‏إظهار الرسائل ذات التسميات ناصر العمر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ناصر العمر. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 22 مايو 2012

اضحك مع الضاحكين والا فانت هاتف عملة





لا مناص من مواصلة التفكير . ولا مناص من التعبير عما نتوصل اليه من افكار . سواء قبلها الناس او رفضوها. وسواء توافقت مع المألوف او كانت غريبة. بوسع الكاتب والمفكر ان يستقريء اراء الناس ثم يعيد صياغتها في قالب ادبي . وسوف يحصل بالتاكيد على شهادات مديح لاحصر لها ، لانه "عبر عما في نفوس الناس" او كان "مرآة للمجتمع". لكننا نعرف ان المرآة لا تريك شيئا غير القشرة الخارجية. تريك وجهك الذي تعرفه والذي اعتدت عليه.


المفكر ليس مرآة للمجتمع ولا ينبغي ان يكون كذلك. وليست مهمة الكاتب محصورة في التعبير عما في نفوس الناس. رايت مرة اشخاصا ياتون الى عزاء فيجدون اهله يبكون وينتحبون فيشاركونهم في البكاء ، وهم بذلك يواسونهم ويعزونهم ويخففون عليهم وطأة المصيبة . فهل وظيفة الكاتب هي البكاء مع الباكين والضحك مع الضاحكين؟.

لو قبل اصحاب الافكار بالاستسلام لفكرة التوافق مع مألوف المجتمع والانسجام مع تقاليده ، فمن الذي سيكشف للمجتمع عيوب هذه التقاليد والمالوفات؟ ومن الذي سيخبر الناس عن الافكار الجديدة ، ومن الذي سيلفت انظارهم الى عيوب الواقع ونواقصه؟.

كتب توماس كون ، الفيلسوف الامريكي الشهير ، ان العلوم لم تتطور بشكل تدريجي ، لبنة فوق لبنة. تقدم العلوم جاء على شكل انقلابات دراماتيكية في المفاهيم والافكار والمسلمات. وجادل في كتابه "بنية الثورات العلمية" بان عالم الافكار ليس مجرد منظومة متفاعلة ، بل هو نسق Paradigm مغلق الى حد ما ، يحوي في داخله – اضافة الى النظرية العلمية – انماط سلوك ونظم علاقات وقيم . بل وحتى تكوينات اجتماعية ، تعمل جميعها على نحو يشبه مؤسسة مترابطة ، تدافع عن وجودها ، مثلما يدافع حزب سياسي عن طروحاته ومصالحه.

حين يتمرد البعض على هذا النسق ، يعارضون مسلماته او يقدمون بدائل عنه او حلولا لمشكلات مستعصية فيه ، فانهم – خلافا للمتوقع – لا يلقون ترحيبا او تشجيعا . بل يواجهون الشكوك والاتهامات ، وربما يصفهم رجل دين – كما فعل الشيخ ناصر العمر هذا الاسبوع – بانهم هواتف عملة ، يتحدثون بقدر ما يدفع لهم. او ربما يوصفون بانهم حمير للاجنبي ، او تافهون – رويبضة حسب الوصف المعياري الدارج في بلدنا -. 

تجربة الانسان المعاصر تكشف بوضوح حقيقة ان  الخلاص من التقاليد البالية والاعراف المتخلفة لم يكن – في اي بلد – سهلا او ميسرا. ولعل ابسط ثمن يدفع هو احتمال تلك الاوصاف والصبر على اصحابها ، حتى يصل النداء الجديد الى جميع الناس. وعندها سينقلب الذين قاوموا الراي الجديد الى مدافعين عنه وانصار.

لو مالأت المجتمع وانسقت في تياره فلن يكون لفكرك قيمة. لانك – حينئذ – مجرد ميكروفون او مرآة. ولو حاولت تنبيه الغافلين الى العوالم التي لا يرونها ، او التي لا يريدون رؤيتها ، فسوف تتهم بالزندقة والالحاد وعمالة الاجنبي. هذه اوضح الخيارات المتاحة امام اصحاب الراي والكتاب.

الاقتصادية 22 مايو 2012
http://www.aleqt.com/2012/05/22/article_659209.html

الاثنين، 23 أبريل 2012

سلفي سياسي وشيعي حداثي:تعقيب على مقالة الاستاذ مهنا الحبيل

اود ابتداء تقديم الشكر للاستاذ مهنا الحبيل على مقالته "ملتقى النهضة واسئلة التصحيح" المنشورة بجريدة الحياة. مثل هذه النقاشات ضرورية لكشف تفاصيل المجتمع السعودي والقوى الفاعلة فيه ومساراتها.

لست ضليعا في النقد. لكن لفت نظري ان المقال الذي كان – كما يبدو من العنوان والمقدمة – مخصصا للحديث عن ملتقى النهضة ، ترك هذه المهمة وكرس اكثر من نصف مساحته لنقد ما وصفه الكاتب بتيار الحداثيين الشيعة. كنت اتمنى لو ان الكاتب خصص المقال لهذا الموضوع ولم يحشر الملتقى فيه. وعرض امثلة على التقييمات والاوصاف التي ذكرها كي يستفيد القراء وكي يكون الموضوع فاتحة نقاش وليس سلة احكام مسبقة. تبعا لميل الاستاذ مهنا ، سوف اخصص معظم هذا المقال لمناقشة ما اورده في ذلك الجانب.

سوف اناقش هنا ثلاث نقاط ذكرها الاستاذ مهنا ، تتعلق اولاها بمعارضة السلفيين التقليديين للملتقى ، وتتعلق الثانية بالمشاركة الشيعية ، والثالثة بمساهمة الشيعة المشاركين في مسيرة الاصلاح.

اولا: حول المعارضة السلفية للملتقى:

افترض ان الاستاذ الحبيل مدرك لحقيقة ان المعارضة السلفية لملتقى النهضة تصدر عن منطلق سياسي ، وتنطوي في حقيقة الامر على "تصفية حسابات مستبطنة بوضوح، وسلسلة النسج التلفيقي التي لا تتحرى الصدق، بل تصنع الحدث والفكرة كذباً لتكوّن قضية" ، اي انها ليست مسالة دينية بحتة. الا انه يعود ليضعها في اطار النقاش الاخلاقي المثالي. الشيخ ناصر العمر وشيوخ الجامية لم يعارضوا الملتقى لانه مخالف للدين بل لانه ينطوي – بشكل غير مباشر – على تجاوز لدوائر النفوذ الاجتماعي والسياسي ، ونقد لمتبنيات واستهدافات هذه الدوائر ومن يتزعمها ويستفيد منها.

افترض ان الاستاذ مهنا عارف بما تشهده الساحة الدينية السعودية من اعادة اصطفاف داخل تيار الصحوة ورموزها ، بين فريق يتبنى مطالب المجتمع وما وصفه الكاتب بـ "تقرير الفقه الدستوري الإسلامي وضمان الحقوق المدنية ونقد الخلل والتشدد والخرافة" ، وفريق يدعو لحماية التقاليد المتوارثة السياسية والثقافية والدينية ، ويرفض مشروعات الاصلاح السياسي التي عبرت عنها بيانات مثل "رؤية لحاضر الوطن ومستقبله" و "برنامج وطني للاصلاح" و "نحو دولة الحقوق والمؤسسات".

من الواضح لكل الناس ان التيار الديني السعودي منقسم اليوم بين هذين الاتجاهين. وان هذا الانقسام يولد – بالضرورة – تنافسا حول المواقع والمفاهيم ومسارات الخطاب العام والشرائح الاجتماعية التي هي موضوع النفوذ ومصدره. اي باحث في علم الاجتماع او السياسة يدرك هذه الحقيقة التي لا تصفها الجرائد بصراحة ، لكنها اجلى من كل بيان.

السلفيون عارضوا الملتقى لانه خروج على النسق السائد ، ولانه يؤدي – بالضرورة – الى مساءلة التيار المعارض للاصلاح او المتردد فيه. مساءلة مبرراته ومشروعية موقفه ودائرة نفوذه. نفهم هذا من موقف الشيخ ناصر العمر واتباعه تجاه الشيخ يوسف الاحمد فرج الله عنه. الشيخ يوسف لم يشرك شيعة ولا ابتعد عما وصفه الكاتب بالمرجعية الدينية التي ينتمي اليها العمر ، بل كرس نفسه وحياته للدفاع عن سجناء دون محاكمة ، بينهم رجال دين وناشطون في التيار الديني. ومع ذلك فان الشيخ ناصر تجاهل اعتقال الشيخ وبرر محاكمته وما صدر عليه من احكام. وقبل ذلك – في منتصف 2011– صدر توجيه بعدم مناصرة الشيخ يوسف او دعمه ، لانه تجاوز المكان المرسوم له. هذا وذاك فعل سياسي في منطلقاته ومساراته وغاياته ونتائجه ، وهو يعبر عن اعادة اصطفاف في الساحة الدينية المحلية ، اصطفاف سياسي بين فريق يتبنى الاصلاح وآخر يدافع عن التقاليد والقيم الموروثة ونظام العلاقات القائم.

ثانيا : حول المشاركة الشيعية:

ما فهمته من المقال هو ان "مشاركة اشخاص ينتمون لتيار حداثي شيعي" هي المشكلة الرئيسية. ولو لم تحدث لربما عقد الملتقى بسلام ، وحقق غاياته. لم افهم حقيقة جوهر هذه المشكلة؟. لكن سوف احاول تفكيك هذا القول المجمل تفكيكا منطقيا لفهم جوهر المشكلة ، من خلال ستة احتمالات ، ربما يكون احدها او بعضها هو جوهر المشكلة التي ادت الى افشال الملتقى ، او كانت عيبا فيه – طبقا لتحليل الاستاذ مهنا-:

أ‌-      ان الملتقى نشاط ديني "سني" بالمعنى الخاص "المذهبي او الطائفي"، فيجب ان يلتزم بالاطار الثقافي والاجتماعي للطائفة. بهذا المعنى فان مشاركة "الشيعي" هي جوهر المشكلة.

ب‌-  الملتقى ليس نشاطا دينيا بالمعنى الخاص. حتى لو كان منظموه مصنفين ضمن التيار الديني. من هنا فمشاركة تيار "ديني" يلقي على الملتقى ثوبا غير ثوبه. جوهر المشكلة اذن هي مشاركة اشخاص ينتمون لتيار ديني. بمعنى انه لو شارك شيعة لا ينتمون لتيار ديني لما كان ثمة مشكلة.

ت‌-   المشكلة ان الشيعة المشاركين "ينتمون لتيار" وليسوا مجرد افراد. بمعنى لو لم يكونوا منتمين لتيار لما كان ثمة مشكلة.

ث‌-  المشكلة هي ان الاشخاص الذين شاركوا في الملتقى ينتمون لتيار يمارس عنفا فكريا نقديا ونقضيا للتوجهات الإسلامية السنية. جوهر المشكلة اذن هي في عنف هؤلاء الفكري المضاد والناقض لما وصفه الكاتب بالتوجهات الاسلامية السنية.

ج‌-   المشكلة ليست في مشاركة الشيعة بشكل عام ولا في كونهم تيارا. بل في كون المشاركين متدينين حداثيين. بمعنى انهم لو كانوا ينتمون لتيار ديني تقليدي لما كان ثمة مشكلة.

ح‌-   مشاركة الشيعة ليست مشكلة اصلا. اي ان هذه المسالة لا علاقة لها بالموضوع. المشكلة هي ان الشيعة انفسهم متخلفون عن ركب التجديد ونقد الاستبداد الديني ومراجعة التراث وتجديد المنظورات ، لاسيما تلك المرتبطة بعلاقتهم بالسنة ونظرتهم للتاريخ ورجاله. بمعنى ان الكلام حول مشاركة الشيعة كان مجرد تمهيد لدعوة الشيعة الى اصلاح حالهم وليس جزء من جوهر الموضوع.

اعرض هذه الاحتمالات لاني لم افهم جوهر المشكلة التي كرس لها الاستاذ مهنا اكثر من نصف مقاله. وآمل مخلصا ان يكتب مقالا او مقالات اخرى لتبيين ما اجمله.

لكني اجد – من حيث المبدأ ومن دون مناقشة للاحتمالات السابقة – ان مفهوم "النهضة" ينطوي بالضرورة على مبدأ الاقرار بالحق في الاختلاف والاشتراك مع المختلفين. هذا المبدأ الذي عبر عنه المرحوم البنا في قوله المشهور "نتعاون في ما اتفقنا عليه ونتعاذر في ما اختلفنا فيه". وهو من ابرز موارد احتجاج السلفيين والسروريين على الاخوان ومن تاثر بمدرستهم ، وانا وشباب النهضة ممن تاثروا بهذا المنهج. يؤكد السلفيون على تقديم قاعدة "الولاء والبراء" التي طورها التيار المعروف بسلفية المدينة (او الجامية) الى نظرية يطلقون عليها في الجملة اسم "التصنيف" ويدافعون عنها بكل قوة. وهذا امر معروف لكل متابع لتحولات التيار الديني في المملكة.

الاقرار بحق الاختلاف يعني على وجه التحديد التعامل مع المختلف والمخالف كما هو ، وبدون اشتراط التخلي عن صفاته السابقة او متبنياته. وهذا هو الذي دعا القائمين على المنتدى لدعوة متحدثين من مشارب مختلفة ، اسلاميين وغير اسلاميين.

ثالثا: حول من وصفهم الكاتب بالتيار الحداثي الشيعي

اشرت في البداية الى ان الاستاذ الحبيل  خصص اكثر من نصف المقال لشرح حال "الحداثيين الشيعة". فكأن ذهن الاستاذ مهموم بهم اكثر من انشغاله بالملتقى ومن عارضه. خلاصة الشرح الذي قدمه الكاتب يتلخص في ان هذا التيار سيء ، غير مفيد وينطوي على عيوب اخلاقية. سوف انقل النصوص التي وردت في مقال الاستاذ مهنا لتوضيح مدى انشغاله بالموضوع.

يتصف التيار المذكور – طبقا للاستاذ الحبيل – بانه:

1-      يمارس عنفا فكريا نقديا ونقضيا "للتوجهات الإسلامية السنية".

2-      ليس له أي مشاركة مهمة ذات بعد منهجي في دعم مدرسة الاعتدال الشيعي ضد التطرف الطائفي.

3-      ليس له أي مشاركة في نقد قضايا الخرافة التي تمكنت من العودة من التراث إلى حديث الوعاظ المعاصر في بعض المنابر الشيعية.

4-      وليس لهذا التيار موقف أخلاقي أو فكري من الضحايا، سواءً كان طفلاً أو شاباً أو رجلاً من احتكاره الشامل لعمره الزمني في منظومة التثقيف الطائفي والاحتقان في سلسلة المآتم.

5-      ليس لهذا التيار موقف من قضايا المرأة في التقاضي الجعفري وما وراء هذا الحجاب من صيحات ضحايا الاستبداد الديني لهذا الواعظ أو ذاك.

6-      ليس للتيار موقف مساند صريح من دعوات المثقفين الشيعة للخلاص من التراث السلبي، وعودة تصديره للواقع المجتمعي المشترك، وارتهان الإنسان الشيعي البسيط الذي يبحث عن هداة الزمن لمشاركة مدنية إنسانية مع رفيقه السني.

7-      ليس لتيار الشيعة الحداثيين دور في دعم فكرة إعادة الاستهداء بمدرسة آل البيت الأولى في قضية الخُمس التي لا تُمنح للفقراء والمساكين من أبناء الطائفة، ولا ذوي الاحتياجات الخاصة، أو المرأة المضطهدة، ولا تدعم تكتلات الفقراء.

لا يخفى على القاريء المنصف ما تنطوي عليه النصوص السابقة من كلام انشائي يحتمل معاني قابلة للتضخيم. لكني سأتجاوز هذه النقطة ، واطالب الاستاذ الحبيل بايراد بعض الامثلة التي تصلح دليلا علميا معقولا على كل نقطة من النقاط السابقة. واحتمل انه لم يورد ما اورده الا بعد تامل وبحث اوصله الى هذه الاستنتاجات القاطعة. اما اذا لم يورد امثلة قابلة للاثبات فسيقول القراء ان كلامه كان انفعاليا وعاطفيا وغير لائق.

مرة اخرى اتمنى ان يطور الاستاذ هذه الملاحظات وان يفصل فيها كي يفتح بابا للنقاش يفيدنا جميعا.

لكن اود ابتداء عرض الملاحظات التالية:

أ) وصف الاستاذ الحبيل هذا التيار بانه حداثي. ونفهم ان الحداثي - بالتعريف – ناقد ومعارض للتقاليد والموروث. ومن بينها ما ذكره الكاتب في النقاط 3،4، 5، 6،7 الورادة اعلاه. ترى كيف يكون الفرد او التيار حداثيا وهو مستسلم او ساكت عن مثل هذه الامور؟. كيف صنفه الكاتب كحداثي ، مع ان الحق ان يصنف – طبقا للاوصاف المذكورة – كتقليدي ورجعي ومعاد للحداثة؟.

ب) قال الاستاذ مهنا ان هذا التيار يمارس عنفا نقديا نقديا ونقضيا للتوجهات السنية. وفي اول المقال كان قد وصف اعتراضات السلفيين على ملتقى النهضة بانه "خطاب النقض والطعن الكريه.... أنّه خطاب تحريضي غير مشروع". فهل خطاب النقض السلفي للتوجهات النهضوية (السنية مثل ملتقى النهضة – كما يظهر من تصنيف الاستاذ مهنا) هو من جنس خطاب النقض الشيعي الحداثي للتوجهات السنية ، وهل ان خطاب النقض السني للتوجهات الشيعية يحمل نفس القيمة ام ان اختلاف مذهب الناقضين يفرض اختلافا في قيمة كل منهما؟.

ت) ذكر الاستاذ ان "المدرسة الإسلامية السنية أنجزت مساراً في تقرير الفقه الدستوري الإسلامي وضمان الحقوق المدنية ونقد الخلل والتشدد والخرافة" بخلاف التيار الذي انتمي اليه ، والذي لم يقدم شيئا من هذا النوع.

اقول: اذا كنا نتحدث في المجال السعودي على وجه الخصوص ، فان ما قدم حتى الان قيم لكنه ليس كثيرا ولا وافيا. لكن فيما يخصني ، وانا اتحدث في المجال السعودي ، فان مشروعي الفكري الذي صرفت فيه حتى الان جل حياتي الفكرية هو بالتحديد "تطوير نظرية حول ديمقراطية منسجمة مع القيم الاسلامية" تتجاوز التصنيف المذهبي. وكرست لهذا الموضوع جميع كتبي الاخيرة واذكر منها "ضد الاستبداد" وهو دراسة في رسالة فقهية حول الدستور، وكتاب "نظرية السلطة في الفقه الشيعي" وهو نقد لنظرية ولاية الفقيه انطلاقا من ان الشعب هو مصدر السلطة ، وكتاب "الديمقراطية في بلد مسلم" وهو معالجة فلسفية للعلاقة بين الدين والديمقراطية ، وكتاب "حدود الديمقراطية الدينية" وهو دراسة حالة عن امكانية الديمقراطية من دون علمانية ، نقدا لنظرية التحديث الكلاسيكية التي تفترض ان العلمانية شرط للديمقراطية. واخيرا كتاب "رجل السياسة : دليل في الحكم الرشيد" الذي يناقش الاركان الكبرى للدولة المدنية الديمقراطية. وقدمت فيه معالجة هي الاولى من نوعها – كما اظن – لمبدأ العقد الاجتماعي وامكانية اقامته على اساس ديني.

اضافة الى ذلك كتبت خلال العقدين الماضيين ما يزيد عن مئة مقالة ، جميعها منشورة ، حول القضايا والاشكالات الاساسية المتعلقة بالدولة المدنية والدستورية ، وكثير من هذه المقالات موجود على مدونتي الشخصية. اود ان يطلعني الاستاذ الحبيل على اي كاتب سعودي قدم هذا القدر من المساهمات فيما يخص هذا الموضوع. كما اتمنى ان يصرف الاستاذ مهنا بعض وقته الثمين للاطلاع على كتاباتي المذكورة وموافاتي باوجه القصور فيها. وساكون شاكرا لفضله.

اما اذا كنا نتحدث في اطار اوسع من الاطار السعودي، فان التيار الاصلاحي الوطني الذي انتمي اليه متفاعل ومتكامل مع جميع النشاطات الاسلامية ، سنية وشيعية ، ومساهم في تطوير مساراتها الفكرية ومستفيد من تلك المساهمات والمسارات . ورجال التيار لهم علاقة شخصية وفكرية بمعظم التيارات الاسلامية الفاعلة ، من العدالة والتنمية في المغرب الى مجتمع السلم في الجزائر والنهضة التونسية والاخوان المصريين ، والمؤتمر الشعبي – الذي يتزعمه د. الترابي في السودان الى الدعوة العراقية والحركة الاصلاحية في ايران وغيرها. اضافة الى ذلك فان مفكري هذا التيار ورجاله يشاركون بفاعلية في النشاطات الفكرية التي تقوم بها المجموعات غير الاسلامية ، سواء كانت سياسية او مراكز ابحاث ، في العالم العربي وخارجه. وهم بالطبع يتاثرون بهذه الملتقيات ويؤثرون فيها ويتفاعلون مع رجالها.

خلاصة القول ان هذا التيار لا يرى نفسه مستقلا عن الحراك الفكري الجاري في العالم ، سواء في جانبه الفلسفي او السياسي او الديني. هذا التيار ليس حزبا يملك ايديولوجيا خاصة ، وهو لا يدعو الناشطين فيه الى تصنيف المصادر التي يتفاعلون معها وياخذون منها. انه تيار مفتوح يرى نفسه جزءا من السياق التنويري والتنموي العام ، وهو يحترم جميع المساهمين في هذا المسار بغض النظر عن مواطنهم وانتماءاتهم.

ث) فيما يخص الوحدة الوطنية والدعوة للتعايش والتقارب والسلم الاهلي بين الاطياف التي يتشكل منها المجتمع السعودي الكبير ، وهي نقطة اغفلها الاستاذ الحبيل ، فان التيار الذي انتمي اليه هو اول من قدم مبادرات جدية في هذا المجال. ولا يزال الى يومنا هذا انشط الجهات السعودية في هذه الدعوة . وقدم – اضافة الى المبادرات العملية - تنظيرات موسعة حول قضايا التقارب والتعايش والمواطنة. وتشكل قضايا السلم الاهلي وحقوق الانسان والاصلاح السياسي اهم انشغالات هذا التيار ، ولعلها ابرز ما يميزه على المستوى الوطني.

 اذكر هذا ردا على ما ورد في مقال الاستاذ الحبيل بشان العلاقة المفترضة بين الشيعة والسنة ، حيث قرر ضمنا ان اي لقاء يشارك فيه سنة وشيعة ، فينبغي ان يكون هدفه هو التقريب بين المذاهب. وهو يضرب مثالا بندوة التنوع المذهبي في الخليج التي عقدت في الدوحة "ومن خلال هذا النسق تعقد هذه الندوات التي تجمع أطيافاً عدة". اما اللقاءات حول النهضة والحرية والمجتمع المدني فيجب ان تقتصر – حسب مايظهر من راي الاستاذ مهنا- على المتفقين في العقيدة والافكار "مسار الملتقى يَعْبُر لتحقيق أسئلة النهضة داخل الفكرة الإسلامية المؤمن جمهورها بأن الرسالة الخاتمة .. هي المرجعية الدستورية والتنظيرية".

 اقول رغم ايماني بضرورة النقاش حول قضايا الوحدة والتقارب ، وهو ايمان مدعوم بالفكر والعمل ، الا انني اجد هذه الاشارة غريبة جدا. فهي ربما توحي بان التيار الذي انتمي اليه ليس اسلاميا ، او ان ايمانه بالرسالة الخاتمة مجروح. كما استغرب حشر موضوع الحوار المذهبي في ملتقى النهضة ، لانه عقد للحديث حول المجتمع المدني وليس حول المذاهب. والذين شاركوا فيه ، جاؤوا لانهم مؤمنون بالمجتمع المدني كسبيل للنهضة او كانوا معروفين بالنشاط في الدعوة اليه.

بقيت نقاط تستحق المناقشة. لكن يبدو انني اطلت قليلا. لذا اعتذار من القراء الكرام . واود تكرار دعوتي للاستاذ مهنا لايراد ادلة او امثلة يمكن الاستدلال بها لاثبات الاوصاف التي وصف بها التيار. كي يتلافى تهمة الانشائية والعاطفية. واكرر شكري له على هذه الاثارات المهمة التي قد تفتح بابا مفيدا للنقاش حول اوضاع بلدنا والفاعلين فيه.

نشر في موقع المقال 23 ابريل 2012 http://www.almqaal.com/?p=2160
مقالات ذات علاقة

الاثنين، 13 ديسمبر 2010

فقه الواقع من منظور الايديولوجيا




اذا لم يستوعب الدعاة ان العالم قد تغير في العقد المنصرم فهذه مصيبة ، واذا فهموا ورفضوا التعامل مع هذه التغيير او البناء عليه في ارائهم وفتاواهم فهذه مصيبة اكبر من الاولى.

قبل عقدين من الزمن كتب الشيخ ناصر العمر رسالة صغيرة اسماها "فقه الواقع" ، كرسها للتاكيد على ضرورة فهم الواقع السياسي والاجتماعي قبل اصدار الراي او الفتوى. وحملت الرسالة وما تلاها من خطابات وكتابات للشيخ ناصر العمر تنديدا باهمال العلماء وطلاب الشريعة لذلك الفن واعتبارهم اياه انشغالا بما لا يستحق. وقد اثارت الفكرة جدلا في وقتها ، ثم ذهب الامر برمته في الارشيف مثل سائر الجدالات. كان يمكن للفكرة ان تمثل اضافة هامة للتفكير الديني لو ان صاحبها التزم بالمعايير الموضوعية في فهم الواقع (او فقه الواقع بحسب اصطلاحه الخاص). لكنها بقيت – كما سلف – مجرد عنصر في سلسلة طويلة من الجدالات.

تنقسم المعرفة ، بحسب تقسيم الفيلسوف المعاصر كارل بوبر ، الى ثلاثة عوالم:

العالم الاول : هو الكون المادي الذي يتالف من حقائق واقعية. يعيش الناس في هذا العالم ويسعون الى فهمه وتصويره على شكل نظريات واوصاف ، فيفلحون احيانا ويفشلون احيانا اخرى . حقائق هذا العالم موجودة سواء احببتها او كرهتها ، فهمتها او عجزت عن ادراكها.

العالم الثاني : هو تصوراتنا الشخصية وتجاربنا وتاملاتنا في ذواتنا او في الكون المادي المحيط . وهي تشكل في مجموعها رؤيتنا للعالم وعلاقتنا به وموقفنا من عناصره ومكوناته. هذا العالم هو الذي تعمل فيه عقولنا حين نفكر في وجودنا وما يطرأ عليه من متغيرات. المعارف الشخصية والتاملات والذاكرة الشخصية هي بعض تمثيلات هذا العالم . وهي جميعا قائمة على ارضية الوعي الشخصي والرغبات والميول والهموم ومتفاعلة معها . هذه المعرفة قد تكون مطابقة للواقع وقد تختلف عنه. لكن صاحبها يؤمن بها ويحبها لانها مرتبطة بشخصه او ميوله.

العالم الثالث : هو مجموع منتجات العقل الانساني المجردة ، اي القائمة بذاتها كموضوع منفصل عن شخص المنتج او الاشخاص الاخرين.  ونراها عادة في اطار اعمال علمية او تطبيقات تقنية مثل الكتب ، الالات ، النظريات ، النماذج ، الحاسبات ، الشبكات .. الخ .

من المهم التمييز بين العالمين الاول والثاني في مرحلة التفكير والتحليل. لان الاسراف في استعمال المنظورات الشخصية والايديولوجية – حتى لو كانت صحيحة بذاتها – قد تعطي للمفكر صورة ملتبسة عن الواقع. ويقال عادة ان اهم اخطاء الماركسية هي هذا الفهم الايديولوجي للعالم. انها خطا جميع الذين ينظرون الى حركة التاريخ باعتباره سلسلة من الحتميات المتعاقبة. واظن ان صاحب "فقه الواقع" قد وقع في هذا المطب . التاريخ قد ينتهي الى نتيجة حتمية ، لكننا لا نعرف توقيتها ، ربما تكون نهاية العالم او مرحلة متاخرة من تاريخه. لكن من الخطا اعتبار الحوادث التي تجري كل يوم نوعا من الحتميات، سواء الحتميات التي نحبها او التي نخشى منها.

الجدالات الاخيرة التي شهدتها البلاد تشير الى غفلة مريعة من جانب بعض الدعاة والناشطين في التيار الديني عن التحولات الجارية في الواقع الاجتماعي والاقتصادي – ومن بين هؤلاء كاتب رسالة فقه الواقع نفسه-. وهي تحولات تنعكس ، شئنا ام ابينا ، على الثقافة العامة وانماط التدين ومعايير العلاقة بين القوى الاجتماعية. تنتمي هذه التحولات الى العالم الاول ، وهي تستوجب فهما وتفسيرا تبنى عليه المواقف والاراء (اي ما ينتمي الى العالم الثاني). اهمال هذه الوقائع او رفضها لا يلغيها ولا يزيل مفاعيلها ، بل يعزل الشخص المفكر عن عصره ويجعل الامور ملتبسة عليه ، فيقع في سلسلة اخطاء منهجية ومعرفية وعملية قد تصحبه لزمن طويل.

فقه الواقع لا يعني – في جوهره - قراءة الاخبار ومتابعة الحوادث والتعليق عليها وكتابة مقالات التنديد والتاييد حولها ، بل استيعاب نسق التحولات ومحركاتها وفهم اتجاهاتها ومآلاتها ، ثم اخذها بعين الاعتبار عند استنباط الموقف الديني والخطاب الديني. اذا اقحمنا قناعاتنا الايديولوجية على تفكيرنا في الحوادث ، فسوف نعود الى ما كنا نعرفه سلفا ، ولن نستفيد معرفة جديدة ، وسوف نعيد انتاج صورة ذهنية عن واقع افتراضي نؤمن به ، لكنه غير موجود خارج اذهاننا.

جريدة عكاظ 13 ديسمبر 2010

"الفرج بعد الشدة"

|| ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احت...