الأربعاء، 31 ديسمبر 2008

حيثما كنت ، غول العنف في انتظارك


غول الارهاب يتربص بالجميع . كل فرد هو هدف لهذا الغول السياسي الذي يتمظهر حينا على شكل عصابات مسلحة ، ويتمظهر حينا اخر على شكل مجموعات تدعو للتطرف الديني وتعمل على تفكيك المجتع الى فسطاطين : فسطاط اهل الحق ، وفسطاط اهل الضلال . سواء كنت سعوديا او كنت عراقيا ، سواء كنت مسلما او مسيحيا ، سواء كنت عسكريا يشارك في حماية امن الناس او عاملا يكدح من اجل قوت عياله ، وسواء اكنت ممن يقاوم العنف او كنت عابر سبيل .

 ايا كنت ، في اي  مكان كنت ، اي مذهب اتبعت ، واي طريقة من الحياة اخترت ، فانت مستهدف بالعنف الاعمى الذي يحصد الارواح ويدمر الممتلكات . الاسبوع الاول من رمضان حصد ارهاب القاعدة تسعين عاملا القت بهم اقدارهم الى شارع ما في بغداد. منتصف رمضان سيارة مفخخة دمرت نصف البيوت في قرية فلاحية صغيرة في شمال العراق . لم يكن هناك عسكر ولا امريكان ولا رجال دولة ، كان هناك فقط فلاحون وفلاحات فقراء يستقبلون نهارهم بالعمل او البحث عن عمل.

في زمان الجاهلية كانت العرب تمتنع عن الحرب في الاشهر الحرم ، وفي كل ازمان المسلمين كان المتحاربون يتقون القتل في المساجد . وفي كل انحاء العالم ثمة اتفاق ضمني على عدم استهداف القادة والشخصيات العامة التي لها قيمة رمزية او وطنية . عرب الجاهلية ويهود ونصارى هذا العصر التزموا – بدافع اخلاقي بحت – باحترام كرامة عدوهم لانه ، مهما كان سبب عداوته ، انسان مثلهم. وقد نهى الشرع الاسلامي قبل قرون من معاهدة جنيف التي تحمي حقوق المتقاتلين عن التمثيل بالقتيل وتدمير مصادر الحياة ووسائلها ، والعف عن الضعيف والعاجز . تلك هي تجربة الانسان وتراث الانسانية الذي ميزها عن الحيوان حتى في العدوان والحرب .

اما وقد وصلنا الى "زمن القاعدة" فان تراث الاديان وتراث الانسانية لا يعني شيئا ، فحربهم قائمة في كل زمان وفي كل مكان وعلى كل انسان . القتل عندهم مثل الصلاة ومثل شرب الشاي . الكلام في القتل مثل السؤال عن الصحة والاحوال. 

المسدس مثل سكين الفاكهة والقنبلة مثل التفاحة والبشر الذين يموتون في الانفجارات مثل اضاحي العيد ، تذبح ثم تروى القصص ويتبارى المتحدثون في استذكر الطرائف التي حدثت اثناءها . لا شيء في القتل يبعث على الرهبة ولا مشهد الدم الحرام يثير الاسئلة ولا صرخات الجرحى والمكلومين تحث على التعوذ والاسترجاع . كل شيء مباح ما دام طريقه متاحا.
لم تعد القاعدة واخواتها وتيارها مجرد تنظيم سياسي يسعى لاغراض محددة معلومة . منشوراتهم لا تذكر اهدافا وانصارهم لا يعرضون غايات محددة كي يناقشهم الاخرون في سلامة الوسائل التي يتوسلون بها . فكأن القتل اصبح غاية بذاته ، وكان ارهاب الناس وتخويفهم اصبح مقصدا بذاته .

ما الذي اوصل جماعة انطلقت من دوافع دينية الى هذا التفريط المريع في قيم الانسانية وحدود الدين ؟. اهو الدين نفسه ، ام تراكم القهر ، ام الشحن الايديولوجي المبالغ فيه ، ام الاحباط المطلق والياس من كل وسيلة انسانية ؟

ربما يحتاج الامر الى دراسات معمقة ونقاشات طويلة حتى نتبين السبب الذي اوصلنا الى هذا الحال . لكن دعونا نتامل في اقوال المتراجعين من انصار القاعدة والسائرين على خطها الذين اصدروا ما وصف بمراجعات ، وقد راينا امثلة عن هؤلاء بين من عادوا من افغانستان وبين الجهاديين المصريين والجزائريين والليبيين . هؤلاء جميعا يتحدثون عن الطريق الذي قادهم الى طريق العنف . ذلك الطريق هو التطرف الديني او الغلو في الدين او ما شئت فسمه . اي بعبارة اخرى الشحن الايديولوجي الذي يساوي بين الصفاء الديني وبين الخروج على المجتمع واستهدافه بالحرب.

تبدا المسالة بنقاط بسيطة حيث يقوم دعاة مؤدلجون بتصوير الصراع بين التيار الديني وتيارات المجتمع الاخرى على انها حرب وجود بين الاسلام والكفر : اذا اردت للاسلام ان يبقى فيجب ان تستأصل جميع معارضي التيار الديني . وهم لا يقصدون بالتيار الديني الملتزمين بالشعائر الدينية ولا يقصدون الدعاة ولا يقصدون النشطين في الحقل العام العاملين لرفعة مجتمع المسلمين ، بل يقصدون على وجه التحديد اعضاء الجماعة الخاصة التي تتبع منهجا معينا منفردا في لغته واستهدافاته وهمومه. يجري اقناع الافراد بان جميع الناس – خارج الجماعة - منحرفون او مبتدعون او جاهلون او  ضالون ، وان الدولة واجهزتها ومؤسساتها والعاملين فيها اعوان للضلال او متسامحون فيه او ساكتون عنه . يؤدي اقتناع الفرد بهذه الرؤية الى جعله يائسا من كل وسيلة للاصلاح تتوسل بالقانون او اعراف المجتمع او العلاقات الانسانية .

 وياتي بعد ذلك التصوير الايديولوجي للدعوة الدينية التي قامت – حسب تلك الرؤية - وانتشرت وغلبت بقوة السلاح لا بقوة الحجة والمنطق. ويقال  للفرد حينئذ : اذا اردت طريق الجاهلية فالقانون والمجتمع يقودك اليها ، واذا اردت طريق الرسول فالبندقية اول الطريق.

اذا كان التطرف هو احد مداخل العنف ، فدعونا نفكر في صور التطرف المنتشرة في مجتمعنا ، دعونا نفكر في انعكاساتها على هذه المسألة بالذات. لقد سكتنا طويلا عن مشكلة العنف وقد حان الوقت الان كي نتكلم او على الاقل كي نفكر بصوت عال . سنوات طويلة ونحن نحاول الفرز بين التطرف الديني والارهاب الاعمى المغطى بدوافع دينية . من الواضح الان ان المتطرفين ومن يحمونهم ويمولونهم ويشجعونهم يمثلون الخط الثاني والثالث في حملة الارهاب المتواصلة .

 وقد حان الوقت لرفع الصوت ضد هؤلاء سواء كانوا يلبسون عباءة الدين او يعملون في اجهزة الدولة او يحتمون بمتراس الاحزاب السياسية . كل المتطرفين شركاء في جريمة الارهاب الاعمى ويجب ان نقول لهم بصراحة اننا نفهم العلاقة التي تربطهم بالارهاب ، سواء كانت مباشرة او غير مباشرة ، وسواء كانت خفية ام ظاهرة.

الاثنين، 29 ديسمبر 2008

ملاحظات هامشية: مناقشة لفكرة الحداثة الدينية


بقلم د. احمد البغدادي  
في مقاله القيّم حول "الحداثة كحاجة دينية "، قام الدكتور عبد الحميد الأنصاري بوضع الداء أو المشكلة، ولم يقدم للقارئ الدواء. والمقال في الواقع يطرح قضية مهمة جداً يحاول المسلمون تجاوزها بالإنكار أو الرفض، في حين يدعو الأخ الدكتور توفيق السيف، الكاتب الإسلامي إلى محاولة دمج الحداثة بالدين، من خلال اقتناعه بإمكانية حدوث مثل هذا التمازج بين نقيضين أو خطين متوازيين. ولكن ما يعيب المحاولة حقاً أنها لا تصمد أمام الواقع الذي يعيشه المسلمون اليوم. ربما سيكون للدعوة صدى لو أنها ظهرت في عصر المأمون العباسي، مؤسس العصر العظيم لترجمة الفكر الفلسفي اليوناني، حيث سادت العقلانية وانزوى الفكر الديني، وما ترتب على هذه الخطوة العلمية العقلانية الجبارة من تسيّد العقل الإسلامي على الساحة الفلسفية. كان من الممكن لهذه المحاولة، الدمج بين الدين والحداثة أن تنجز نسبياً لو أنها جاءت في عصر المفكر ابن رشد، بل كان من الممكن أن تتم ولو جزئياً، في عصر ما بعد استقلال الدولة العربية في منتصف الخمسينات. لكن الفكر الديني النصيّ ممثلاً بالأزهر، وأد محاولات طه حسين وعلي عبدالرازق الهشة التي وقفت عند تخوم الحداثة، ولم يُكتب لهذه المحاولة النجاح بسبب الفكر الديني.

 قبل الحديث عن إمكانية التمازج الفكري بين الدين والحداثة، لابدّ أن نعرف موقع الدين لدى الحداثة، لابدّ من مواجهة الحقيقة القائلة بأن تأسيس الحداثة ما كان له أن يقوم لولا الدعوة الصارمة لقطع العلاقة القائمة في العصر الوسيط بين الدين، ممثلاً بالكنيسة الكاثوليكية والإنسان المسيحي، إضافة إلى الدعوة للتخلص من أسر الحكم المطلق، وهو ليس بذي أهمية بالنسبة لموضوعنا الخاص بالعلاقة بين الدين والحداثة.

جوهر الحداثة المتمركز حول تخليص الإنسان من أسر الهيمنة الدينية الكاثوليكية، أصبح جوهر كل دعوة للحداثة، أو لأي مجتمع يريد الأخذ بهذه الحداثة، بغض النظر عن نوع الدين القائم، الهندوسية أو الإسلام أم البوذية، لا فرق من حيث المبدأ، ولا مجال لاستفراد الفكر الديني الإسلامي بقضية غير قائمة أصلاً في أذهان صانعي الحداثة الغربية. لقد أصبحت الحداثة ظاهرة غربية عالمية لابد من الأخذ بها إذا أراد المجتمع تحقيق التطور والتقدم الفكري والحضاري. والمجتمع المسلم ليس استثناء من القاعدة.

حين نقول إنه لا مجال للمزاوجة بين الدين الإسلامي والحداثة، لا ننطلق من موقع التشاؤم، بل من منطلق معرفة الواقع الديني القائم في العالم العربي- الإسلامي. وهو واقع رافض للحداثة من حيث المبدأ. ألا ترون تسمية "الأصالة" في مواجهة "الحداثة "، وحيث يتم تثبيت الجوهر الديني لهذه الأصالة. فالفكر الديني، وليس فقط العقيدة، يرفض الحداثة، ومن يرى ذلك محق. وإذا ما حاول البعض مثل الدكتور توفيق السيف، من السعودية السعي لتحقيق عملية المزج بين الحداثة والدين، سيصطدم ولاشك، بصلادة العقيدة الدينية والفكر الديني الذي يصنعه الفقهاء.

الحداثة، احتواء وتغييب للسلطة الدينية، في حين أن الدين مجال قائم بذاته ولذاته. كيف يمكن الجمع بين موضوعين نابذين لكل منهما؟ هذا هو المستحيل بعينه. ولذلك أعتبر مثل هذه المحاولات مضيعة للوقت وفيما لا طائل من ورائه، مع الاحترام التام لمن يدعو لهذه المحاولة، لكن لو وقفوا لحظة تفكير مع أنفسهم ومن واقع الهيمنة الدينية القائم اليوم في مجتمعنا العربي، لوجدوا أن الأمر أصعب مما يتصورون. ولابد من الاعتراف بأن هذه الموضوعات شائكة فكرياً واجتماعياً في مجتمع يكاد يحبو في ساحة الفلسفة والفكر.


جريدة الاتحاد 29 ديسمبر 2008

الأربعاء، 24 ديسمبر 2008

الحداثة كحاجة دينية


بقلم: د. عبد الحميد الأنصاري


هذا عنوان لكتاب قيّم ظهر قبل سنتين ولم يأخذ حظه من الاهتمام، للكاتب السعودي الدكتور توفيق السيف، وهو مُفكر إسلامي مُستنير له العديد من المؤلفات التي تضيء أوجه العقلانية في التراث والفكر الإسلامي، وتجتهد في تجسير الفجوة المصطنعة بين الفكرين الديني والحداثي. تذكرت هذا الكتاب صغير الحجم وعظيم الفائدة وأنا في احتفالية التنوير بالكويت، على هامش الاحتفالية العالمية لعصر التنوير الإنساني، بمناسبة مرور قرنين على انطلاق عصر "الأنوار" في العالم، تلك الأنوار التي أيقظت أوروبا من سباتها الطويل وأخرجتها من ظلمات القرون الوسطى، فانطلق العقل ليكتشف ويبدع ويخترع، ويصنع المعجزات العلمية والتقنية التي غيّرت حياة البشر، وأزالت الحواجز بين شعوب الأرض.

هذه الاحتفالية التي حملت عنواناً جذاباً "التنوير... إرث المستقبل" واجتذبت جمعاً حاشداً من المفكرين والمهتمين بقضايا التحديث والتنوير من الجنسين كانت أشبه بتظاهرة جماهيرية متعطشة إلى عصر التنوير الكويتي الذهبي الذي انحسر بفعل هيمنة طروحات دينية سياسية أو متشددة هادفة إلى قطع جسور التواصل مع الفكر الحداثي عبر تغذية روح الممانعة ورفع لواء المواجهة بدلاً من التفاعل العقلاني النقدي مع الفكر الحداثي. كان منظم هذه الاحتفالية، مركز الحوار للثقافة (تنوير) بالتعاون مع الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية، وهو مركز ثقافي تنويري، أسسته مجموعة من المثقفين الكويتيين المهتمين بحقوق الإنسان وحريات الفكر والتعبير وثقافة المجتمع المدني، وقد استضافوا المفكر الإسلامي الدكتور محمد أركون، صاحب المشروع الفكري الكبير المعني بإعادة قراءة التراث العربي لإبراز النزعة الإنسانية في هذا التراث العظيم، وقد صكّ أركون مصطلح "الأنسنة" لأول مرة عام 1997 فشاع وانتشر بين الباحثين. يقول أركون: "أردت لفت الانتباه إلى ضرورة إعادة التفكير في النزعة الإنسانية الدينية المشتقة من الانتروبولوجيا الروحانية القرآنية"، ويقصد بمصطلح الانتربولوجيا القرآنية "الصورة السائدة عن الإنسان في القرآن، وهي صورة رفيعة مليئة بالقيم الروحية، لكنها لم تكن وحدها السائدة في العصر الكلاسيكي، وإنما انضافت إليها صورة أخرى عن الإنسان نفسه مشتقة من التراث الفلسفي اليوناني والتجارب الثقافية الدينية الخاصة بالهنود والمانوية والزرادشتية وغيرها من تيارات ثقافية متفاعلة (طبقاً لهاشم صالح).

لقد أسِر أركون الحضور بحديثه عن عصر الأنوار، وكيف كان عالم القرون الوسطى في أوروبا. "كان عالماً قلقاً مخيفاً، ينبغي أن نذهب إلى أفغانستان أو بلاد "الطالبان" لكي نفهم ذلك، كان الحزن القائم يغلّف المناخ العام للأشياء بغلالة السواد، والناس كانوا ينتظرون نهاية العالم بين يوم وليلة! ولذلك كانوا ينوحون ويبكون ويتحسرون على ما فات، يخشون لقاء ربهم في الدار الآخرة، وكانوا يعتبرون الفرح حالة غير طبيعية" (هاشم صالح في مقالته عن مارتن لوثر). ما هو التنوير؟ هو الاستخدام الحر للعقل واسترداد الإنسان لنوره الخاص، والخروج الشجاع من آلية إشراف الغير إلى إشراق الذات، من آلية الطائفة والمذهب والحزب والمرجعيات (كلمة وزيرة الثقافة البحرينية (الشيخة مي آل خليفة). إنّ هدف التنوير الأسمى كما يقول أركون، هو منح العقل البشري جميع الحمايات والأسباب التي تمكنه من مواصلة الإنتاج المعرفي والثقافي لنفع الإنسانية جمعاء، لا أمة معينة.

وقال: إن الوظيفة الأولى للعقل، هي نقد العقل نفسه فإذا تخلى عنها وتورط في تأييد مواقف أيديولوجية، اعتبر فاشلاً، وأضاف أن هذه النقطة هي المأزق الذي يُعاني منه الفكر العربي. حلّق أركون بالحضور وطاف بهم شرقاً وغرباً، لكن أهم ما أضافه هو مقارنته بين المسيرتين: الإسلامية والأوروبية، فمع سبق المسلمين في الاعتماد على العقلانية في إنتاج معارف علمية دعمت الإيمان الديني وأعطت الوسائل اللازمة للتفاعل مع العقل الفلسفي والذي أثمر كماً معرفياً هائلاً على امتداد القرون الستة الهجرية الأولى، فإن هذه المسيرة توقفت بسبب التدخل السياسي للسلطة في الفكر الإسلامي، وكان كتاب "فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة" للغزالي، إيذاناً بأفول عصر التنوير الإسلامي لتبدأ أوروبا التي كانت غارقة في ظلمات القرون الوسطى حمل راية "التنوير" ومواصلة المسيرة بدون انقطاع إلى يومنا هذا.

كانت لي مداخلة وضّحتُ فيها أن "العامل السياسي" لا يكفي وحده في تفسير انقطاع التنوير الإسلامي، هناك عوامل عديدة، وأتصور أن "العامل الاجتماعي" وأعني به حجب المرأة وعزلها عن مجريات الحياة العامة وفرض الوصاية عليها، هو العامل الأهم في انحسار الفكر التنويري وتدهور حضارة المسلمين. أركون وخلافاً لبعض الظنون في أنه يجترئ على المقدسات، هو من أكثر المفكرين الذين لا يرون "الحداثة" بمعزل عن القيم الدينية، بل ينعى على التنوير الأوروبي في مرحلته الثالثة، أي بعد الحرب الثانية والمرحلة الاستعمارية، تنكره لقيم الأنوار تحت تأثير ما سماه "المخيال الاجتماعي".

وعودة إلى كتاب الدكتور توفيق السيف فإن المؤلف معني بوصل ما انقطع في مسيرة الفكر الإسلامي التنويري، وهو يطرح في الكتاب تساؤلات مهمة، كانت مطروحة بين الحضور في الاحتفالية مثل: هل يمكن لأمة أن تصل إلى الحضارة بدون الدين؟ وإذا كان "التراث الإسلامي" كائنا حيا يعيش فينا ونعيش فيه، ولا فكاك منه، بحسب تعبير أحمد البغدادي، فما مقدار التراث الذي يُشكل حاجة حقيقية لمسلم العصر؟ هذه التساؤلات تأتي على خلفية إشكالية العلاقة بين النهضة والدين والتراث والحداثة، فهُناك من يرى أن شرط النهضة والحداثة، التخلي عن الدين والتراث، بينما يرى آخرون أن الطريق الوحيد للنهضة هو الدين والتمسك بالتراث. يقول الكاتب: إن هذا الربط فيه تكلّف، إذ يمكن لأمة أن تصل إلى الحضارة والتحديث بدون الدين كما حصل في أزمان سابقة وفي زماننا، كما يمكن لأمة أن تحافظ على دينها وتراثها سواء تحضرت أو لم تتحضر، المشكلة الحقيقية عند الكاتب هي قابلية نمط معين من الفهم الديني لإعاقة النهوض الحضاري، ويؤكد: يمكننا إثبات أن نمط التدين السائد في عالمنا الإسلامي اليوم معيق للنهضة والحداثة، لكن هذا التدين مُلتبس بالعادات والتقاليد والتجربة التاريخية بأكثر من انتسابه إلى الوحي، وهذا ما يحاول الكتاب تفكيكه وهو ما ينبغي على الإسلاميين التنويريين العمل على فرزه وتوضيحه.

"الحداثة" ليست مجرد تقدم تقني بل هي أيضاً "نظام قيمي" ونحن بحاجة إلى الأمرين وإذا كان "الدين" بحاجة إلى "الحداثة" لتجديده فإن في تجديد الإسلام، تجديداً لحياة المسلمين وتحويله من مجرد "هوية: مختلفة إلى فاعل في تطوير حياة البشرية كلها.

 جريدة "الاتحاد" الإماراتية
 2008/12/24

الاثنين، 22 ديسمبر 2008

تعزيز التسامح من خلال التربية المدرسية



نحن بحاجة الى تعميم قيمة التسامح وتنسيجها في ثقافتنا العامة حتى تتحول الى معيار للسلوك اليومي العفوي ، للطفل الصغير والشيخ الكبير ، فضلا عن المثقف والسياسي ورجل الدين . التسامح لا يعني القبول بعقائد الاخرين وافكارهم ، بل احترام قناعاتهم وحقهم في اختيار طريقة حياتهم.

تتصل قيمة التسامح بجذر عميق في فلسفة الحياة ، هو الاقرار بان جميع الناس احرار متكافئون.  ويميل الانسان فطريا الى التسامح واحترام الغير ، بل والتعاطف معه. لكن ظرفا خاصا قد يضعف هذا الميل الفطري. وهذا ما جرى لمجتمعات الخليج بل والمجتمع العربي بشكل عام ولا سيما في العقدين الاخيرين ، فاصبحنا نميل الى التشدد في افكارنا والتعصب لارائنا ، والانكار على كل احد يخالفنا ، فكاننا نريد جبر العالم كله على ان يكون نسخة عنا ، تابعا لنا ، او متمثلا بنا او صدى لصوتنا . وكاننا نسينا ان التنوع والتعدد والاختلاف سنة من سنن الله في خلقه ، وهي سر التطور والتكامل. التسامح هو القيمة المقابلة للتشدد والتطرف والغلو . وخلاصنا من تلك المفاهيم والحالات يتوقف على انتشار قيمة التسامح ورسوخها في نسيج الثقافة العامة.

الخطوة الاولى لاستعادة قيمة التسامح هي التعرف على العالم الانساني المحيط بنا ، الذي يشبهنا قليلا او كثيرا او يختلف عنا قليلا او كثيرا. وقد سبق ان اقترحت على وزارة التربية ادراج هذه المسألة في مناهج التعليم في جميع المراحل المدرسية. نحن على سبيل المثال ندرس ابناءنا الجغرافيا فنركز على الارض والجبال والصحارى ، لكننا لا نذكر شيئا عن البشر الذين يعيشون في هذه الجغرافيا : ثقافتهم وعاداتهم وملابسهم وطرق عيشهم ومذاهبهم وهمومهم وتنظيمهم الاجتماعي .

بعبارة اخرى فاننا لا نعرف حقيقة التنوع الثقافي والاجتماعي الذي يتمتع به كل بلد من بلداننا. نحن نظنها – بسبب الجهل بتنوعها وغناها – كتلة واحدة ذات لون واحد ونهايات متشابهة لا يميز بين اجزائها سوى الفواصل الجغرافية . بل ان بعضنا لم يكن يعرف ان كثيرا من المهاجرين للعمل في بلادنا يدينون باديان اخرى غير ديننا ، وانهم مثلنا يتجهون الى ربهم ويعبدونه ، لكن على طريقة غير طريقتنا . ولهذا اصيب بعضنا بالدهشة حين اكتشف ان في بلانا مذاهب عديدة وثقافات متنوعة واشكالا من الفولكلور والاعراف يشير كل منها الى تاريخ اجتماعي مختلف

دراسة جغرافيا الارض مفيدة للتلميذ . لكن دراسة جغرافيا البشر والنظم الاجتماعية القائمة على تلك الارض ضرورية لترسيخ فهمه لفكرة الوطن وعلاقته بمواطنيه الاخرين ، وهذا هو الاساس في تشكيل الهوية الوطنية الجامعة ، اي الهوية التي تستوعب الهويات القبلية والطائفية والمناطقية والاثنية ، فتجمعها وتشدها وتشكل منها خريطة جميلة غنية الالوان. استيعاب الطالب لما ينطوي عليه وطنه من تنوع سوف يجعله اقدر على احترام مكونات هذا الوطن واقدرعلى استيعاب فكرة الشراكة الوطنية والمصير الواحد والمستقبل الواحد .

والامر نفسه يقال عن دراسة التاريخ . فنحن ندرس تاريخ العصور الاسلامية القديمة وقد نعرج على تاريخ العالم ، ونركز في كل الاحوال على التحولات السياسية . لكننا لا نذكر شيئا عن البشر والمجتمعات التي تعرضت لتلك التحولات ، فكانهم جميعا وفي كل ازمانهم شريحة واحدة لا يتغير فيها شيء سوى عنوانها . نركز على اسماء الحاكمين وحروبهم وانجازاتهم ، لكننا نهمل تماما المجتمعات التي حكموها ، احوالها وانجازاتها وما كان فيها من رموز واعلام وطرق حياة وتطورات وثقافة. ولهذا السبب فاننا لا نستفيد من منهج التاريخ في دراسة شعوب الارض او تاريخ المعرفة والعلوم او في البحث عن تطور التنظيم الاجتماعي والقانون.

تشكل قيمة التسامح اساسا للعديد من مفاهيم حقوق الانسان ، كما تشكل اساسا متينا لهوية وطنية صلبة . نشر هذه القيمة وتعميمها يحتاج الى عمل كثير ، واظن ان التعليم العام يمثل مدخلا فعالا وضروريا لتحويل تلك القيمة السامية من كلام يقال على سبيل التفاخر الى معيار للسلوك اليومي لكل مواطن.
عكاظ 22 ديسمبر 2008

الأربعاء، 17 ديسمبر 2008

سجناء التاريخ


بعض الناس مسكون بتاريخه الماضي الى حد العجز عن رؤية اي شيء في حاضره الا اذا كان مشابها – ولو في المظهر – للماضي او محاكيا له . وبعض الناس مسكون بتاريخ غيره ، ولا سيما اولئك الذين صنفهم كاعداء ، حتى ليتخيل ايديهم وراء كل حادث او مبادرة او فعل . التاريخ بالنسبة لهؤلاء واولئك ليس حلقة في حركة الحياة او وعاء لتجربة البشر ، بل هو مرجع نهائي او ربما وحيد للتفكير والتحليل والمقارنة ، انه – بكلمة اخرى – وعاء القيم والمعايير ، ومقياس الحق والباطل والصلاح والفساد .

اذا تحدثت مع واحد من هؤلاء الناس عن الصراع العربي الاسرائيلي فسيقصفك بالعشرات من الحوادث التاريخية التي يعتبرها مماثلة او مؤشرا على خط ما في ذلك الصراع . واذا تحدثت معه عن سوق الاسهم فلن يعدم قصة من هنا او هناك للتدليل على خطة ما تحاك من وراء الستار . واذا ذكرت الصحافة فلديه من اقوال رجالات الغرب والشرق ما يملأ ساعات من الحوار . بعبارة اخرى فالمسكون بالتاريخ لا يرى في الحاضر غير تكرار لما حدث في الماضي . فكل شيء عنده معروف في بواعثه ومساراته ونتائجه . اما تغير الرجال والزمان والمكان والاسباب المباشرة فكلها تفاصيل لا تغير من حقيقة الامر شيئا . التاريخ كما يقول هؤلاء يعيد نفسه.

لا يمكن لانسان ان ينقلع كليا ونهائيا من تاثير تجربته التاريخية ، تجربته كفرد او كعضو في تكوين اجتماعي . تجربة الانسان التاريخية ، ولا سيما الجمعية منها تسهم بالحصة الاكبر في تشكيل هويته التي يتمايز بها عن غيره . لكن شتان بين الانتماء الى التجربة او التاثر بها  وبين الدخول الاختياري في سجن التاريخ . التاريخ لا يعيد نفسه ، وحوادث التاريخ لا تتكرر ، انها ليست دائرة مغلقة كما  تصور ابن خلدون ، بل هي مسار تصاعدي قد يتباطأ احيانا وقد يتوقف احيانا اخرى وقد ينتكس ثالثة ، لكنه في المحصلة العامة يواصل الارتقاء يوما بعد يوم . هذه ليست نظرية تحتاج الى ادلة ، بل هي من الحقائق البديهية التي يستطيع الطفل ادراكها وكشف امثلتها وتطبيقاتها فضلا عن العارف والمثقف .

المسكونون بالتاريخ منقطعون بالضرورة عن حاضرهم .  جماليات العالم الراهن التي تتجسد في البشر والاشياء والتكنولوجيا والثقافة .. الخ هي مجرد اوهام او صور مصطنعة . الجمال الحقيقي وصل الى غايته في حقبة ما من حقب التاريخ ، ولم يات الزمان بعدها بجديد يثير الاهتمام . البشر الطيبون وجدوا في حقبة ثم ماتوا ولم يات من بعدهم سوى غثاء السيل ، والتكنولوجيا التي يفخر بها انسان اليوم ليست اكثر من لعبة في يد طفل يظن نفسه انسانا كاملا.

المجتمعات الناهضة مثل نظيرتها المتخلفة تتاثر بتاريخها وهي ترجع اليه وتنظر فيه بل وتعجب به. انما تختلف هذه عن تلك في وعيها بمعنى الحقيقة التاريخية ومدى تاثير التجربة التاريخية على تفكيرها في اسئلة اليوم وقضاياه. من يعي تاثير التاريخ على ثقافته وتفكيره ، يستطيع التخلص من قيوده او الموازنة  بين ضرورات الثقافة وضرورات العصر. ومن يجهل ذلك يعيش بجسده في الحاضر وعقله سجين في تاريخ مضى ومات اهله.

المجتمعات الناهضة قليلة الاهتمام بالماضي واحداثه ، لانها منشغلة باستثمار الحاضر وامكاناته ، وهي اكثر واقعية واعتدالا في التعامل مع الغير ، لان محورية الحاضر تكرس قيمة العناصر التي يشملها ، بما فيها الشراكة مع الاخرين .فهي اذن تقدر ذاتها كما تقدر الاخرين ، لانها تقدر قيمة انجازات الانسان كما تقدر قيمة الزمن . اول النهضة تقدير قيمة الحاضر والنظر الى العالم وما فيه من بشر واشياء من خلال واقعهم القائم لا باعتبارهم كائنات تاريخية او امتدادا قسريا لما جرى في غابر الزمان.
عكاظ 17 نوفمبر 2008
http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20081117/Con20081117241469.htm

الاثنين، 15 ديسمبر 2008

حقوق الانسان في المدرسة


كان اعضاء الجمعية الوطنية لحقوق الانسان اكثر المتفائلين يوم عين رئيس الجمعية د. عبد الله العبيد وزيرا للتربية في فبراير 2005 . منذ بدايات هذه الجمعية اكتشف الاعضاء انهم يواجهون مشكلة حقيقية في عملهم تتلخص في غياب مفاهيم حقوق الانسان عن الثقافة المحلية ، الامر الذي جعل خطابهم غريبا او مستغربا. فكروا في معالجة هذا النقص عبر النشاط الاعلامي والتثقيفي المباشر . لكنهم ادركوا منذ البداية ان تنسيج هذه المفاهيم في الثقافة العامة ينبغي ان يبدأ في المراحل العمرية المبكرة ، اي مرحلة التعليم قبل الجامعي التي تتشكل خلالها شخصية المواطن وذهنيته . ولهذا تفاءلوا بتعيين رئيسهم وزيرا للتربية.

اليوم وبعد مضي اربع سنوات ، يتساءل المهتمون بحقوق الانسان عن ما تحقق في هذا السبيل . في نهاية العام الماضي اصدرت الوزارة وثيقة حقوق المعلم ، وتبعها في بداية العام "وثيقة حقوق الطالب ومسؤولياته" . ونفترض ان وثيقة الحقوق هذه موجهة للطلاب والمعلمين وادارات المدارس معا . لكني اظن ان هذه الوثيقة لا تزال تدور في مكاتب البيروقراطيين او انها قد نامت فعلا في ادارجهم . كولي امر لاربعة طلاب يدرسون في مراحل مختلفة لم اتلق اي اشعار من مدارسهم يفيد بتلقيها لهذه الوثيقة وما اذا كانت قد وضعت بالفعل برنامج عمل لتطبيقها . كما انها لم تبلغ الطلاب بوجود مثل هذه الوثيقة او حقوقهم المقررة فيها. بعض المدارس الخاصة بادرت بوضع وثيقتها الخاصة بحقوق الطالب قبل ذلك التاريخ ، ويجدر القول ان الذي اطلعت عليه منها لا يصل – من حيث المفاهيم ومن حيث الاجراءات العملية - الى المستوى اللائق بهذا العصر والتحديات والحاجات القائمة فيه. لكنها على الاقل مبادرة تستحق التقدير. اما المدارس العامة وكثير من المدارس الخاصة فالواضح انها لا تزال غائبة عن هذا الامر تماما.

يجدر بالوزارة ان تبادر الى تحديد برنامج عمل لتحويل تلك الوثيقة من ورقة يتداولها البيروقراطيون الى واقع حي يعرفه ويطبقه المعنيون به ، اي الطلاب . نحن بحاجة الى تكريس وقت مناسب للحديث عن هذه الوثيقة لكافة الطلاب ، ولا سيما للحديث عن حقوقهم على مدرسيهم وابائهم ومدارسهم ووطنهم . لقد اعتدنا الحديث عن "واجبات" الطالب وابدعنا في اختراع الكلام والبلاغة في بيانها ، لكن الحديث عن "الحقوق" يحتاج الى طريقة مختلفة وروحية مختلفة.

تلك مهمة تعالج اشكالا محددا هو العلاقة بين الطالب والمدرسة . لكن تنسيج مفاهيم حقوق الانسان في الثقافة العامة يحتاج الى طريقة اخرى ومنهج  مختلف. هذه العملية لا تبدأ بالكلام عن اهمية حقوق الانسان بل بتمهيد الارضية الفلسفية والاخلاقية التي تقوم عليها . مثلما ندرس في الابتدائية جدول الضرب باعتباره ارضية لفهم الرياضيات ، فاننا بحاجة للبحث عن شيء مماثل في ثقافة حقوق الانسان ، شيء يسهل فهمه واستيعابه ويمثل في الوقت نفسه اساسا مكينا لبناء هذه الثقافة فوقه.

اقترح التركيز على "قيمة التسامح" كموضوع محوري يجري التركيز عليه في المرحلة الحالية . يمثل "التسامح" ارضية اخلاقية وفلسفية لشريحة واسعة من مباديء حقوق الانسان ، وهو قيمة كونية ، تتفق عليها جميع الاديان بما فيها الدين الاسلامي ، فضلا عن وثائق حقوق الانسان الدولية والاقليمية. وبالنسبة لبلادنا فانها تمثل حلا لمشكلة يشعر بها الجميع ، الا وهي المشكلة التي يطلق عليها احيانا التشدد او الغلو او التطرف الخ.

 تنسيج قيمة التسامح في الثقافة العامة لا يبدأ بالحديث عن اهميته بل بمعالجة السبب الذي غيبه عن الثقافة ، واعني به التجاهل او الاغفال . ونذكر جميعا المثل العربي "المرء عدو ما جهل" . يبدأ التسامح بالتعرف على الاخرين المختلفين ، وكلما تعرف الانسان على احد اصبح اكثر قدرة على تفهم خصوصياته وتقبلها او اللين في التعامل معها . وبالعكس من ذلك فان الجهل بالغير يولد خوفا منه او ريبة فيه .

يمكن لقيمة التسامح ان تكون مضمونا منتشرا في الكثير من المناهج الدراسية من التاريخ الى الجغرافيا الى التربية الوطنية الى الثقافة الاسلامية . ولهذا حديث اخر نعود اليه في الاسبوع الاتي.
عكاظ 15 ديسمبر 2008