19/08/2014

في بغض الكافر


تفسيرات ابن خلدون للتحولات الاجتماعية والسياسية التي لخصها في مقدمته المشهورة ، أثرت في كثير من كتاب العرب المعاصرين ، سيما الاسلاميين منهم. ومنها مثلا ما قرره عن ميل الأمم المغلوبة الى تقليد الغالب في كل شيء. لا أعلم ان كان الفقهاء قد تأثروا ايضا بهذه الاراء ، لكني طالما وجدت نفسي حائرا ازاء ميل اغلبهم للتأكيد على الحدود الفاصلة بين المسلمين وغيرهم من امم العالم. واذكر نقاشا اجريته قبل زمن بعيد مع المرحوم محمد طاهر الخاقاني وهو فقيه معروف بحسن استنباطه ، وان لم يشتهر بين الناس ، سألته عن سبب تشدده في احكام العلاقة مع أهل الكتاب ، فأخبرني انه يفتي بذلك لعامة الناس ، تلافيا لتأثرهم بثقافة الغالب ونمط حياته. وذكر لي رأي ابن خلدون ، ولم اكن مطلعا عليه قبلئذ.
Khaghany
الشيخ محمد طاهر الخاقاني
فيما بعد وجدت معظم الفتاوى المتصلة بغير المسلمين – بل وحتى بالمسلمين المخالفين في المذهب – ميالة الى القطيعة معهم والتحذير منهم. وهذا سلوك عام عند فقهاء المسلمين على اختلاف مذاهبهم.
سبب استرجاع هذه المسائل التي ضاعت في تلافيف الذاكرة ، هو ما شهدته من ردود فعل علماء المسلمين على الفضائع التي ارتكبتها داعش في حق المسيحيين والايزديين في شمال العراق. فقد لاحظت ان معظم من استنكر تلك الافعال الشنيعة ، برر رفضه لها بكونها مسيئة لصورة الاسلام في العالم ، وليس بكونها في ذاتها افعالا قبيحة مخالفة لقيم الدين والانسانية. وغرضي من هذه الاشارة هو التنبيه الى ان كتبنا الفقهية مليئة بالاراء والنصوص التي تعزز ميل المسلم الى اعتبار نفسه في حرب ابدية ضد مخالفيه في الدين.
اعلم ان تلك الاقوال لا تؤثر في جميع الناس ، لكني ارى غالب المسلمين مرتابا في اتباع الديانات الاخرى. وهي ريبة تنقلب في ظروف الازمة الى سلوك عدواني تجاه المخالف رأينا تجسيداته في مجتمعات مسلمة كثيرة. تلك الريبة وما تولده من سلوك عدواني ليس نبتا في صحراء ، فجذوره عميقة في ثقافتنا العامة  التي يتربي عليها جمهور المسلمين وعلماؤهم وقادتهم على السواء. يحوي التراث والنصوص الاسلامية انواعا من التوجيهات يدعو بعضها الى ملاينة المختلف بينما يشجع البعض الاخر القطيعة. وحين يقرأ الفقيه او الداعية هذه النصوص فانه يختار – بشكل عفوي - ما ينسجم مع الثقافة السائدة وميول الجمهور.
ما جرى في شمال العراق نذير بخطورة تلك الاراء والتعاليم. حري باهل العلم ان يقولوا للناس صراحة ، ان الارتياب في المخالف والعدوان على غير المسلم عمل قبيح بذاته ، وليس فقط لانه مسيء لسمعة المسلمين والاسلام. العدوان على الناس ليس موضوع علاقات عامة كي ننظر في تاثيره على صورتنا في العالم ، بل هو خروج عن قيم الدين والاخلاق الفاضلة. ولهذا السبب بالتحديد يجب ان يدان ويستنكر.
الاقتصادية 19 اغسطس 2014
http://www.aleqt.com/2014/08/19/article_878139.html

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هل تعرف "تصفير العداد"؟

اشقاؤنا في اليمن هم اكثر العرب استعمالا لعبارة "تصفير العداد". ذلك ان رئيسهم السابق ، المرحوم علي عبد الله صالح (1942-2017) ...