الأربعاء، 27 يناير 2016

حول برنامج التحول الوطني

بحوث التنمية الحديثة ، تجمع على استحالة تحقيق نمو متوازن ومستدام ، دون الانخراط الفعال للمجتمع في سياسات التنمية وبرامجها.

كان برنامج التحول الاقتصادي الوطني موضوعا لمناقشات عديدة في الصحافة السعودية خلال الأيام الماضية ، رغم انه لم يعلن رسميا.  تناقش هذه المقالة فكرة التحول في عمومها. وتؤكد على أهمية المشاركة الأهلية في استراتيجيات العمل التي يتضمنها اي برنامج من هذا النوع.
ينبغي الاشارة اولا الى انطباع عام فحواه ان البرنامج العتيد يمثل نوعا من الاستدراك او التعديل على خطط التنمية الخمسية التي تبنتها المملكة منذ العام 1971. واذا صح هذا التقدير فانه من الضروري ايضاح الاسباب التي أوجبت ذلك الاستدراك او التعديل. تنطوي الاسباب بطبيعة الحال على قراءة نقدية للنتائج التي أثمرت عنها خطط التنمية طوال الاربعين عاما الماضية. ليس من أجل جلد الذات ولا توجيه الاتهام الى احد بعينه ، بل من أجل فهم المسار والاهداف على نحو أوضح.
أشير أيضا الى عامل التوقيت. فالفهم العام يميل الى اعتبار البرنامج واحدا من المعالجات التي أملتها ظروف الانكماش الاقتصادي الراهن. ينصرف هذا الفهم – اذا صح – الى الظن بأن البرنامج يستهدف توفير مصادر دخل بديلة عن تصدير البترول الخام ، او تقليص النفقات الحكومية الحالية. ان توضيح هذا الجانب ضروري لتقييم السياسات التي يفترض ان يحتويها البرنامج المذكور ، اي اختبار ما اذا كانت تؤدي حقيقة الى هذه الغاية ام لا.
نحن بحاجة الى توضيح هاتين المسألتين ، من أجل اقناع المجتمع بالمشاركة الفاعلة في عملية التحول. ويحسن القول في هذا المقام ان خطط التنمية الخمسية التسع السابقة  لم تلحظ هذا الجانب. فكأن واضعي تلك الخطط افترضوا تحميل الدولة أعباء التنمية بكاملها. ونعلم ان بحوث التنمية الحديثة ، سيما في العقدين الماضيين ، تتفق جميعا على استحالة تحقيق نمو متوازن ومستدام ، من دون الانخراط الفعال للمجتمع في سياسات التنمية وبرامجها.
التنمية في مفهومها الحديث تتجاوز تمويل المشروعات وانشاء البنى التحتية ، الى خلق مصادر جديدة ، مادية وتقنية ، تتعدد وتتنوع على نحو يستحيل على جهة واحدة تحديدها سلفا واستيعاب ابعادها. المجتمع ككل ، هو البيئة الطبيعية لظهور وتبلور هذه المصادر. الامر الذي يوجب على مؤسسات التخطيط استنهاض هذه الطاقة الكامنة وتفعيلها ورعاية تطورها وربطها بدائرة الاقتصاد الكلي.
المثال الذي يضرب في هذا السياق هو اقتصاد المعرفة ، الذي ظهر في السنوات الاخيرة ، وتحول سريعا الى مولد رئيس للصادرات وفرص العمل ، ومحركا للنمو التقني. مشروعات مثل الهواتف الذكية من شركة ابل  ، والمتاجر الالكترونية مثل امازون ، والبوابات الالكترونية مثل غوغل الامريكي وعلي بابا الصيني ، أضافت عشرات المليارات من الدولارات الى الدخل القومي لبلدانها ، لكنها – فوق ذلك - ساهمت في تسريع التطور التقني الذي خلق ملايين من الوظائف الجديدة. لم يكن اي من هذه المشروعات حكوميا ، ولا بدأ بدعم حكومي ، بل كان ثمرة لابداع الناس وتوفر الحاضن الاجتماعي المناسب لهذا الابداع ، مع الدعم والاحتضان الرسمي في وقت لاحق. مثل هذه المشروعات وفرت للدولة ما لم تستطع توفيره اجهزتها ، رغم انها لم تنفق عليه اي شيء تقريبا.
استنهاض الطاقات الكامنة في المجتمع سيريح الدولة من نفقات كثيرة ، لكنه ايضا سيحول المجتمع من عبء على نفسه وعلى الدولة ، الى شريك في حل مشكلاته. وهذا من أبرز أغراض التنمية البشرية التي يتحدث عنها عالم اليوم.
الشرق الاوسط 27 يناير 2016
http://aawsat.com/node/553681/

الأربعاء، 20 يناير 2016

واتس اب (2/2) عتبة البيت



لا أظن ان الرجال الذين بنوا البيوت القديمة في بلادنا قد انتبهوا الى الأهمية الفلسفية لعتبة الباب. ربما كان همهم منصبا على الحاجة الى حاجز يمنع مياه الأمطار مثلا من التسرب الى داخل البيت. لكننا نستعمل العتبة كمؤشر على الحد الفاصل بين مجال سلطة القانون والعالم الشخصي الذي لا يخضع للقانون.
حين تكون في بيتك فان السلطة الوحيدة التي تخضع لها هي سلطة الضمير. ليس هناك من دولة ولا قانون غير الضمير او "النفس اللوامة" حسب التعبير القرآني. هذا عالمك الخاص. انت فيه السيد والرعية معا. لخص جون لوك الموضوعات الداخلة في الحريم الشخصي بثلاثة هي حق الحياة وحرية العقيدة والراي وحق التملك. حماية القانون لهذه الحريات يساوي ضمنيا حماية ذات الانسان ، لا سيما اذا اخذنا برأي ستيوارت ميل الذي رأى ان الغاية الوحيدة للحرية هي حماية الذات.
اما المجال العام فهو عنوان للنطاق المشترك بين الجميع. وهو نطاق خلقه القانون من أجل تنظيم المصالح المشتركة بين الناس. هذا امر معروف ايضا عند الفقهاء. فهم يميزون بين فعل المنكر والتجاهر به. حين تكسر صوم رمضان داخل بيتك فلن يعاقبك القانون. لكن لو فعلته في الشارع فأنت تحت ولاية القانون الذي يمنع التجاهر بالمنكرات.
يمثل التمييز بين المجالين العام والخاص شرطا لعدالة القانون. القانون الذي يسمح بخرق العالم الشخصي لا يعتبر عادلا ، لأنه النطاق الأخير الذي يسمح للانسان بأن يبلور ذاته المستقلة ، المنكمشة او المتجاوزة للحدود ، دون ان يؤذي أحدا. فيرى نفسه كما هي ، دونما حجب او اعتبارات. التحرر من رقابة الآخرين هو الذي يمنح الانسان شعوره بالأمان المطلق ، الذي اعتبره نيكولا مكيافيلي غاية نهائية للحرية.
لهذا السبب فان قوانين العالم جميعا تنص على حرمة المراسلات الخاصة والاتصالات الهاتفية وتمنع مراقبتها. ومثلها احاديث الناس في منازلهم. كما تمنع اتخاذها أدلة في المحاكم ، طالما لم تكن جزء من فعل صنفه القانون كجرم أو عدوان.
  اسوق هذه المجادلة ردا على القائلين بجواز مراقبة المراسلات الخاصة ، سيما على برنامج التواصل الاجتماعي المعروف بالواتس اب ، وهي أقوال جادلناها في مقال الاسبوع الماضي من زاوية مختلفة. المراسلات على هذا البرنامج ، حتى الجماعية منها ، ليست ضمن المجال العام ، فهي خاصة بأصحابها ولا يشترك فيها غيرهم. مجموعات الواتس اب لا تشبه الصحف الالكترونية ولا مواقع التواصل الاجتماعي المفتوحة لكل الناس. انها اشبه بالمجالس العائلية او شلل الاصدقاء. ولو جاز مراقبتها ، لجاز مراقبة كل جلسة او لقاء عائلي او اجتماعي. ولا أظن عاقلا سيقبل بهذا.
القانون العادل هو الذي يصون الافعال الجارية في المجال الخاص ، ويمنع خرقها ومراقبتها ، وليس العكس. كلنا يريد الأمن وليس الخوف. الفارق بين الامن والخوف هو بالضبط الفارق بين ان تفعل شيئا لأنك حر يحميك القانون ، وبين ان تمتنع عن الفعل لا عن قناعة ، بل خوفا من الرقيب. زبدة القول ان تمديد سلطة القانون الى المجال الخاص ، ومن ضمنه المراسلات الشخصية ، يقود بالضرورة الى تعميم الخوف وخرق الحقوق الفردية ، وهذا نقيض لواحد من اهم اغراض القانون ، اعني ترسيخ العدل واشاعة الاطمئنان وتوفير الظروف الضرورية للسلام النفسي.
الشرق الاوسط 20 يناير 2016

http://aawsat.com/node/548011/

الأربعاء، 13 يناير 2016

واتس اب (1/2) أغراض القانون



نشرت صحيفة مكة (6 يناير 2016) حديثا للمحامي عمر الجهني ، فصل فيه الحمولة القانونية لما يتداوله الناس على اجهزة الهواتف الذكية ، سيما عبر برنامج التواصل الشهير "واتس اب". وقد انشغل الناس كثيرا بالعقوبات التي ذكرها المحامي. وهي في المجمل غير واقعية ولا معقولة. تلك العقوبات ليست موضوع هذه المقالة. بل الارضية التي يبنى عليها القانون: هل هي ردع الفاسدين عن العدوان ام صون حرية الصالحين.
أما الداعي لهذا الحديث فهو قلقي من انزلاق – غير مقصود في الغالب – من التنظيم الى التضييق. دعنا اذن نبدأ من أول المسألة اي سبق الحرية للقانون وكونها أصلا سابقا عليه في القيمة والترتيب. وزبدة القول هنا ان المشرعين وواضعي القانون ينقسمون الى صنفين بحسب الخلفية الذهنية التي يبنون عليها رؤيتهم للحياة والناس. الصنف الأول يرى البشر خيرين بفطرتهم وطبعهم الأولي. فالاغلبية الساحقة من الناس يريدون العيش بسلام. وثمة أقلية صغيرة انحرفت عن هذا الطريق بالفكر او السلوك . اما الصنف الثاني فيؤمن ان البشر في طبعهم الأولي أميل للشر والعدوان. ولو تركوا دون رقيب او رادع ، لأحيوا  اسطورة "حرب الجميع على الجميع" التي جادل دونها الفيلسوف الانجليزي توماس هوبز.
واجه الصنف الأول إشكالية تعارض المصالح بين اعضاء المجتمع ، الذين يتمتعون جميعا بنفس القدر من الحرية ، فركز على تنظيم الطرق التي يسلكونها ، كي يحصلوا على قدر متساو من الحقوق. وهذا هو مفهوم القانون عند من يؤمن بخيرية البشر. اي ان غرض القانون هنا هو تنظيم المجال العام على نحو يوصل جميع الناس الى حقوقهم ، ويصون حرياتهم ، ويمنع بغي بعضهم على بعض.
واجه الصنف الثاني نفس الاشكالية ، فركز على الثغرات التي تسمح للأقلية الفاسدة بالعبث والعدوان على الناس. ولهذا وضع القانون على شكل جدار ضخم فيه بعض الأبواب. اي ان الغرض الأول للقانون هنا ، ليس تمكين عامة الناس من التوصل الى حقوقهم ، بل منع الفاسدين من الفساد.
يتلخص خطاب الصنف الاول في العبارة التالية: من أراد الوصول الى حقه فالقانون هو أسهل الطرق. الجميع احرار في إطار القانون. بينما يتلخص خطاب الصنف الثاني في العبارة التالية: "امشي جنب الحيط" كما يقول اشقاؤنا المصريون. فالقانون بالمرصاد لمن يجرؤ على تجاوز الطريق المرسوم.
بعض الناس لا يرى فرقا جوهريا بين الخطاب الأول والثاني. أما فلاسفة القانون والسياسة ، فوجدوا في الأول أرضية فلسفية للتنظيم السياسي العادل ، كما وجدوا الثاني ارضية لمعظم الانظمة السياسية المستبدة.
بالعودة الى قصة عقوبات الواتس اب التي يتداولها الناس ، يحسن القول ان الاكثرية الساحقة من المواطنين الذين يستعملون هذا النظام لا يخطر في بالهم ، بل ولا يتخيلون مجرد تخيل ، ان يستعملوه ضد مصالح البلد او لخرق قانونها او تهديد أمنها. رغم ان هناك بالتأكيد بضع عشرات من الناس يفعلون هذا. فهل يصح وضع قانون يحجب حق الاكثرية الساحقة في التواصل ، لا لسبب غير سد الطريق امام أقلية صغيرة ، أي معاقبة الاكثرية بجرم الأقلية؟.
ان الجواب على هذا السؤال يكمن في التوصيف السابق. فهل الغاية من القوانين التي نضعها هو تمكين العامة ، أي الاكثرية الساحقة ، من التمتع بحياتها وتحقيق حاجاتها في إطار القانون ، أم غاية القوانين محصورة في محاصرة الأقلية الفاسدة ، ولو أدى الى محاصرة الأكثرية الصالحة معها؟.
ولنا عودة الى الموضوع من زاوية اخرى.
الشرق الاوسط 13 يناير 2016

http://aawsat.com/node/542821/

الأربعاء، 6 يناير 2016

تأملات في حدود الفردانية



يبدو ان الفهم العام في مجتمعنا  ومعظم المجتمعات الشرقية ، يميل الى نبذ الفردانية كقيمة ، وإعلاء شأن الجماعة ، على نحو قد يلغي أي قيمة لوجود الفرد واستقلاله. في مجادلة هذه الرؤية ، ينبغي التمييز بين مقاربتين مختلفتين لمسألة الفردانية:
أ‌)        المقاربة الاخلاقية/القيمية ، التي تستهدف الحكم على المبدأ. نعرف ان عامة الناس ترى ان قيمة الفرد وهويته مستمدان من تمثله للتيار الاجتماعي العام واندماجه فيه. بينما يميل الفردانيون الى اعتبار الفرد كونا مستقلا ، وأن علاقته بالمجتمع عرضية. وبناء عليه فكلا من الاتجاهين يؤسس منظومته الاخلاقية والقانونية تبعا لاحدى القناعتين.
ب‌)   المقاربة العلمية التي تستهدف كشف العوامل المؤثرة في علاقة الفرد بالجماعة. حيث يتفق الباحثون على ان جانبا معتبرا من ذهنية الفرد وسلوكه اليومي هو انعكاس لتأثير علاقته بالمجتمع. لكنهم يختلفون في حدود هذا التأثير ، هل هو كلي ام جزئي ، وهل هو معروف للفرد وبالتالي طوعي ، أم انه غيرمدرك وينطوي بالتالي على نوع من الجبر.
تستهدف المقاربة العلمية كشف طبيعة الواقعة الاجتماعية ، وتحديد ما اذا كانت مجموعة افعال متشابهة لمجموعة افراد يمكن تفكيكها ، أو انها فعل واحد لكتلة اسمها المجتمع ، بغض النظر عن افعال الافراد وتمايزاتهم.
نعرف ان معظم الجدل الاجتماعي يتناول المقاربة الأولى. فالذين عارضوا الفردانية على اساس اخلاقي ، ركزوا على كونها غطاء او مبررا للانانية. وهم على حق في القول بأن الفرد لا ينمو وملكاته لا تتطور في معزل عن الجماعة. ولهذا فليس من الاخلاقي التنكر لها بعدما شب عن الطوق وبات قادرا على المساهمة في حياة الجماعة وارتقائها.
أما دعاة الفردانية ، فرأوا ان استقلال الفرد ذهنيا وروحيا عن الجماعة ضروري ، لجعل مساهمته في حياة الجماعة اكثر جذرية وتأثيرا. وهم يقولون ان اهم التطورات في حياة البشرية ، حققها أفراد تمردوا على الافكار والمسلمات السائدة. ولولا انهم تجاوزوا بخيالهم وطموحهم حدود المشهود والمتعارف ، لما ابدعوا جديدا. جميع المبتكرين والمفكرين وقادة الامم ، كانوا من هذا النوع من الافراد الذين تجرأوا على مخالفة السائد ، وذهبوا وراء ما اعتبره غيرهم تخيلات وأحلاما او ربما اوهاما سخيفة.
يرى هؤلاء ان مساهمة الفرد الذائب في الجماعة ، ليست سوى تكرار لما يفعله آلاف الناس وما فعلوه في الماضي. بينما يوفر استقلال الفرد بفكره وتطلعاته وقيمه ، فرصة لخيارات جديدة واحتمالات غير مألوفة ، وهذا ما ينتج التقدم على مستوى الجماعة ، وأحيانا على المستوى الكوني.
جوهر الاشكالية إذن هي كينونة الفرد القائمة بذاتها والمستقلة عن اي رابطة اجتماعية. هذا ليس انكارا لقيمة الجماعة ومساهمة الفرد في حياتها ، بل هو مجرد تأكيد على أهليته وحقه في إنكار ارادة الجماعة ، اذا قررت شيئا يتنافى مع قناعاته تنافيا حديا ، وحقه في اختيار ما يحقق تطلعاته من نموذج حياة او معتقد او منهج تفكير ، ولو كان غير متعارف.
نحن إذن نتحدث عن الحاجة لوضع خط واضح يميز بين ما نعتبره رابطة عقلانية تشد الفرد الى الجماعة ، وبين الانصهار الكلي الذي قد يقود لتبعية عمياء تذيب ذاتية الفرد وتلغيها. جوهر المسالة اذن هي القولبة والتنميط القسري الذي يلغي ذاتية الفرد ، ويحوله من رقم قابل لان يكبر وينتج ، الى صفر يضاف الى ارقام اخرى هي الدولة او الجماعة او الطائفة او السوق.
الشرق الاوسط 6 يناير 2016
http://aawsat.com/node/537421/