الثلاثاء، 27 مارس، 2012

يا معالي الوزير

أتمنى أن يفرغ كل وزير بضعة أيام من وقته الثمين لمراجعة الأنظمة واللوائح المطبقة في وزارته. ولا سيما تلك التي تنظم علاقات المراجعين، وأن يقيم مكتبا خاصا لتلقي الاعتراضات على تلك الأنظمة واللوائح.
نظريا تستهدف الإدارات الرسمية خدمة المواطن، كما يستهدف بعضها المحافظة على هيبة النظام والأملاك العامة. في كلتا الحالتين المقصود النظري هو تمكين المواطنين من حقوقهم، وصون كرامتهم، والارتقاء بمستوى معيشتهم. في واقع الأمر، تطبق هذه الأغراض - في كثير من الحالات - على نحو يقود إلى عكس الغرض، أي حجب حقوق المواطن أو هدر كرامته أو زيادة تكلفة المعيشة عليه.
أظن أن التنظيم القانوني يتحمل بعض المسؤولية عن انقلاب الأغراض هذا. أشرت في مقال سابق إلى تلك الشريحة من الأنظمة المؤسسة على أرضية الارتياب في خيرية الإنسان، الأنظمة التي يستهدف واضعوها تضييق السبل على العابثين، لكنها في نهاية المطاف تضيق الطريق على الجميع، على العابثين الذين يشكلون أقلية صغيرة جدا، كما على الأكثرية الساحقة التي تريد العيش بسلام في ظل القانون.
أتمنى أن يراجع الوزراء نظم ولوائح العمل السارية في وزاراتهم واحدا واحدا، ثم يضعون السؤال التالي أمام كل بند من بنودها:
- لماذا نحتاج إلى هذه المادة؟
- هل تيسر أمور المواطنين أم تضيق عليهم؟
- هل نستطيع استبدالها بطريقة أكثر تيسيرا أم نلغيها كليا أم نبقيها كما هي؟
- وإذا أبقينا هذا البند الذي يتسبب في التعسير فما التعويض الذي نقدمه للمواطن مقابل تحميله هذا العسر؟
قبل أيام وجدت أن وزارة الثقافة والإعلام تفرض على من يريد فتح ستوديو تصوير رسم ترخيص بقيمة ألف ريال لثلاث سنوات، ولو تأخر في التجديد، تفرض عليه غرامة تعادل 100 ريال عن كل شهر أو جزء من الشهر. سألت الموظف هناك: ما الخدمة التي تقدمها الوزارة لستوديو تصوير مقابل هذه الرسوم؟
- لا شيء في الحقيقة، لا شيء على الإطلاق.
أتساءل اليوم: ما الفرق بين ستوديو تصوير ومحل بقالة؟ لماذا يكتفى في البقالة بترخيص البلدية، بينما يفرض على ستوديو التصوير ترخيص البلدية والإعلام، مع الرسوم المعروفة لكلتيهما؟
هذا مثال واحد على نظام أو لائحة عمل لا ضرورة لها ولا فائدة، علما أن الحصول على ما يسمونه الترخيص الإعلامي ليس مهمة تتم في دقائق أو ساعات، بل تستغرق أياما، وتتطلب أوراقا أكثر من مجرد هوية شخصية للمتقدم.
هل يحتاج تنظيم أمر البلد إلى هذه الأشياء كلها؟ هل تقدم الوزارة خدمة تستحق هذه الرسوم؟ ما المصلحة التي تريد الوزارة المحافظة عليها من وراء تكليف المواطن بالرسوم والأوراق والمراجعات؟ هذا مثال واحد أعرضه لأني عرفته عن قرب، وثمة عشرات من الأمثلة المشابهة.
أتمنى بصدق أن يفرغ كل وزير بضعة أيام من وقته الثمين لمراجعة تلك اللوائح والأنظمة، والتفكير جديا في الغرض منها والفائدة المرجوة وراءها، وانعكاسها على المواطن، تيسيرها لحياته أو تعسيرها، تخفيف تكلفة معيشته أو زيادتها.

الثلاثاء، 20 مارس، 2012

على مدير الجامعة ان يستقيل


اراقت صحافتنا انهارا من الحبر مطالبة بتنحي مدير جامعة الملك خالد. لكن الرجل لم يكلف نفسه حتى عناء الخروج الى الناس وبيان موقفه. لم يتحدث الرجل ابدا للصحافة التي تقصفه منذ اسبوع ، ولم يتحدث لطلابه الذين فاض بهم الكيل ، فقالوا فيه ما يصح  وما لا يصح. ذكرني هذا بموقف مديري الاقتصاد الوطني حين انهارت سوق الاسهم قبل بضع سنوات. يومذاك انتظر مئات الالاف ممن خسر بعض او كل راسماله ، انتظروا توضيحا او تفسيرا او تطمينا من مؤسسة النقد او وزارة المالية او هيئة سوق المال . لكنهم لم ينعموا حتى بكلمة تطييب خاطر ، فضلا عن توضيح لكارثة اصابت الصغير والكبير.
هل هو مجرد اهمال ، ام عجز عن التعامل مع الموقف ، ام اعتقاد يسود بين الاداريين بانهم ليسهم مسؤولين تجاه المجتمع، ام هو انتظار متعمد حتى "تنكسر الموجة" وينشغل الناس بامور اخرى فينسون الجرة المكسورة؟.

 اشعر – مثل كثير من الناس – بالعجز عن استنباط تفسير لهذا الصمت الغريب. لكنني اعلم – مثل سائر الناس ايضا – ان ترحيل التازمات او التقليل من اهميتها لا يأتي بحل ، بل ربما حول المشكلة الى معضلة. اني اخشى حقا من شعور الشباب بان همومهم لا تثير اهتمام احد ولا تحرك ساكنا. يقولون في علم النفس ان علاقة الانسان بالمحيط تتطور في سياق تجاذب بين جانبين في نفسه : ميل للتكيف وميل مضاد للمنازعة. يشتد الميل للتكيف اذا حظي الفرد باستجابة البيئة الاجتماعية لمطالبه وهمومه ، ويشتد الميل للمنازعة اذا ووجه بالاغفال او الصد. المنازعة ليست مجرد سلوك فردي ، فهي روحية تبدا بواحد ثم تنتقل بين الاقران المتماثلين في العمر او الثقافة او الهموم. مجتمع الطلبة هو اكثر البيئات انفتاحا على التغيير ، لانه بطبعه ، وبالنظر للعوامل المذكورة ميال للتمرد على المعتاد والمالوف.

هذا الطبع يستثمر ايجابيا حين يتمرد الطلاب على الاجوبة المألوفة ، فينظرون لما وراء العرف المالوف، فياتون بابتكارات وكشوف علمية تثير الاعجاب. ولكنه قد يذهب في منحى التمرد على النظام الاجتماعي ومنظوماته القيمية واعرافه ، فيؤدي الى خلخلة البناء العلائقي والقيمي ونظام المصالح السائد.
يقول لي بعض الاصدقاء ان استقالة مدير الجامعة سوف تشجع الطلبة على المزيد من المطالبات. وقد تثير حماسة طلاب الجامعات الاخرى لخوض التجربة التي سبقهم اليها زملاؤهم في ابها. لكن الصحيح ان الاستجابة السريعة والجذرية ستكون اخف عبئا واهون كلفة من مكابرة قد تأتي بما هو ادهى.

نخشى ان يؤدي اهمال مطالب الطلبة الى شعورهم بالمهانة . هذا لن تكون عاقبته تناسي ما حصل. بل تشديد الميل للمنازعة في نفوسهم. الميل للمنازعة هو روح تسري بين الاقران وقد تنتشر نارها الى المجتمع الطلابي باكمله. أعلى ثمن يدفع اليوم هو استقالة مدير جامعة او اكثر. لكن هل ندري بالثمن الذي سوف يكون كافيا غدا؟. هل نغامر بتاخير الحل؟. نحن نرى حولنا مصير الذين تاخروا طمعا في تقليل الثمن ، لكنهم اليوم يعرضون اعلى الاثمان فلا يلتفت اليهم احد.
على مدير جامعة الملك خالد ان يعفي نفسه من مسؤولية ما قد يحدث غدا. عليه ببساطة ان يستقيل اليوم قبل الغد.

الاقتصادية 20 مارس 2012  http://www.aleqt.com/2012/03/20/article_638435.html
*نسخة المقال الاصلية 

الثلاثاء، 13 مارس، 2012

سيادة القانون ورضا العامة

باستثناء الجيش، فإن جميع المنظمات، الإدارية منها والخدمية والتجارية، تتراجع كفاءتها وقدرتها على الإنجاز في ظروف الأزمة. ثمة أزمات سياسية وأزمات اقتصادية وأزمات اجتماعية، وهكذا.. القاسم المشترك بين الأزمات جميعا، أنها تبدأ عندما يشعر طرف من أطراف النظام الاجتماعي بعدم الرضا عن طرف أو أطراف أخرى.
''قانون نابليون'' الذي وضع في 1800 إحدى العلامات البارزة في التاريخ السياسي، فمنه انطلق المبدأ المعروف اليوم بسيادة القانون. سيادة القانون تعني أن تعامل الدولة جميع مواطنيها وفق مبادئ وقواعد متماثلة بغض النظر عن انتماءاتهم الاجتماعية أو موقعهم الطبقي.
حكم القانون هو المقابل النظري والموضوعي لحكم الشخص. يتولد الغضب الشعبي، أي عدم الرضا الذي يقود إلى الأزمة، عندما يشعر بعض الناس بأن الإدارة الرسمية أو بعض رجالها لا يطبقون قانونا واحدا على الجميع. معظم الشكاوى التي نشرت في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي حول التأزم الذي شهدته جامعة الملك خالد في أبها، تتهم إداريين في الجامعة بتحكيم ميولهم الشخصية في معاملة الأساتذة والطلبة. عدد معتبر من الأساتذة تركوا الجامعة، وعدد من الطلبة يشكون من حرمانهم من فرص حجزت لأقارب وأصدقاء مسؤولين في الجامعة.
قد تكون بعض هذه الشكاوى صحيحة وقد لا تكون. لكن في كلتا الحالتين، فإن التأزم واضح في العلاقة بين إدارة الجامعة ومنسوبيها وطلبتها.
أمامنا طريقان لتطبيق القانون وإحقاق العدالة: الأول إخضاع مدير الجامعة ومساعديه لتحقيق علني. وهذا يتطلب تجميد صلاحياتهم لكيلا يؤثروا في سير التحقيق. والآخر هو إعفاء المدير ومساعديه ونقلهم إلى مواقع أخرى.
الفارق بين الطريقتين، أن الأولى ستؤدي - قطعا - إلى تفاقم الجدل وظهور قضايا مسكوت عنها، وفي نهاية المطاف الإضرار بسمعة من خضعوا للتحقيق. أما الأخرى فهي تنطوي على إعلان بتحميل المسؤولية عن الأخطاء المزعومة على بعض الأشخاص، الأمر الذي يمكّن من معالجة لاحقة للشكاوى المزعومة في إطار القوانين السارية.
حكم القانون يعني أحيانا التضحية بالأشخاص، حتى لو ثبت عدم مسؤوليتهم المباشرة عن المشكلة، لأن غرض القانون هو تنظيم العلاقة بين أعضاء المجتمع وإزالة أسباب التأزم. كي تؤدي الجامعة دورها بكفاءة، فإنها تحتاج إلى أجواء هادئة، وإلى علاقة تعزز الرضا في الوسط التعليمي وتسمح بالتعاون بين أطرافه.
نحن لا نضحي بمدير من أجل مدير آخر، بل نضحي بمنصبه من أجل المصلحة العامة للمنظمة التي يرأسها. وإذا كان مخلصا لها وفيا لأهدافها فلا شك أنه سيتقبل التضحية بروح رياضية.
سواء كان الحق مع الطلبة أو مع الإدارة، فليس عيبا أن تقول الإدارة السياسية للناس إنها تستمع إليهم وإنها تستجيب لمطالبهم وإنها مستعدة للتضحية ببعض الإداريين من أجل رضاهم. تحتاج الإدارة إلى رضا الناس كي تتفادى الأزمة، وكي تواصل عملها بفاعلية وكفاءة، وكي يشعر الجميع بأن القانون - روحه ونصوصه - يطبق على الجميع أيا كانت أسماؤهم.
 الاقتصادية 13 مارس 2012

الثلاثاء، 6 مارس، 2012

عسر القانون كمدخل للفساد الإداري


الملف الثقيل الذي حمله المحامي المتدرب إلى مكتب الوكيل كان يستهدف فقط وفقط إقناع أحد موظفيه بأن المعاملة التي استغرقت ثلاثة أشهر مكتملة، ولا تنقصها سوى ورقة وحيدة تحتاج إلى توقيع صاحب المعالي. نظريًّا لا علاقة لذلك الموظف بأي ورقة أخرى سوى هذه، لكنه أنفق ساعات في مطالعة كل الأوراق، وقدم سلسلة اعتراضات من بينها مثلاً اعتراض على موافقات وزارات: التجارة، العمل، والبلدية. ستمر ثلاثة أشهر أخرى وربما أكثر قبل أن تنتهي الدوامة.
القيمة الاقتصادية للساعات التي أنفقها الموظفون والمراجعون على هذه المعاملة الصغيرة تقدر بآلاف الريالات. في القطاع الخاص، تنجز معاملات مثل هذه بالتراسل الإلكتروني والبريد، وربما لا يستغرق إنهاؤها بضع ساعات. نحن اليوم ننهي تعاملات بعشرات الألوف دون أن نغادر مكاتبنا، ومن دون تفريط في ميزانياتنا وساعات عملنا.. فلماذا لا تستطيع الإدارة الحكومية أن تفعل الشيء نفسه؟
الزميل الدكتور فهد الشثري (''الاقتصادية'' 3 مارس) يعتقد أن المشكلة تكمن في تدني كفاءة الموظفين، ويرجع هذا إلى ضعف الأجور في القطاع العام، لكني أجد أن موظفين مماثلين في القطاع الخاص برواتب مماثلة وربما أقل، يعملون بكفاءة أكبر، ينجزون أعمالاً أكثر وبتكاليف أقل.
أظن أن المشكلة تكمن في الفلسفة التي يقوم على أرضيتها التنظيم القانوني، ولا سيما اللوائح الخاصة بتسيير المعاملات والحقوق المتبادلة بين الإدارة والمراجعين.
الذين يضعون القانون ينطلقون من إحدى فلسفتين: مضمون الأولى أن غرض القانون هو التوزيع المنصف للخدمات العامة وتسهيل حياة الناس. ومضمون الأخرى أن غرض القانون هو منع العابثين وتضييق الخناق على أصحاب النوايا السيئة.
قد تبدو الفلسفة الثانية جذابة، لكنها خيار سيئ. لو سألنا أنفسنا: هل تريد أغلبية الناس العيش بسلام تحت مظلة القانون أم تشغل نفسها ليلاً ونهارًا بالتفكير في منافذ للتهرب من القانون وإفساد حياة الآخرين؟ بعبارة أخرى: هل الخير والسعي له هو الطبع الأولي للإنسان، أم أن الشر هو الطبع الإنساني الأصيل والأول؟
الذين درسوا في الغرب يعرفون أن معظم المعاملات تتم بالبريد والهاتف، وأنك لا تحتاج إلى مراجعة أي دائرة حكومية إلا نادرًا. وأذكر شخصيًّا أنني احتجت إلى الذهاب إلى دوائر حكومية مرتين فقط خلال ست سنوات من الإقامة في لندن، إحداهما لتسجيل بصمات اليد، والأخرى لتسلم شهادة ميلاد.
السر الكامن وراء سهولة المعاملات هناك هو إيمان واضعي القانون بخيرية الإنسان، وبأن وجود عدد من الفاسدين والعابثين لا يستحق تعسير حياة الأغلبية الخيرة، لذا فهم يهتمون بتسهيل القانون وجعله مرنًا وغير مكلف.
القانون المرن يشجع الجميع على الالتزام، والقانون العسير يضطر الناس إلى البحث عن طرق للالتفاف عليه. القانون الواضح المرن يقلل التدخل الشخصي للموظفين في كل صغيرة وكبيرة، ويقلل الحاجة إلى المراجعات المكلفة وقتًا ومالاً. والقانون العسير يفتح الباب لكل موظف كي يستعرض سلطاته، وقد يجبر المراجع على اتباع طرق ملتوية.
أول الطريق لاجتثاث الفساد الإداري هو إصلاح القانون ولوائح العمل، وبالتحديد إقامتها على فلسفة تستهدف تيسير حياة الأكثرية الخيرة، وليس تضييق السبل أمام العابثين.

جريدة الاقتصادية 6 مارس 2012 http://www.aleqt.com/2012/03/06/article_633594.html

الخميس، 1 مارس، 2012

بعد عام على صدوره : بيان "نحو دولة الحقوق والمؤسسات" حجر زاوية في تاريخ التيار الديني السعودي


في مثل هذه الايام من العام المنصرم نشر على الانترنت بيان "نحو دولة الحقوق والمؤسسات". هذا البيان يشكل حجر زاوية في مسار طويل ، واحسبه علامة بارزة في التاريخ المعاصر للمملكة العربية السعودية وللتيار الديني المحلي بشكل خاص.

سرد البيان ثمانية محاور للاصلاح ، هي (نصا) :

1.       أن يكون مجلس الشورى منتخباً بكامل أعضائه، وأن تكون له الصلاحية الكاملة في سنّ الأنظمة والرقابة على الجهات التنفيذية بما في ذلك الرقابة على المال العام، وله حق مساءلة رئيس الوزراء ووزرائه.
2.        فصل رئاسة الوزراء عن الملك على أن يحظى رئيس مجلس الوزراء ووزارته بتزكية الملك وبثقة مجلس الشورى.
3.     العمل على إصلاح القضاء وتطويره ومنحه الاستقلالية التامة، وزيادة عدد القضاة بما يتناسب مع ارتفاع عدد السكان وما يترتب على ذلك من كثرة القضايا.
4.     محاربةُ الفساد المالي والإداري بكل صرامة ومنع استغلال النفوذ أياً كان مصدره ومقاومة الإثراء غير المشروع وتفعيلُ هيئة مكافحة الفساد لتقوم بواجبها في الكشف عن الفساد ومساءلةُ من يقع منه ذلك وإحالته إلى القضاء.
5.        الإسراع بحل مشكلات الشباب ووضع الحلول الجذرية للقضاء على البطالة وتوفير المساكن لتتحقق لهم بذلك الحياة الكريمة.
6.       تشجيع إنشاء مؤسسات المجتمع المدني والنقابات وإزالة كافة العوائق التنظيمية التي تحول دون قيامها.
7.       إطلاق حرية التعبير المسؤولة وفتح باب المشاركة العامة وإبداء الرأي، وتعديل أنظمة المطبوعات ولوائح النشر.
8.     المبادرة إلى الإفراج عن مساجين الرأي وعن كل من انتهت محكوميته أو لم يصدر بحقه حكم قضائي دون تأخير. وتفعيل " الأنظمة العدلية" بما فيها " نظام الإجراءات الجزائية" والتزام الأجهزة الأمنية و"المباحث العامة" بتلك الأنظمة في الايقاف والتحقيق والسجن والمحاكمة وتمكين السجناء من اختيار محامين للدفاع عنهم وتيسير الاتصال بهم ومحاكمتهم محاكمة علنية حسب ما نصت عليه تلك الأنظمة.
***
لو لم اذكر علاقة التيار الديني بالبيان ، فلربما ظن كثير من القراء انه صادر عن اي من تيارات الاصلاح الوطنية غير المصنفة ضمن اطياف التيار الديني السعودي. فالمطالب التي يعرضها لا تبتعد عن تلك التي تحدثت عنها البيانات التي وقعها من يصنفون عادة كليبراليين او دستوريين ، منذ وثيقة "رؤية لحاضر الوطن ومستقبله -2003" وحتى "برنامج وطني للاصلاح-2011". بل لعل ذلك البيان قد تجاوز هذه الوثائق في بعض مطالبه.

تبنى البيان طيف اصلاحي يمثل الشيخ سلمان العودة ابرز شخصياته المعروفة. وافتتح باشارة الى التحولات التي يشهدها العالم العربي ، "الثورات التي بدأها الشباب وانضم لهم الشعب بكل فئاته ومكوناته في كل من تونس ،  ومصر وليبيا وغيرها" تمثل نذيرا بان المملكة ، مثل سائر البلدان تواجه تحديا جديا ، ستذهب الامور باتجاه الثورة ، مالم تبادر الدولة سريعا في "الإصلاح والتنمية والحرية والكرامة ورفع الظلم ومقاومة الفساد ".

خلال السنوات العشرين الماضية اصدر الناشطون في التيار الديني السعودي بيانات وعرائض عديدة تنتقد سياسات رسمية او تقترح تعديلات في الادارة والقانون. لكن بيان "نحو دولة الحقوق والمؤسسات" يمثل حالة مختلفة عن تلك البيانات جميعا. ويهمني الاشارة الى عنصري اختلاف رئيسيين في هذا المجال:

أ‌)    المطالب التي عرضها بيان "نحو دولة الحقوق والمؤسسات" تضع الموقعين في خانة دعاة الديمقراطية. في الماضي كانت مثل هذه الدعوة منبوذة في الوسط الديني ومصنفة كشعار للمتغربين والعلمانيين. مطالب مثل فصل السلطات ، سلطة تشريعية منتخبة ، حريات مدنية ، مجتمع مدني ، ليست معتادة في الوسط الديني ، فضلا عن طرحها كحل لازمة وطنية.
ب‌)   وقع على البيان ما يزيد عن عشرة الاف مواطن. الاسماء الخمسين الاولى في قائمة الموقعين لها اهمية استثنائية ، فهي تشير الى قاعدة عريضة تتجاوز المجال الاجتماعي للتيار الديني. هذا يؤكد اهتمام صانعي البيان بتقديم خطاب يعبر عن المجتمع السعودي بمختلف شرائحه. فيما مضى كان التيار الديني يقدم نفسه كصانع احداث وصانع راي عام منفرد ، يتوجه لبقية السعوديين ناصحا وحاكما . البيان الذي نحن بصدده يقدم موقعيه كشركاء في خطاب واحد ، يدعو لاهداف واحدة ويقدم طريق حل واحد.

المعنى السياسي لبيان "دولة الحقوق والمؤسسات"


دشن البيان مرحلة جديدة مضمونها الابرز هو انفكاك الطيف الاصلاحي عن تراث السلفية التقليدية ومسارها التاريخي وخطابها السياسي والاجتماعي. هذا يعني بالضرورة طلاقا مع الدولة التي اعتادت التعامل مع التيار الديني كسد امام مطالبات الاصلاح السياسي واداة كبح لارادة التغيير ، سيما بين الجيل الجديد من السعوديين.

هذا التلخيص قد لا يصف ما جرى على وجه الدقة. ما وصفناه بطيف ديني اصلاحي ، هو في حقيقة الامر تيار في دور التشكل ولم تتضح ملامحه النهائية بعد. سلوكياته وخطابه اقرب الى التجريب ، وتكوينه الاجتماعي في حال تموج ، تدخل فيه موجة وتخرج منه اخرى ، يتسع ويضيق ، تسخن اجواؤه الداخلية وتبرد. ومن المرجح ان يبقى الامر على هذا النحو لفترة لا نستطيع تحديد امدها ، الا اذا جرت حوادث كبرى في البلد ، تضطر مختلف الاطياف والافراد الى حسم خياراتهم.

لكننا نستطيع في هذا الوقت – الذي يعتبر مبكرا نسبيا – الاشارة الى بعض التحولات التي يسهم مجموعها في تشكيل الصورة النهائية لذلك الطيف:

1- الخروج من عباءة الدولة : صدور "مذكرة النصيحة" في منتصف 1992 كان اول اعلان صريح عن ظهور طيف ديني جديد متمايز في خطابه وتكوينه الاجتماعي عن المؤسسة الدينية الرسمية وكبار العلماء. تجلى التمايز بشكل رئيسي في تطلع الطيف الجديد للتاثير في سياسة الدولة وتوجيه مسارها ، اي الانتقال من صورة العضو العامل ضمن الجهاز الرسمي – كما هو حال المؤسسة الرسمية – الى صورة العضو المتخارج والموجه. هذا يستبطن قناعة داخلية بان الطيف الجديد لا يستمد قوته من علاقته العضوية بالدولة كماهو حال ابرز العلماء التقليديين ، بل من تاثيره في الراي العام ، الامر الذي يذكر بحال جماعات الاسلام السياسي التي نشطت في تلك الحقبة. اطلق على الطيف الجديد اسم تيار الصحوة.

2- التحرر من عباءة السلفية التقليدية: منذ 2001 كان ثمة جدل داخل التيار الجديد حول توجهاته الرئيسية ومواقفه السياسية ، لا سيما موقفه الذي يتسم بالارتباك وربما الغموض تجاه تيار العنف السياسي الذي يتمثل في تنظيم القاعدة. كان هذا الامر محرجا جدا لتيار الصحوة ، نظرا لاختلاط مياهه بمياه "القاعدة" على مستوى المصادر الفكرية والبيئة الاجتماعية. في اول الامر كان ثمة محاولات يمكن وصفها بالاعتذارية ، تؤكد على ان "القاعدة" هي التي مالت عن الصراط المستقيم. لكن ظهر تاليا ان هذا المنهج التبريري ليس فعالا في اداء وظيفة الفرز المطلوبة ، خاصة وان هناك اجنحة في "الصحوة" ، واخرى ضمن التيار التقليدي ، تبشر – ضمن مستويات اقل عنفا - بنفس المباديء والمواقف التي تتبناها القاعدة ، مثل العداء الديني للغرب ونظرية المؤامرة الدولية .. الخ. كان الامر يقتضي اذن حسم الخيارات:
أ) على المستوى الفكري: التباعد عن الفهم النصي للدين والالتزام بتراث السابقين ، وتبني تفسير للدين اكثر انفتاحا على العصر ونتاجه العلمي.
و ب) على المستوى الاجتماعي: اعادة  تحديد شريحة المخاطبين من خلال التركيز على الطبقة الوسطى الحديثة واهمال الطبقات التقليدية. هذا يعني – بالضرورة – الالتزام بالقيم واللغة وانواع الخطاب التي تميل اليها الطبقات الحديثة وقبول المخاطرة بخسارة التقليديين.

حسم الخيارات



قبل 2005 كان تيار "الصحوة" يراهن على ترميم الجسور مع الحكومة. وبذل في هذا الصدد جهودا كبيرة وعلى مسارات مختلفة.  ويبدو ان جناحا في الحكومة كان يميل ايضا الى هذا الخيار ، ايمانا منه بان الدين والمال هما الوسيلة الاقوى لتبريد التوترات وتثبيط التعارضات. لكن هذا الجناح لم يكن قادرا او مستعدا لدفع الثمن السياسي المطلوب. منذ 2005 اظهرت الحكومة اتجاها اوضح للتحرر من ضغوط رجال الدين التقليديين ، وانتهاج خط  اكثر انفتاحا في الجانب الاجتماعي. احدث هذا الاتجاه صدمة في الوسط الديني ، عبر عنها بوضوح الشيخ عبدالمحسن العباد ، الرئيس السابق للجامعة الاسلامية:
لما آلت ولاية الأمر في هذه البلاد قبل عام واحد إلى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز أعزّه الله بطاعته ونصر به دينه ، هبَّ دعاة تغريب المرأة إلى الخوض في مجالات مؤدّاها انفلات النساء في هذه البلاد ، كما انفلتت في البلاد الأخرى ، وطفحت بها الصحف ، مؤملين أن يجدوا في عهده خلاف ما كان في عهد أبيه وإخوانه الأربعة الذين وَلُوا الأمر من قبله، وأنَّى لهم ذلك؟[1].

اطلق وصف "التغريبي" على عدد كبير من المساعدين المقربين للملك ، ابرزهم – ربما – وزير العمل السابق ، المرحوم غازي القصيبي. لكن الوصف تمدد ليشمل ايضا وزير الاعلام السابق اياد مدني ، وزير العمل عادل فقيه ، السكرتير الخاص للملك ورئيس ديوانه خالد التويجري ، واخيرا ابنة الملك عادلة وزوجها وزير التربية الامير فيصل بن عبد الله ال سعود[2]. المهم في الامر كله ان التيار الديني بجناحيه التقليدي والصحوي وضعا نفسيهما في مواجهة مطالب متصاعدة بالاصلاح السياسي يموج بها المجتمع السعودي ، وتتناغم معها تغيرات في المحيط الاقليمي ، فضلا عن ضغوط من حلفاء المملكة الغربيين ، لا سيما الولايات المتحدة الامريكية. في خضم هذا الصراع صعدت الحكومة اجراءاتها الهادفة لتحجيم التيار الديني في مستويات عديدة ، بلغت اعلى مستوياتها في اغسطس 2010 ، حين صدر امر ملكي يمنع رجال الدين من الافتاء للعموم.  ونص الامر على ان " كل من يتجاوز هذا الترتيب فسيعرض نفسه للمحاسبة والجزاء الشرعي الرادع، كائناً من كان"[3]. وقد تم بالفعل اغلاق مواقع انترنت وانظمة تواصل يديرها رجال دين ، وانذر آخرون بانهم سيتعرضون لاجراءات مماثلة مالم يغلقوا الابواب المخصصة للفتوى على مواقعهم الالكترونية.

في هذه الفترة تحديدا ، اي الربع الاخير من العام 2010 ، كان ثمة حراك ساخن بين مثقفين يتبنون رؤية دينية اصلاحية ، قد نجح في بلورة موقف جديد ، يدعو الى تبني موقف محدد تجاه ما يجري في البلاد. تتلخص هذه الرؤية في ان الجدل الشديد داخل التيار الديني حول ما يصفونه بمؤامرة تغريبية قد حرف الصراع  عن مساره الصحيح بتركيزه على الاشخاص ،  متناسيا حقيقة ان جميع هؤلاء الاشخاص لم يكن لهم قيمة ولا قدرة على فعل شيء لولا انهم اعضاء في النظام السياسي . انهم بعبارة اخرى عناصر في منظومة واسعة تنفذ سياسة عامة ، هي جوهر المشكلة. المبالغة الحديث عن التغريب قد يستر حقيقة ان استبداد الدولة وانفراد النخبة بالحكم وانعدام المشاركة الشعبية والرقابة ، هو الذي يجعل التغريب او غيره ممكنا ، ويجعله – وهذا هو الاهم – قادرا على استثمار مصادر القوة الوطنية التي تهيمن عليها الدولة. بناء على هذا التحليل راى هؤلاء الاصلاحيون ان على التيار الديني ان يعيد صياغة اهدافه بالتركيز على معارضة الاستبداد والدعوة للمشاركة الشعبية.  هذه اذن دعوة لتحول التيار الديني الى حركة سياسية معارضة للحكومة.

لم يكن متوقعا ان يتوافق اكثرية رجال الدين على هذا التحليل. فهو – في نهاية المطاف – دعوة لكل منهم للتضحية بنظام مصالح جرى بناؤه وترسيخه على مدى سنوات طويلة. كما انه سيؤدي بالضرورة الى تعميق الانقسامات داخل المجتمع الديني.

في ديسمبر 2010 انطلقت شرارة الربيع العربي في تونس ونجحت في الاطاحة بحكومة الرئيس زين العابدين بن علي. وتلتها مصر التي انفجرت ثورتها بعد شهر ، ثم البحرين واليمن وليبيا في الشهر التالي. وفي هذا الشهر تحديدا ، فبراير2011 ، شهدت الساحة السعودية صدور بيانات عديدة ، تتفق جميعها على اعتبار الاصلاح السياسي المطلب الملح للمجتمع السعودي في لحظته الراهنة.
بيان "نحو دولة الحقوق والمؤسسات" كان الاكثر اثارة للاهتمام لانه اكثر من مجرد اعلان مطالب. كان اعلانا بوصول الجيل الجديد في التيار الديني الى نقطة التحول الكبرى ، التي تتمثل في اتخاذ موقف سياسي – فكري صريح يساند الاصلاح السياسي ويدعو للديمقراطية.
***
هذه النقطة هي الحلقة الاخيرة في مسار طويل. واظن ان تاريخ الحركة الدينية السعودية سوف يصنف في المستقبل الى مرحلتين ، مرحلة ما قبل بيان الحقوق والمؤسسات ومرحلة ما بعد البيان. فيما يتعلق بالتوصيف السياسي للمجتمع السعودي ، فقد كشف البيان عن حقيقة ان التعبئة الثقافية الطويلة الامد ضد المباديء السياسية الحديثة لم تنجح في اقناع السعوديين بالتخلي عن التطلع لعلاقة جديدة بين المجتمع والدولة ، علاقة تقوم على المساواة والشراكة والضمان القانوني لحريات الافراد وحقوقهم. هذا تطور يبعث على الغبطة ويعزز الامل ، رغم تاريخ طويل  من الاخفاقات وخيبات الامل.
نشر في موقع المقال (1 مارس 2012 ) http://www.almqaal.com



[1] عبد المحسن العباد: لماذا لا تقود المراة السيارة في المملكة العربية السعودية.  ص 55. ن. إ.
 www.saaid.net/book/8/1915.doc
[2] انظر مثلا ابراهيم السكران: تطورات المشروع التغريبي في السعودية. مدونة ابراهيم السكران (8 سبتمبر 2010)