الخميس، 31 مارس، 2005

مجتمع العقلاء

فكرة الدولة الحديثة في نموذجها الليبرالي ، هي من غير شك ثمرة المعالجة الرائدة للمفكر الفرنسي جان جاك روسو الذي اشتهر بعمله الابرز "العقد الاجتماعي".

والحقيقة ان توماس هوبز هو الذي ابتكر نظرية العقد الاجتماعي ، لكن الاضافات التي وضعها روسو وتفسيره الجديد لفلسفة قيام الدولة ومسارات الحياة والعمل الجمعي في المجتمع السياسي ، هي التي جعلت هذه النظرية تنسب اليه في المقام الاول. ولهذا فان اعماله تلقت قدرا اقل من النقد من جانب الباحثين والمنظرين اللاحقين له ، خلافا لاعمال هوبز التي لا تزال موضعا للمجادلة بين الباحثين حتى يومنا هذا.

رأى هوبز المجتمع الانساني قبل الدولة ميدانا للصراع بين المصالح المتنافسة المتاتية من نزعة طبيعية في الانسان للتملك والسيطرة والاستمتاع . وراى ان المجتمع اقام الدولة من اجل ان تحميه من شرور نفسه في المقام الاول. وفي رايه ان تحقيق هذا الغرض يستوجب اقامة حكومة ذات جبروت ، ولهذا لم يعترض على الطغيان واعتبره نتيجة طبيعية لقيام الدولة .

اما روسو فقد نظر الى المجتمع الانساني باعتباره منظومة عقلائية ووصف اتجاه البشر الى العيش معا وتبادل المصالح باعتباره الدلالة الابرز على عقلانية الانسان . ومن هذا المنطلق فقد راى في اتفاق الناس على اقامة الدولة ، عملا عقلائيا ، يتناقض مع قبولهم بطغيان الدولة او جبروتها.
وخلافا لفكرة مجتمع الشقاق التي تبناها هوبز كوصف لمرحلة ما قبل الدولة ، فان روسو وصف المجتمع الانساني في تلك المرحلة الافتراضية بالمجتمع المدني . 

ومن هنا فان فكرة المجتمع المدني التي انتشرت منذ اواخر ثمانينات القرن العشرين تنسب في الاساس اليه . المجتمع الانساني – في راي روسو – قادر على العيش مع الدولة او بدونها ، وفي كلا الحالتين فانه اميل الى التوافق والسلام واقامة علاقات مصالح بناءة . ان عقلانية البشر هي التي تدفعهم الى التسالم والتوافق والعمل المشترك . ومن هنا قال بان الغرض الاساس للدولة ليس المحافظة على النظام العام وقمع المشاكسين – كما ذهب توماس هوبز – بل تنظيم العمل الجمعي الهادف الى تحسين مستوى الحياة والمعيشة لعامة اعضاء المجتمع . على هذا الاساس فقد قرر روسو ان ممارسة الدولة للقمع ضد المجتمع ككل او ضد جزء منه ، هو نقض صريح لفلسفة وجودها

ومثلما عالج هوبز مشكلة العلاقة بين الدين والدولة ، فقد عالجها روسو ، لكن من منظور مختلف . ركز هوبز جل اهتمامه على نفي حق الكنيسة في الطاعة العامة ، ورأى ان الدولة هي الكيان الوحيد الذي له حق قانوني في فرض طاعته ، وكان بذلك يعالج مشكلة تنازع السلطة بين رجال الدين والسلطة السياسية . اما روسو فقد قدم تصورا سوسيولوجيا لدور الدين في حياة الناس وتاثيره على علاقاتهم ، يدور في الاساس حول الفصل بين المثاليات الدينية المجردة والتطبيقات العملية التي يتداخل فيها المثالي بالواقعي .

ان فكرة "الدين المدني" التي قدمها روسو ، لا تزال هي القاعدة الاساس لجانب كبير من البحوث المتعلقة بعلم اجتماع الدين . هذه الفكرة – بصورة مبسطة – تقول بان الدين الذي يمارسه الناس ويتحدثون عنه ، هو نموذج خاص من الدين تشترك في صياغته عوامل كثيرة ، من بينها المثاليات والمجردات الواردة في النصوص الاصلية ، اضافة الى المؤثرات الاقتصادية والاجتماعية والتجربة التاريخية الخاصة للمجتمع . وعلى ضوء هذه النظرية اعتبر ان الدين الواحد يمكن ان يتخذ نماذج شتى وان هذا الاختلاف يرجع في الاساس الى نوعية العوامل التاريخية والواقعية التي تعرض لها كل مجتمع على حدة . بكلمة اخرى فان فهم المجتمعات للدين ، ودرجة تاثير الدين في حياتها ، وموقعه من منظومتها القيمية وبنياتها العلائقية والمادية ، هو انعكاس لعوامل غير دينية . ومن هذه الزاوية فان ما يوصف بالتعصب الديني في مكان او التسامح في مكان اخر ، وما يعتبر التزاما شديدا بالدين هنا او تساهلا هناك ، لا يرجع في حقيقة الامر الى الدين نفسه ، بل الى العوامل التي تسهم في صنع التجربة الاجتماعية في كل مجتمع ، سواء التجربة التاريخية ، او مصادر المعيشة ، او مستوى الثقافة والتقنية ، او درجة التفاعل مع المجتمعات الاخرى المختلفة في تجربتها ونظام حياتها.

قرر روسو ايضا ان الجماعة ، او عامة المواطنين ، هي المكون الاساس للاجتماع السياسي وان الدولة فرع من هذا الاجتماع وان انتظام الاجتماع السياسي رهن بتحقق قدر عال من الحريات العامة والمساواة بين اعضاء الجماعة . اطروحات روسو تتمتع باهمية خاصة لانها ساهمت – الى حد بعيد – في تحرير الفلسفة السياسية من التاثيرات العميقة للفلسفة اليونانية القديمة ، وقدمت تصويرا جديدا للمجتمع السياسي باعتباره مجتمع المواطنين لا مجتمع الطبقات الذي تتحكم فيه النخبة.

الثلاثاء، 29 مارس، 2005

الغول

اذا لم يكن توماس هوبز ابرز صناع الفكر السياسي المعاصر على الاطلاق ، فلا شك انه اكثرهم تاثيرا على مختلف المذاهب السياسية ، والى حد كبير على الاتجاهات الفلسفية الجارية في عالم اليوم. صاغ هوبز معظم نظرياته في كتابه الاشهر "لفياثان" وهو اسم يلخص جوهر فلسفته السياسية . ورد مصطلح لفياثان في التوراة كوصف لحيوان بحري خيالي هائل القوة قادر على ابتلاع الناس والمراكب. وورد في نصوص اخرى كرمز للامبراطورية البابلية في العراق القديم التي كانت يومها اعظم الدول على وجه الارض.

 اظن ان قرب المصطلحات العربية الى هذا المعنى هو "الغول" وهو ايضا رمز لكائن خيالي ذي هيمنة لا تقاوم ، لكنه – مثل اللفياثان – غير موجود في الحقيقة ، بل هو رمز يصنعه الانسان لوصف القوى التي لها وجود بشكل او باخر ، لكنه لا يعرف حقيقتها ولا يستطيع مقاومتها. انه من هذه الزاوية مثل الجن الذين يرمزون لخوف الانسان اللاواعي من المجهولات. انها اذن كائنات اعتبارية ، وجودها المادي الموضوعي مشروط باعتبار الناس وليس مستقلا بذاته .

هذه الفكرة تلخص تصور هوبز للدولة التي يراها ضرورة للحياة الاجتماعية التي لا تستقيم بدون مصدر للخوف ، اي عامل ردع للافراط في استعمال الحقوق الطبيعية من جانب بعض الناس. الدولة في نظر هوبز هي كائن اعتباري ، قوتها وقابليتها للردع ليست نابعة من ذاتها بل من رغبة الناس في ان تكون كذلك . لقد ارادها الناس رمزا للقوة المطلقة فاصبحت كذلك . ولولا هذا الاعتبار لما كانت كذلك ، لانها في نهاية المطاف تتكون من افراد يمكن ان يختلفوا او يتفقوا ، يمكن للناس ان يقبلوهم او يرفضوهم ، ويستطيعون استعمال القوة المادية لفرض مراداتهم وقد يعجزوا . بكلمة اخرى يمكن للدولة ان تكون القوة المطلقة في مجتمع معين ويمكن ان تكون مجرد واحدة من قوى كثيرة تتصارع على السلطان.

رأى هوبز المجتمع الانساني قبل الدولة ميدانا للصراع بين المصالح المتنافسة المتاتية من نزعة طبيعية في الانسان للتملك والسيطرة والاستمتاع . وهو يصف هذا النوع من الحياة بالحالة الطبيعية ، حيث يلقي كل شخص على مراداته صفة الحق وما دونها صفة الباطل . الحق والباطل في راي هوبز هي اوصاف لغوية للارادات ، انها بكلمة اخرى فن بلاغي وقدرة على رسم صورة لما يريده المدعي وما لا يريده . ان قدرة هذا الشخص على استعمال فنون اللغة في اقناع الغير او دحض حجتهم هو ما يحول ارادته الى حق وارادة الاخرين الى باطل .

بهذا الوصف المتطرف لفكرة الحق (والمقصود بطبيعة الحال الحقوق الدنيوية) اراد هوبز اضعاف حجة الكنيسة التي تزعم ان الحق هو كلمة البابا ، وان هذه الكلمة لها قدسية ذاتية نابعة من اتصالها بالسماء. اراد هوبز التشديد على ان المجادلات السياسية كلها تقوم على اعتبارات دنيوية ، وتستهدف بصورة او باخرى الحصول على قدر اكبر من القوة المادية او السلطة . السعي للسلطة ، ضمن اطار الدولة او ضمن اطار المجتمع ، هو المجال الذي لا يتعب الناس منه ولا يملون ، وهو الامل المحرك لآمالهم وفاعليتهم في الحياة حتى ياتيهم الموت.

اراد هوبز من تشديده على الطبيعة الدنيوية للسلطة ، معالجة الاشكال الرئيسي في جدل الدولة والسياسة ، اي الطاعة ، وفي الحقيقة فقد اراد القول انه في مجتمع معين ، لا يمكن ان تتعدد الطاعة والا فسد النظام ، يجب – في رايه – ان تكون الطاعة العامة مختصة بالدولة خلافا للاعتقاد الذي روجته الكنيسة بان طاعة البابا مقدمة على طاعة الدولة . كان هذا التشديد ضروريا بالنظر الى الظرف الخاص الذي طرح فيه هوبز نظريته ، حيث كانت السيادة ، او ما يسمى اليوم الحاكمية العامة ، موزعة بين الدولة والامارات شبه المستقلة والكنيسة ، فقد رأى ان قيام نظام اجتماعي متين وفاعل ، مستحيل في ظل هذا التعدد .

اعتبر هوبز ان قيام الدولة هو نتاج لعقد اجتماعي فرضته الضرورة لكنه قام باراداة عقلانية من جانب كل افراد المجتمع . الناس توصلوا الى استحالة الحياة في ظل تصارع الارادات والمصالح ، فقرروا ان ضرورة النظام تقتضي حصر السيادة والسلطة والطاعة في جهة واحدة هي الدولة . من هذه الناحية فان السلطة والدولة والسياسة ، كلها كائنات اعتبارية ارضية ، اوجدها الناس لتنظيم امورهم ، وهم شركاء فيها شراكة اصلية بمقتضى الطبع الاولي ، وهي لم تقم الا على هذا الاساس ولا تستمر الا به.

استقطبت طروحات هوبز الكثير من النقد ، ولا زالت دراسات في نقد "لفياثان" تظهر بين حين واخر. لكنه مع ذلك لا زال ينظر اليه باعتباره مؤسس الفلسفة السياسية الحديثة ، والرجل الذي اضعف مرجعية الفلسفة اليونانية  القديمة ، فحولها – في نظر الباحثين - من مصدر وحيد للتفكير في السياسة الى مجرد تاملات خيالية ، اقرب الى الاخلاقيات الرومانسية منها الى تصوير السلوك الطبيعي للانسان .