الاثنين، 3 أكتوبر 1994

المحافظة على التقاليد .. اي تقاليد ؟



في كل مجتمع تلعب التقاليد دورالناظم للعلاقات بين افراده ، كما تحمي القيم والثوابت الاخلاقية الضرورية لسيرورة لينة للحياة الاجتماعية .

 التقاليد ليست تشريعات دينية او قوانين رسمية ، بل هي اقرب الى الاتفاقات الجمعية غير الصريحة ، على الرغم من ان تاثيرها العملي في غاية الوضوح والصراحة ، ومتى ما اصبحت محمية بقوة القانون او بضوابط الشريعة ، فانها تخرج  من صفتها الاولى كتقاليد تتمتع بديناميكية استمرار وتاثير ذاتية .


ومع انها كذلك فان لها من القوة والفاعلية ، مايجعلها قادرة على الحلول محل القانون المحمي بوسائل الضبط المادية  ، ذلك انها تتحول مع الزمن الى جزء من النسيج الثقافي للمجتمع ، يتلقاها الانسان منذ نعومة اظفاره ، من خلال التلقين احيانا ، وبمحاكاة الاكبر منه سنا في اغلب الاحيان ، بحيث يضحي الالتزام بمضمونها ارادة واختيارا للفرد ، بغض النظر عن وجود قوة ضغط خارجية توجب عليه الامتناع عن تحديها .

ولاتلعب التقاليد هذا الدور البارز في كل التجمعات الانسانية ، فاتساع المجال الحيوي لفاعليتها ، وقوة تاثيرها ، انما يرجع لوجود استمرارية لنمط محدد في الحياة الاجتماعية ، تتحقق من خلال استمرارية موازية لعلاقات القرابة العائلية او التجاور الجغرافي  ، بين اعضاء جماعة بشرية معينة ، ولمدة طويلة زمنيا ، يتأسس بموجبها مانطلق عليه اسم المجتمع ،  أو المجتمع التاريخي كما أسماه الاستاذ مالك بن نبي ، وهو العنوان الاصطلاحي للجماعة التي ينتظم جميع افرادها في نسق ثقافي وقيمي واحد  ، وهذا مالا يصدق على المجتمعات الحديثة التشكل والتي ماتزال العلاقة بين افرادها سطحية او محدودة بالقرابة والجيرة ، كما انه لايصدق على المجتمعات التي تعرضت للتفتت بسبب الهجرة ـ على سبيل المثال ـ حيث لم تعد قادرة على صيانة تقاليدها في المهجر ، على الرغم من ميل كبارها ـ خاصة ـ للحفاظ على المستطاع منها ولو بصورته الشكلية .

التقاليد كحاجة نفسية
ان المجتمع التاريخي هو الظرف الطبيعي لتبلور التقاليد ، لكونه الاطار الذي يوفر فرصة للحياة المشتركة ، بل يوجبها في اكثر الاحيان ، بما ينطوي عليه معنى الشراكة من استثمار مشترك للطاقات ، ومواجهة مشتركة للهموم والتحديات .

من ناحية أخرى فان قيام نظام مقبول للسلوك في المجتمع التاريخي ، ليس وليد اتفاق صريح بين افراده ، بل هو تشكل عفوي لمنظومة قيمية متناسبة مع بعضها ، تمثل في مجموعها الوسيلة المختارة لتلبية حاجات المجتمع او طموحاته ، او مجابهة التحديات التي يتعرض لها خلال تاريخه .
ويلعب الزمن دورا فاعلا في انضاج هذا النظام ، من خلال مايوفره التقارب بين الاسر والافراد لفترة طويلة ، ضمن النطاق الجغرافي للقرية اوالمدينة الصغيرة ، والتي تتوج بالتداخل القرابي بين العائلات ـ عن طريق الزواج خاصة ـ بحيث يصبح كل فرد في هذا النطاق الاجتماعي (نسيبا) للاخر.

هذا التداخل ومايترافق معه من تركيز للتقاليد ، يعتبر بالنسبة لمعظم الناس وعاء للقيم الاجتماعية ، لاينبغي التفريط فيه لاي سبب ، فوجوده يوفر على الفرد جهدا كبيرا ، يجب عليه بذله لكي يعيش الحياة ، التي يشعر فيها بالامان النفسي والاستقرار العاطفي ، كما يوفر عليه مجهودا مماثلا في تربية الابناء الذين يود ان يراهم ـ كما هو طموح معظم الاباء ـ يترسمون الفضائل الاخلاقية التي تعارف عليها المجتمع .

وهذا هو تفسير النزوع الشديد عند معظم الناس ، للعيش ضمن اطارهم الاجتماعي القديم ، في المنطقة الشرقية من المملكة ـ على سبيل المثال ـ نجد ان اسعار الاراضي السكنية في القرى ، مرتفعة الى درجة تستعصي على التبرير الاقتصادي ، في الوقت الذي يسع الناس الخروج الى المدن القريبة ، الافضل من حيث سهولة الحياة وتوفر الخدمات العامة ، او تاسيس قرى جديدة في الصحراء المحيطة ، بتكاليف تقل كثيرا عن تكاليف امتلاك بيت في القرية ، ان السبب الحقيقي وراء ارتفاع الطلب على السكن داخل القرية ، والاعراض الكلي عن السكنى خارجها ، يرجع الى ماتتميز به القرية ، من درجة عالية من التواصل الحياتي بين الفرد ومحيطه ، يساعد على  ضمان الامان النفسي والعاطفي الذي يحتاجه ، هذا التواصل هو في العمق مجموعة العناصر الثقافية والسلوكية التي تمثل التقاليد ابرز تجسيداتها .

تيـار الحيـاة  :
على ان التقاليد ـ مثل كل عناصر الثقافة الاجتماعية الاخرى ـ كائنات حية متطورة ، تتحرك صعودا او نزولا بموازاة  حركة الحياة في المجتمع الذي يتبناها ، ولاتوجد تقاليد ثابتة او غير قابلة للتعديل ، بكلمة أخرى فانها كائنات غير مستقلة ، بل هي بصورة او بأخرى تابعة لحاجات الحياة ، فاذا تغيرت هذه الحاجات او تلاشت او استبدلت بغيرها ، فمن الطبيعي ان تتبعها في التغير مجموعة التقاليد التي تأسست من أجل تنظيمها ، من امثلة هذا التغير في واقعنا المعاصر ما يتعلق بعمل المرأة ، ففي الازمنة السابقة لظهور البترول ، كانت المرأة تعمل في معظم الانشطة الاقتصادية في الريف والبادية ، في الجزء الاساسي منها كما في الزراعة والرعي مثلا ، او في النشاطات المساندة كما في الصيد والغوص والبناء وغيرها ، ولم تكن مشاركتها في العمل موجبا للعيب ولم تكن بحاجة الى التبرير ، بينما نجد ان المعادلة قد انعكست بعد اكتشاف البترول ، وتغير اساليب المعيشة وانواع الحاجات ، فاصبح معظم الناس يرى في عمل المرأة سببا للعيب ، او على الاقل مـمارسة اجتماعية غير اعتيادية تحتاج دائما للتبرير ، ان معظم الشباب ـ كما  يظهر من دراسة لاحد الاساتذة ـ لايرحب برؤية زوجته في ميدان العمل ، الا اذا ضمن توفر شروط محددة ، هي في حقيقـتها وسائل لتبرير الموازنة القسرية بين عدم الرغبة وصعوبة الامتناع .

    ينعكس التباين بين تطور الحياة والتقاليد التابعة ، على شكل شعور بالاغتراب عند الفئات الاجتماعية الاكثر انشدادا للماضي ، ولاسيما بين كبار السن ، الذين يصعب عليهم تكييف فهمهم للحياة يما يتلاءم مع التطور السريع لانماط الحياة وسبل المعيشة ووسائل التواصل الثقافي ، وما تفرزه من سلوكيات جديدة .

ولايسع المجتمع ان ينقطع عن تواصله مع العصر الذي يعيش ، كما انه ليس بالامكان التخلي عن مكاسب التطور الحياتي ، ومع وجود هذه الضرورة فان المنطق يقضي بتعديل التقاليد التابعة للانماط القديمة التي لم تعد مرغوبة ، او اصطناع تقاليد جديدة اكثر انسجاما مع ايقاع الحياة ، وهي قادرة في الوقت ذاته ، على ضمان الحد المقبول من السلوكيات والفضائل الاخلاقية ، التي لاغنى عنها لانتظام الحياة وضمان الاطمئنان .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المساواة: اشكالات المفهوم واحتمالاته

بقلم ايزايا برلين (*) ترجمة د.   توفيق السيف ربما ترغب أيضا في قراءة: برنارد وليامز:    فكرة المساواة   ديفيد ميلر:  ا لمساو...