السبت، 1 يوليو، 2000

الحرية وحق الاختلاف في منظور الاسلاميين: عرض كتاب "الاسلام في ساحة السياسة"


عرض : ابراهيم محمد (كاتب تونسي) 
مجلة الكلمة
العدد (28) ـ السنة السابعة، صيف 2000م ـ 1421
الكتاب: الإسلام في ساحة السياسة.. متطلبات العرض والتطبيق.
الكاتب: توفيق السيف
الناشر: دار الجديد ـ بيروت
الصفحات: 126 من القطع الوسط
سنة النشر: ط1، 2000م.

«الحرية حلية الإنسان وزينة المدنية، فيها تنمى القوى وتنطلق المواهب، وبصوبها تنبت فضائل الصدق والشجاعة والنصيحة بصراحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتتلاقح الأفكار وتورق أفنان العلوم» (1) .

لايكاد يختلف إثنان على امتداد وطننا العربي والإسلامي على تزايد أهمية «الحرية» في حياتنا الاجتماعية والثقافية والسياسية. ويذهب العديد إلى أن غيابها يعد السبب الرئيسي في تخلفنا وانحطاطنا. وأن خروجنا من هذه الحالة لايتأتى إلا إذا نسجنا من خيوطها (الحرية) نهجاً يوجه مآلات فعلنا الفردي والجماعي.

وقد تكثفت الدعوات للمطالبة بها، بعد تيقظ الوعي العربي والإسلامي على خطورة ما نسجته «الدولة الحديثة» في حياتنا من مظاهر الاستلاب والاستبداد. فإذا كان مشروع النهضة في بواكيره حدّد لنفسه أهدافاً يتجاوز بها حالة الانحطاط بالتخلص معاً من مظاهر الاستعمار المباشر ورواسب التخلّف في نسيجنا الاجتماعي المنسوب إلى مراحل سابقة من تاريخنا. فالمقاربات الراهنة استفاقت على أن مشاريع «التحديث» التي قامت بعد مرحلة الاستعمار المباشر، لم تحقق المنشود. بل في أحد مظاهرها «استنسخت» مراحل غابرة من تاريخنا وتاريخ المستعمِر.


وأصبحت مقولة الحرية من القواسم المشتركة الجامعة لكل الأطراف من ليبرالية وقومية وماركسية وإسلامية. وتوجه كل طرف للتنظير والإدعاء بكون «الحرية» هي مقوم أساسي من مقومات مشروعه، بل هي الفاعل الجوهري في بنيته النظرية ولاتفترق في هذا الإدعاء السلطة عن المعارضة. ولكن يبقى الإشكال العملي قائماً. فالممارسة اليومية هي المحك لصدقية الشعارت والدعوات. وقد حاول البعض التغلّب على هذه الإحراجات بتوظيف التاريخ في الدفاع عن صورته في الماضي ولكن دون أن يكون قادراً على سحب ذلك على الحاضر والمستقبل. الأمر الذي يستدعي مواجهة حقيقية وجرأة في الطرح. ونحسب أن مقاربة الأستاذ توفيق السيف (2) تتحرك في هذا الفضاء، إذ هي تهدف إلى تناول إشكالية الحرية من منظور الإسلاميين بعيداً عن تعظيم التاريخ أو تهوينه، ودون أن تكون مجنّحة في التنظير، إذ الهدف هو الكشف عن إمكانية التنزيل العملي للمشروع الإسلامي من خلال التأكيد على مطلب الحرية في واقعنا المعيش. محاولاً استكشاف مواطن الضعف والخلل في «منظور الإسلاميين» بعقلية المشارك والمنخرط في المشروع لا المنافح أو المشكك، الأمر الذي يعطي للمقاربة مصداقية نقدية تفتقد إليها كثير من كتابات الإسلاميين اليوم.
والمقاربة في اعتقادنا هي صورة جديدة لطموح الإسلاميين في المساهمة في تجديد الفكر السياسي العربي والإسلامي. وهو ما سنحاول تبيانه في قراءتنا السريعة لجديد الأستاذ توفيق السيف. مستجيبين لدعوة المؤلف الذي يدعونا لقراءة نصه «بعين الناقد لابعين المتلقي السريع الاستجابة، ليكون الحوار قائماً بين الكاتب والقارئ ولو عن بعد».
1ـ في العنوان والمنهجية:
يذكر الأستاذ توفيق السيف أن العنوان الذي اختاره في البدء لمصنفه هذا هو «نقد المشروع الإسلامي»، وتخلّى عنه بناء على نصيحة من زملائه، لأنه عنوان ملتبس، ربما يؤدي إلى سوء فهم أو بالأحرى سوء «استقبال». ولسنا هنا في وارد مصادرة حق المؤلف في تحديد العنوان الذي يراه ملائماً للكتاب وفق ما حدده من أهداف عند نشره. ولكن هناك ملاحظة جديرة بالذكر هو إن تغيير العنوان إما لاعتبارات تقنية أو جمالية أو علمية أو مادية أو نفسية لاشك أنه يشير إلى عقلية المصنّف وتأثير ذلك في الأفكار المُراد بثها في الكتاب. «فالحذر» الذي قاد الأستاذ توفيق السيف إلى تغيير عنوان كتابه لامسناه أيضاً في متن الكتاب. إذ اتسم في كثير من مسائله «بالتعميم» و«الحذر» وعدم الجرأة في التطرق لإشكاليات هي بأمس الحاجة إلى الطرح خاصة من الإسلاميين أنفسهم. ونحسب أن المتتبع بدقة للكتاب يشعر بوجل الكاتب الذي لايفصح عن نفسه إلا عند ذكر مسألة اختيار العنوان.
ولكن رغم ذلك نحسب أن هذا «الحذر» و«الوجل» ليسا بذميمة للكاتب إذا كان هدفه هو شيوع فكرة النقد في مجتمع لانقدي. فالتدرج ومراعاة المقام والحال ضرورة لابد منها لمن يروم بناء مشيداً. ونحسب أن العنوان الجديد اقرب إلى حقيقة ما يتضمنه الكتاب.
أما فيما يتعلق بالمنهجية المعتمدة فهي استقرائية، إذ عمد المؤلف إلى استقراء النصوص الدينية وتجربة الإمام علي في موضوعة حرية الرأي. ولانشك في قدرة هذه المنهجية في الوصول إلى تحديد الكلّي في الرؤية الإسلامية للمسألة المطروحة. وذلك من خلال المرور بجمع واستقراء الجزئيات التي ندعي بأن لها علاقة بالمسألة. والتي جمعت كما ذكرنا من بعض النصوص الدينية ومن أقوال الإمام علي. ولكن ما تجدر الإشارة إليه ان همّ الكاتب في هذه المقاربة ليس التنظير للحرية وتقديم مقاربة متكاملة. وهو ما لايدعيه. ولكن همّه تفكيك العقلية القائمة على مهمة التنظير للمشروع الإسلامي، وتبيان مظاهر الخلل فيها والتي تمثل عوائق ابستمولوجية في أسلوب عرض الإسلام والتي يمكن إجمالها في:

1ـ الخلط المنهجي في لاوعي الإسلاميين بين النص الديني ومشاريع قراءته.
2ـ الإصرار على الشعار العام وترك التفصيل.
3ـ قيمة العيب وتحكمها في العقلية الإسلامية.
4ـ قلق الفتنة وتأثيرها في الحراك السياسي الداخلي والخارجي.

وبقدر ما ركز الأستاذ توفيق السيف على إبراز العوائق الابستمولوجية بقدر ما غيّب الحديث عن المعوقات السوسيولوجية التي لاينكر أحدٌ أهميتها ودورها فيما تشهده الساحة الإسلامية من مظاهر الخلل.
«فالعقلية التعميمية» التي تسيطر على الذهنية الإسلامية من الأكيد أن لها أسباب تاريخية ـ سوسيولوجية تتجاوز مشاريع القراءات المختلفة للنص والتاريخ وهو ما سنحاول الاتيان عليه في إبانه.

2ـ الإسلام وحق الاختلاف:
بنى المؤلف رؤيته لحق الاختلاف في الإسلام على مجموعة أدلة مباشرة وغير مباشرة في محاولة لفك الارتباط بين معنى «التعدد» ومعنى «الخلاف في الدين وشق عصا المسلمين». وذلك بغية إلغاء هذا الفهم الملتبس في ذهن المسلم والذي يرجعه الكاتب إلى «حرمان المسلمين لقرون طويلة من ممارسة الحرية والجمود في فهم النص القرآني والتفسيرات الخاطئة، المقصودة أحياناً والعفوية أحياناً أخرى». وللحقيقة أن الفكرة المستهدَفَة (فتح الدال وفتح الفاء) هي فكرة خطيرة وهي سائدة بين الإسلاميين والتي مفادها كما يقول د. صالح كركر «أن كل تجديد وتغيير للمألوف يمثل تهديداً لسلامة الدين، ودساً من الأعداء ضده، وذلك على أساس قاعدة خاطئة مفادها أن كل مخالف لنا هو خصمنا، ومن هو كذلك فهو عدو لنا وعدو للإسلام، فاسق عنه!» (3) . ويرجع د. كركر سبب سيادة هذه الأفكار والتعميم في الفهم والعرض إلى «أن الحركة الإسلامية لم تسلك مسلكاً يكوّن لدى أفراد مجتمعاتها «العقلية المجهرية» ويزيح الستار على ملكات العقول الإبداعية، وبقيت بسبب التقليد متأخرة عن دورة الزمن تجتر خطاب التراث التعميمي، فبقي خطابها تعميمياً غير قادر على تقديم البديل العملي والمميز» (4) .

ونعود إلى الأدلة التي اعتمدها الكاتب في تأكيده على مشروعية الاختلاف في الإسلام. وقد بدأ حديثه بالأدلة غير المباشرة أي غير النصية والتي هي:
1ـ التفريق بين الدين والمعارف الدينية.
2ـ اعتبار التخطئة في الاجتهاد.
3ـ أدلة الشورى.
4ـ فردية التكليف والاختيار.
5ـ أدلة الاجتهاد، وكما يرى الكاتب أن «الاجتهاد ليس في حقيقته سوى استخدام المجتهد لحقه في مخالفة رأي الغير».
أما الأدلة المباشرة أي النقلية والمستمدة مباشرة من القرآن الكريم فقد اقتصر المؤلف على إبراز النصوص الدالة على المعاني المقصودة من خلال التمثيل بثلاثة سياقات للآيات القرآنية:
1ـ تشنيع القرآن على الذين رفضوا الدعوة الربانية تقليداً لآبائهم.
2ـ تجهيز الخالق تعالى للإنسان بالوسائل التي تمكنه من حرية الاختيار.
3ـ منع إكراه الغير على ما لايريد.
ونقدر بأن المؤلف أفلح في إبراز شرعية الاختلاف عقلياً ونقلياً. ولكن كان مروره سريعاً، خاصة وأن الاستدلال النصي يستدعي استدلالاً نصياً معارضاً له، الأمر الذي يدعو إلى تقديم مقاربة نقدية للمنهجية النصوصية (5) التي يعتمدها الطرف السلفي، وللمنهجية الإسقاطية التي يتبناها بعض «التحديثيين»، والأمر يدعو إلى إبراز منهجية بديلة، وهو ما يتوجه إليه المؤلف ولكن من الواضح أن عقبات حالت دون تحقيق ذلك.

3ـ الخلل في أسلوب عرض الإسلام:
كنا أشرنا سابقاً أن الكاتب حاول إبراز مجموعة العوائق الابستمولوجية في هذا العرض والتي يتطلب تجاوزها. وهي مطالب أساسية في عمليتي العرض والتطبيق للمشروع الإسلامي في ساحة العمل السياسي العام. فوحدانية الصورة بين النص وقراءته تمثل أولى العوائق. وقد أكد العديد على خطورة هذه المسألة، ونحسب أن الوعي الإسلامي اليوم بدأ يتجه وبشكل واضح وملموس إلى الإقرار بتعدد القراءات. وإن كانت عقلية نشر الضوابط هي المهيمنة في هذا المجال. ولكن في اعتقادنا هي صورة أولية لتجاوز حالة التردد والخوف على الذات من الآخر.
أما الإصرار على الشعار العام وترك التفصيل فيعود إلى التباس في الوعي بين التفصيل في تقديم المشروع الإسلامي والابتداع في الإسلام. فالبقاء في مرحلة الشعار يحقق الوحدة والكفيل بعدم السقوط في البدعة!

فالمرحلة الأولى تحافظ على طهارة وقداسة الإسلام وبالتالي على قوة الخطاب الإسلامي في مواجهة بقية الخطابات العلمانية. بينما المرحلة الثانية تجعلهم في نفس المرتبة وهو ما يفقدهم الكثير في صراعهم. وإن كان د. صالح كركر يرجع ذلك إلى غياب «العقلية المجهرية» وجمود الذهنية الجماعية ولكن لاشك أن الاعتبارات البسيكولوجية والسوسيولوجية لها دور لاينكر. ولايمكن تقديم تفسير موضوعي لهذه المسألة دون اعتمادها مع بقية الاعتبارات. ونحسب أن الاعتبارات النفسية والاجتماعية والتاريخية لم تغب كلياً عن التحليل إذ حديث الكاتب عن «قيمة العيب» و«قلق الفتنة» يصب في جوهر المسألة. ففهم آلية النقد وماهيته عند الإسلاميين خطوة ضرورة للكشف عن العقلية التي تقف خلفه والأمر يستدعي هنا تناول العديد من المفاهيم والمصطلحات المتعلقة بعملية النقد بالتحليل والتفكيك والتي تعج بها الثقافة الشعبية والتي للأسف الشديد لاتزال تأسر الوعي الإسلامي والعربي عموماً. وبما أننا نؤكد على المجال السياسي أكثر من غيره فتجدر الإشارة إلى ضرورة إعادة قراءة مدونات السياسة الشرعية والآداب السلطانية، لأن باكتشاف بعض مفاعيلها في العقل العربي والإسلامي اليوم يمكن تجاوز الكثير من السلبيات التي تعج بها حياتنا. وللحقيقة يعد كتاب د. كمال عبد اللطيف الأخير من أفضل ما نُشر في هذا المجال. وكما لاحظ د. عبد اللطيف أنه في «أغلب الدول العربية الإسلامية لاتزال علاقة الحاكمين بالمحكومين تتم بتوسط لغة الآداب السلطانية» (6) ، خاصة وأن الكتابة السياسية في نظام الآداب السلطانية: «كتابة تنتصر لتدابير واختيارات السلطة السائدة، وتحذر العامة من مغبة نقد السلطة أو الخروج عليها. كما تنشر أخلاق الطاعة والصبر، بحجة المحافظة على النظام، والتغلب على أزمنة الفتن التي تزهق فيها الأرواح، وتُمتحن فيها الرسالة التي تحملها الأمة وترعاها السلطة» (7) .
وهذه الكتابة هي المَعين الأساسي للفكر السياسي الإسلامي المعاصر. لذلك فإعادة قراءة الآداب السلطانية مهمة آنية لاغنى للمتتبع للفكر الإسلامي المعاصر من إنجازها، ودون ذلك لايستطيع فهم الكثير مما يروج في هذه الساحة.
تبقى مسألة أخيرة لابد من الاتيان عليها والتي حظيت في تقديرنا بالتحليل القيم من طرف الأستاذ توفيق السيف، وهي مسألة التكفير والتي يعتبرها في صورتها الحديثة «هي انعكاس لضيق إطارات التعبير عن الذات، أو اليأس من تحقيق الأهداف بالطرق السلمية، أو القلق من العجز عن الجدل المفتوح»، ولكن لابأس هنا من إضافة بعض الأسباب الدافعة لظهور هذه الموجة والتي أجملها د. رضوان السيد في (8) :

1ـ القلق الشديد على الهوية ورموزها من الحداثة العصرية اللادينية.
2ـ سرعة تحول أولئك الإسلاميين إلى الحزبية والسرعة النسبية لتبلور الإسلام السياسي.
3ـ الصراع على المرجعية.

بينما يرى د. صالح كركر بأن كثيراً من الخلل القائم في تصورات الإسلاميين يعود إلى عاملين أساسيين:
1ـ التنظيم الذي هو للتنفيذ لا للتفكير والبحث والتنظير.
2ـ الصفة السياسية والحزبية.
وفي هذه الأخيرة يقول كركر: «والحزبية على أساس الصفة الإسلامية قسّمت أفراد نفس المجتمع المسلم بين إسلامي وغير إسلامي، ولا يخفى ما لهذه الإزدواجية من سلبيات شديدة الخطورة. فقد قسمت المجتمع إلى فريقين وعمقت الهوة وجذرت القطيعة بينهما في وقت تجد فيه مجتمعانا نفسها فيýأشد الحاجة إلى رص الصفوف ولمّ الشتات وتوحيد الأرضية الفكرية التي تقوم عليها. وقد ساهمت هذه الحزبية في مزيد عزل غير الإسلاميين عن الإسلام وفي مزيد تشنّج النخبة المثقفة العلمانية ضد الإسلام وفي مزيد البعد عنه ومعاداته» (9) .

وتبقى الأسئلة التي تثيرها مقاربة الأستاذ توفيق السيف مفتوحة وتبقى الحاجة إلى إعادة قراءته ومعاودتها ضرورة ملحة.

* كاتب من تونس.

الهوامش:
1)ـ ابن عاشور، محمد الطاهر، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، تونس، الشركة التونسية للتوزيع. د. ت. ص170.
2)ـ السيف، توفيق، الإسلام في ساحة السياسة.. متطلبات العرض والتطبيق، بيروت، دار الجديد، ط1، 2000، ص126.
3)ـ كركر، صالح، الحركة الإسلامية وإشكاليات النهضة، فرنسا، 1998، ص19.
4)ـ المصدر نفسه، ص16.
5)ـ في هذه المسألة انظر، صافي، لؤي، إعمال العقل، دمشق، دار الفكر، ط1، 1998، خاصة الفصل الثالث من الباب الثاني.
6)ـ عبد اللطيف، كمال، في تشريح أصول الاستبداد، بيروت، دار الطليعة، ط1، 1999م، ص270.
7)ـ المصدر نفسه، ص266ـ267.
8)ـ السيد، رضوان، قراءة النص وتوظيفاته السياسية والثقافية (1)، في «السفير» يوم 7/10/99، ص19.
9)ـ كركر، صالح، مصدر سابق، ص22.

الاثنين، 8 مايو، 2000

بانوراما الخليج: نظرة على السطح السياسي عند بداية القرن



وراء القشرة الخارجية التي توحي بالارتخاء ـ واحيانا الركود ـ تشهد الدول العربية في الخليج تغيرات سياسية واسعة النطاق ، وبعضها عميق التأثير ، وتطال في المقام الأول النظام السياسي ، طبيعته وتركيب هيكل القوة والتراتب فيه .

غداة حرب الخليج الثانية سيطرت على الجو السياسي توقعات متضاربة ، بعض المراقبين انتظروا تغييرات فورية في السياسة المحلية ، وشدد آخرون على ان هزيمة العراق هي تأكيد على الاستمرارية لا التغيير ، ويظهـر الان بعد مرور عقـد من الزمن على تلك الحرب ، انها لم تكن بذاتها عامل التغيير أو الاستمرارية ، بقدر ما كانت البرق الخاطف الذي كشف لكثير من الناس ، ضمن النظام السياسي وخارجه ، عن المأزق الذي آلت اليه الامور كنتيجة لتجميد الحراك السياسي لما يزيد عن عقدين من الزمن ، في الوقت الذي كانت آليات الاستقرار السياسي ، ولا سيما التمويل الحكومي المباشر للمناشط الاجتماعية ، قد وهن فعلها وتراجع تأثيرها ، مما قلص إلى حد واضح من مبررات استمرار النظام السياسي التقليدي .

من نافل القول ان كفاءة الدولة في تدوير عوائد البترول ، كانت المولد الرئيسي للشرعية السياسية ، وبالتالي الاستقرار ، في دول الخليج العربي ، وربما لهذا السبب جرى التاكيد دائما على نموذج دولة الرفاهية والوفرة ، وانعدام الواجبات الضريبية المباشرة ، وكفالة النظام السياسي لحاجات الناس الاساسية وبعض الكمالية ، وتمكين الناشطين من الاثراء ، وبالتالي تميز كل قطر من اقطار المنطقة ضمن محيطه الاقليمي ، جرى التاكيد عليها باعتبارها مبررات لضرورة الانسجام والتكيف مع النظام الاجتماعي الموروث .

والحق ان العلاقة بين المجتمع والسلطة في كل من الدول الست الاعضاء في مجلس التعاون ، تتميز بصفات قلما وجد مثيل لها في اي دولة عربية أخرى ، ومن بينها مثلا فكرة الشراكة في المال التي استعملت كبديل عن المشاركة في السياسة ، وهذه ، رغم كونها دون الحد الادنى من المشاركة السياسية المتعارفة في النظم الحديثة ، إلا انها ساعدت في امتصاص التوترات الاجتماعية ذات المنشأ المحلي ، خلافا لما جرى حتى الان في جميع الدول العربية الأخرى ، حيث تحتكر فرص الاثراء الاقلية التي تملك القوة السياسية ، وبالتالي تكون الثروة مرادفا للقوة السياسية وناتجا عنها ، وهو ما ادى إلى تركيز الصراع حول محور السياسة وما توفره من نفوذ ، ونعلم ان الصراع من اجل القوة السياسية يستوجب اشراك اعداد من عامة الناس ، بينما الصراع من اجل الثروة يكفيه جهد المصارع وذكاؤه وقدرته على استثمار الفرص السانحة أو حتى اختلاق الفرص .

لكن هذا المضمون للعلاقة بين المجتمع والسلطة لـيس ـ هو الآخر ـ بلا ثمن ، فالموارد بطبيعتها متناقصة ، بينما المطالب والحاجات متزايدة ، ولنقل - على سبيل التحفظ - ان الزيادة في الموارد ، لا يمكن ان تقابل الزيادة الموازية في المطالب والحاجات ، والتي يستتبعها ازدياد طبيعي في عدد المحتاجين والمطالبين ، وازدياد في انواع المطالب ، باضافة تلك التي لا يمكن مقابلتها بالمال ، وان امكن تحييدها مؤقتا عن طريق هذه الاداة ، وتبدو على السطح مبادرات عديدة في جميع اقطار المجلس ، يمكن تصنيفها كمحاولات للاصلاح السياسي ، وفي هذا المجال بالخصوص فان النموذج الكويتي يلعب دور البوصلة ، واعتقد ان تجربة الكويت وتطوراتها ستكون مثالا معياريا لاتجاه وسرعة الاصلاح السياسي في بقية اقطار المجلس.

تمتع شعب الكويت برفاهية نادرة سبقت زمنيا جميع دول الخليج الأخرى ، لكن الاجتياح العراقي لاراضيها قد فاقم المطالبة العامة باعادة الحياة الدستورية ، وهو الامر الذي ادى - عقب التحرير مباشرة - إلى احياء الدستور المجمد واعادة مجلس الامة ، الذي كان قد استبدل خلال منتصف الثمانينات بمجلس استشاري في مرتبة ادنى من مرتبة السلطة التنفيذية ، خلافا لمجلس الامة الذي يصنفه الدستور في المكان الأعلى ، وكانت المطالبة باعادة الحياة البرلمانية خلال فترة الاحتلال العراقي ، قد ارتكزت على ادانة تعطيل الحياة الدستورية من جانب الامير ، باعتبارها انتقاصا من شرعية الحكم وسببا غير مباشر في قصور الاداء الحكومي ، الامر الذي ادى إلى تيسير السبيل امام الغزو .

وفي هذا المورد بالخصوص فان الضرر الذي اصاب العلاقة بين المجتمع الكويتي والحكومة ، لم يكن ناتجا بصورة مباشرة عن انخفاض كبير في القدرة على التمويل ، بل على العكس من ذلك فان الحكومة قامت - رغم ظروف الغـزو المريـرة ورغم انهيار الجهاز الحكومي - بتوفير حد معقول من الموارد لمساعدة عشرات الالاف من الاسر الكويتية التي غادرت البلاد اثر اجتياحها ، وهو موقف يحسب لصالح العائلة الحاكمة ، التي لم تستأثر بالمال ، ولم تتخل عن مسؤولياتها تجاه مواطنيها في ذلك الظرف الصعب .

الضرر الذي اصاب العلاقة بين الطرفين ، نتج - تحديدا - عن تفاقم الشعور بان شرعية الحكم لم تعد قائمة على كفاءة الاداء الاقتصادي والتمويل ، بل على مستوى تمثيل النظام السياسي لارادة الجمهور ، ولهذا السبب فان أكثرية الكويتين لم يشككوا في شرعية الاسرة الحاكمة ، وكونها جزء من النسيج السياسي الوطني ، رغم ان ظروفا مثل تلك كانت جديرة بان تثير شيئا من هذه الشكوك ، لكن الذي حصل هو ان معظم الكويتيين ولا سيما القوى السياسية ، ركزت دعوتها على إعادة الحكم الدستوري والتمثيل النيابي والحريات العامة .

ومنذ عودة الكويتيين إلى بلادهم بعد انسحاب القوات العراقية ، كانت هناك دعوات إلى الفصل بين رئاسة الحكومة وولاية العهد ، المرتبطين تقليديا منذ استقلال الكويت في الستينات ، لكن هذه الدعوة لم تصعد إلى واجهة النقاشات المحلية قبل 1998 ، أما  في الاشهر الخمسة الماضية فان الجدل حول الفصل بين المنصبين لم يعد مقتصرا على مجالس نواب المعارضة ، بل انتقل للمرة الاولى إلى ديوانيات الشيوخ وكبار السياسيين الذين اعتادوا التحفظ في مناقشة امور كهذه امام الملأ ، وكان السبب المباشر لهذا التحول هو تدهور الوضع الصحي لولي العهد رئيس مجلس الوزراء  الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح ، واضطراره إلى الاعتكاف في داره والسفر إلى الولايات المتحدة وبريطانيا لفترات طويلة طلبا للاستشفاء .

ويقول الكويتيون ان الفصل بين المنصبين ، والذي سيؤدي بالتاكيد إلى تولي وزير الخارجية الشيخ صباح الاحمد منصب رئيس الوزراء ، هو تحصيل حاصل لان الشيخ صباح يتولى - فعليا -  رئاسة الحكومة بصفته نائبا لرئيس الوزراء ، لكن اهمية التغيير لا تتعلق بشخص رئيس الحكومة ، بل في المعنى السياسي الذي ينطوي عليه ، فوجود ولي العهد ، وهو امير البلاد المستقبلي على راس السلطة التنفيذية كان سببا لاحراج القوى السياسية التي تريد فرض رقابة برلمانية اوسع على عمل الحكومة ، والعرف القاضي بتضامن الحكومة في مواجهة المجلس ، يقضي بتوجيه النقد إلى شخص ولي العهد ، وهو ما لم يكن ممكنا بسبب ما يتمتع به من الحصانة العرفية ، أما  في حال رئاسة اي شخص آخر فان مساءلة الحكومة ومراقبتها ستكون خالية من الحرج ، اضافة إلى ان الغاء العرف القاضي بالربط بين منصبي ولاية العهد ورئاسة الحكومة ، قد يفتح الباب أمام تولي اشخاص من خارج العائلة الحاكمة هذا المنصب أو المناصب الوزارية السيادية التي درجت العادة على ايكالها إلى اعضاء العائلة الحاكمة .

وتتمتع الكويت الان بقدر من الانفتاح السياسي ، ليس لـه مثيل في دول الخليج الأخرى ، ويريد السياسيون واعضاء البرلمان تقنينه لقطع الطريق أمام تصادم محتمل بين واقع يتمثل في حريات واسعة يمارسها الناس ، بما فيها تشكيل احزاب علنية وتجمعات ذات طابع سياسي ، وبين القوانين القديمة التي لا تقر بمشروعية هذا القدر من الانفتاح ، رغم ان هذه القوانين لا تنفذ بشكل فعال في الوقت الراهن .

ان الجزء الاهم من مشروعية النظام السياسي الكويتي يعتمد على العقد القائم بين العائلة الحاكمة والشعب ، والمتمثل في الدستور ، ولهذا فان اي اضطراب اقتصادي ، أو عجز في التمويل لا يتوقع ان يضعف من مكانة العائلة الحاكمة أو يخدش مشروعيتها ، رغم ما يفرضه من تغييرات في السياسات والاشخاص ، أما  الجزء الباقي من المشروعية فلا زال مرتبطا بدور الدولة كموزع لعائدات البترول ، وهو دور لا يتوقع لـه ان ينتهي في المستقبل المنظور ، إلا ان القوى السياسية ولا سيما تلك المثلة في البرلمان تسعى للحد من قدرة الحكومة على استثمار المال العام في اغراضها السياسية ، وهو تطور متوقع ، ولكن ليس بصورة سريعة أو كاملة .

أما  المملكة العربية السعودية ، وهي الدولة الكبرى في مجلس التعاون ، فلم تشهد تغييرات كبرى على المستوى السياسي خلال العقد الأخير ، وربما كان التطور الاهم في بداية التسعينات ، هو اقامة مجلس الشورى ووضع نظام للحكم بمثابة دستور ونظام للحكم المحلي ، لكن يبدو ان القليل فقط من المراقبين اعتبر هذه التطورات كبيرة الاهمية ، فالنظام الاساسي لا يعتبر قانونا أعلى للحكم ، فهو ينص على امكانية تعديله بامر ملكي ، وبالطبع فانه لم يتضمن اشارة إلى هيئات ذات طابع دستوري ، لها صلاحية تفسير النظام ، كما ان الحقوق والحريات العامة التي تحدث عنها بصورة اجمالية ، لم تقترن بتحديد وسائل قضائية أو سياسية للاحتكام عند التنازع ، أو الشكوى من انتهاك الحقوق المشار اليها ، وبصورة عامة فان كبار اعضاء الحكومة قادرون إذا شاؤوا على تجاوز اي بند في نظام الحكم ، الذي لا ينص على حدود للسلطات أو وسائل لكبح التجاوز.

مجلس الشورى لا يعتبر هو الآخر هيئة سيادية ، فقد صنفه النظام السياسي في مرتبة ادنى من السلطة التنفيذية ، وهو اقرب إلى هيئة استشارية يعـود اليها مجلس الوزراء عند الحاجة ، لكنه لا يناقش القضايا الحساسة مثل الميزانية العامة والعلاقات الدولية واوضاع القوات المسلحة واجهزة الامن ، كما لا يحق لـه مساءلة الوزراء والمسؤولين الرسميين .

أما  نظام المناطق الذي افترض انه سيكون الاساس القانوني لتقليص المركزية الادارية الشديدة ، فانه لسبب ما لم يؤد إلى هذه النتيجة ، فلا زالت جميع الوزارات تعمل بصورة شبه مستقلة انطلاقا من مكاتبها في العاصمة ، على الرغم من ان رؤساء مجالس المناطق جميعا هم من الامراء البارزين ، ويبدو ان التنافس الخفي بين الحكومة المركزية والادارات الاقليمية ، كان يحسم على الدوام لصالح الاولى التي تضم كبار امراء العائلة المالكة .

وخلال السنتين الماضيتين بدا ان جولة جديدة من الاصلاحيات على وشك ان تبدأ ، وتفاءل كثيرون بهذه الجولة ، التي بررتها الظروف الاقتصادية الصعبة ، والشروط التي وضعتها الولايات المتحدة واوربا لقبول المملكة في منظمة التجارة الدولية ، والحقيقة ان هذا التطور كان مدعاة لدهشة كثيرين رأوا ان المملكة فرطت في فرص جدية لادخال اصلاحات غير مكلفة ، لكنها حيوية ، مثلما جرى حين توصلت إلى اتفاق مع المعارضة الشيعية في المنطقة الشرقية ، كان سيتيح لها تحقيق الاستقرار في واحدة من اكثر مناطق المملكة توليدا للتوتر ، فضلا عن كونه نموذجا لاصلاح سياسي يتلافى مبررات القلق التقليدي من تجاوز المعارضة المحلية لحدود النظام .

 على الجهة الأخرى فان عددا اكبر من النخبة الجديدة ، ولا سيما من المثقفين والتجار ، يميل إلى الاعتقاد بان اي اصلاح سياسي مهم لن يقدر لـه النجاح ما لم يكن مدعوما بضغط دولي ، ولهذا فان الاصلاحات التدريجية التي قصد من ورائها تمهيد الطريق امام انضمام المملكة إلى منظمة التجارة الدولية ، تعتبر - في رأي هؤلاء - مؤهلة للثبات والتطور بدرجة اقوى من اي اصلاحات تنطلق من دوافع محلية .

على هذا المستوى ، فقد جرى وضع نظام للاستثمار الاجنبي ، سوف يؤدي إلى تعديل انظمة الاقتصاد المحلي ، وتلك المؤثرة فيها ، ومن بينها مثلا نظام توظيف العمال الاجانب ، وملكية الاجانب للاصول الثابتة واسهم الشركات المحلية المساهمة ، ونظام التقاضي والضمانات القضائية للمتنازعين امام المحاكم  ، فضلا عن برنامج تخصيص الخدمات العامة .

ورغم ان بعض المراقبين المحليين قد قلل من شأن هذه التطورات ، إلا ان الانصاف يقتضي النظر إلى تأثيراتها ضمن منظور شامل ، فالحديث عنها قد اتاح الفرصة - للمرة الاولى منذ زمن طويل - لطرح مسألة الانغلاق والتكتم الذي يسم الحياة العامة في المملكة ، والذي يؤدي - بالضرورة - إلى حصر ممارسة السياسة والحديث عنها في شريحة ضيقة جدا ، ونعتقد ان الالحاح الشديد في الصحافة المحلية على تطوير نظام المطبوعات ، ومحاولتها للافلات من طوق الرقابة المشدد ، كان إحـدى الثمرات غيـر المباشـرة لذلك التطور ، أما  برنامج التخصيص ، والذي سيطال خدمات الهاتف والكهرباء والطيران ، فهو سيؤدي إلى تخفيف تدخل الدولة في حياة الناس ، وهو أحد العناصر المهمة في إعادة صياغة الدور المستقبلي للدولة ، وعلاقتها بالمجتمع .

معظم المحللين في الصحافة الامريكية والاوربية ، يميل إلى ربط الاصلاحات بدواع اقتصادية ، وهم يشيرون إلى نقص السيولة الذي اعقب انخفاض اسعار البترول منذ النصف الثاني من الثمانينات ، وتفاقم خصوصا خلال النصف الثاني من التسعينات بسبب الاعباء المالية لحرب الخليج الثانية ، والحق ان انخفاض التمويل قد اثر ايجابيا في تعامل الدولة مع المجتمع ، وسمعنا للمرة الاولى - ربما - كلاما من مسؤولي الدرجة الاولى يتضمن مناشدة للشعب لمساعدة الحكومة في احتمال الاعباء الاقتصادية الثقيلة ، خلافا للخطاب الذي اعتاده المسؤولون ، والذي يتضـمن ان الامور جيدة جدا وان المشكلات الاقتصـادية هي " كلام جرايد " و" دعايات حاسدين " .

ونعتقد ان الحكومة قد اكتشفت فعلا استحالة التعويل على المال السياسي في دفع المطالبة بالاصلاح ، لكن من جهة أخرى فان هذا لم يؤد - في اعتقادي - إلى تغيير جذري في طبيعة التفكير السياسي وفلسفة الحكم ، كما انه يتأثر بتحسن ايرادات البترول المستمر منذ اواخر اغسطس الماضي ، لكن ينبغي على اي حال اتخاذ جانب الحذر في اصدار احكام قطعية ، فالتفاعل بين دواعي الاصلاح والنظام القديم ، لا زال في بداياته ، ولهذا فان  ما يتوقعه البعض من انعكاسات فورية أو بارزة ، قد لا يكون واقعيا ، سيما بالنظر إلى تراخي الطبقات الاجتماعية التي تعتبر صاحبة المصلحة الاولى في التغيير السياسي ، تراخيها في دفع مسيرة التغيير أو المساهمة فيها أو بلورة مبرراتها .

النموذج الذي يستحق التامل هنا هو النموذج القطري ، ثم العماني ، فالواضح ان قطر تسير على الطريق الذي شقته الكويت من قبل ، وهي تزمع وضع دستور للحكم يكون بمثابة عقد اجتماعي بين العائلة الحاكمة والشعب ، وقد اوضح امير قطر الشيخ حمد بن خليفة في افتتاح الدورة الحالية لمجلس الشورى ، ان الدستور العتيد سيضمن الحريات العامة كما يحدد الاساس القانوني لتشكيل برلمان منتخب .

 وقطر هي الدولة الخليجية الوحيدة التي شهدت تحريرا واضحا للاعلام المحلي ، رغم ما اثمر عنه من غضب كثير من الدول العربية التي انزعجت من الانفتاح الاعلامي ولا سيما الظاهر في قناة ( الجزيرة ) الفضائية ، لكن قطر حافظت حتى الان على موقف ثابت نسبيا ازاء ردود الفعل هذه ، حتى بعد ان سحبت دول عربية مثل ليبيا وتونس سفراءها من الدوحة ، وهو ما يعزز الامال في ان مسيرة الاصلاح السياسي في قطر قد تكون ارسخ قدما واوسع من نظيرتها الكويتية ، لكن لا ينبغي المبالغة في تناسي الفارق بين الدولتين ، لجهة النضوج السياسي للمجتمع المدني والقوى السياسية الاهلية في الكويت ، والتي تجسد ابرز نماذج الفعل السياسي الاهلي في المنطقة ، وتساهم في صياغة الحياة السياسية بشكل محدد ، قد لا تكون مقوماته متوفرة في دولة قطر بالمستوى ذاته .

سلطنة عمان التي اختارت اصلاح النظام السياسي بمبادرة من الحكومة نفسها ، اتخذت نهجا تجريبيا - إذا صح التعبير - فبدأت بعد ازمة الخليج الثانية في اختبار ظرف التمثيل السياسي باقامة مجلس نيابي محدود الصلاحيات ، تتراوح طبيعته بين التمثيل الشعبي والتعيين الحكومي ، وجرى تطوير التجربة في الدورة التالية ، أما  في الدورة الحالية فان المجلس هو اقرب إلى نموذج التمثيل النيابي للمجتمع ، كما انه سمح للمرة الاولى بتمثيل النساء ، وجرى اختبار قدرة المجلس على مساءلة الوزراء ، والمطلوب الان هو الانتقال إلى المرحلة الاعلى اي اعتبار الحكومة مسؤولة امام المجلس ، مع حقه في اقالة الوزراء الذين يتعرضون للاستجواب ، وفتح الباب امام الترشح لعضوية المجلس امام كل عماني مؤهل دون قيود ، وهذا الأخير يبدو محتملا جدا في الدورة القادمة لمجلس الشورى.

أما  دولة الامارات العربية فهي البلد الوحيد في المنطقة تقريبا ، الذي لم يشهد اي تغيير يذكر ، وليس هناك على السطح حديث جدي عن تغييرات سياسية كبيرة ، ويبدو ان المشكلات الهيكلية الناشئة عن النظام الاتحادي نفسه ، حيث تتوزع السلطة السياسية - ولا سيما في الشان المحلي - بين عدد كبير من الزعماء ، اضافة إلى مشكلة التركيبة السكانية ، تقف حجر عثرة امام اي طرح جدي لبرنامج اصلاح سياسي ، لكن بصورة عامة ، فان الظرف السياسي في الامارات ، ظرف ارتخاء ويبدو ان الانتعاش الاقتصادي المستمر منذ ربع قرن على الاقل ، قد ساعد بشكل جدي في تقليص مبررات الازمة ، وبالتالي المبادرات السياسية التي تبرر بالقلق منها .

ما يجمع بين دول الخليج العربي ، هو تفاقم الشعور ، على المستوى المحلي وفي الخارج ،  بالحاجة إلى تجاوز ما كان يوصف بالمتطلبات السياسية لمرحلة دولة الرفاه التي لم تنقض تماما ، وهي متطلبات يراها معظم المثقفين والنخبة تحميلا غير منطقي ، وتتلخص في ان استمرار الرفاهية مشروط باستمرار نمط الدولة الريعية ، وفوقية السلطة السياسية ، وامتلاك النخبة التقليدية لكل ازمة الحكم ، وانعدام الاساس القانوني الذي يسمح بدور للمجتمع الاهلي في الحياة العامة .

 وبصورة اجمالية فان شرعية الحكم التي اقيمت ابتداء على متطلبات ظروف تاسيس الدولة وبنائها وتحديث المجتمع ، لم تعد الان مكينة وراسخة كما كان الامر في السبعينات ، وثمة حاجة ماسة إلى إعادة تاسيس منظومة الشرعية السياسية على اسس جديدة ، تستمد جوهرها من تعاقد المجتمع مع النخب الحاكمة ، فهذا هو السبيل الوحيد لضمان الاستقرار السياسي على المدى البعيد ، ولا سيما في ظل التغيرات السريعة التي يشهدها العالم عند نقطة الاستدارة نحو القرن الجديد .

ومن الواضح ان حكومات المنطقة تستوعب دواعي التغيير التي تشهدها المنطقة ، سواء المحلية منها أو تلك التي هي انعكاس لتغير العالم ، وآية هذا الاستيعاب ، هي المبادرات التي تشهدها جميع اقطار المنطقة ، والتي تصب جميعا في مسار واحد هو اصلاح النظام السياسي وتحديثه .

لكن من الواضح ايضا ان تلك المبادرات لا تزال بطيئة وشديدة الحذر ، مما قد يجعلها عاجزة عن احتواء الاسباب التي بررت الاقدام عليها ، والحق اننا بحاجة إلى تحرك سريع في اتجاه توسيع اطارات العمل السياسي ، وبصورة محددة فتح ابواب السلطة وممارسة العمل العام امام جميع المواطنين ، وتحرير الاعلام من الرقابة الحكومية ، وكبح المنظومات الامنية التي اعتادت انتهاك حقوق المواطن لسبب ولغير سبب ، ان اصلاحات من هذا المستوى هي الكفيلة بتغيير العلاقة بين المجتمع والسلطة ، بحيث ينظر الناس إلى الحكم باعتباره ممثلا لـهم لا مفروضا عليهم بقوة الحاجة أو بالقهر.