الأحد، 8 ديسمبر، 1996

الحركة الاسلامية ، الغرب والسياسة (3 من 3 )


بين الدعاية والتحليل

يكشف التامل في موقف الاسلاميين من الغرب ، والموقف الغربي من الحركة الاسلامية ، ان ثمة خلط بين ما هو اعلامي يستهدف استقطاب الساحة السياسية ، وما هو تحليلي يستهدف تكوين تصور دقيق للعمل ، وقد ادى هذا الخلط في معظم الاحيان الى سيطرة الاعلامي على التحليلي ، حتى اصبحت الحاجات الدعائية بوصلة للسياسة اليومية وليس العكس كما هو المفترض .
يستهدف الاعلام العدواني تعزيز مشروعية السياسات التي تختارها النخبة السياسية ، وبالطبع تعزيز نفوذها ، لكن هذه النخبة تصبح فيما بعد اسيرة للتوجه الذي صنعه الاعلام ، وتؤكد دراسة لكارلا كونينجهام ود. حسن جوهر نشرتها مجلة السياسة الدولية ، على ان التفكير السياسي الامريكي لايزال ـ بعد مرور ثلاثة عقود ـ محكوما بنظرية الدومينو ، التي جرى تطويرها خلال الحرب الفيتنامية ، لتبرير التدخل العسكري الاميركي في شرق وجنوب شرق اسيا منتصف الستينات ، ووجد الباحثان ان الموقف الامريكي من الاسلام السياسي المعاصر ، متاثر الى حد عميق بهذه النظرية التي لم يثبت صحتها في اي وقت في الماضي ، وحين تقرأ تصريحات الساسة الغربيين ، او تقرأ تحليلات الصحافة الغربية عن الحركة الاسلامية ، ستجد انها جميعا تنطلق من فهم واحد ، فحواه ان سيطرة الاسلاميين على بلد يعني ان البلد المجاور سيكون المرشح التالي ، وان هذه السيطرة تنطوي ـ بالضرورة ـ على تهديد فعلي للمصالح والسياسات الغربية .

في هذا النطاق يمكن الاشارة ايضا الى تحليلات مماثلة لدراسة صمويل هتينجتون الشهيرة عن صراع الحضارات ، التي تدعو الى تسخين جبهة الصراع مع العالم الاسلامي ، لتعويض الصراع الذي خبا مع انهيار المعسكر الاشتراكي ، فاستمرار الغرب في تصاعده يحتاج الى عدو حقيقي او مصطنع ، يستعمل في اثارة الحماسة بين الجمهور واهل السياسة ، وعلى الصعيد الاعلامي المباشر ، نشير الى افلام من نوع (الرجل الذي رأى المستقبل) الذي يستند الى تنبؤات لكاهن قديم ، وينتهي برسالة فحواها ان العالم موعود بحرب شاملة بين الشرق والغرب ، تبدأ حين يقرر زعيم اسلامي من سلالة النبي محمد (ص) شن هجوم صاروخي على كبريات المدن الاميريكية ، مع انه ينتهي كالعادة بانتصار البطل الامريكي .

على صعيد المسلمين يجري باستمرار تطوير تحليلات وامثلة وشعارات من نفس النوع ، تؤكد على عدوانية الغرب وضرورة الاستعداد لحربه ، وقد استعملت هذه الوسائل بنجاح في تعزيز السلطة في اكثر من بلد ، كما استعملت كوسيلة لشحذ همة المواطنين وتعزيز الروح الاستقلالية في بلدان اخرى ، وتركز الجماعات السياسية في العالم الاسلامي على الدور العدواني للغرب ومخططاته الخطرة ، لتعزيز الثقة بالايديولوجيا التي تتبناها ، او لتوجيه اللوم الى الحكومات المحلية التي تعارضها ، باعتبارها حليفة للغرب .

على ان هذا النوع من التوجيه ساعد في كثير من الحالات على حجب الحقائق عن الجمهور ، واثر على قناعات السياسيين ، ان كثيرا من السياسات الغربية تجاه الاسلام وتجاه الحركة الاسلامية تنم عن سوء تقدير للحقائق الميدانية ، كما ان كثيرا من سياسات الاسلاميين تجاه الغرب تدل على الارتجال في تحديد المصالح . واعتقد ان الولايات المتحدة واوربا الغربية فوتت بعض مصالحها ، عندما تجاهلت او اساءت تقدير التحولات التي حدثت في العالم الاسلامي ، والتي يمثل ظهور الحركة الاسلامية الحديثة ابرز تجلياتها ، ومن المؤكد انه سياتي اليوم الذي تتعامل فيه مع هذه الحقيقة ، التي كان ينبغي لها ان تتفهمها قبل فوات الاوان .

ومن ناحية الحركة الاسلامية فان اعترافها بحقائق الساحة ، شرط مهم لنجاح مشروعها السياسي ، ان اتجاهات التغير في ميزان القوى هو بوصلة السياسة ، ولا شك ان النفوذ الغربي يشكل ثقلا بارزا واساسيا في الكفة الاخرى من الميزان ، ولذلك فليس من الحكمة تجاهله او استبدال المعالجة المنطقية له ، بشعارات التحذير منه .

صراع ارادات

يراهن بعض الاسلاميين على تعديل قهري في ميزان القوى على الساحات القطرية ، بتعبئة الجمهور خلف الحركة وسياساتها ، مما يمكنها من حسم الامور بغض النظر عن موقف الغرب واراداته ، وقد حقق السيد الخميني نجاحا باهرا في هذا المجال ، واثبت انه بالامكان دائما تجاوز ارادة الغرب ، حتى في بلد مثل ايران التي كانت عمودا راسخا للنفوذ الغربي في غرب آسيا ، لكن السؤال الذي يظل قائما ، هو مقدار الثمن الذي ينبغي دفعه للبدء بمشروع كهذا ، وثمن المحافظة عليه ، ويتضح من متابعة السياسة الايرانية ان الثمن كان غاليا جدا ، وهو ما دعا القيادة الايرانية الى اعادة النظر في بعض سياساتها المصنفة ضمن هذا المشروع ، ومنذ عشر سنوات نلحظ توجها ايرانيا نشطا لفتح حوار مع الغرب وحلفائه للحد من خسائر الانقطاع السابق .

من جهة ثانية فان التركيز على المؤامرة الغربية ، قد يكون تبريرا للعجز او الانسحاب من ساحة المواجهة الواقعية ، ولهذا السبب فقد ادى الى تثبيط العزائم وهدر الطاقات ، التي كان يمكن ان تكون مفيدة لو وضعت في الاتجاه الصحيح ، يقول محفوظ النحناح في هذا الصدد (اعتدنا على اصطناع شماعات نعلق عليها مشاكلنا ، ولم نجد في اعراف المسلمين حاليا من يقول ان العيب فينا وليس في غيرنا ، الا ما شذ وندر ، نحن نقول دائما بالتفسير التآمري على امتنا . . . لكن ليس لدينا من الجرأة ما نفجر به القدرات الذهنية التي لدينا .. ).

 وعلى اي حال فان معظم الحركيين يعتقدون الان ، بان في وسع الاسلام ان يفرض ذاته ، بغض النظر عن وجود مؤامرة غربية في الواقع او عدم وجودها ، وهم ـ مؤيدو نظرية المؤامرة ومعارضوها ـ يعملون بناء على هذه الرؤية .  على ان التطور البارز هو تاكيد بعض الكبار على ضرورة الحوار مع الغرب ، مثل الشيخ القرضاوي الذي يقول (لاغنى عن الحوار مع الغرب ، فهو لايزال مؤثرا في بلادنا ،  في صنع القرار فيها ، وعلى عقول حكامها واراداتهم . . . الحوار مع الغرب فريضة وضرورة لنا حتى يفهم ماذا نريد لانفسنا وللناس ) ويؤكد السيد محمد حسين فضل الله على هذا التوجه ، حتى لو توقف الامر على تقديم بعض التنازلات من جانب الحركة الاسلامية (الحركة الباحثة عن امكانات الوصول الى اهدافها السياسية والفكرية تحتاج الى الاقاق المنفتحة ، التي تطل بها على ساحات الآخرين  . . . ان الانغلاق يعني عدم التواصل مع الآخرين الا من خلال خط المواجهة ، التي قد تربح جولة او اكثر لكنها لن تربح حربا على مستوى قضايا الروح والحياة ) .

تشير النوايا المعلنة اضافة الى التجربة الفعلية الى ان الغرب ـ الولايات المتحدة خاصة ـ عازم ، وقادر ايضا ، على اعاقة وصول الاسلاميين الى السلطة في البلدان التي ينشطون فيها ، لكن هذه القدرة ليست مطلقة ، وتاثيراتها في بعض الدول لا تزيد عن الازعاج والتضييق ، ولا تصل الى درجة تقرير السماح او المنع ، كما هو المثال القائم في السودان منذ 1989 وايران منذ 1979  ، ومثال لبنان واليمن والكويت ، وفي اعتقادنا ان وصول الاسلاميين الى السلطة في اي بلد ، مرهون بقدرتهم على فرض انفسهم ، من خلال تعبئة الشارع وراء مشروعهم ، والمؤكد ان الدور الغربي سيعتمد على ادوات محلية لاعاقة طموح الاسلاميين ، وهذا ياخذنا الى موضوعين آخرين ، هما موقع الاسلاميين وحصتهم من ميزان القوى المحلي ، وعلاقاتهم مع الفاعليات والقوى السياسية في البلد الذي ينشطون على ارضه ، فهذه القوى قلقة من طموحات الاسلاميين بمثل ما الغرب قلق ، وفي غياب التفاهم والحوار الجاد فان ثمن الطموح سيكون غاليا ، وقد يكون سببا لتحميل البلاد والعباد اعباء اضافية ، اذا قرر الغرب فرض عقوبات كما حصل الان في السودان ، ولهذا فلا محيص من التوصل الى صيغة للتفاهم تقوم على الاعتراف المتقابل بحد ادنى من الحقوق والمصالح ، بغض النظر عن كون هذه المصالح مشروعة او غير مشروعة ، عندما ينظر اليها مجردة عن شروطها الموضوعية .

الأحد، 1 ديسمبر، 1996

الحر كة الا سلامية ، الغرب والسيا سة ( 2 من 3 )


يتفق الحركيون الاسلاميون على ان الموقف الغربي من طموحاتهم السياسية يتسم اجمالا بمضمون عدائي ، مع انهم يتفاوتون في تحليل اسباب هذا العداء والطريقة المثلى لعلاجه ، على انه يمكن ملاحظة التباين بين المواقف العملية والمواقف النظرية بدرجة قد تثير الارتباك ، بالنسبة لايران مثلا فانها تسعى ـ لاسيما منذ نهاية الحرب مع العراق ـ الى تطوير علاقاتها مع الغرب ، بشرط احترام خياراتها الخاصة ، وهي لهذا السبب تميز بين الدول التي تستهدف الاضرار بالسيادة الايرانية ـ ويشار بهذا الى الولايات المتحدة عادة ـ وتلك المستعدة لعلاقات متكافئة ، مثل اوربا الغربية واليابان ، وكان التوتر الاخير في العلاقت الايرانية الالمانية مناسبة للزعيم الايراني خامنئي للتاكيد على الفارق بين الموقف من واشنطن  والموقف من اوربا الغربية . ومع التعثر في علاقاتها السياسية ، فانها نجحت في تطوير علاقاتها الاقتصادية بصورة ملفتة .

 ان اهمية الموقف الايراني تكمن في حقيقة ان ايران كانت تمثل منذ نهاية السبعينات ، راس الحربة في الصراع بين الاسلام السياسي والسياسات الغربية ، حيث حملتها العواصم الغربية الجانب الاكبر من المسؤولية ، عن تحول الحركات الاسلامية  الى العنف، وتوجيه هذا العنف ضد المصالح والسياسات الغربية بصورة خاصة .

ويبدو اجمالا ان موضوع العلاقة مع الغرب ليس محسوما وسط الحركة الاسلامية، ويتاثر تحليله بخطوط تاثير مختلفة من بينها المفاهيم الدينية المجردة في الجواز او عدمه ، حيث تدخل على الخط الافهام المختلفة للنص الديني ، كما يتاثر بالضرورات العملية ، وهي الاخرى مختلفة بحسب الوضع القائم في كل ساحة من ساحات الصراع ، ان كثيرا من الحركيين الذين يتخذون موقف العداء للغرب ـ اقله على المستوى النظري ـ يعيشون في الغرب ويحتمون بالنظام القائم فيه ، وقد كان هذا الامر مثيرا للجدل ، لاسيما في الحدود الفاصلة بين الضرورات العملية والاحكام الشرعية المجردة .

تصاعدت نبرة العداء للغرب بين الاسلاميين منذ اوائل الثمانينات ، حيث اصبح الموقف الغربي من العالم الاسلامي وقضاياه موضوعا للتعبئة واكتساب الشرعية عند الجمهور  ، ومن جانبه فان الغرب ولاسيما الولايات المتحدة التي فوجئت بتطورات الثورة الايرانية اصبحت شديدة القلق من نوايا الاسلاميين ، واتخذت سياسة لا يمكن وصفها بالحصافة في مواجهة توسع نفوذهم ، لذلك ينظر اليوم الى المواقف التي تصدر عن مفكرين او سياسيين غربيين في الدعوة الى تفاهم اسلامي - غربي ، كما فعل ولي عهد بريطانيا ، باعتبارها استثناءت بارزة .

نستطيع تلمس اتجاهين في تحليل الحركة الاسلامية للموقف الغربي من مشاركتها في العمل السياسي  :
الاتجاه الاول : لا يرى الغرب الا معاديا للمشروع الاسلامي ، سواء كان اصحاب هذا المشروع خارج السلطة او كانوا شركاء فيها ، ويميل هؤلاء الى الاخذ بالنظرية المعروفة بنظرية المؤامرة ، التي تراجعت قليلا في السنوات القليلة الماضية ، لتستعيد بعض زخمها المفقود من جديد ، مع اجتياح القوات العراقية لاراضي الكويت في اغسطس 1990 .

الاتجاه الثاني : يرى ان الموقف الغربي من الحركة الاسلامية ، معلل بقلقه من تراجع نفوذه في العالم الاسلامي  ، اذا ما تفاقمت القوة الاسلامية ، وهذا لا يتعلق بالحركة الاسلامية بصورة خاصة الا حين تكون في موضع المقارنة مع منافسيها المحليين ، والا ففي حالة الباكستان فان الولايات المتحدة عملت بجد لمنعها من تطوير سلاحها النووي ، على الرغم من ان السلطة لم تكن في يد الاسلاميين .

ويفلسف اصحاب هذا الاتجاه حالة العداء التي تطبع العلاقة بين الاسلام والغرب ، بالانقطاع الثقافي بين الطرفين والانعدام شبه الكلي للحوار ، في عالم تتأثر مصالح كل دولة فيه باي تغيير في دولة اخرى ، بدرجة تتناسب واهمية مصالحها فيها او حواليها ، اخذا بعين الاعتبار ان الغرب يحتفظ بمصالح مهمة ، في معظم بلدان العالم الاسلامية لا سيما الرئيسية منها .

الخلفية الدينية

وفي الماضي كان معظم المحللين في التيار الإسلامي ، وكثير من غير الاسلاميين ايضا ، يعتقد ان لدى الغرب مخططا تاريخيا ، يستهدف دحر الاسلام وابعاده عن الحياة العامة ، كتمهيد ضروري للسيطرة على العالم الاسلامي ، وشهد عقد السبعينات صدور عشرات من الكتب التي تؤكد على هذا التحليل ، وتعرض ادلته ، وثمة كثير من التحليلات يعرضها اسلاميون لوقائع معاصرة او من التاريخ القريب ، تحاول اثبات ان معظم ما يجري في العالم الاسلامي ، هو حلقات متصلة في مؤامرة يقودها الغرب ضد الإسلام والأمة الاسلامية ، لكن نظرية المؤامرة تراجعت بصورة ملحوظة في السنوات الاخيرة مع تصاعد قوة الحركة الاسلامية .

معظم انصار نظرية المؤامرة يرجعون الخلل القائم ، في العلاقة بين الاسلام المعاصر والغرب ، الى اسباب دينية بعيدة الجذور في التاريخ ، فهم يرون الغرب ممثلا لدور جديد ، من ادوار المسيحية او اليهودية ، ويستدلون بالاية المباركة التي تقرر استحالة قيام العلاقة معها على اساس الاعتراف المتقابل  (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) وفي هذا السياق يفسرون العلاقة التاريخية بين الحروب الصليبية والاستعمار ، الذي اعاد انتاج نفسه بصور اخرى من خلال نظام العلاقات الدولية ، الذي ساد بعد نهاية الحرب الكونية الثانية ولايزال قائما بامتداداته حتى اليوم .
وحسب اعتقادهم فان الغرب الذي يبني مواقفه على قاعدة الصراع بين المسيحية والاسلام ، كان واعيا لما يقوم به ، حينما ركز صراعه الايديولوجي ضد الاسلام ، على محور فصل الدين عن الدولة ، وتاليا الفصل بين الاسلام والحياة الاجتماعية ، وفي هذا السياق ، فانه لن يتهاون مطلقا في ترك الاسلام يعود الى الحياة ، ولاسيما الى الحكم ، بعد ان نجح في عزله وتحويله الى الهامش ، يقول الاستاذ أحمد بن يوسف في ندوة عن اوضاع الحركة الاسلامية بعد ازمة الخليج (ان التفسير المقنع لما يردده الساسة الاميركيون حول الالتزام الاخلاقي والادبي بدعم اسرائيل ، انما هو تاكيد على ان ديانة هذه البلاد هي في جذورها ديانة توراتية ، وضعت شروحها في قوالب عبرانية ... وقد ادى تاثير الكنيسة المسيحية الاصولية في الثقافة العامة للامريكيين ، الى تصوير الصراع العربي ـ الاسرائيلي في الخيال الامريكي وثقافته ، على انه امتداد للصراع التوراتي بين داود وجوليات ، وقد شكلت التوراة نتيجة لذلك مصدرا للايمان في التقاليد الامريكية ، وقوة مهمة في طموحه الوطني) .

وبناء على هذا التحليل ، فإن الغرب لن يسمح للحركة الاسلامية ، بالوصول الى السلطة عن اي طريق ، الا اذا استطاعت هي فرض نفسها كامر واقع ، اي ان مشاركة الحركة الاسلامية في السياسة لا يتوقف على التفاهم مع الغرب ، أو ان هذا التفاهم سيكون عديم الفائدة ، فهو في كل الاحوال لن يؤدي الى تغيير في موقفه التاريخي .

ان التجارب التي خاضتها الحركة في محاولتها للوصول الى الحكم ، او المشاركة فيه عبر القنوات الديمقراطية ، او عبر الاساليب الاخرى ، تدل ـ حسب اصحاب هذا الراي ـ على ان الغرب لن يدخر جهدا في اعاقة هذا التطور حيثما استطاع ، فمشروع الولايات المتحدة الامريكية كما يرى رئيس حركة الجهاد الاسلامي (يضع على راس مهامه في المرحلة الراهنة ضرب الحركة الاسلامية في المنطقـة وتصفيـة قضيتها المركزية)  وعلى هـذا ، يضيف د. رمضان عبد الله ، فان (الخيار المفروض على الحركة الاسلامية هو خيـار الصدام والمواجهـة ، بحيث اصبح التحدي الذي يواجهها الان هو ان تكــون او لا تكون) .

وبناء على هذا الرأي ، فان التفكير في امكانية ان يعود الغرب لاقامة نظام جديد للعلاقة مع الاسلام ، اساسه التفاهم ونبذ العداوة ، هو تفكير تنقصه الرؤية التاريخية .

علاقة اساسها المصلحة

اما التحليل الثاني فيرى ان المصالح الراهنة ، وليس الموقف التاريخي ، هي الاساس في صناعة السياسة الخارجية للغرب ، وهي تنطلق من ثوابت تمثل حاجات الحضارة الغربية ، من بينها على سبيل المثال ، محورية الدور الامريكي والاوربي في نظام العلاقات الدولية ، باعتباره الثابت الاساس لاستمرار قوة الغرب ورفاهية شعوبه ، ولهذا  فان السياسة الدولية للمعسكر الغربي ، هي نظام عالمي للسيطرة ، يتعامل مع بقاع العالم الاخرى من زاوية كونها ميدانا لمصالحه الاقتصادية ، ان النفوذ السياسي مكرس هنا لخدمة هذه المصالح التي تكفل له التفوق والإزدهار وبالتالي العظمة ، وعليه فان علاقته بالاسلام تتحدد من ذات الزاوية ، فحيثما كان الاسلام متساهلا ، لينا في مواجهته لنفوذ الغرب ، فان علاقة الغرب معه ستكون طبيعية وربما ودية ، وحيثما كان الاسلام عائقا لهذا النفوذ ، او مهددا لتلك المصالح فسيكون الغرب شرسا في مقاومته ، ومحاربا له على كل صعيد .

والاسلام في هذا الحال ، لا يختلف عن اي منهج ايديولوجي او سياسي آخر ، فالغرب مستعد للتضحية باقرب حلفائه اليه ، اذا بدر منه ما يشي بامكانية تحوله الى عقبة في طريق نفوذه ، وهم يضربون على ذلك امثلة من نوع اعلان الحرب على بناما في ديسمبر 1989 واعتقال حاكمها الجنرال نورييغا ، الذي كان حتى وقت قريب فتى واشنطن المدلل ، قبل ان يتمرد على على سياساتها ، وفي الخمسينات عملت واشنطن ولندن سويا لاسقاط رئيس الوزراء الايراني محمد مصدق بعد ان قرر تاميم مصالح البترول الغربية ، مع ان مصدق لم يكن اسلاميا ـ بحسب التصنيف المتعارف ـ بل كان قوميا ليبرالي الاتجاه ، وقد وصل الى الحكم بطريقة ديمقراطية تماما ، وضمن الاطار السياسي والقانوني القائم في البلاد .

ولم يكن الاسلاميون استثناء من سياسة الدوران حول المصالح هذه ، فقد حاولت الولايات المتحدة دون جدوى اقناع (حماس) الفلسطينية بالمشاركة في عملية السلام ، وقبلها دعمت المقاومة الافغانية بالمال والسلاح ، عندما كان الغرب بحاجة الى اضعاف النفوذ الشيوعي في افغانستان ، ثم اوقفت دعمها المالي والعسكري ، عندما زال خطر التوسع السوفييتي ، وفي كلا الحالتين فان الثورة الافغانية ، كانت ثورة اسلامية تقودها حركات دينية .

وكما دعم الغرب حركة اسلامية ثورية ، فهو في حالة اخرى دعم ولا يزال الانظمة التي تتبنى نمطا من الاسلام محافظا ، مثل حكومات مجلس التعاون الخليجي ، رغم انها لا تتبنى الاتجاه العلماني المفتوح في الحياة السياسية والاجتماعية ، المفضل لدى الغرب ، كما هو حال دول اسلامية اخرى حليفة ، مثل تركيا .

وهذا يظهر ـ حسب راي هذا الفريق ـ ان السياسات النقيضة للمصالح الاقتصادية الغربية ، وللنفوذ الذي يحتاجه الغرب لضمان قوته الاقتصادية ، هو الذي يصنع الموقف الغربي من الاسلام . ان ظهور الاسلاميين في كل مكان ، بمظهر من يعد العدة للانتقام من الغرب وتصفية مصالحه ، هو الذي يجعل الغرب قلقا من تنامي الحركة الاسلامية الجديدة ، ووصولها الى مراكز القرار ، وهذه المعادلة تمثل رد فعل راهن ، على فعل راهن ايضا ، وليست تعبيرا عن تاريخ مضى او استيحاء لتجربته .
ربما كان الموقف الغربي مستلهما من ثجربة تاريخية ، وربما كان تعبيرا عن قلق عن المصالح ، في كلا الحالتين فان جوهر المسالة يكمن في القدرة على احداث تغيير مناسب في توازن القوى ، فصناعة الحقائق الميدانية هو الوسيلة الوحيدة لتعديل السياسات ، او على الاقل ايجاد الارضية المناسبة للتفاهم ، ولهذا حديث اخر نعود اليه الاسبوع القادم .

السبت، 23 نوفمبر، 1996

الحركة الاسلامية ، الغرب والسياسة (1من3)



لاكثر من سبب اصبحت الولايات المتحدة ، وبدرجة اقل دول اوربا الغربية ، صاحبة نفوذ مؤثر في بلدان العالم الاسلامي ، يطال سياساتها المحلية بمثل ما يطال علاقاتها الدولية ، ويختلف حجم هذا النفوذ ، كما يختلف مستوى تاثيره بحسب قابلية البلد المتأثر ومضمون العلاقة القائمة بينه وبين عواصم التاثير ، ثم وبصورة اخص بحسب طبيعة تعاطي القوى السياسية فيه مع هذا النفوذ وانعكاساته ، ولان معظم الاقطار الاسلامية تقع ـ مباشرة اوغير مباشرة ـ في دائرة هذا التاثير ، فقد امسى من الضروري تلمس انعكاساته على فصائل الحركة الاسلامية ، التي تسعى للمشاركة في الحياة السياسية ، ان سعي الاسلاميين الى المشاركة في سياسة بلدانهم يجعلهم معنيين مباشرة بالعلاقة مع القوى التي تؤثر سلبا او ايجابا على هذا المسعى ، بلا فرق بين القوى المحلية والخارجية .

منذ سقوط المعسكر الاشتراكي اصبحت الديمقراطية كنظام للحياة السياسية ، الموضوع الاكثر استقطابا لاهتمام شعوب العالم ، لا سيما النخب المثقفة ، التي وجدت فيها خشبة النجاة الوحيدة ، من اعاصير القهر في ظل الانظمة الشمولية او التقليدية ، وفي الوقت الراهن فان معظم النخب يفضل الاتصاف بالليبرالية ، في اشارة الى تبنيه هذا التوجه ، لقد تحولت (الديمقراطية)  الى نمط قياسي ، ومسطرة تقاس عليها صحة او مشروعية المناهج ومشروعات العمل في السياسة  .
ومع ان كثيرا من دول العالم يطبق اشكالا من الحكم يصفها بالديمقراطية ، الا ان مطمح الآمال اليوم ، هو الصيغة التي تطبق في اوربا والولايات المتحدة الامريكية ، ربما لانها اكمل من غيرها ، وربما لانها تنتمي الى امم قوية وغالبة ، والمغلوب مأخوذ ـ كما لا حظ ابن خلدون ـ بما عند الغالب منبهر به .
ان تقدم الليبرالية الى المواقع التي اخلتها الاشتراكية ، هو تدليل على على تفوق النمط الغربي في الحياة والعمل السياسي على نظيره الماركسي ، وهو من ناحية اخرى ، صورة من صور التغير الكبير في السياسة الدولية ، الذي احدثه تفكك الاتحاد السوفيتي وسقوط الدولة الاشتراكية الام ، في ديسمبر 1991 .  ان هذا التاريخ هو بداية لانفراط نظام الاستقطاب الثنائي ، لصالح ما وصفه الرئيس جورج بوش بالنظام العالمي الجديد ، وهو في الجوهر نظام استقطاب احادي لصالح الولايات المتحدة الاميركية والدول الصناعية الحليفة  ، ومن المفهوم ان هذا الاستقطاب لا يقتصر على الناحية السياسية ، بل يتعداها الى الاقتصاد والثقافة والتوجهات المستقبلية عامة .

ديمقراطيات

منذ منتصف القرن الحالي حصلت معظم دول العالم الثالث على استقلالها ، واقامت انظمتها السياسية الوطنية ، على اسس ادعى جميع النخب التي ورثت الحكم من المستعمر انها ديمقراطية ، رغم ان العديد من تلك الانظمة كان استبداديا الى حد الاجرام .  وبالنظر الى اختلافها عن النمط الديمقراطي الشائع في الغرب ، وفشلها في ضمان الحد المناسب من حقوق المواطنين ، فقد قالت تلك النخب ان حداثة التنظيم السياسي ، وتخلف الاقتصاد في مجتمعاتها ، لا يسمح بتطبيق نموذج متقدم في العمل السياسي ، شبيه لذلك القائم في الدول الصناعية ، فهي تراعي عند تطبيق نماذجها الخاصة ، الحاجات الوطنية التي من اهمها الانتقال التدريجي الى عصر الدولة الحديثة . وحسب تعبير رئيس عربي كان يتحدث للواشنطن بوست فان موعد الديمقراطية سيحين عندما يصبح دخل المواطن مساويا لنظيره في اوربا الغربية .

وشهد العالم خلال هذه الحقبة التي امتدت من منتصف القرن تقريبا الى وقتنا الحاضر ، ظهور ما يطلق عليه الانماط الوطنية في الحكم ، وهي عبارة عن تجميع انتقائي من الليبرالية الغربية بعضها ، ومن الماركسية البعض الاخر ، وقد صيغت تلك الانماط على شكل ديمقراطية حقيقية في بعض الاحيان ، يتجلى فيها التمثيل الواسع لشرائح الشعب ، والقدرة على المحاسبة العلنية لاصحاب القرار ، اضافة الى قدر معقول من الحريات العامة ، والتداول السلمي للسلطة ، لكن العيب الوحيد فيها انها كانت محكومة في اغلب النماذج بفلسفة حزب وحيد ، وكانت في نماذج اخرى ديمقراطية نخبوية ، لا تتجاوز في التطبيق الاطارات الخاصة لهذا الحزب ، او مجموعة محددة من الاحزاب المتحالفة ، ومثل ذلك الديمقراطية حسب نظام الفئات الاجتماعية ، الذي طبقته بعض الدول العربية.

وبشكل عام فان تلك الانظمة ، لم تبن على اساس التمثيل الحقيقي للشرائح المختلفة في البلاد ، ولم تعبر عن التعدد الفكري او السياسي القائم في المجتمع ، كما لم يتاسس النظام السياسي على قاعدة رجوع الدولة الى الشعب في مشروعيتها وحقوقها ، بل اعتمد بناؤها على اساس تفوق الدولة ومرجعيتها وارجحيتها في التراتب مع المجتمع ، كما وضع نظام للتمثيل يقوم على تصنيف انتقائي للقوى الاجتماعية ، كما تراه او كما تريده النخب الغالبة .

وقد كان الغرب من اشد الداعين الى ديمقراطية مفتوحة ، تتجاوز هذه الاعتبارات ومبرراتها ولهذا فلم تصنف اي  من حكومات العالم الثالث في الادبيات السياسية الغربية ، باعتبارها ديمقراطية حقيقية . ان البديل الذي يطرحه الغرب هو ازالة القيود الحكومية التي تحول دون التعبير الحر عن الراي ، ومن ثم تحكيم صناديق الاقتراع ، باعتبارها الآلية الوحيدة التي يمكن من خلالها التعرف على ارادة الشعب ، وحصول ممثليه على المشروعية القانونية اللازمة لقيامهم بمهام التمثيل السياسي ، بغض النظر عن الادعاءات التقليدية بحاجة البلد الى نمط خاص من الحكم ، او الى فلسفة خاصة للقيادة .

ويعتبر الغرب ان تحرير السوق هو المقدمة الضرورية لقيام نظام سياسي ديمقراطي في العالم الثالث ، حتى ان الانظمة التي تطور تجربة ديمقراطية حقيقية ، لم تحض بالاعتراف الغربي بقيمة تجربتها ، الا بعد ان حررت نظامها الاقتصادي من قيود التوجيه السياسي المركزي ، واعادت صياغته على اساس المبادرة الحرة وتحكيم اليات العرض والطلب ، وقد ادى هذا الربط الذي وجده بعض السياسيين في العالم الثالث متكلفا ، الى اثارة الشك في دوافع الاصرار الغربي على اشاعة الديمقراطية ، ذلك ان تحرير السوق المحلية قد ادى ـ في اكثر البلدان النامية ـ الى جعل الاقتصاد الوطني الضعيف او الحديث النشأة ، نهبا لضغوط السوق الدولية القاهرة ، التي تسيطر عليها بصورة مطلقة الدول الصناعية وشركاتها الكبرى ، وبالتالي فقد بدا كما لو ان دعوة الغرب للديمقراطية ، لا تستهدف سوى اضافة مجالات عمل واستثمار جديدة ، للاقتصاد الغربي ، المتعطش للتوسع على المستوى الكوني .

سياسة انتقائية

في السنوات الاخيرة اعلن العديد من الاحزاب والتيارات الاجتماعية ، بما فيها تلك التي تتبنى ايديولوجيات شمولية ، تبنيه لأسلوب العمل والصراع السياسي ضمن المفاهيم والاطارات الديمقراطية ، على نفس الاسس التي تدعو لها الليبرالية الغربية ، وبالنسبة لدول المعسكر الاشتراكي السابق ، فان جميع الاحزاب الشيوعية التي اطيح بها ، قد اعادت تشكيل نفسها على اسس جديدة ، تتضمن الغاء البرامج التي تشير الى حكم شمولي ، او احتكار للسلطة او استخدام مكثف للايديولوجيا في الممارسة السياسية ، بل ان بعضها ـ كما هو الحال في بولندا مثلا ـ يعرض برنامجا اقتصاديا لا يختلف من حيث الجوهر عن برامج الاحزاب الليبرالية . والى هذا الاتجاه ايضا مال كثير من الحركات الاسلامية ، بل لقد اثار الشيخ راشد الغنوشي وهو من ابرز زعماء الحركة الاسلامية دهشة الكثير من رفاقه حين انتقد علانية قرار الحكومة التونسية بحرمان الحزب الشيوعي من الترخيص الذي يخوله ممارسة العمل بصورة قانونية ، اما حزب الرفاه التركي فقد تجاوز في تعاطيه السياسي كل الخطوط .

 وبالطبع فقد وجد هذا الاتجاه ترحيبا بالغا من جانب الغربيين ، الذين ربما وجدوا فيه تاكيدا لانتصار فلسفتهم في العمل السياسي ، او طارا لدمج العالم في نظام سياسي يدور حول محور مركزي ، وهو جوهر فكرة النظام الدولي الجديد الذي تروج له الولايات المتحدة الأمريكية .

 لكن من غرائب المفارقات ، ان الغرب الذي دعا لهذا التوجه ودافع عنه بصلابة ، يبذل المستحيل لمنع تحوله الى خيار واقعي ، في البلدان التي تقوم فيها حركة اسلامية واسعة النفوذ ، راينا هذا في الجزائر مثلا حيث عبرت الولايات المتحدة وجميع دول اوربا الغربية ، عن تاييد صريح او ضمني لالغاء نتائج  الانتخابات النيابية بعد ان تاكد فوز الاسلاميين ، وكانت قد اظهرت قلقها من هذا الاحتمال قبل ان تظهر نتائج فرز الاصوات ، بل نقل عن الرئيس الفرنسي ـ يومئذ ـ فرانسوا ميتران قوله ان فرنسا قد تعود للحرب في مستعمرتها السابقة ، فيما لو اصبح الحكم بيد الاسلاميين ، وفي الوقت الراهن فان الصمود الذي يبديه الحكم المدعوم من الجيش في مواجهة المشاكل العويصة ، يرجع في جانب كبير منه الى الدعم الغربي ، السياسي والمادي .

ليس المراد هنا هو اثبات ان الغرب يعمل في السياسة الخارجية بمعيارين متناقضين ، فذلك هو الامر الطبيعي لدولة عظمى ، او مجموعة دول قوية ، تعتبر العالم كله ميدانا لعملها السياسي ، وبالتالي مصالحها الاقتصادية ونفوذها ، الذي يشكل اساس نظام العلاقات الخارجية للقوة العظمى .
القضية المحورية هي مدى واقعية النظام الديمقراطي ومؤسساته ، كإطار للعمل السياسي في البلدان الاسلامية التي تتاثر بالسياسات الغربية ، ومدى صدقية الدعوة التي ينادي بها ذلك الفريق من الاسلاميين ، الذين يدعون للمشاركة الكاملة في اللعبة السياسية ، ضمن المعادلات القائمة فعلا في كل قطر ، باعتبارها الوسيلة الامثل للوصول الى السلطة ، او على الاقل المشاركة فيها .
ومن الواضح ان الغرب حريص على اصلاح من نوع ما ، في سياسة البلدان التي تقع ضمن دائرة نفوذها التقليدية ، لكن هذا الاصلاح يجب ـ وفق المنظور الغربي ـ ان يتم في اطار استمرارية النظام القديم ، لا في اطار الانقلاب عليه والغائه ، هذا ما يظهر من السياسة الغربية تجاه العراق ايضا ، الذي على الرغم من ان حكومته قد خاضت حربا فعلية ضد الغرب اثر احتلاله للكويت ، الا ان الولايات المتحدة واوربا الغربية ، تقاعست عن القيام باي خطوة جدية لدعم جهود المعارضة الرامية للاطاحة بالنظام العراقي ، ان حلول المعارضة العراقية محل حكومة صدام حسين ، يمثل انقلابا كاملا في التاريخ المعاصر للعراق ، ولا يبدو ان الغرب مستعد لدعم تحولات انقلابية من هذا الحجم ، حتى لو كان في ظرف مثل ظرف العلاقة الحالية بينه وبين بغداد .

 والحقيقة ان الولايات المتحدة الامريكية واوربا الغربية لم تقم ـ على رغم ادعاءاتها ـ باي خطوات ملموسة تستهدف دعم التحول السلمي نحو الديمقراطية في أي بلد مسلم ، واذا اردنا التحفظ فانه لا يمكن وصف الدعم السياسي الذي قدمته لقليل من البلدان ، الا باعتباره دعما سلبيا ، أي عدم اعاقة تحول كان يتبلور اصلا في ميدان الواقع ، كما حصل في لبنان عقب الحرب الاهلية وكما حصل في الكويت بعد تحريرها من الاحتلال العراقي ، واليمن بعد الوحدة ، اذ يمكن الاشارة الى ان واشنطن والعواصم الاوربية لم تتدخل لاعاقة التحول ، لكن لا يمكن العثور على ادلة تؤكد انها قدمت دعما اكثر من هذا .

وقد أدى الفتور الغربي تجاه الاصلاح السياسي في العالم العربي خاصة ، الى احياء نظرية المؤامرة التي كانت حتى وقت قريب ، المنظار الذي ينظر من خلاله الاسلاميون الى الغرب والعلاقة معه ، لقد غابت هذه النظرية عن الساحة لبعض الوقت ، لكن السلوك الغربي تجاه الدول العربية ، لا سيما تلك التي يسعى الاسلاميون فيها الى المشاركة السياسية ، قد اعاد احياءها من جديد ، وتجد تداعيات هذه النظرية في معظم التحليلات التي تنشرها الصحافة الاسلامية وتتعلق بقضية للغرب فيها علاقة .

الأحد، 17 نوفمبر، 1996

الحركة الاسلامية ، الجمهور والسياسة


حتى اواخر السبعينات كان الكتاب الاسلاميون يشككون في مشروعية مشاركة الشعب في السياسة ، وكانوا يتساءلون عن امكانية تحكيم (العامة) الجاهلة او التي لا تعرف الشريعة ، في امر الدولة التي تسيرها الشريعة السماوية ، وكيف يستطيع (العامي) ان يختار الامام الصالح ، وكيف يمكن السماح لهذا العامي بالتصويت (مع او ضد ) سياسة او قانون يفترض انه مطابق لاحكام الله ؟ .

ويبدو لي ان اشكالية تدخل العامة في السياسة ، لم تنشأ كنتيجة لافتراض (سماوية) النظام السياسي وسياساته ، وان كان هذا الافتراض قد ساعد ـ لاحقا ـ على تبرير وجودها  ، ان منشأ الاشكالية يرجع في تقديري الى غياب أي تصور ايجابي عن دور (الجمهور) في التراث التاريخي الاسلامي ، التراث الذي هو بالدرجة الاولى نتيجة للتجربة السياسية ، اكثر مما هو تجسيد للنظرية في تجريدها الاولي ، ولان الامر كذلك ، ولان التراث الاسلامي يشكل الخلفية الثقافية لكل المسلمين المعاصرين ، فان الحركة الاسلامية لم تنفرد في تغييب فكرة المشاركة الشعبية ، انه غياب مشهود عند كل التيارات الاجتماعية العاملة في ميدان السياسة العربية .


لقد ركزت تعاليم الاسلام الاولى (كما تظهر في الكتاب والسنة ) على انصاف الضعفاء (وهم عامة الناس يومئذ)  وحق الجمهور ، ومسؤولية كل فرد منهم عن امته ، وقيام الدين على اكتافهم ، ورجوع الامر العام اليهم ، يقول علي بن ابي طالب في وصيته لاحد ولاته (انما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للاعداء العامة من الامة ، فليكن صغوك لهم وميلك معهم - نهج البلاغة 624)  الا ان الممارسة الفعلية للسياسة لا سيما منذ انتهاء عهد الخلافة الراشدة ، ادت الى احياء القيم الاجتماعية القديمة التي كانت تفصل بين عامة الناس وخاصتهم ، وتركز على التفاضل الطبيعي في المكانة والدور بين الخاصة والعامة ، بكلمة اخرى فان التراتب الاجتماعي القديم قد اعاد بعث نفسه في اطار السياسة الاسلامية ، بينما توارى الى حد بعيد منهج التفاضل الديني الذي يعتمد القيمة الذاتية للشخص ، المتاتية عن علمه اوكفاءته او سبق خدمته ، بغض النظر عن انتمائه القبلي او العرقي .

وقد جرى تنظير هذه الممارسة فاصبحت معلما من معالم التفكير الاسلامي ، يقول د. حسن الترابي في هذا الصدد (كان الائمة الاوائل يذكرون في كتبهم ان هذا الراي هو ما راينا عليه الجماعة ، فكان تعبيرا عن الراي العام ، ثم اصبح الراي للشيوخ وحدهم ، وهذا يعني ان اصل الفقه قد تبدل تماما) ولو نظرت في كتابات قدامى الفقهاء الذين تعرضوا للشأن السياسي ، لوجدتهم ينظرون الى الدولة باعتبارها ملخصة في الوالي ، وهم مع دعوتهم الولاة الى الانصاف والرحمة بعامة الناس ، اغفلوا الحديث عن موقع الجمهور في النظام السياسي ، بل ان كثيرا منهم انكر حق العامة في التعبير عن خياراتهم اذا خالفت الخيارات الرسمية ، خوفا من الفتنة ، او اختلال نظام الامة (انظر على سبيل المثال قاطعة اللجاج للكركي ، عوائد الايام للنراقي ، الاحكام السلطانية للماوردي ، السياسة الشرعية لابن تيمية) .

وقد بقي اشكال التفاضل الطبيعي سائدا حتى في وسط الحركات النهضوية المعاصرة ، وفي اوائل القرن العشرين ، كان الشيخ محمد عبده يرى ان الخطوة الاولى لاخراج الامة الاسلامية من مأزقها ، هي اقامة مدرسة لتخريج نخبة جديدة (اي خاصة بديلة) تقود المجتمعات الاسلامية ، ولا يزال كثير من المثقفين يتحدث عن المستبد العادل باعتباره خيارا مثاليا ،  كما نستطيع ملاحظة ان التاريخ المسجل عن المحاولات الاصلاحية ، ومحاولات النهوض التحرري في العالم الاسلامي ، لا تتحدث عن دور لعامة الناس خارج الدور الاساسي والمطلق للخاصة .

 ويظهر انعكاس هذا التفكير حتى اواسط القرن العشرين ، حينما تحدثت فصائل حركة التحرر العربية عن تحرير الاوطان واستنقاذ حقوق الشعب ، ودعت الى الاطاحة بالطبقات المتنفذة (الخاصة) فانها توجهت في وقت لاحق الى ممارسة لا تختلف كثيرا عن تلك التي ورثناها عن التجربة القديمة ، فالذي جرى بالفعل هو تاسيس نخبة (خاصة) جديدة بدلا عن النخبة القديمة ، بينما لم يحصل الجمهور (باعتباره عامة) على أي من الحقوق المقررة له ، او المزعوم السعي لاعادتها اليه .
العام ، تابعا للسياسة اليومية للدولة متاثرا بما يقوله اهل الخاصة  الجدد ، او سلبيا قانعا بحياة هي الى قتل الوقت اقرب منها الى استثماره ، ان التجربة الناصرية التي لعب الشعب خلالها دورا بارزا في الدفاع عن سياسات الدولة ، لم تؤد الى اعادة تنظيم الحياة السياسية بحيث يصبح المجتمع سيدا للدولة ، وقبلها تجربة الثورة الجزائرية ، ومثلهما جميع تجارب النهوض التي جرت في اكثر من قطر عربي او مسلم .

وتظهر هذه التجارب جميعا ان دور العامة في الحياة السياسية ، ليس من الافكار التي تتمتع بامتداد تاريخي في ثقافة المسلمين ، ان وجود هذه الفكرة وممارستها الراهنة ، انما هي احد وجوه التاثير الثقافي للغرب على العالم الاسلامي ، فنحن قد استوردناها كما استوردنا الكثير من عناصر التفكير ، وعناوين الممارسة السياسية والاجتماعية التي نتداولها اليوم او ندعو اليها ، ولانها كذلك فسوف تبقى مورد جدل بين اصحاب الفكر والسياسيين ، لفترة طويلة ، حتى تعثر على اطار نظري يعيد تشكيلها ضمن النسيج الثقافي الاسلامي ، ولانها كذلك ايضا ، فان رفعها كشعار في ميدان السياسة لا يعني ـ بالضرورة ـ انها ستوضع قيد التطبيق من جانب الدعاة اليها ، حينما يصبح بيدهم الامر والنهي والحول والطول ، انهم قد لا يرون الجمهور ـ بالنظر الى الخلفية الثقافية التي سبق ذكرها ـ الا تابعا او مؤيدا متأثرا ، لا سيدا للسياسة وصاحب قرار قادر على المحاسبة والنقد والترجيح ، كما هو مفترض اذا اخذنا بعين الاعتبار  جوهر فكرة المشاركة السياسية .

لكي تتحقق المشاركة الشعبية في السياسة فلا بد من مقدمات ، اهمها العلنية وحرية الوصول الى المعلومات ، وحرية التعبير ، واعتبار الحزب السياسي ، سواء كان في المعارضة او السلطة ،  مسؤولا امام جمهوره ، وتقرير ارجحية الشعب كمجموع على الدولة او الحزب ، وهذا ما يتعارض مع التقليد المتفق عليه في جميع المجتمعات المسلمة ، والقاضي باعتبار السياسة كنزا للاسرار ، واعتبار التعبير الحر عن الراي ذريعة للفتنة .

وبالنسبة للحركة الاسلامية الحديثة ، فقد كان يبدو ان الجميع متفق ـ تصريحا او تلويحا ـ على الافتراضات السابقة ونتائجها ، ما يتعلق منها خصوصا بعدم امكانية وضع الجمهور العام ، في موضع الحكم على الاشخاص المرشحين للولاية ، والمناهج المقترحة لقيادة الحياة السياسية ، لكن الامر لم يكن موضع جدل ، حتى منتصف السبعينات على الاقل ، بالنظر الى عدم وجود مصاديق للموضوع ، اما في السنوات اللاحقة ، ولا سيما منذ اوائل الثمانينات ، فقد اصبح الامر موضوعا لجدل حقيقي ، بعد ان ظهر لكثير من الاسلاميين ان بامكانهم الاعتماد على الجمهور (العامي) في رفع كلمة الاسلام ، واقامة دولته المنشودة ، وظهر ان تعبئة الجمهور هي الخيار الوحيد ـ في معظم الاحوال ـ المتاح لهؤلاء السياسيين الطامحين الى الفوز في ميدان السياسة ، ويبدو ان الجدل قد حسم عند الجميع لصالح فكرة الاعتماد على القوة الشعبية ، كبديل عن القوى الاخرى التي احتكرها المنافسون ، مثل قوة الاعلام والتنظيم فضلا عن القوى التي يتيحها امتلاك الدولة .

لكن الامر الذي لم يحسم هو المكانة الحقيقية لهذا الجمهور في المعادلة السياسية ، فهل سيقتصر دوره على تقديم التضحيات من اجل انتصار الحزب الذي يرفع الشعار الديني ، ام سيكون هذا الانتصار اشارة الانطلاق نحو المرحلة الاهم والاكثر جذرية ، في السباق من اجل تجديد الحياة السياسية ، المرحلة التي عنوانها استعادة المجتمع لمكانته الطبيعية كسيد للدولة ، بعد ان بقي طوال قرون تابعا لها في احسن الاحوال ، واسيرا في معظم الاحوال .

الشورى والديمقراطية

وفي ايامنا هذه ، تثار قضية المشاركة الشعبية في وسط الحركة الاسلامية ، تحت عنوان الشورى والديمقراطية ، لقد اصبح من المعتاد مشاهدة فريق من الاسلاميين المعاصرين ، من اصحاب الاتجاه التجديدي خصوصا ، يتحدثون عن الديمقراطية باعتبارها الصيغة العصرية لفكرة الشورى التي وردت تكرارا في المصادر الاسلامية ، والتي ينظر اليها كأساس للعلاقة بين الحاكمين والمحكومين في النظام السياسي الاسلامي .

وعلى الطرف الاخر تجد اسلاميين يتحدثون عن الديمقراطية باعتبارها ضربا من الكفر ، بحجة انها فكرة مستوردة ، وان الدعوة اليها تنطوي على تهوين من قدرة الاسلام على ابداع ادوات عمله الخاصة ، اذ ان الاعتقاد ـ يقول بعض اصحاب هذا الراي ـ بان ما في غير الاسلام من الافكار ، هو افضل مما في الاسلام او ان في الاخذ به غنى عما في الاسلام ، هو جحود لعلو التشريع الاسلامي ومطلقية الحق فيه .

لقد وصلنا بالنقاش حول العنوان الى حد التكفير او التبديع ، وما سياتي بعد تجاوز العناوين الى الموضوع ذاته ، سيكون بلا شك ادهى وامر . واذا اردنا الاخذ بصيغة الشورى كما وردت في الادبيات الاسلامية القديمة ، فلا ريب ان الديمقراطية بصورتها الراهنة شيء آخر مختلف ،  لا علاقة له بالشورى التي عرفناها في تاريخنا ، انها بكلمة اخرى نظام قائم بذاته ، كما ان الشورى نظام او جزء من نظام قائم بذاته ، واذا كنا سنقول ان الديمقراطية هي الصيغة المعاصرة للشورى الاسلامية ، فلنقل من باب اولى ان  الصيغ الموروثة من الشورى القديمة ، ليست صالحة للتطبيق في هذا العصر ، وان الاخذ بالنظام الديمقراطي ، ياتي من باب حق المسلمين في الاخذ من اسباب الحياة بما يرونه صلاحا لحالهم ، وهذا حق ثابت لهم في الشريعة ، فلا صلاح للاسلام اذا لم يصلح حال ابنائه ، ولا صلاح لحال المسلمين مالم ينظروا في ادوائهم ويتفقوا على سبيل العلاج . اردنا القول بان المماهاة بين الشورى والديمقراطية لا يخلو من الافتعال والتكلف ، وانه اذا ثبت كون الديمقراطية صحيحة كنظام سياسي ، فليس لانها صورة عن نظام الشورى القديم ، بل لاسباب اخرى .

هذه ناحية اما الناحية الثانية فانه من الصعب البرهنة على ان الصيغة القديمة لنظام الشورى ، كما طبقت في عصور السلف المتقدمين ، هي النظام الذي اراده الاسلام لسياسة البلاد ، في كل الازمنة والامكنة ، وعند التطبيق قد لا تختلف هذه الصيغة النظرية ، عن الصورة التي يمارسها الحكام الجبريون ، لا سيما اهل الاستبداد منهم في سياسة الدولة ، لقد كانت صورة الشورى التي طبقت في تلك العصور ـ على ما يؤخذ عليها ـ الحد الممكن مع ظروف الانقطاع الجغرافي بين العاصمة والاطراف ، وعدم القدرة على تدوير المعلومات بالسرعة المناسبة بين المركز وخارجه ، بل بين عدد كبير من الناس في المركز نفسه ، ان المعلومات هي القاعدة الاساس في صناعة القرار والمشاركة فيه ، ضمن دائرة اوسع نطاقا من العدد المحدود من الخاصة القريبين او المقربين من دائرة القرار ، الذين يمكن تشبيههم اليوم بالنخبة السياسية ، ان ظرف الانقطاع هذا لم يعد له وجود في عالم اليوم ، مع تحول الكرة الارضية الى قرية صغيرة ، تنتشر فيها المعلومات بسرعة كافية لتمكين ابعد الناس عن المركز ، من المشاركة الفاعلة في صناعة الموقف من قضية معينة ، كما لو كان حاضرا في مكان اتخاذ القرار .

لقد اوردنا هذه الاشكالات لكشف حقيقة ان هناك حاجة الى تحديد الموقف الاسلامي من القضايا الراهنة ، لا سيما القضية الاكبر والاخطر وهي قضية السلطة ، ان العرض السابق يكشف ايضا عن الحاجة لتفكير جديد غير متقيد بالعناوين ، وغير خاضع لجبر التاريخ .

ان الاسماء كما هو متفق عليه جسور الى المعاني ، فلايصح اتخاذها بديلا عن مضامينها ، ان تقرير النموذج الاسلامي في السياسة ، هو اليوم اشد ضرورة من أي وقت سابق ، بالنظر الى ان العالم الاسلامي يتعرض مثل غيره من العوالم لتيارات التجديد في السياسة ، وهي في المجمل متجهة نحو اقرار النموذج الغربي الذي ينطوي تحت عنوان الديمقراطية ، واظن ان تحديد بديلنا ، اجدى من اثبات شوروية الديمقراطية او ضرورة الشورى ، او المحافظة على الاسم حتى ، قد نذهب بعيدا في الجدل حول مضامين التاريخ ، بما يجعلنا نغفل عن متطلبات الحاضر ، فلا نصحو الا وقد اصبحنا واسلامنا خارج التاريخ .
مقالات ذات علاقة