى إلى ديوانيات الشيوخ وكبار السياسيين الذين اعتادوا التحفظ في مناقشة امور كهذه امام الملأ ، وكان السبب المباشر لهذا التحول هو تدهور الوضع الصحي لولي العهد رئيس مجلس الوزراء  الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح ، واضطراره إلى الاعتكاف في داره والسفر إلى الولايات المتحدة وبريطانيا لفترات طويلة طلبا للاستشفاء .

ويقول الكويتيون ان الفصل بين المنصبين ، والذي سيؤدي بالتاكيد إلى تولي وزير الخارجية الشيخ صباح الاحمد منصب رئيس الوزراء ، هو تحصيل حاصل لان الشيخ صباح يتولى - فعليا -  رئاسة الحكومة بصفته نائبا لرئيس الوزراء ، لكن اهمية التغيير لا تتعلق بشخص رئيس الحكومة ، بل في المعنى السياسي الذي ينطوي عليه ، فوجود ولي العهد ، وهو امير البلاد المستقبلي على راس السلطة التنفيذية كان سببا لاحراج القوى السياسية التي تريد فرض رقابة برلمانية اوسع على عمل الحكومة ، والعرف القاضي بتضامن الحكومة في مواجهة المجلس ، يقضي بتوجيه النقد إلى شخص ولي العهد ، وهو ما لم يكن ممكنا بسبب ما يتمتع به من الحصانة العرفية ، أما  في حال رئاسة اي شخص آخر فان مساءلة الحكومة ومراقبتها ستكون خالية من الحرج ، اضافة إلى ان الغاء العرف القاضي بالربط بين منصبي ولاية العهد ورئاسة الحكومة ، قد يفتح الباب أمام تولي اشخاص من خارج العائلة الحاكمة هذا المنصب أو المناصب الوزارية السيادية التي درجت العادة على ايكالها إلى اعضاء العائلة الحاكمة .

وتتمتع الكويت الان بقدر من الانفتاح السياسي ، ليس لـه مثيل في دول الخليج الأخرى ، ويريد السياسيون واعضاء البرلمان تقنينه لقطع الطريق أمام تصادم محتمل بين واقع يتمثل في حريات واسعة يمارسها الناس ، بما فيها تشكيل احزاب علنية وتجمعات ذات طابع سياسي ، وبين القوانين القديمة التي لا تقر بمشروعية هذا القدر من الانفتاح ، رغم ان هذه القوانين لا تنفذ بشكل فعال في الوقت الراهن .

ان الجزء الاهم من مشروعية النظام السياسي الكويتي يعتمد على العقد القائم بين العائلة الحاكمة والشعب ، والمتمثل في الدستور ، ولهذا فان اي اضطراب اقتصادي ، أو عجز في التمويل لا يتوقع ان يضعف من مكانة العائلة الحاكمة أو يخدش مشروعيتها ، رغم ما يفرضه من تغييرات في السياسات والاشخاص ، أما  الجزء الباقي من المشروعية فلا زال مرتبطا بدور الدولة كموزع لعائدات البترول ، وهو دور لا يتوقع لـه ان ينتهي في المستقبل المنظور ، إلا ان القوى السياسية ولا سيما تلك المثلة في البرلمان تسعى للحد من قدرة الحكومة على استثمار المال العام في اغراضها السياسية ، وهو تطور متوقع ، ولكن ليس بصورة سريعة أو كاملة .

أما  المملكة العربية السعودية ، وهي الدولة الكبرى في مجلس التعاون ، فلم تشهد تغييرات كبرى على المستوى السياسي خلال العقد الأخير ، وربما كان التطور الاهم في بداية التسعينات ، هو اقامة مجلس الشورى ووضع نظام للحكم بمثابة دستور ونظام للحكم المحلي ، لكن يبدو ان القليل فقط من المراقبين اعتبر هذه التطورات كبيرة الاهمية ، فالنظام الاساسي لا يعتبر قانونا أعلى للحكم ، فهو ينص على امكانية تعديله بامر ملكي ، وبالطبع فانه لم يتضمن اشارة إلى هيئات ذات طابع دستوري ، لها صلاحية تفسير النظام ، كما ان الحقوق والحريات العامة التي تحدث عنها بصورة اجمالية ، لم تقترن بتحديد وسائل قضائية أو سياسية للاحتكام عند التنازع ، أو الشكوى من انتهاك الحقوق المشار اليها ، وبصورة عامة فان كبار اعضاء الحكومة قادرون إذا شاؤوا على تجاوز اي بند في نظام الحكم ، الذي لا ينص على حدود للسلطات أو وسائل لكبح التجاوز.

مجلس الشورى لا يعتبر هو الآخر هيئة سيادية ، فقد صنفه النظام السياسي في مرتبة ادنى من السلطة التنفيذية ، وهو اقرب إلى هيئة استشارية يعـود اليها مجلس الوزراء عند الحاجة ، لكنه لا يناقش القضايا الحساسة مثل الميزانية العامة والعلاقات الدولية واوضاع القوات المسلحة واجهزة الامن ، كما لا يحق لـه مساءلة الوزراء والمسؤولين الرسميين .

أما  نظام المناطق الذي افترض انه سيكون الاساس القانوني لتقليص المركزية الادارية الشديدة ، فانه لسبب ما لم يؤد إلى هذه النتيجة ، فلا زالت جميع الوزارات تعمل بصورة شبه مستقلة انطلاقا من مكاتبها في العاصمة ، على الرغم من ان رؤساء مجالس المناطق جميعا هم من الامراء البارزين ، ويبدو ان التنافس الخفي بين الحكومة المركزية والادارات الاقليمية ، كان يحسم على الدوام لصالح الاولى التي تضم كبار امراء العائلة المالكة .

وخلال السنتين الماضيتين بدا ان جولة جديدة من الاصلاحيات على وشك ان تبدأ ، وتفاءل كثيرون بهذه الجولة ، التي بررتها الظروف الاقتصادية الصعبة ، والشروط التي وضعتها الولايات المتحدة واوربا لقبول المملكة في منظمة التجارة الدولية ، والحقيقة ان هذا التطور كان مدعاة لدهشة كثيرين رأوا ان المملكة فرطت في فرص جدية لادخال اصلاحات غير مكلفة ، لكنها حيوية ، مثلما جرى حين توصلت إلى اتفاق مع المعارضة الشيعية في المنطقة الشرقية ، كان سيتيح لها تحقيق الاستقرار في واحدة من اكثر مناطق المملكة توليدا للتوتر ، فضلا عن كونه نموذجا لاصلاح سياسي يتلافى مبررات القلق التقليدي من تجاوز المعارضة المحلية لحدود النظام .

 على الجهة الأخرى فان عددا اكبر من النخبة الجديدة ، ولا سيما من المثقفين والتجار ، يميل إلى الاعتقاد بان اي اصلاح سياسي مهم لن يقدر لـه النجاح ما لم يكن مدعوما بضغط دولي ، ولهذا فان الاصلاحات التدريجية التي قصد من ورائها تمهيد الطريق امام انضمام المملكة إلى منظمة التجارة الدولية ، تعتبر - في رأي هؤلاء - مؤهلة للثبات والتطور بدرجة اقوى من اي اصلاحات تنطلق من دوافع محلية .

على هذا المستوى ، فقد جرى وضع نظام للاستثمار الاجنبي ، سوف يؤدي إلى تعديل انظمة الاقتصاد المحلي ، وتلك المؤثرة فيها ، ومن بينها مثلا نظام توظيف العمال الاجانب ، وملكية الاجانب للاصول الثابتة واسهم الشركات المحلية المساهمة ، ونظام التقاضي والضمانات القضائية للمتنازعين امام المحاكم  ، فضلا عن برنامج تخصيص الخدمات العامة .

ورغم ان بعض المراقبين المحليين قد قلل من شأن هذه التطورات ، إلا ان الانصاف يقتضي النظر إلى تأثيراتها ضمن منظور شامل ، فالحديث عنها قد اتاح الفرصة - للمرة الاولى منذ زمن طويل - لطرح مسألة الانغلاق والتكتم الذي يسم الحياة العامة في المملكة ، والذي يؤدي - بالضرورة - إلى حصر ممارسة السياسة والحديث عنها في شريحة ضيقة جدا ، ونعتقد ان الالحاح الشديد في الصحافة المحلية على تطوير نظام المطبوعات ، ومحاولتها للافلات من طوق الرقابة المشدد ، كان إحـدى الثمرات غيـر المباشـرة لذلك التطور ، أما  برنامج التخصيص ، والذي سيطال خدمات الهاتف والكهرباء والطيران ، فهو سيؤدي إلى تخفيف تدخل الدولة في حياة الناس ، وهو أحد العناصر المهمة في إعادة صياغة الدور المستقبلي للدولة ، وعلاقتها بالمجتمع .

معظم المحللين في الصحافة الامريكية والاوربية ، يميل إلى ربط الاصلاحات بدواع اقتصادية ، وهم يشيرون إلى نقص السيولة الذي اعقب انخفاض اسعار البترول منذ النصف الثاني من الثمانينات ، وتفاقم خصوصا خلال النصف الثاني من التسعينات بسبب الاعباء المالية لحرب الخليج الثانية ، والحق ان انخفاض التمويل قد اثر ايجابيا في تعامل الدولة مع المجتمع ، وسمعنا للمرة الاولى - ربما - كلاما من مسؤولي الدرجة الاولى يتضمن مناشدة للشعب لمساعدة الحكومة في احتمال الاعباء الاقتصادية الثقيلة ، خلافا للخطاب الذي اعتاده المسؤولون ، والذي يتضـمن ان الامور جيدة جدا وان المشكلات الاقتصـادية هي " كلام جرايد " و" دعايات حاسدين " .

ونعتقد ان الحكومة قد اكتشفت فعلا استحالة التعويل على المال السياسي في دفع المطالبة بالاصلاح ، لكن من جهة أخرى فان هذا لم يؤد - في اعتقادي - إلى تغيير جذري في طبيعة التفكير السياسي وفلسفة الحكم ، كما انه يتأثر بتحسن ايرادات البترول المستمر منذ اواخر اغسطس الماضي ، لكن ينبغي على اي حال اتخاذ جانب الحذر في اصدار احكام قطعية ، فالتفاعل بين دواعي الاصلاح والنظام القديم ، لا زال في بداياته ، ولهذا فان  ما يتوقعه البعض من انعكاسات فورية أو بارزة ، قد لا يكون واقعيا ، سيما بالنظر إلى تراخي الطبقات الاجتماعية التي تعتبر صاحبة المصلحة الاولى في التغيير السياسي ، تراخيها في دفع مسيرة التغيير أو المساهمة فيها أو بلورة مبرراتها .

النموذج الذي يستحق التامل هنا هو النموذج القطري ، ثم العماني ، فالواضح ان قطر تسير على الطريق الذي شقته الكويت من قبل ، وهي تزمع وضع دستور للحكم يكون بمثابة عقد اجتماعي بين العائلة الحاكمة والشعب ، وقد اوضح امير قطر الشيخ حمد بن خليفة في افتتاح الدورة الحالية لمجلس الشورى ، ان الدستور العتيد سيضمن الحريات العامة كما يحدد الاساس القانوني لتشكيل برلمان منتخب .

 وقطر هي الدولة الخليجية الوحيدة التي شهدت تحريرا واضحا للاعلام المحلي ، رغم ما اثمر عنه من غضب كثير من الدول العربية التي انزعجت من الانفتاح الاعلامي ولا سيما الظاهر في قناة ( الجزيرة ) الفضائية ، لكن قطر حافظت حتى الان على موقف ثابت نسبيا ازاء ردود الفعل هذه ، حتى بعد ان سحبت دول عربية مثل ليبيا وتونس سفراءها من الدوحة ، وهو ما يعزز الامال في ان مسيرة الاصلاح السياسي في قطر قد تكون ارسخ قدما واوسع من نظيرتها الكويتية ، لكن لا ينبغي المبالغة في تناسي الفارق بين الدولتين ، لجهة النضوج السياسي للمجتمع المدني والقوى السياسية الاهلية في الكويت ، والتي تجسد ابرز نماذج الفعل السياسي الاهلي في المنطقة ، وتساهم في صياغة الحياة السياسية بشكل محدد ، قد لا تكون مقوماته متوفرة في دولة قطر بالمستوى ذاته .

سلطنة عمان التي اختارت اصلاح النظام السياسي بمبادرة من الحكومة نفسها ، اتخذت نهجا تجريبيا - إذا صح التعبير - فبدأت بعد ازمة الخليج الثانية في اختبار ظرف التمثيل السياسي باقامة مجلس نيابي محدود الصلاحيات ، تتراوح طبيعته بين التمثيل الشعبي والتعيين الحكومي ، وجرى تطوير التجربة في الدورة التالية ، أما  في الدورة الحالية فان المجلس هو اقرب إلى نموذج التمثيل النيابي للمجتمع ، كما انه سمح للمرة الاولى بتمثيل النساء ، وجرى اختبار قدرة المجلس على مساءلة الوزراء ، والمطلوب الان هو الانتقال إلى المرحلة الاعلى اي اعتبار الحكومة مسؤولة امام المجلس ، مع حقه في اقالة الوزراء الذين يتعرضون للاستجواب ، وفتح الباب امام الترشح لعضوية المجلس امام كل عماني مؤهل دون قيود ، وهذا الأخير يبدو محتملا جدا في الدورة القادمة لمجلس الشورى.

أما  دولة الامارات العربية فهي البلد الوحيد في المنطقة تقريبا ، الذي لم يشهد اي تغيير يذكر ، وليس هناك على السطح حديث جدي عن تغييرات سياسية كبيرة ، ويبدو ان المشكلات الهيكلية الناشئة عن النظام الاتحادي نفسه ، حيث تتوزع السلطة السياسية - ولا سيما في الشان المحلي - بين عدد كبير من الزعماء ، اضافة إلى مشكلة التركيبة السكانية ، تقف حجر عثرة امام اي طرح جدي لبرنامج اصلاح سياسي ، لكن بصورة عامة ، فان الظرف السياسي في الامارات ، ظرف ارتخاء ويبدو ان الانتعاش الاقتصادي المستمر منذ ربع قرن على الاقل ، قد ساعد بشكل جدي في تقليص مبررات الازمة ، وبالتالي المبادرات السياسية التي تبرر بالقلق منها .

ما يجمع بين دول الخليج العربي ، هو تفاقم الشعور ، على المستوى المحلي وفي الخارج ،  بالحاجة إلى تجاوز ما كان يوصف بالمتطلبات السياسية لمرحلة دولة الرفاه التي لم تنقض تماما ، وهي متطلبات يراها معظم المثقفين والنخبة تحميلا غير منطقي ، وتتلخص في ان استمرار الرفاهية مشروط باستمرار نمط الدولة الريعية ، وفوقية السلطة السياسية ، وامتلاك النخبة التقليدية لكل ازمة الحكم ، وانعدام الاساس القانوني الذي يسمح بدور للمجتمع الاهلي في الحياة العامة .

 وبصورة اجمالية فان شرعية الحكم التي اقيمت ابتداء على متطلبات ظروف تاسيس الدولة وبنائها وتحديث المجتمع ، لم تعد الان مكينة وراسخة كما كان الامر في السبعينات ، وثمة حاجة ماسة إلى إعادة تاسيس منظومة الشرعية السياسية على اسس جديدة ، تستمد جوهرها من تعاقد المجتمع مع النخب الحاكمة ، فهذا هو السبيل الوحيد لضمان الاستقرار السياسي على المدى البعيد ، ولا سيما في ظل التغيرات السريعة التي يشهدها العالم عند نقطة الاستدارة نحو القرن الجديد .

ومن الواضح ان حكومات المنطقة تستوعب دواعي التغيير التي تشهدها المنطقة ، سواء المحلية منها أو تلك التي هي انعكاس لتغير العالم ، وآية هذا الاستيعاب ، هي المبادرات التي تشهدها جميع اقطار المنطقة ، والتي تصب جميعا في مسار واحد هو اصلاح النظام السياسي وتحديثه .

لكن من الواضح ايضا ان تلك المبادرات لا تزال بطيئة وشديدة الحذر ، مما قد يجعلها عاجزة عن احتواء الاسباب التي بررت الاقدام عليها ، والحق اننا بحاجة إلى تحرك سريع في اتجاه توسيع اطارات العمل السياسي ، وبصورة محددة فتح ابواب السلطة وممارسة العمل العام امام جميع المواطنين ، وتحرير الاعلام من الرقابة الحكومية ، وكبح المنظومات الامنية التي اعتادت انتهاك حقوق المواطن لسبب ولغير سبب ، ان اصلاحات من هذا المستوى هي الكفيلة بتغيير العلاقة بين المجتمع والسلطة ، بحيث ينظر الناس إلى الحكم باعتباره ممثلا لـهم لا مفروضا عليهم بقوة الحاجة أو بالقهر.