‏إظهار الرسائل ذات التسميات العقل النقدي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العقل النقدي. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 15 مايو 2014

اول العلم قصة خرافية



محاولتي الاولى للفخر بمناهجنا الدراسية منيت بفشل ذريع. حدث هذا قبل عقدين من الزمن تقريبا ، حين طلبت اجتماعا مع مدير مدرسة روكسبورن الابتدائية غرب لندن ، حيث درس ابني. كنت قد اعددت الكثير من الكلام البليغ حول اهمية الجغرافيا والتاريخ والعلوم والقواعد ، وغيرها من الدروس التي اعرفها منذ دراستي الابتدائية. وقد سلحت خطبتي المنتظرة بما سمعته تكرارا من اصدقائي عن زملائهم الامريكان الذين لم يعرفوا اين تقع مصر ، ولم يعرفوا ان كانت سكوتلندا مثلا دولة مستقلا او جزءا من بريطانيا. كنت اظن ان معرفتنا بموقع مصر ووضعية سكوتلندا تجعلنا متقدمين على اخوتنا الامريكان.

اما سبب رغبتي في الاجتماع الى مدير المدرسة فهو عدم ارتياحي لما ظننته افراطا في تخصيص معظم وقت الصف للرسم وقراءة القصص وتشكيل المنحوتات الطينية. قال لي المدير انه يتفهم قلقي وانه قد عمل سابقا في دول عربية ويعرف انهم يهتمون كثيرا بتعليم العلوم والجغرافيا والتاريخ وقواعد اللغة الخ. وانهم كانوا يفعلون ذلك في بريطانيا قبل زمن لكنهم تخلوا عنه.
كان هذا التغيير جزء من تحول اوسع في فلسفة التعليم وادواته. خلاصة الفلسفة القديمة: العلم = معلومات كثيرة تمكن الفرد من انتخاب افضل الخيارات المتاحة. اما الفلسفة الجديدة فخلاصتها ان العلم = عقل رياضي ، قدرة على التخيل تنتج خيارات جديدة غير متوفرة سابقا.

فيما مضى كان الاعتقاد السائد ان المعلومات والمعارف الكثيرة التي يحشى بها ذهن الطفل/الطالب سوف تجعله عارفا بالحياة ، مستعدا لاي مسار دراسي. لو قرر لاحقا ان ينضم الى المسار العلمي فلديه قاعدة اولية عن العلوم. ولو قرر ان يتخذ مسارا ادبيا فلديه بدايات مناسبة. بعبارة اخرى فقد كانت المرحلة الابتدائية تمهيدا للمرحلة الثانوية وما بعدها. وكان هذا التمهيد ينصرف الى معنى محدد هو "المعلومات والقواعد الاولية لكل علم".

في فلسفة التعليم الجديدة يجري التركيز على تعزيز القدرات الذهنية. قراءة القصص والروايات غرضها توسيع خيال الطفل. الاكثر قدرة على التخيل هو الاقدر على اطلاق العقل وراء حدود المتعارف والمألوف ، وابتكار عوالم جديدة واحتمالات اضافية. لا تستطيع ان تبدع فكرة اذا كان خيالك محدودا ومحصورا في اطار المألوف والمتوفر. الابداع هو فتق لحجاب الغيب ونقل المستحيل الى دائرة الممكنات. الايمان بالغيب يعني – في احد وجوهه – الايمان بوجود عوالم وراء المشهود والمعروف ، قابلة للارتياد اذا توفرت وسائله. من لا يؤمن بالغيب فانه يبقى اسيرا لحدود العالم الذي يعرفه. ميزة المبتكرين والعلماء هو ايمانهم بالعوالم المستورة والمغيبة. وهذا ما رفعهم فوق عامة الناس ، الذين سجنوا عقولهم في المتعارف والمنقول الذي ألفه الجميع واستأنسوا به.

اخبرني مدير المدرسة ايضا انهم يخصصون جزءا كبيرا من الساعات المدرسية للفن التشكيلي ولا سيما الرسم. هذا ايضا عمل يتعلق بتعزيز العقل الرياضي. حقيقة التكنولوجيا هي التركيب المعقد لعوامل وعناصر لا تبدو مؤتلفة في الاصل. يقيم المهندس او المبتكر رابطة صحيحة بين مجموعة عناصر مادية متوفرة ، كي تؤلف عنصرا جديدا مبتكرا يؤدي وظيفة جديدة.  القدرة على ابتكار هذه الروابط تعتمد بدرجة كبيرة على الادراك العميق للمسافات والمساحات وفروق القوة بينها وكيفية ايجاد معادلات تناسب فيما بين تلك الاجزاء ، كي تتحول من كتل منفصلة الى مركب واحد متكامل الوظائف. حين نحاول رسم لوحة ، فاننا نركز على العلاقة بين الخطوط والمسافات والمساحات وتدرجات الالوان. قابلية اللوحة للتاثير في عين المشاهد هي محصلة تلك العلاقة المعقدة. وهذا هو الاساس في تركيب جهاز جديد يؤدي وظيفة محددة ، او تصميم مشروع هندسي ، او حتى تاليف فكرة جديدة غير مألوفة.
اما حديث المدير عن تشكيل الطين ، وهو ايضا من الدروس اليومية ، فقد ذكرني بما تكتبه صحافتنا دائما عن التلاؤم المفقود بين مخرجات التعليم وسوق العمل.

حين يلمس الطبيب يدك فانه يدرك على الفور ان كنت مريضا او معافى. وحين يلمس الجيولوجي الصخرة فانه يدرك طبيعة الارض التي تنتمي اليها ، وحين يستعمل مبرمج الكومبيوتر برنامجا لمدة دقيقتين فانه سيعرف حدود فاعليته وربما عيوبه. يتجلى الفارق بين الخبراء وبين سائر الناس في النظرة الاولى. يركز الناس – عادة – على الاشكال الخارجية للمواد ولاشياء. اما الخبير فيركز على عنصر محدد يظنه مفتاحا لفهم طبيعة المادة التي يراقبها.  ربما يستمع الى صوت المكينة او يتلمس الجسد او ينظر في اللوحة او ينصت الى حفيف الريح ، كي يخبرك بما لا تستطيع اكتشافه من النظرة الاولى.


تشكيل الطين يستهدف تمرين ادوات الاحساس – الاصابع مثلا – على التواصل الفائق السرعة مع العقل ، بحيث تعمل في وقت لاحق بصورة عفوية ، تستوعب ما تلمسه ، تدرك طبيعته وحجمه الخ. لكن هذا ليس الهدف الوحيد. الهدف الاخر هو تعويد الاطفال على العمل اليدوي ، الذي يبدأ لعبا ، لكنه يتطور الى تشكيل صحيح ومفيد. نعرف ان الذين اعتادوا على العمل اليدوي – الوسخ احيانا – في صغرهم وحققوا نجاحات وحصلوا على تقدير الاخرين ، سوف يواصلون هذا العمل حين يكبرون. مثل هؤلاء لا يرهبون الطبيعة ولا يخشون من محاولة التحكم فيها ، فقد سبق لهم ان جربوا هذا ولو في نطاق ابتدائي.

في كل مرة اصادف طفلا يكافح لحفظ احكام زكاة الابل وأمثالها ، اتذكر ذلك المدير الذكي. واتذكر ايضا ان ابني الذي درس عنده ، نجح مع ثلاثة من زملائه حين بلغوا المرحلة الثانوية ، في تصميم كاميرا ، صوروا بها فعلا ورأينا صورها ، علما بانهم لم يشتروا اي قطعة من السوق ، بل استعملوا مواد متوفرة في كل مكان ، في صناديق القمامة احيانا. صحيح ان هذه الكاميرا لن تباع ، وهي ليست قادرة على منافسة الكاميرات المتوفرة في السوق. لكن ما يهمني في حقيقة الامر هو جرأة هؤلاء الفتيان على ان يصنعوا شيئا من لاشيء ، ما يهمني هو قدرتهم على تحويل الاشياء البسيطة المهملة الى تركيب معقد يؤدي وظيفة جديدة.

اسأل نفسي دائما : اي تعليم نريد؟ تعليما يخرج اطفالا حافظين لاحكام زكاة الابل ، ام اطفالا يتجرؤون على تحويل المهملات الى مصنوعات مفيدة؟.

اميل الى اختيار الجواب الثاني. فان كنت مثلي ، فخذ طفلك الى المكتبة ودعه يشتري كل ما يراه امامه من قصص وروايات خرافية او غريبة. الخيال الواسع هو البداية الصحيحة للعقل المبدع.

نشر في مجلة احوال المعرفة التي تصدرها مكتبة الملك عبد العزيز العامة في الرياض
العدد 74 ( مايو 2014) ص ص 28-29

السبت، 5 يونيو 1999

المدرسة وصناعة العقل



الغرض الرئيسي للتعليم العام هو صياغة شخصية الطالب ، للانتقال به من مرحلة الطفولة إلى مرحلة النضج ، وثمة عدد من المعايير يؤخذ بها لتقدير مستوى النجاح الذي حازه الطالب والهيئة التعليمية عند انتهاء حياته الدراسية ، من بينها مدى ما يتمتع به الطالب من تفكير نقدي وابداعي ، وقدرته على الانسجام والتوافق مع البيئة الطبيعية والمحيط الاجتماعي ، وكفاءته العملية في المهنة التي أعد نفسه للعمل فيها ، فلنذهب إلى المعيار الاول :

ان ما يحدد النجاح أو الفشل في تطبيق هذه المعايير ، هو طريقة توصيل المعلومات إلى الطالب ، ومن بين أجزائها ما اشتهر الكلام فيه في السنوات الاخيرة ،  أي التحول من طريقة التلقين والتحفيظ إلى الحوار بين المقرر العلمي وعقل الطالب ، حيث يتركز دور المعلم في مساعدة الطالب على التوصل إلى القاعدة التي يريد المقرر الدراسي ترسيخها في ذهنه ، وفي هذا المجال فان الجهد الأكبر ينصب على تنشيط عقل الطالب وتشجيعه على التامل والتفكير ، بدل استنزاف قواه في حفظ نصوص القواعد أو المعلومات.

لكي نصل إلى هذا المستوى ، فقد نحتاج إلى تخصيص وقت أكبر للاعمال ، ولنأخذ مثلا من مادة الرسم والفنون ، التي تعتبر ـ حسب النظام القديم ـ هامشية ، فهذه المادة هي حجر الرحى في تكوين ذهنية الطالب ، حين تكلف طالبا برسم بيت أو منظر طبيعي ، فانك في حقيقة الامر تساعده على تجربة التخيل أي تحويل الملموس والمنظور إلى صورة ذهنية.

 ويختلف الاشخاص المفكرون عن غيرهم ، في القدرة على ضخ أكبر عدد من تفاصيل الصورة الواقعية في اطار الصورة الذهنية ، الطفل الصغير يرسم خطوطا محددة توحي بالمشهد لكنها لا تعكس حقيقته ، ويضيف الاكبر منه خطوطا أكثر تفصيلا ، حتى يصل إلى نقل الصورة الواقعية ، لكن الاكثر تقدما منه ، هو ذلك الذي يضيف خطوطا غير موجودة في المشهد الواقعي ، لكنها موجودة في المركب الجمالي أو الثقافي الذي يوحي به المشهد ، أو يتدخل لتغيير بعض الخطوط بالاضافة أو الحذف ، لتكوين صورة أجمل من الأصل ، درس الرسم يمكن ان يساعد عقل الطالب على التامل في الموجودات والبحث عن الاجزاء الصغيرة فيها ، ونقد عيوبها ، واكتشاف ما يوحي به المشهد ، وان كان لا يرى في الواقع .

مادة الرسم يمكن ان تدرس ـ  كما هو قائم حتى الآن ـ باعتبارها مقررا لا يرسب فيه  أي طالب ،  أي مجرد إضافة تكميلية ، يمكن حذفها احيانا إذا تزاحمت مع غيرها من الدروس ، ويمكن ان تدرس باعتبارها مادة تستهدف تكوين ذهنية الطالب ، لكي ينظر في الاشياء من حوله بعمق ، ينظر في الخطوط الكبرى والتفاصيل ، وينظر في المعاني التي تخفيها الحدود الضيقة للواقع المادي ، ويمارس النقد على ما حوله ويقترح البدائل .

فلنذهب إلى مادة أخرى قليلة الاهمية أيضا مثل التعبير أو الانشاء ، فهي تذكرني بزميل لي في المرحلة الابتدائية كان مغرما بالكتابة عن النخيل ، وكان المعلم يغضب من إصراره على الكتابة في هذه المادة تحديدا ، ولذلك فقد حصل على اقل العلامات في المادة ، لكن هذا الزميل أصبح اليوم طبيبا يشار له بالبنان ، وله أبحاث منشورة في مجلات علمية متخصصة.

 ولا زالت حتى هذه اللحظة غير مدرك للاسباب التي أزعجت معلمنا من ذلك الزميل ، لكن ما يهمني هنا هو ان مادة التعبير هي القاعدة الاساس لما نسميه اليوم بالبحث العلمي ، وربما اعتبر المعلم ان غرض المادة مقصور على تحسين القدرات البلاغية وتذوق جماليات البيان ، لكننا نستطيع اليوم الانتقال إلى مرحلة أرقى ، بجعل مادة الانشاء اختبارا يوميا لمدى استيعاب الطالب لما يدرس في المقررات الاخرى ،  أي احلالها محل الامتحان الاسبوعي والشهري في كل مادة من المواد ، فهذه تحقق غرض الامتحان أي دفع الطالب للاهتمام بالدراسة ، وتحقق الغرض العلمي الاساسي ، أي توجيهه إلى البحث والتفكير في تطبيقات المنهج خارج إطاره.

وأذكر هنا للمناسبة ان استاذي الذي علمني الكتابة كان يصر على التمييز بين الاغراض المختلفة للدرس ، فمرة كان يركز على جماليات اللغة ، وكان يلزمنا بالبحث عن مرادفات الالفاظ لاختيار اجملها واقواها تعبيرا ، ومرة كان يصر على الاستدلال ومناقشة كل دليل ، وثالثة كان يشكك في صدقية ما كنا نعتبره في العادة بديهيا ، ويطلب اثباته اولا ، ولست واثقا هذا اليوم من نجاحي في بلوغ ما كان معلمي يريد ايصالي اليه ، لكني واثق تماما من ان اهتمامي بالبحث والدراسة واستقصاء المعلومات ، هو ثمرة لدروس ذلك الاستاذ .

 تعويد الطالب على التفكير النقدي في أمور الحياة المادية والنظرية ، ومنحه الشجاعة لاقتراح الافكار والبدائل ، هو الركن القوي لصياغة شخصية المبدع الطموح .

جدالات ما بعد شحرور

فكرة هذا المقال معروفة لجميع القراء. واظنها مقبولة عند معظمهم . وخلاصتها ان اكثر المفاهيم مرهون بزمن محدد ، قد يمتد بضعة اعوام او عدة ...