الثلاثاء، 28 أكتوبر 2014

التقصير



الأستاذ فهد الدغيثر مندهش لأننا جميعا نعرف سبب نجاح مشروعات "أرامكو" وأمثالها لكننا لم نحاول التعلم من هذه التجربة التي تعيش بيننا منذ نصف قرن (الحياة 26-10). أما أنا فلم أندهش، لأن الأمر ببساطة يتعلق بإرادة التعلم. من لا يريد أن يتعلم فلن يتغير حاله ولو أمضى ألف سنة يتابع تجارب الآخرين. شاهدنا مئات التجارب الشبيهة، في المملكة وفي العالم. لكننا اكتفينا بالتسلية. نستأنس برواية نجاحات الآخرين، ثم نوبخ أنفسنا قليلا، ثم نقول لبعضنا: "من لا يعمل لا يفشل"، ثم نمتدح بعض أوهامنا وربما يبالغ بعضنا فيكتب مثلا أن ألمانيا تدعو للاستفادة من تجربتنا التعليمية، ثم نضحك على هذه الكتابات، ثم تأتي قضايا أخرى تنسينا سابقتها ونعيد الكرة: مشاهدة، تسلية، جلد للذات، تبرير للتقصير، امتداح للذات، وهكذا.
زبدة القول إننا لن نستفيد من تجارب الغير ما لم نقبل بدفع ثمن التعلم منهم. نحن بحاجة إلى شجاعة الإقرار بالقصور وعدم تبريره، والجاهزية لدفع الثمن المطلوب، لأن المعرفة لا تأتيك مجانا.
رأى الأستاذ الدغيثر أن المعيار الرسمي في المناقصات الذي يرجح الأرخص ثمنا على الأجود هو سبب تعثر المشروعات العامة أو تدني كفاءتها، وذكر أيضا ضعف التأهيل الهندسي للدوائر المعنية بالمشاريع. وأعلم أن كلا السببين صحيح. ثمة جسر صغير في القطيف، مضى على البدء في بنائه أربع سنوات وما زال ينتظر فرج الله. يدعي أهل البلدية أنهم اكتشفوا عيوبا فيه وأن المقاول اكتشف اختلافا في الوصف الجيولوجي للأرض التي أقيم عليها، واكتشف الجميع لاحقا أخطاء في تقدير الكلف .. إلخ. وكل هذه تساق كتبريرات للتقصير. لكن السؤال المسكوت عنه دائما هو: ما الإجراءات التي اتخذت بحق المسؤول الذي وقع على تلك المواصفات، والذي فاوض المقاول، ثم وقع على أهليته؟ هل جرت مناقشة إدارية أو فنية صريحة ووضع تقرير كامل عن القضية، هل اكتشفت الإدارة المعنية تقصيرا متعمدا أو جهلا بالعمل أو غفلة عن المتابعة؟ وهل تم تحديد المسؤول أو المسؤولين عن كل تلك الأمور، وهل تمت محاسبتهم؟
اعتقادي الشخصي أن الحال لن يتغير إلا إذا وضع نظام يجبر مديري الإدارات الرسمية على تقديم بيان علني موثق عن أعمالهم في نهاية كل عام، يذكر فيه بوضوح بنود خطة العمل المقررة سلفا وما أنجز منها وما تعطل وأسباب ذلك.
العلنية والشفافية والمحاسبة علاج عظيم لأمراض الإدارة العامة، وقد جربها غيرنا وثبت نجاحها. هذه أعظم تجربة ينبغي لنا تعلمها، لكن التعلم - كما أسلفت - رهن بالشجاعة والجاهزية لدفع الثمن. بعد معرفة تجربة العالم، أجزم أنه لا يوجد علاج دون شفافية ودون محاسبة علنية.

الاقتصادية 28-10-2014
http://www.aleqt.com/2014/10/28/article_899882.html

الأحد، 19 أكتوبر 2014

تنبيه الامة وتنزيه الملة : رسالة فقهية في الحكم الدستوري



تنطوي رسالة (تنبيه الامة وتنزيه الملة) على أهمية خاصة فهي اول محاولة مكثفة لفقيه بهذا المستوى تعالج اشكالية السلطة الدينية في العصر الحديث. كتبها في ظل حدث قائم هو الحركة الدستورية (ثورة المشروطة – ايران 1905م) . فهي تقارب ما يجري كل يوم ، وليست  تحليقا في الخيال ، أو تاسيسا على الفرضيات كما اعتاد كثير ممن كتبوا في هذا الموضوع.
تستهدف الرسالة بيان ان النظام السياسي الدستوري مشروع ومقبول من الناحية الدينية. وتكشف عن تطور مهم في فكر مجموعة الفقهاء الذين شاركوا في الثورة الدستورية ، يتجلى في تركيزهم – كما فعل المؤلف – على الدولة كمؤسسة وعلى سيادة القانون ومشاركة الشعب والحريات العامة ، ولعل العلامة النائيني من اوائل الفقهاء المسلمين الذين تحدثوا صراحة وبلغة دينية عن هذه المباديء الاساسية للدولة الحديثة.

المؤلف المرحوم الميرزا محمد حسن النائيني من اعاظم علماء الشيعة ، ومن ابرز مراجع التقليد ذوي الراي والنظر في القرون الاخيرة ، عدا عن ان شخصيته العلمية محل احترام وتقدير جميع الفضلاء والعلماء. اشتهر ببحوثه الاصولية العميقة سيما دفاعه عن دور العقل في التشريع واستنباط الاحكام . 

لتنزيل ملف الكتاب كاملا ، اضغط هنا 


الثلاثاء، 14 أكتوبر 2014

ان تكون مساويا لغيرك



من النادر جدا ان تسمع زعيما يدعو للشدة في معاملة الناس. جرت عادة الزعماء والعلماء على القول بان اللين هو السنة الصحيحة. ويستشهدون على هذا بآيات واحاديث وينقلون روايات تاريخية عن ملاينة الزعيم او العالم الفلاني لمعارضيه فضلا عن اتباعه.
لكن مفهوم "اللين" لا يفيد كثيرا في العلاقات غير الشخصية ، سيما مع المخالفين. مبدأ الملاينة صحيح في علاقة محددة بينك وبين شخص آخر. او في علاقتك مع اتباعك والاشخاص الذين تجمعك واياهم قناعة مشتركة ومفهوم واحد للحياة والعالم.
اما المعيار الناظم للمواقف العامة والعلاقة مع المخالفين فهو مبدأ "التسامح". التسامح هو الاقرار بأن لكل انسان حق في اختيار ما يراه مناسبا لشخصه من فكرة او اعتقاد او طريقة عيش او منظومة علاقات اجتماعية او موقف سياسي او تصور عن المستقبل.
ارضية هذا المبدأ هي الايمان بعقلانية الانسان وحريته ، وكونه قادرا على حساب عواقب قراراته وافعاله وتحمل المسؤولية المترتبة عليها. نحن ننظر للناس كعقلاء يتبعون ما توصلوا اليه بعقولهم. انت تؤمن بعقلك وحقك في اختيار معتقدك ونمط عيشك ومواقفك ، وترفض ان يلزمك الاخرون بما لا تريد وما تظنه غير معقول ، رغم انهم يرونه معقولا وصحيحا.
هذا حقك ولا غبار عليه. لكن عليك ان تعلم بان الاخرين ، الذين يتفقون معك والذين يخالفونك ، يملكون نفس الحق. واذا مارسوه فسوف يتوصلون الى خيارات مخالفة لخياراتك. ستكون رؤيتهم للحياة والعالم مختلفة ، اولوياتهم مختلفة ، ونظام عيشهم مختلف. اي انهم سيكونون مختلفين عنك او مخالفين لك. هذا حقهم ، مثلما أقروا بحقك.
ثقافتنا الموروثة ونظام تعليمنا والقيم الناظمة لعلاقاتنا الاجتماعية قائمة كلها على اعتبار ان ما عندنا هو الحق الوحيد ، وان كل مخالفة له باطل يجب انكاره وردعه. والحق ان كل ما نعرفه وما نؤمن به اجتهادات تقبلناها لاننا الفناها او تعلمناها ، فاقتنعت بها عقولنا او ارتاحت اليها نفوسنا. وهي قد تكون حقا كاملا او ناقصا.
 الاخرون الذين يخالفوننا اتخذوا طريقا آخر لانهم اقتنعوا به او ألفوه. ولديهم عليه ادلة مثل ما لدينا من ادلة وربما اكثر. وهم يرونه حقا مثلما نرى الذي عندنا حقا. وهم – مثلنا – يغيرون اراءهم وقناعاتهم بين حين وآخر ، فهل كان الاول باطلا والتالي صحيحا ، او العكس؟
لا يمكن لاحد  اثبات ان ما يقوله هو عين مراد الخالق او الحق الوحيد. كل انسان يجتهد في اصابة الحق بقدر ما اعطاه الله من عقل وحرية ، وهو مسؤول عن عواقب خياراته. ان اردنا ان نوصف بالتسامح فعلينا الاقرار بان الناس سواسية في عقولهم وحقوقهم. ليس لأحد ان يرفع نفسه فوق الناس ، وليس لأحد ان يظن الحقيقة واحدة وانه وحده العالم بها دون الناس.
الاقتصادية 14-10-2014
http://www.aleqt.com/2014/10/14/article_895776.html


الثلاثاء، 7 أكتوبر 2014

العامل الديني كمولد للعنف


دعنا نضع عضوا في "داعش" او نصيرا لها على طاولة المقارنة مع اشخاص آخرين من نفس البيئة او البيئات القريبة ، كي نبحث في الصفات الثقافية والنفسية والسلوكية التي تميز كلا منهما عن الآخر ، ثم نستقصي مصادر تلك الصفات. ثم نسأل انفسنا: لماذا أثرت تلك العوامل على الشخص الاول دون الثاني، اي ما هي المتغيرات التي تحدد مستوى او توقيت بروز النمط الداعشي.
هذا الاستقراء الذي يستدل بالظاهر على الباطن لا يستهدف تحديد العوامل المولدة للشخصية العنيفة ، بل عزل العوامل المشابهة التي تسهم في خلط الصورة ، وتمييزها عن المتغيرات المساعدة او المعاكسة. العوامل المنتجة للنمط الداعشي يمثل كل منها علة تامة ، اذا وجدت فسوف تنتج قطعا ذلك النمط ، اما العوامل الشبيهة فلا تلعب هذا الدور ولو تماثل ظاهرها مع العوامل السابقة. كذلك الحال بالنسبة للعوامل المتغيرة التي تلعب دورا مساعدا فحسب ، رغم ان وجودها ضروري لانتاج النمط او الحيلولة دونه.
الداعي لهذا الكلام هو شعوري بان النمط الداعشي لم يحظ بالاهتمام الذي يستحقه من جانب الباحثين السعوديين في علم الاجتماع وعلم النفس. معظم معرفتنا بهذه الظاهرة ثمرة لمقالات صحفية او كتابات اجنبية. وكلاهما لا يرقى الى مستوى البحث المتناسب مع اهمية الموضوع وخطورته. اجد ان كلا الصنفين متأثر بمواقف سياسية مسبقة ، وكليهما يركز على "دور التدين" في خلق النمط المذكور.
هناك بالطبع عناصر اخرى تذكر احيانا كتفسير لبروز الشخصية العدوانية. لكني اشعر ان المبالغة في التركيز على عنصر التدين خاصة اثمر عن تشويش فهمنا للموضوع. اني مدرك لأهمية الايديولوجيا في تحديد سلوكيات الافراد ، واثر الايمان والتدين في تبرير تلك السلوكيات وشحنها بقيمة متجاوزة للمعايير المادية والدنيوية. لكني – مع ذلك – اشك بقوة في دعوى ان التدين او الايديولوجيا هي العامل المولد للنمط الداعشي. اعلم ان منهجا دينيا محددا (السلفية المتطرفة مثلا) ارتبط بالنمط المذكور ، لكن من الضروري التساؤل: هل هذه علاقة علة بمعلول ، ام هو متغير مشروط بعامل او عوامل اخرى؟.
لو كان ارتباط علة ومعلول لوجب ان يترتب على كل الحالات نتيجة مماثلة. لكنا نعرف الافا من الناس يتبنون ذات المنهج وهم يعارضون النمط الداعشي. هذا يشير الى وجود عوامل اخرى. او ربما يدل على ان التدين هو عامل مساعد او متغير وليس علة. كذلك الحال في الظروف الاقتصادية التي اظنها اكثر اهمية من العامل الديني في توليد الانماط السلوكية. فالامثلة التي لدينا تؤكد انها ليست – بمفردها - علة تامة.

مرة اخرى فان الغرض من هذه التساؤلات هو دعوة الباحثين الى دراسة الظاهرة كموضوع علمي يستدعي بحثا مجردا ولو لم نصل الى نتائج قابلة للتطبيق ، وبغض النظر عن المواقف والتوجهات السياسية. 
الاقتصادية 7 اكتوبر 2014
http://www.aleqt.com/2014/10/07/article_894138.html