‏إظهار الرسائل ذات التسميات الثقافة العامة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الثقافة العامة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 5 أغسطس 2014

المدرسة كأداة لمقاومة العنف


بعد ايام يعود شبابنا الى مدارسهم ، في ظرف مليء بالهموم. ثمة اتفاق – فيما يبدو – بين شرائح واسعة من المثقفين ونخبة البلد على الدور المحوري للتعليم  في تفكيك الحاضن الاجتماعي للعنف ودعاته. ولاتقاء الافراط في التوقعات ، ينبغي التاكيد على ان هذا جهد وقائي ، يحجم دعوات العنف ، لكنه لا يقضي على المجموعات القائمة. هذه مهمة تقوم بها جهات اخرى بوسائل مختلفة. 
لا أملك تصورا عمليا كاملا حول كيفية قيام المدرسة بتلك المهمة. لكني سانطلق من فرضية الحاجة الى تغيير الباراديم او فلسفة العمل السائدة في نظامنا التعليمي ، وأضع بعض الافكار التي اظنها مفيدة في هذا السياق.
 اولى واخطر المهمات في رايي هي تعزيز قابلية الشباب لمقاومة الافكار الهدامة ، ومفتاحها تربية العقل النقدي الذي يحاور ويجادل ويتأمل ولا ينبهر ببليغ الكلام او التصوير. هذا يقتضي تخصيص جانب من وقت الصف للنقاش في المنهج او خارجه. تعويد الشباب على النقاش يرسخ ثقتهم بذواتهم واهليتهم لنقد الافكار ومجادلتها.
الثانية: هي نشر احترام الحياة والانسان والزمن. ومفتاحها التركيز على تدريس العالم المعاصر بدل التاريخ القديم. ومحاولة فهمه وفهم الفرص التي وفرتها تجارب البشر وابداعاتهم ، وكيفية استثمارها لتحسين مستوى المعيشة وتحقيق الطموحات. لقد جرت عادتنا على تقديم تاريخ انتقائي لشبابنا ، يركز على الجوانب المشرقة لماضي المسلمين دون التعرض لكلفتها المادية والمعنوية والانسانية ، ودون الاشارة الى الجانب الاخر المظلم ، فتحول التاريخ عند كثير منهم الى كائن مقدس يريدون احياءه بأي ثمن. اللباس والمظهر الذي نراه في جماعات العنف مثل "داعش" وأخواتها توضح تماما هذا النزوع الشديد لفرض الماضي على الحاضر.
التأكيد على احترام الحاضر وأهله واحترام تجربة البشرية يساعد ايضا على تحرير المجتمع من "قلق الهوية" اي الشعور العميق باننا ضعفاء مهمشون قليلو الحيلة في عالم يتفق ضدنا ، ويتآمر للقضاء علينا. قلق الهوية واحد من اهم الثغرات التي تستثمرها جماعات العنف لكسب الانصار والدعم المادي والسياسي.
الثالثة: التاكيد على شراكة الشباب في امور بلدهم وفي ملكية ترابه ، وقابلية مجتمعهم وحكومتهم للاصلاح والتطور وتحسين الاداء ، وكونهم شركاء في اي مسعى تطويري او اصلاحي ، بما فيها اصلاح القانون والسياسات وتوسيع الاطارات والمسارات الضرورية للاصلاح والتقدم. هذا التفكير يجب ان يبدأ بفتح الباب للنقاش في امور المدرسة والمجتمع القريب ، وتقبل المعلمين والاداريين لاراء الشباب المختلفة ، وتمكينهم من عرضها بحرية. اما الغرض النهائي فهو التأكيد على قابلية الاصلاح من خلال القانون وليس بالانقضاض على النظام الاجتماعي.
اخيرا فان شبابنا بحاجة الى فهم الدين كتجربة يشارك فيها كل مسلم ، وليس كصندوق مغلق يحمل اعباءه مرغما. ولهذا حديث آخر نعود اليه في قادم الايام.
الاقتصادية 5 اغسطس 2014
 http://www.aleqt.com/2014/08/05/article_873535.html

الثلاثاء، 14 مايو 2013

تدين القرية وتدين المدينة



صدمتني تفسيرات المفكر الجزائري نور الدين طوالبي حين قرأت كتابه "الدين والطقوس والتغيرات". قدم طوالبي مقاربة سوسيولوجية عميقة، مستهدفا تفسير الفوارق بين التدين القروي والتدين المدني، ودرس بشكل مركز أشكال السلوك الديني في القرية والمدينة، سعيا وراء تحديد معنى ووظيفة كل منها، وفهم انعكاسها على حياة المهاجرين من الريف إلى المدن الكبرى.

معظم الذين جربوا الحياة في الجانبين، في القرية والمدينة، يدركون تماما الفرق بين نمط التدين هنا وهناك. تتسم الثقافة القروية بميل شديد إلى تبسيط وتجسيد الأفكار، وتهتم بصورتها العامة وحدودها الخارجية دون تفاصيلها. وللسبب نفسه فإن حياتها الدينية تدور حول التطبيقات الموروثة والمألوفة، وتعرض عن الجدل حول الأسباب والتعليلات. ساكن القرية أميل للتسليم بأقداره أو بنسق حياة افترضه قدرا لا ضرورة للفرار منه. بخلاف ساكن المدينة الذي يسعى ـــ غالبا ــــ إلى السيطرة على قدره، ويدير حياته على وقع المقارنة بين حاله وحال من سبقوه في دروب الحياة.
نمط التدين في المدينة هو انعكاس لنسق حياتها. يسيطر على ساكن المدينة ما يمكن وصفه بهوس التحول. فحياته اليومية تدور ــــ في جانب كبير منها ــــ حول تغيير موقعه في سلم المعيشة والتراتب الاجتماعي، انطلاقا من شعور شبه ثابت بعدم الرضى عن ظرفه الراهن. بعبارة أخرى فهو يمارس نقدا يوميا لجوانب حياته إذ يقارنها بما يراه أو يظنه أعلى.
هذه حالة ثقافية تتمظهر عند معظم الناس في سياق تقديرهم لظرفهم المعيشي. لكنها تؤثر أيضا في رؤيتهم لأنفسهم مقارنة بأندادهم، وتؤثر في قناعتهم بالقيم والأخلاقيات والمعايير التي يتعاملون بها والإطارات التي ينتمون إليها. لا يتعلق الأمر فقط بمساحة الحرية التي يتمتع بها ساكن المدينة، بل بطبيعة الحياة المدنية التي تفتقر إلى الطمأنينة والسكون، بقدر ما تتسع فيها مساحات التغيير وبالتالي الاختلاف والجدل.
قابلية الفرد للتحول رهن بعدد الأسئلة التي يواجهها يوميا، وعدد الخيارات والاحتمالات التي تطرح عليه كرد على تلك الأسئلة. ومن هذه الزاوية، فإن اتساع مساحة التواصل مع الآخرين، وتنوع موضوعات التواصل، سيما عبر الوسائل التفاعلية كالإنترنت، تؤدي بالضرورة إلى تأجيج الجدل الداخلي في نفسه. الأمر الذي يضعه أمام واحد من خيارين: أما التغيير أو الانكفاء على الذات.
مجتمع المدينة ومجتمع القرية يمثل كل منهما موضوعا مختلفا عن الآخر. وهو لهذا السبب يتطلب خطابا دينيا ذا لغة مختلفة، بأولويات مختلفة، وطبيعة مختلفة. طرح التدين المدني على القرية سيوقظ التقاليد القديمة التي يحتمي بها النظام الاجتماعي القروي. كما أن طرح التدين القروي على سكان المدينة سيحول الدين من فلسفة للحياة إلى ممارسة طقوسية تمجد الشكل وتغفل المضمون.
الاقتصادية : الثلاثاء 04 رجب 1434 هـ. الموافق 14 مايو 2013 العدد 7155

مقالات ذات علاقة



الثلاثاء، 7 أغسطس 2012

سوريا ليست معركتنا



اشعر احيانا اننا نمارس السياسة مثل متفرجين في ملعب كرة. ثلاثون لاعبا يصنعون الحدث ، والاف الناس على المدرجات يهتفون لهذا الفريق او ذاك. في نهاية اللعبة يفوز طرف فيحصد المال والشهرة ، أما الاف المشجعين فيخرجون من المولد بلا حمص كما يقول المصريون. لا يكسبون شيئا من الغنيمة ، ولا أحد يسأل عنهم. خلاصة مكسبهم "شعور" مؤقت بانهم كانوا الى صف المنتصر او المهزوم.
الاغلبية الساحقة منا متفرج على لعبة السياسة. ثمة عشرون او ثلاثون لاعبا يتصارعون في ميادينها ، فيكسبون المال والسلطة والقوة. اما نحن ، ملايين الناس ، فتتقطع اعصابنا وحناجرنا تاييدا لهذا الفريق او ذاك. ندفع المال ، ونصارع اخوتنا واصدقاءنا. لكن حصتنا في نهاية اللعبة تتلخص في "شعور" باننا وقفنا الى جانب الاقوياء ، مثل طفل يقاتل كي يحصل على صورة مع ممثل مشهور.
خلال الايام الماضية امتلأت صحافتنا بالتحذير من تصاعد المشاعر الطائفية بين الشباب. تحذيرات جاءت كرد على التجييش المتصاعد للمشاعر في مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من دوائر اللقاء بين الناس.
نشعر جميعا بالالم للتدهور المريع في اخلاقيات العلاقة بين ابناء الوطن. لكن ما نشهده اليوم ليس حدثا جديدا. مجتمعنا مدمن على خوض معارك الاخرين من مقاعد المتفرجين. كنا دائما الطرف الذي يمول الاخرين ويشجع الاخرين ويختلق التبريرات للاخرين. فعلنا ذلك في افغانستان ، وفي البلقان واسيا الوسطى ، وفعلناه في العراق ، ونفعله اليوم في سوريا ، وسنفعله غدا في بلدان اخرى.
ستنتهي الازمة في سوريا وتهدأ النفوس ، مثلما حصل في سابقاتها. لكن ما يستحق التوقف هو سلوك بعض النخبة، من كتاب ودعاة وناشطين، اتخذوا التجييش الطائفي مصعدا للنفوذ الاجتماعي. هذا سلوك ينطوي على مخاطرة شديدة قد تطيح بوحدة البلد وسلامه الاجتماعي واستقراره.
تستطيع استعمال فنون البلاغة كلها في تجييش مشاعرالمتفرجين. لكن هل ستتحمل المسؤولية عن عواقب هذا المسار .. انقسام المجتمع واندلاع الصراع بين شبابه؟.
ما يحدث في سوريا ليس معركتنا ، وما حدث في العراق وافغانستان والبوسنة واسيا الوسطى لم تكن حروبنا. غيرنا قرر الحرب وغيرنا سيكسب المعركة او يخسرها. لسنا سوى متفرجين في ملعب لكرة القدم. فلماذا ننقل هذه المعارك الى مجتمعنا ؟ لماذا نحارب بعضنا في معركة قررها الاخرون؟. اليس بلدنا يكفينا ، اليست مشاكلنا تكفينا؟. اي واحدة من اولوياتنا تمثل سوريا او غيرها ؟. اهي مقدمة على تحدي البناء والتنمية والوحدة الوطنية والاستقرار في بلدنا؟.
ايها المغامرون بوحدة الوطن ومستقبله وسلامه.. تأملوا في عواقب افعالكم .. وخافوا الله في وطنكم ومستقبل شبابكم.
الاقتصادية 7 اغسطس 2012






الأحد، 26 ديسمبر 2010

الوطن هو الناس وليس الجغرافيا



 نحن بحاجة الى معالجة مفهوم "الوطن" في المناهج الدراسية حتى يصبح جليا وواضحا مثل الشمس . هذا المفهوم ليس راسخا في ثقافتنا العامة لانه جديد وقد استوردناه مع الكثير من المفاهيم الاخرى التي صاحبت قيام الدولة الحديثة . في تراثنا القديم تكرر تعبير "الوطن" لكن مضمونه اصغر كثيرا من الوطن الذي نتحدث عنه اليوم . فهو يرمز الى مرابع الصبا واهلها ، اي بعبارة اخرى : القرية او القبيلة ، كما يقول ابن الرومي :
وحبب أوطان الرجال إليهم
 مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم
عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
اما مفهوم الوطن المعاصر فيشير الى ما يعرف في علم السياسة بالدولة القومية اي مجموع السكان الذين يعيشون في بلد له سيادة ضمن حدود اقليمية معترف بها دوليا . ضمن هذا التعريف فان سكان هذا البلد يعتبرون امة بذاتها . وهم يتمايزون عن كل احد سواهم بانتمائهم الى هذا البلد المحدد وبالجنسية التي يحملونها. كل حامل للجنسية يعتبر عضوا في هذه الامة ومواطنا ، بغض النظر عن دينه او مذهبه او جنسه او اصوله الاثنية او ميوله الثقافية والسياسية . مفهوم المواطنة ضمن هذا التعريف يشير الى منظومة من الحقوق والواجبات المتبادلة بين المواطن ووطنه . منظومة يتساوى فيها الكبير والصغير ، الغني والفقير ، الابيض والاسود ، الرجل والمرأة . كل فرد يحمل جنسية البلد يسمى مواطنا ، يتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها المواطن الاخر ، ويتحمل نفس الواجبات والمسؤوليات ، بلا زيادة ولا نقصان.
في كل بلد توجد تقسيمات اجتماعية طبيعية ، فهذا ينتمي الى قبيلة وذاك الى طائفة وثالث الى طبقة ، ورابع الى مجموعة اثنية خاصة الخ ..ولكل من هذه الانتماءات حصة في تشكيل هوية الشخص. ولذلك قد نجد فروقا بين ابناء القبائل او الطوائف او المناطق او المجموعات الاثنية . لكن جميع هذه الانتماءات تعتبر ثانوية بالقياس الى الهوية الوطنية الاعلى . الهوية الوطنية هي دائرة واسعة تسمح بالتنوع في داخلها ، مع بقائها جامعا لكل ابناء الوطن مهما اختلفت انتماءاتهم واصولهم وهوياتهم الثقافية.
نحن بحاجة الى تنسيج هذا المفهوم في ثقافتنا العامة وترسيخه كارضية للعلاقة بين ابناء وطننا . خلال السنوات القليلة الماضية اكتشفنا مدى التجاهل والتباعد القائم بين ابناء وطننا . وظهر ذلك في التجاذبات الطائفية والمناطقية والمذهبية والقبلية ، وفي الاسئلة الخاطئة التي تنتشر في المنتديات مثل سؤال : "هل انت مسلم اولا ام سعودي اولا؟". كما ظهر في القبول الواسع لفكرة التمايز بين المواطنين بناء على انتمائهم المذهبي او اصولهم القبلية . بل ورأينا مثل هذا التمايز مقبولا حتى في اجهزة مهمتها اقرار العدل ، مثل الحكم المشهور لاحد القضاة بالتفريق بين زوجين لان قبيلة الزوج ادنى كعبا من قبيلة الزوجة . ومثل فتوى احد المشايخ لموظف استفتاه بنبذ زملائه الذين ينتمون الى مذهب اخر ومقاطعتهم واحتقارهم والدعاء عليهم.
هذه الامثلة وغيرها دليل على ان المواطنة المتساوية لم تترسخ بالقدر الكافي في نفوسنا وفي ثقافتنا ، وان الهويات دون الوطنية ما زالت اكثر فاعلية في تشكيل مواقفنا وتصوراتنا حول وطننا وابناء وطننا. نحن بحاجة اذن ان نبدأ من الاساس ، من مرحلة الطفولة والصبا ، حيث يكون المواطن ثقافته الاولية ويصوغ شخصيته . اي من المدرسة التي تمثل المصدر الرئيس للثقافة ومعرفة العالم في مرحلة الطفولة والصبا.
ترسيخ فكرة المواطنة المتساوية يبدأ بالتعرف على الوطن الحقيقي ، الوطن الذي يتشكل من ابنائه جميعا ولا يقتصر على التضاريس الجغرافية . المملكة لا تتكون من جبال وصحارى ووديان وواحات ، بل تتكون اولا وقبل كل شيء من بشر يسكنون هذه التضاريس . يجب ان نعرف ابناءنا على هؤلاء البشر ، نظرائه في وطنه ، كيف يعيشون ، كيف يفكرون ، ما هي اسماؤهم وقبائلهم ، ثقافتهم المحلية ، همومهم واهتماماتهم .. الخ .

المعرفة هي الطريق الطبيعي للالفة والتآلف ، والمرء عدو ما جهل . ولذلك فان استئصال العداوة يبدأ بالمعرفة والتعارف. يمكن للتعليم العام ان يساهم بفاعلية في ترسيخ فكرة المواطنة اذا جرى توجيه الاهتمام الى المواطن ، واول خطوة هي تعريف كل مواطن الى نظيره ، وكشف حجاب الجهل الذي طالما ادى الى الاستغراب واحيانا الخوف او العداوة . 

الأربعاء، 2 مايو 2007

حقوق الإنسان في الإطار المحلي



إذا تحدثت الى رئيس هيئة حقوق الانسان الاستاذ تركي السديري فسوف يخبرك من دون مواربة بانه يتفهم تساؤلات الناس عن دور الهيئة وربما شكوكهم في قدرتها على تلبية توقعاتهم الكثيرة. والمؤكد ان مثل هذا الشعور موجود لدى شقيقتها الاهلية (الجمعية الوطنية لحقوق الانسان).
والحق ان الانسان ليشفق على المؤسستين من صعوبة المهمة التي التزمتا بحملها نيابة عن المجتمع او نيابة عن الدولة. تكمن الصعوبة في ان مفهوم حقوق الانسان يعتبر جديدا على الثقافة العامة في المجتمع السعودي. ولعل كثيرا من الناس لا يفهم مغزاه او الحاجة اليه. والمؤكد ان بعض الناس سوف ينظر اليه بعين الارتياب او العداء. ربما يتذكر بعض القراء ما كان يقال في سنوات سابقة من ان «حقوق الانسان» وجمعياتها هي مجرد ادوات للغزو الفكري او التدخل الاجنبي. نفهم ايضا ان بعض البيروقراطيين، سيما في المراتب الوسطى من الادارة الحكومية والقطاع الخاص، لا يستسيغ فكرة الرقابة من خارج النظام الاداري لمؤسسته، ويزداد الامر سوءا اذا وصل الى نقد ادائه الشخصي، في تطبيق القانون او التعامل مع الغير
قد تمثل هذه الصعوبات عذرا للقائمين على المؤسستين. لكن القصور مثل التقصير ليس من النتائج التي يرغب الانسان في الاتصاف بها على اي حال. ولا اظن احدا في هذا القطاع او في اي قطاع آخر يرغب في الوقوف امام الناس او الصحافة يوما كي يخبرهم بانه عجز عن الوفاء بوعوده، حتى لو كان لديه مبررات واعذار. الفشل هو الفشل، مهما كان تبريره
اذا صح القول بان المؤسستين تواجهان مشكلة سببها غربة مفهوم «حقوق الانسان» عن الثقافة العامة المحلية، فسوف يتوجب عليهما وضع برنامج عمل «تثقيفي» غرضه المحوري هو تمهيد الطريق امام عملهما. يستهدف البرنامج ايصال فكرة حقوق الانسان وشرح موضوعها الى جميع الاطراف ذات العلاقة. واقترح تحديد الاستهدافات على النحو التالي:
أ- على المدى القصير: الهيئات الحكومية والخاصة التي لها علاقة مباشرة بالمواطنين، من وزارات او مؤسسات عامة او شركات اهلية. يتركز العمل في هذا الاطار على التفاوض مع رؤساء تلك الهيئات وقياداتها الوسطى، لشرح مفهوم حقوق الانسان وموضوعاته والخروقات المحتملة والاجراءات التأديبية او العقابية المقررة او التي يمكن ان تتقرر في المدى المنظور. الهدف الرئيس من هذا العمل هو تفهيم رؤساء الادارات بان سلطاتهم مهما عظمت لا تسمح لهم بخرق حقوق الغير، سواء كان مواطنا عاديا او مراجعا ذا مصلحة او وافدا اجنبيا، وصولا الى اقناع كل دائرة بوضع لائحة اجراءات تنفيذية محورها احترام حقوق الانسان. ويمكن ان تنفذ خطة العمل في هذا الجانب على مدى سنتين.
ب- على المدى المتوسط: التوجيه الاعلامي من خلال الصحافة والتلفزيون والمنتديات الخاصة والعامة والاتصال المباشر بالجمهور بكل وسيلة ممكنة. ومحور هذا العمل هو تبيئة مفهوم حقوق الانسان وتطبيقاته وجعلها اليفة عند الناس ومتصلة بثقافتهم، واقناعهم بفوائدها لاشخاصهم ومجتمعهم. اما غرضه الرئيس فهو ايجاد علاقة تفاعلية بين مؤسسات حقوق الانسان وبين الجمهور العام، وكشف المجالات والسبل التي يمكن لكل فرد ان يسهم فيها ومن خلالها في دعم الجهد الوطني الهادف الى حماية حقوق الانسان.

ج- على المدى البعيد: ادماج مفهوم حقوق الانسان ضمن برامج التعليم العام والنشاطات اللاصفية، ولا سيما في المراحل قبل الجامعية. ومحور هذا العمل هو تحويل مفهوم «حق الفرد ومسؤولياته» الى جزء اعتيادي في التربية المدرسية. وغرضه الرئيس هو انتاج قاعدة ثقافية لحقوق الانسان وتخليق مفاهيم مرادفة في الاطار المحلي، فضلا عن تعريف الفرد بنفسه كانسان حر، مستقل، ومتساو مع الغير، وتعويده على احترام مسؤولياته في هذا الاطار. هذا الجزء من البرنامج يحتاج الى مدى زمني لا يقل عن عشر سنوات.
خلاصة القول ان ترسيخ مبادئ حقوق الانسان قانونيا واداريا، يحتاج الى تبيئة وتوطين المفهوم. من هذه الزاوية فان برنامجا تثقيفيا واسع النطاق كالذي نقترحه يمثل وسيلة ضرورية لمعالجة ما اظنه غربة اجتماعية لهذا النشاط ومؤسساته.

عكاظ  2 مايو 2007  العدد : 2145

http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20070502/Con20070502107888.htm

الأربعاء، 2 يونيو 1999

القيم الثابتة وتصنيع القيم



الثقافة هي الأداة التي يتوسل بها المجتمع لتبرير حاجاته ، وبعض حاجات المجتمع لها طابع الثبات ، لكن معظمها متغير ، بحسب تغير حياة الجماعة واتجاهات حركتها ، الحاجات الاجتماعية الثابتة تقابلها مفاهيم ثابتة في الثقافة نسميها القيم أو الثوابت ، وثمة جدل لا ينتهي حول اخضاع متغيرات الحياة الاجتماعية للثوابت والقيم أو تحريرها منها ، وتدل التجربة على ان الانسان يميل بطبعه إلى توسيع نطاق الثوابت وبسط حاكميتها على المتغيرات ، ولديه على هذا الميل حجة قوية ، فحواها ان اشتغال المتغيرات في إطار الثوابت ، لا يعيق حركتها ولا يمنعها من التجدد والتغير ، لكنه يضمن استمرارية المسار في خط مستقيم .

ان الشرط الاول لتثبيت قيمة معينة ، هو تجردها وتعاليها عن الموضوعات ذات الطبيعة الشخصية ، أو تلك التي هي محل خلاف ، لكن القبول بالتثبيت ينطوي على مخاطرة ، ولا سيما في المجتمعات التي تفتقر إلى الحياة الثقافية النشطة ، أو تلك التي تحولت فيها الثقافة إلى حرفة ، تمارسها طبقة محدودة العدد دون بقية الناس ، ذلك ان محترفي الثقافة يرغبون في تسويد القيم التي يتوصلون اليها ، ويميلون إلى تبنيها في وقت من الاوقات ، باعتبارها عامة وثابتة ، في غفلة عن حقيقة ان الثقافة وقيمها _ مثل كل منتج بشري آخر _ ذات طبيعة زمنية ومؤقتة ، ربما يطول بها الامد أو يقصر ، لكنها في كل الاحوال واصلة إلى نقطة ينتهي عندها مفعولها أو فائدتها . ان استمرار تسويد قيمة معينة بعد انتهاء زمنها أو نفاذ وقودها ، يعادل إلى حد كبير حكم الاموات على الاحياء .

ويبدو لي ان جميع محترفي الثقافة يعرفون هذه الحقيقة ، لكنهم في الوقت ذاته يخشون من تأثيرها السلبي على قيمة منتجاتهم ، فتحديد زمن نهاية لفاعلية المنتج ، يفرض تحديد القيمة المادية أو الاجتماعية لمن انتجه ، بينما يرغب المنتجون ، وبينهم منتجو الثقافة ، الحصول على أكبر عائد ممكن من وراء عملهم ، وهنا يأتي دور التدعيم الخارجي ، حيث يستورد صانع الثقافة رباطا من قيمة ثقافية أخرى متفق على تثبيتها ، فيربط بينها وبين ما ينتج ، فتتحول القيمة الجديدة المحدودة زمانا ومكانا وفاعلية ، إلى فرع للقيمة العابرة للزمان والمكان ، المتجردة عن التأثير الانعكاسي للفعل والتفاعل مع موضوعاتها .

 وبالنسبة للمجتمعات المسلمة فان القيم الدينية المطلقة هي المقصد الرئيسي لصانعي الثقافة ، ذلك ان هذه القيم المتعالية تتمتع بالقبول العام والديمومة ، فضلا عن كونها جزء لا يمكن فصله من الهوية الثقافية للمجتمع ، والذي يجري فعلا هو اختلاق خيط يربط المنتج الثقافي إلى واحدة من القيم الدينية ، بغرض استثمار خصوصيات القيمة الدينية في تعزيز مكانة القيمة الثقافية الجديدة ، وتحويلها من منتج علمي إلى منظور ايديولوجي . ونجد المثال الواضح على هذا الربط المتكلف في التقاليد وبعض الخرافات ، التي تحولت إلى عناصر ثابتة في ثقافة المجتمع ، بعد ان جرى وصلها بقيمة ما من القيم الدينية في أزمان مختلفة ، وهو الأمر الذي أثار غضب الاصلاحيين والمجددين في مختلف الاوقات .

مثل هذا الربط المفتعل يجري في كل المجتمعات ، ويشعر الذين يقومون به انه مبرر تماما ، ولعل الامر كذلك فعلا ، لكن الذي لا يمكن تبريره هو استيراد خصوصية التعالي وعبور الحدود من القيمة الدينية وضخها في خزان المنتج الثقافي ، هذه العملية قد تؤدي ، وهي قد أدت بالفعل إلى تفريغ القيمة الدينية من مخزونها المعنوي الخاص ، وحولته إلى المنتج البشري في بعض الاحيان ، ولدينا في العالم الإسلامي كثير من الناس حرفتهم الوحيدة هي بيع الخرافة والتفريع عليها وتمديدها في كل اتجاه ، بعد ان ملأ خزانها بوقود ، يوهم الناظر من بعد ، بأن ما ينظر اليه دين أو جزء من الدين ، وبالنسبة لهؤلاء فان ما يهمهم حقا هو تسويق منتجهم الخاص وليس القيم الدينية كما هي في الاصل .

وفي المجتمعات المسيحية كان أحد الاسباب للصراع بين العلماء والكنيسة ، هو محاولة رجال الكنيسة منع العلماء من الاعلان عن نظريات علمية تخالف ما سبق تثبيته من جانبهم ، نحن نعلم ان الانجيل لم يتضمن نصوصا حول كروية الارض ودورانها على سبيل المثال ، لكن اناسا قرروا ان الارض مسطحة وثابتة ، وربطوا هذه النظرية بالانجيل ، فامتصت الوقود الايديولوجي والميزات المعنوية للكتاب المقدس ، فأصبح المنتج البشري متمتعا بنفس خصوصياته ،  فهو محمي ، مقدس ، متعال ، وعابر للزمان والمكان .
عكاظ 2 يونيو 1999


مقالات  ذات علاقة
-------------------


الأحد، 28 مارس 1999

صناعة الشخصية الملتبسة



في العام 1977 استضافت مكة المكرمة المؤتمر العالمي الاول للتعليم الاسلامي ، الذي وجه الانظار بصورة خاصة إلى (ازدواجية التعليم) باعتبارها أحد العيوب الرئيسية في النظام التربوي لجميع الاقطار الاسلامية .

حسب معظم الباحثين الذين قدموا اوراقا للمؤتمر ، فان الازدواجية المذكورة ، هي ثمرة عجز النظام التعليمي القديم عن استيعاب التطورات الجديدة في العلوم ، مما اضطر المجدتمعات المسلمة إلى اقتباس النظام التعليمي الذي تبلور في الغرب ، بمناهجه وفلسفة عمله .

 ولأن العلوم الحديثة شديدة الالتصاق بحاجات الحياة المتغيرة وحركتها الدائبة ، فقد اصبح هذا النظام محور التنشئة الاجتماعية ، والإطار الرئيسي لتدوير الثقافة ، واعداد الاجيال الجديدة من المسلمين ، بينما اتجه النظام القديم إلى مزيد من التخصص ، فتحول من إطار تـثـقيفي وتربوي مفتوح لعامة الناس ، إلى نظام خاص يقصده راغبو التخصص في علوم الشريعة واللغة العربية دون غيرهم . بديهي ان أحدا لا يحول بين الناس والانتظام في النظام التعليمي القديم ، لكن هذا أصبح عاجزا عن ضمان فرص كافية لخريجيه ، وكان في الاصل عاجزا عن توفير الخبرات التي يحتاجها المجتمع في شؤون حياته المختلفة .

وجرى تحديد العيب الرئيسي للنظام التعليمي الحديث ، في تأسيس علومه على فلسفة مغايرة لفلسفة التوحيد ، وأنه لا يقيم اعتبارا خاصا لذلك النوع من الممارسات الاجتماعية ، التي تكرس جزئية الفرد في الجماعة وارتباطه المصيري بتطورات حياتها ، أو تساهم في تدوير الثقافة الاجتماعية بين الاجيال المختلفة ، ان التعليم الغربي ينظر للفرد كموجود مستقل له كيان قانوني محدد ، منفصل عن كيان الجماعة التي ينتمي اليها.

وفيما بعد ، حين يخرج الفرد إلى سوق العمل ، فان علاقته بالافراد الآخرين في الجماعة ، تحددها في المقام الاول مصلحته الخاصة ، وهي ـ لهذا السبب ـ علاقات مؤقتة ورسمية إلى حد كبير ، بينما اهتم التعليم التقليدي قبل تحوله الاخير ، بنقل الثقافة والقيم الناظمة للسلوك الاجتماعي إلى الفرد ، ولعب دورا في تعزيز الروابط التي تشد كل فرد إلى الآخرين من أبناء مجتمعه ، باعتباره وإياهم شركاء في السراء والضراء والمصير .

وقد حاول جميع الاقطار الإسلامية تقريبا تدارك هذا الخلل ، بادخال مواد التربية الدينية وعلوم اللغة في نظام التعليم الحديث ، لكنها بقيت منفصلة ، تلقن لطالب المدرسة باعتبارها علما من العلوم ، وليست فلسفة يقوم عليها كل علم ، كما ان القصور الذي اعترى إعداد المعلم في كل مستويات التعليم ، حدد مهمته بتلقين الطالب ما هو مكتوب في الكتب الدراسية التي اعتمدت كمنهج ، بهدف محدد ، هو إعداد الطالب للنجاح في الامتحان والحصول على شهادة (اكمال الدراسة) .

إن معظم المعلمين ـ ولا نقول كلهم خوف المبالغة ـ لا يعرف كيف يدرس الفيزياء على قاعدة التوحيد ، ولا يعرف كيف يدرس التاريخ على قاعدة التواصل الحضاري بين أجيال البشرية ، ولا يعرف كيف يغرس في عقل الطالب المقومات الثقافية لهويته ، باعتبارها مجال تواصل بين مختلف الأفهام ، وهو في الغالب عاجز عن مساعدة الطالب على تشكيل شخصيته وثقافته الخاصة ، المستقلة ولكن المتواصلة في آن واحد ، ان معظمهم لا يعرف كيف يقوم بهذه المهمة ، لأن أحدا لم يبذل كبير جهد في تعليمه طبيعة هذه المهمة ولا كيفية القيام بها .

لا يقتصر الخلاف بين النظامين على نوع المناهج المعتمدة في كل منهما ، ولا في طريقة التدريس أو مسمى المدارس ، بل في الناتج الأخير ، أي شخصية الفرد الذي تشكلت ثقافته عبر واحد من المسارين ، وفي ذلك المؤتمر حذر الباحثون من ان استمرار ازدواجية النظام التعليمي تنذر بتخريج شريحتين متعارضتين ، تعبر إحداهما عن اتجاه شديد التمسك بالدين وتعبيراته ، بينما تنظر الاخرى إلى التدين باعتباره شأنا جانبيا في الحياة .

 لكني أجد المشكلة أبعد من هذا التقدير ، فنحن اليوم نواجه شخصية واحدة ، لكنها ملتبسة ، يتجاور فيها البعد الديني والبعد العلمي ، لكنهما لا يتواصلان ، ويتجسد الالتباس في عجز الشخص عن منح أحد البعدين فرصته للاشتغال في مختلف أمور الحياة ، فهو تقليدي إلى أبعد حد في حياته الاجتماعية ، وهو عصري إلى أبعد حد في حياته المهنية .

بالنسبة لبعض الناس فان هذا الامر طريف ومسل ، وربما مثير للاعجاب ، لكن هذا هو بالتحديد فحوى المقولة الشهيرة (مالقيصر لقيصر وما لله لله) وهي على أي حال مقولة طريفة ومثيرة للاعجاب .
28 مارس 1999

الاثنين، 22 مارس 1999

الشعر ، التراث ، وتدبير المنزل



إذا قدر لك التامل في أصناف الكتب التي تعرضها دور النشر العربية في المعارض السنوية المتخصصة ، مثل سوق القاهرة الدولي للكتاب ، أو معرض بيروت أو غيرهما ، فسوف تلاحظ ان الكتب الجديدة قليلة في الجملة ، وان الكتب التي تقدم شيئا جديدا ، نادرة جدا ، الكتب التي تقدم جديدا هي في الغالب ترجمات عربية لدراسات وضعت في لغات أجنبية ، والكتب الأكثر مبيعا هي كتب التراث ، دواوين الشعر ، وكتب التدبير المنزلي ، وفي معرض الظهران للكتاب الذي انعقد هذا العام ، كان أكثر الكتب مبيعا هو (الشيف رمزي) المتخصص في الطبخ .
على مستوى التعليم فان قضية مثل تعريب  التعليم في الجامعات ، لا زالت موردا للأخذ والرد ، ويقرر عدد من الاساتذة بالفم الملآن ان استمرار التعليم الجامعي باللغات الاجنبية ، ضروري لتسهيل وصول الطالب إلى المصادر العلمية الاجنبية ، وهذا التبرير يعني ان المصادر العربية غير موجودة أو غير موثوقة ، ولا يزال راغب التضلع في العلوم مضطرا الى احتمال مشقات السفر إلى أوربا والولايات المتحدة لمواصلة أبحاثه .

هذه الامور التي ربما يمر بها بعض الناس مرور الكرام ، تكشف عن خلل في غاية الأهمية ، خلل في حركية الثقافة العربية ، اننا نتحدث عن هذا وقد مرت سنين طويلة على بداية التعليم الحديث والجامعي ، ودخول الطباعة والصحافة ، ثمة جامعات عربية تجاوز عمرها الآن ثلاثة أرباع القرن ، واحتفل غيرها بمرور نصف قرن على قيامه ، وخلال هذه السنوات الطويلة ، تخرج مئات الآلاف ممن كان عليهم المعول في تحريك عجلة العلم والثقافة العربية .

وربما وجد بعض الناس ان الوضع الثقافي العربي بخير ، فلدينا عشرات من الصحف و الدوريات ولدينا المئات ممن يجيدون الحديث في الاذاعات وعلى المنابر ، وتمتليء الدوائر الحكومية والشركات بالالاف من خريجي الجامعات.

لكن الحديث ليس عن (الكم) الثقافي ، مع ان ما يذكر قليل بالمقارنة مع الامم الأخرى ، بل عن (الكيف) وتحديدا عن فاعلية الثقافة السائدة في تهيئة الطرق أمام تحديث العالم العربي ، ونستطيع الاستدلال بكل بساطة على ان الثقافة المتداولة في العالم العربي ، لا تلعب هذا الدور ، من تفسير الاقبال على النوعية المذكورة سلفا من الكتب ، ومن تأمل متأن في محتويات الصحافة اليومية والاسبوعية التي يقرأها أكثر الناس ، ان الاقبال على كتب التراث من قبل عامة الناس ، يعني انهم مشغولون بهم الماضي أكثر من هموم الحاضر ، أو لعلهم يهربون من هموم الحاضر بتجاهلها ، والانشغال بما مضى لأن همومه غير مكلفة ، أو لعلهم لا يجدون في الحاضر الثقافي شيئا يستحق العناء ، أما الاهتمام بالشعر فينطوي على شعور بالعجز عن التعبيرات المباشرة عن الهموم الفعلية ، أو رغبة في الانصراف إلى التأمل الوجداني الأقرب إلى التصور والخيال ، بدل الانشغال بالواقعي والمادي ، كما ان الاهتمام بثقافة التدبير المنزلي تعني تطور التيار الاستهلاكي من استهلاك مجرد ، أي رغبة في التملك والاحتذاء ، إلى منهج حياة منظم ومؤسس على أصول محددة .

لكن الامم لا تتقدم بالهروب من الحاضر إلى الماضي ، والمشكلات لا تعالج بترك الميدان الواقعي المادي إلى التأمل الوجداني ، كما ان شيوع ثقافة الاستهلاك والتملك في المجتمعات ، تضعف مبررات الانتاج والابداع ، وتعزز خيار الاعتماد على الغير في تدبير حاجات الحياة ، بدل تطوير الكفاءة الذاتية .

الثقافة والعلوم على مستوى العالم العربي كله لا تزال تحت خط الفقر ، بمعنى انها عاجزة عن مسايرة النشاط الاقتصادي القائم فعلا في البلدان العربية ، والدليل البسيط على هذا ، اننا لا نزال بحاجة إلى (شراء) الخدمات العلمية من الخارج ، فاذا احتجنا إلى بناء عمارة كبيرة أو جسر أو طريق رئيسي ، استقدمنا شركة اجنبية لتضع لنا المخطط وتشرف على التنفيذ ، وإذا احتجنا مصنعا أو تجهيزات لمصنع اشتريناها جاهزة من الخارج ، وإذا احتجنا إلى صيانة هذه الاشياء وتجديدها ، عدنا إلى الخارج ، فأين الذين تعلموا واين نتاج الجامعات والمدارس العليا ، الم تقم هذه المؤسسات من أجل ان نستغني عن الخبير الاجنبي في اقامة منشآتنا ؟ .

المخططون في القطاع الخاص والادارات الرسمية يقرون بالحاجة إلى الاعتماد على الخبرات الوطنية ، لكنهم ـ وقت الحاجة ـ يذهبون إلى الأجانب ، بتبرير بسيط وقابل للتفهم ، خلاصته ان المنطق يقضي باتباع أحدث السبل في الانشاء والتاسيس ، لانك لا تريد القيام بتجارب بل تريد انشاء يعتمد عليه لسنين طويلة قادمة .

انه تبرير قابل للتفهم كما ذكرت ، لكن المشكلة انه صحيح اليوم كما كان صحيحا قبل نصف قرن ، وسيكون صحيحا بعد عشرين أو ثلاثين عاما في المستقبل ، فمتى سنعتمد على خبرائنا ومتى سيعمل رجالنا بمفردهم ؟ .

المجتمع العربي يتقدم على المستوى الاقتصادي ، لكن ثقافته لا تتطور بسرعة موازية أو في نفس الاتجاه ، ولهذا فانها لا تخدم حاجاته ، بكلمة أخرى فالوضع اليوم ينم عن افتراق بين اتجاهات الحياة واتجاهات الثقافة ، وإذا تباينت الثقافة والحياة ، أمسى الانسان يعيش في عالم مزدوج ، عالم مجزأ ومتباين الأجزاء ، يريد كل جزء ان يصنع انسانه الخاص .

المساواة: اشكالات المفهوم واحتمالاته

بقلم ايزايا برلين (*) ترجمة د.   توفيق السيف ربما ترغب أيضا في قراءة: برنارد وليامز:    فكرة المساواة   ديفيد ميلر:  ا لمساو...