02/07/2026

هل تعمل اجيرا عند غيرك؟

ابدأ من مقال الصديق سلمان الجشي يوم السبت الماضي ، لاسيما تأكيده ان تطوير البيئة الاستثمارية للبلاد ، رهن بوضوح الرؤية المستقبلية للاقتصاد ، واستقرار السياسات ، وقابلية التنبؤ بالتحولات القانونية والاقتصادية. وموضع اهتمام الجشي هو الاستثمارات الكبيرة ، التي تعد فرس الرهان لتحسين الأداء الاقتصادي وتوليد الوظائف.

لا اظن أحدا يخالف هذا الرأي. لكني اريد وضع اصبعي في مكان آخر ، هو الاستثمار الصغير ، ومنه مايسمى "ستارت اب". ويهمني التأكيد بأني لا انظر للمشروعات المبهرجة والفخمة الأسماء. فالاستثمار الصغير يشمل كل عمل يكون صاحبه هو العامل الرئيسي فيه ، وهو مصدر رزقه الأول. وبهذا فهو يضم ابسط الاعمال ، من السباكة وبيع الخضار ونقل الركاب ، مرورا بالمقاولات الصغيرة ، وصولا للمشروعات الأكثر تعقيدا. في كل هذه الحالات ، يبدأ المشروع بموظف واحد او اثنين ، ثم يتسع بالتدريج. ليس مهما عدد الموظفين الذين يستقطبهم المشروع ، بل التدريب اليومي الذي يتاح لصاحبه في كل معاملة.

قبل بضع سنوات تحدثت الصحافة المحلية عن شبان يعملون في أسواق الخضار والمطاعم او يبيعون الشاي والقهوة ، وأمثال هذه الوظائف التي لم تعد محبوبة ، منذ الثورة النفطية في الربع الأخير من القرن الماضي. ولمناسبة الحديث عن البطالة ، قرأنا لبعض المتحدثين كلاما يحث الشباب على الاخذ بتلك المهن ، ان لم يجدوا ما هو افضل. وعاب هؤلاء المتحدثون على شاب ينفق يومه جالسا في البيت ، لأنه لم يحصل على وظيفة عالية.

لكن عامة الناس ، ولا سيما الشباب ، لاموا أولئك المتحدثين ، واتهموهم بتفضيل العامل الوافد على المواطن ، وأمثال هذا الكلام. ولو طرحت اليوم رأيا مماثلا ، فسوف تواجه نفس تلك الردود ، مع ان الوضع قد تغير بشكل ملموس ، ولله الحمد ، حيث نجد آلافا من الشبان يعملون اليوم في أمثال هذه الوظائف ، بعضهم مالك لها وبعضهم عامل فيها ، مما يشير الى ان المجتمع يتجاوز بالتدريج ، الثقافة القديمة التي تحتقر العمل او تميز بين المواطن والوافد ، في نوعية الوظائف التي تستحق الاعتبار.

-         حسنا .. ما الذي يدعوني لتشجيع الشباب على هذه المهن؟.

الواقع ان ما يشغلني ليس مقدار الدخل المتحصل منها ، ولا الأعراف الاجتماعية التي تصنف الاعمال الى رفيع ومتدن. الذي يشغلني هو الناتج الروحي والثقافي لاتساع شريحة "العاملين لانفسهمself-employed ". ومعروف في علم الاجتماع ، ان نسبة "العاملين لانفسهم" الى مجموع قوة العمل ، مؤشر على الكفاءة الاقتصادية للمجتمع ، وعمق تجربته الحياتية.

من حيث المساهمة الاقتصادية ، خذ الولايات المتحدة الامريكية كمثال ، ففيها شركات توظف مئات الالاف وتنافس دولا بأكملها في حجم الاعمال ، مثل اكسون وفورد وجنرال الكتريك. مع هذا فهي لاتستغني عن الشركات الصغيرة ، حيث يقدر ان فيها نحو 30 مليون منشأة بموظف واحد ، تساهم بنحو  6.4 بالمائة من الناتج القومي الإجمالي للبلاد.

لكن الأهم في رايي ، هو ان اتساع شريحة "العاملين لانفسهم" ، او العاملين لحسابهم الخاص ، كما تسمى أيضا ، تشير لتوجه المجتمع نحو إدارة نفسه ، وتطور الخبرات العملية لأفراده. ومع الوقت ، سوف يتأهل للاستغناء عن استيراد الخبرات الإدارية والتقنية. ونعلم ان المجتمعات المتقدمة في العلوم والصناعة ، بدأت طريقها مع المغامرات الفردية ، لشبان أرادوا فعل شيئ مختلف ، ثم تطورت طموحاتهم فاصبحوا كبارا جدا.

ان اردنا تنمية حقيقية لراس المال البشري ، فلنضع امامنا دائما سؤالين محوريين:

الأول: هل نستطيع إعادة توجيه نظامنا التعليمي ، ليكون هدفه الدائم هو تطوير كفاءة شبان يقيمون أعمالهم الخاصة ، بدل العمل كاجراء لدى آخرين؟.

الثاني: هل نستطيع إزالة كافة الأنظمة والإجراءات وقواعد العمل والكلف ، التي تبطيء تحرك الشباب نحو انشاء أعمالهم الخاصة؟.

بلوغ هذه الغاية مهم جدا لتوليد الوظائف. لكن الأهم مساهمته في نضج المجتمع وارتقاء خبراته.

الشرق الأوسط الخميس - 17 مُحرَّم 1448 هـ - 2 يوليو 2026 م   https://aawsat.com/node/5291062

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هل تعمل اجيرا عند غيرك؟

ابدأ من مقال الصديق سلمان الجشي يوم السبت الماضي ، لاسيما تأكيده ان تطوير البيئة الاستثمارية للبلاد ، رهن بوضوح الرؤية المستقبلية للاقتصاد ،...