‏إظهار الرسائل ذات التسميات العولمة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العولمة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 26 سبتمبر 2018

أي دور للايمان في عالم اليوم

مركز الملك عبد الله للحوار بين الاديان في العاصمة النمساوية فيينا ، واحد من أهم المبادرات التي أطلقتها السعودية في السنوات الاخيرة  ، في سياق تجسير العلاقة بين اتباع الأديان على المستوى الدولي ، وتعزيز القبول بالتعددية الدينية ، والتصدي للتعصب وتبرير العنف والاضطهاد باسم الدين.
هذه المبادرة تستحق الاشادة. وكذا كل مبادرة هدفها تشجيع مجتمعات العالم ، على التلاقي والتعاون في اعمال الخير التي تعود على البشرية ككل.
خلال النصف الثاني من القرن العشرين ، شهد العالم مبادرات عديدة تتبنى مبدأ الخير المشترك للانسانية ككل. لكنها جميعا تلاشت ، مع انهيار النماذج الايديولوجية ذات الطابع الأممي ، في نهايات القرن. وحين تنامى النقاش حول فكرة "العولمة" في تلك الحقبة ، تخيلها بعضنا بديلا محتملا عن المعتقدات الأممية. لكننا نعلم الآن ان فكرة "العولمة" انصرفت بشكل شبه كلي الى دمج اقتصاديات العالم ، فيما يشبه سوقا كونية واحدة. ولعلها لهذا السبب أو غيره ، أهملت الجوانب التي ليس لها عائد تجاري مباشر. هذا على الأقل ما يبرر – مثلا - تعثر الاتفاقيات الدولية حول البيئة الكونية ، وابرزها اتفاقية باريس للمناخ العالمي سنة 2015.
الاصطفافات الحادة في السياسة المعاصرة ، تكشف ان عالمنا يشهد انبعاثا مستجدا للاتجاهات الانغلاقية والتعصب. من ذلك مثلا ان النفوذ السياسي لاحزاب اليمين المتطرف ، يزداد قوة في جميع الدول الاوربية. هذه الظاهرة تبرر أحيانا بالأزمات الاقتصادية. وربما – لهذا السبب – تعتبر ظرفا مؤقتا. لكننا لا نعرف المدى الزمني الذي يتوجب على العالم ان يتعايش خلاله مع هذه الاتجاهات. ولا نعلم مدى التاثير الذي ستتركه على سياسات بلدانها في المدى المتوسط والطويل.
في ظرف كهذا ، يتوجب على المهتمين بقيمة الخير المشترك للبشرية ، ان يبحثوا عن أي وسيلة تبقي هذه القيمة حية وفاعلة. ان مبادرات مثل الحد من التغير المناخي ، والوقاية من التعصب وتعزيز التفاهم بين الشعوب ، تحتاج بالتاكيد الى دعم حكومي،  حتى تقف على أقدامها. لكن من المستبعد ان تبلغ غاياتها ، من دون المشاركة الفاعلة والمخلصة للمجتمعات المحلية في كل بلد.
في هذه النقطة بالتحديد ، تبرز أهمية الشراكة بين أهل الأديان والقادة الروحيين على امتداد العالم. في اعتقادي ان كل واحد من هؤلاء قد واجه في يوم ما ، أسئلة من نوع: اي دور للايمان في عالم اليوم ، وما الذي يمكن للايمان ان يحققه للبشرية ككل ، وهل نستطيع العبور من حدود الشرائع الى فكرة "عباد الله" ، التي تعني كافة الخلق؟.
لازال الايمان عاملا مؤثرا في حياة غالبية سكان المعمورة. دعنا نفترض ان المؤمنين على امتداد العالم ، استوعبوا حقيقة ان تغير المناخ خطر على حياة اجيالهم الآتية. وانهم مطالبون – بمقتضى ايمانهم – بالمشاركة في الحيلولة دون الكارثة الكونية قبل ان تقع ، لا قدر الله. لو حصل هذا فان جميع الناس سيبادرون من تلقاء انفسهم ، كلا في موقعه ، لأداء دوره في درء هذا الخطر.
نفس هذا المثال قابل للتطبيق في قضايا مثل التعصب والانغلاق والصراعات الاهلية ومكافحة الفقر .. الخ.
هذه الأمثلة تكشف حقيقة ان نماذج مثل مركز الملك عبد الله للحوار بين الأديان ، لا ينبغي ان تبقى مقيدة بالاطارات الدبلوماسية وحدودها الضيقة. ثمة حاجة في العالم ، وثمة فرصة  كي يلعب المركز دورا رياديا في جعل الايمان جسرا للسلام والتقدم على المستوى الكوني.
الشرق الاوسط الأربعاء - 16 محرم 1440 هـ - 26 سبتمبر 2018 مـ رقم العدد [14547]

https://aawsat.com/node/1406871

مقالات ذات صلة

عكس العولمة : اليمين يتجه يسارا

على اعتاب الثورة الصناعية الرابعة

عن العولمة والبقالين والحمالين و السمكرية و

نادي الكبار ليس قيادة للعالم

اليوم التالي لزوال الغرب

الأربعاء، 23 نوفمبر 2016

عكس العولمة : اليمين يتجه يسارا

"الشقيقات السبع: شركات البترول الكبرى والعالم الذي صنعته" لم يكن ابرز مانشره الصحفي والكاتب البريطاني انتوني سامبسون. لكنه بالتاكيد الكتاب الذي عرف العالم عليه. كان سامبسون قد نشر قبله "تشريح بريطانيا" الذي احتل قائمة الكتب الاكثر رواجا في حينه. ويقال ان سبب رواجه هو تحليله العميق والموثق لدور الشركات الكبرى في صناعة السياسة البريطانية.
انتوني سامبسون
اتخذ سامبسون اتجاها مماثلا حين أصدر "الشقيقات السبع" في 1974. وخلاصته ان شركات البترول الدولية الكبرى تخوض منافسة شرسة فيما بينها ، لكن سياساتها جميعا تمهد الطريق الى هدف واحد ، هو الغاء الحدود والعوائق السيادية للدول ، وصولا الى جعل العالم كله سوقا مفتوحا لعملياتها. ويعتقد سامبسون ان تلك الشركات الهائلة القوة ، قد نجحت في تغيير سياسات العديد من دول العالم ، بل وتدخلت في صراعات سياسية أثمرت عن تغيير الحكومات التي لم تستجب لحاجاتها ، في الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء.
لم يكن مفهوم "العولمة" قد ظهر يومذاك كمصطلح قياسي. لكن كتاب سامبسون فتح الباب أمام عشرات من المقالات والكتب الاخرى ، التي تتحدث عن "عالم جديد" أبرز سماته زوال الحدود المعيقة لحركة رأس المال وقوة العمل والتكنولوجيا ، اي التمظهر الرئيس لما يعرف اليوم بالعولمة. وفي العقدين الاخيرين من القرن العشرين اصبح هذا المفهوم من اكثر المفاهيم تداولا في النقاشات الخاصة بالعلاقات الدولية. وفي العام 2000 اقترح صندوق النقد الدولي  اربعة مجالات تندرج في اطار هذا المفهوم هي التجارة ، حركة راس المال والاستثمارات ، هجرة اليد العاملة ، وتدفق المعلومات والتقنية.
كان تيار اليسار  ابرز المعارضين للاقتصاد المعولم. وينسب لهذا التيار الفضل في انتاج أهم الادبيات المتعلقة بتغول راس المال العالمي والشركات التي تديره. وهو موقف غريب بعض الشيء. فاليسار يدعو لعالم واحد يبرز قيمة العاملين وصناع التغيير. لكنه في مواجهة عالم راس المال ، اختار منهجا انكماشيا يركز على قيمة الحدود القومية. ويدعو لتوسيع تدخل الحكومة في الاقتصاد ، على نحو يضمن للطبقات الدنيا فرصا أفضل للعيش الكريم.
نعلم بطبيعة الحال ان اليمين كان يدعو لنموذج مضاد ، اي دولة لا تتدخل مطلقا في حياة الناس ولا السوق ، دولة نموذجها الاعلى "الحارس الليلي".
ها نحن اليوم امام انقلاب جديد. الرئيس الامريكي المنتخب دونالد ترامب ، الآتي من أقصى اليمين ، نجح في استنهاض الشرائح الاكثر تضررا من عولمة الاقتصاد ، أي عمال المصانع التي نقلت اعمالها خارج الحدود. الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي كشف عن تنامي نفس الاتجاه اليميني الذي يدعو للانكماش على الذات والتركيز على مصالح الطبقات الدنيا. ويبدو ان نمو هذا التيار في فرنسا التي تستعد لانتخابات رئاسية يتحرك بنفس الدوافع.
ثمة مفارقة في هذه الحوادث كلها ، فالصراع لا يدور بين الطبقات العليا والدنيا كما جرت العادة ، بل بين شريحتين متصارعتين في الطبقات الدنيا نفسها: شريحة ذات ميول يسارية كانت تخشى العولمة فباتت اليوم متعاطفة معها ، وشريحة ذات ميول يمينية تعاطفت أولا مع العولمة ثم جنت شوكها.
هل هذا نموذج لما سيكون عليه العالم خلال العشرين عاما القادمة؟. هل سنشهد تراجعا عن مبدأ العالم الواحد والاقتصاد المعولم؟. هل سيلحق العالم الثالث بهذا القطار ام يرى مصلحته في عالم بلا حدود؟.
الشرق الاوسط  23 نوفمبر 2016 http://aawsat.com/node/790836

السبت، 11 يونيو 2005

كي نحول العولمة الى فرصة

 اما وقد اقتربت المملكة من الانضمام الى منظمة التجارة العالمية، فقد اصبح من الضروري التعجيل في اعداد الاقتصاد الوطني لمرحلة العولمة الاقتصادية. خلال السنوات القليلة الماضية كتب الكثير عن حسنات هذا التحول وسيئاته. وبدا ان معظم ما كتب يميل الى التشاؤم من تبعات هذا التحول على اقتصادات الدول النامية. لا شك ان جانبا من التشاؤم يستمد مشروعيته من العلاقة غير المتوازنة التي سادت حتى الان بين الشمال والجنوب.
Companies that have learnt to thrive in the increasingly connected world have built large global businesses at astonishing speeds. Uber, for example, penetrated more than 80 countries in just six years. Photo: AFP
لكن لا شك ان الامور ليست سواء في كل الاحوال، كما ان المسؤولية عن انعدام التوازن ذاك تقع علينا مثلما تقع عليهم. ومن هنا يمكن القول، ان العولمة تمثل فرصة في جانب وتحديا في جانب آخر، ومن واجبنا ان نستوعب التحدي ونعد لمواجهته. ان اكثر المتضررين من العولمة هم الذين دفنوا رؤوسهم في الرمال وانشغلوا في لعنها، واكثر المستفيدين هم الذين بحثوا في كل سطر وكل نقطة وكل ثقب عن الفرص الجديدة التي تتيحها والامكانات التي توفرها.
 في ظني ان ابرز ما يترتب على عولمة الاقتصاد هو عودة نظام العمل الدولي القديم الذي قامت فكرته على تخصص اقطار العالم بين منتج للمواد الخام ومنتج للمواد المصنعة. هذا النظام سيعود الان في صيغة مختلفة تأخذ في الاعتبار التحولات التي طرأت على الاقتصاد العالمي منذ انتهاء الحرب الباردة، ونخص بالذكر تحول الاستثمار الصناعي الى الدول النامية القادرة على توفير بدائل افضل، مثل الصين ودول جنوب شرق آسيا، بسبب انتشار التكنولوجيا من جهة وتزايد كلفة الانتاج في الدول الصناعية من جهة اخرى.
 في ظل هذا التحول فمن المؤكد الى حد بعيد ان الدول المنتجة للبترول ستحصل على فرصة استثنائية للتحول من مصدر للبترول الخام الى قطب عالمي للصناعات التي تعتمد على خامات البترول كمدخل اساسي، او تلك التي تحتاج الى طاقة كثيفة. ونشير كمثال على القسم الاول الى صناعة المشتقات البترولية والبوليمرات وبدائل المعادن والاسمدة، وفي القسم الثاني الى صناعات صهرالمعادن وتوليد الطاقة، اضافة الى الكثير من الصناعات الفرعية.
  هذه الصناعات تمثل اليوم جزءا هاما من الاقتصاد العالمي. وفي هذا الاطار تتمتع الدول المنتجة للبترول - مثل المملكة - بميزة نسبية لا تقارن، وهي توفر المادة الخام الرئيسية، اي البترول، بكميات تفوق اي مكان آخر من العالم، اضافة الى انخفاض تكلفة الانتاج النسبية بالمقارنة مع معظم دول العالم الاخرى.
 تدل مسيرة الاقتصاد العالمي خلال العشرين عاما الاخيرة على ان الانتعاش الاقتصادي، لا سيما في الاقتصادات الجديدة، سوف يتواصل حتى نهاية العقد القادم على الاقل. ونخشى ان يتولد عن هذا الانتعاش المستمر نوع من التفاؤل الكاذب بامكانية اتكال البلاد على صادرات البترول الخام لعقدين آخرين، خلافا لتحذيرات الخبراء من الافراط في التفاؤل، لا سيما بشأن عدم استقرار اسعار البترول.
 من الواضح اننا لا نتكلم هنا عن اسواق البترول، ولا نستطيع تقديم تقديرات مؤكدة عن مستقبلها، رغم انه ليس من الحكمة اغفال تلك التحذيرات. ما نتحدث عنه هنا هو ضرورة التحول من الاتكال الكامل حاليا على تصدير البترول الخام الى تصدير المواد المصنعة ونصف المصنعة المستمدة من البترول. الغرض بطبيعة الحال هو مضاعفة العوائد الحالية ثلاث مرات او اربع على اقل التقادير.
  ان برميل البترول الذي يباع عند رصيف التصدير حاليا بأقل من اربعين دولارا، يمكن ان يتحول الى مواد مصنعة او نصف مصنعة تتجاوز قيمتها ثلاثة اضعاف هذا المبلغ على الاقل. بكلمة اخرى، فان ذلك التحول يوفر الفرصة كي نضاعف القيمة المضافة لما نبيعه حاليا فنوفر مداخيل جديدة، وبالتالي فرصا جديدة للعمل والرخاء.
 لكن هذه الفائدة - على اهميتها - ليست الوحيدة التي نحصل عليها من وراء التحول المنشود. ان التحول الى الصناعة، يرفع الاهمية النسبية للبلاد في نظام العلاقات الدولية ويزيد تأثيرها، كما يساعد في الارتقاء بمستواها العلمي، وبالتالي يعزز استقلالها واستقرارها.
 لا اظن اننا نواجه مشكلة في توفير الاستثمارات اللازمة لهذه الصناعات. لقد نجحت دول فقيرة نسبيا مثل كوريا وتايلاند والصين في توفير الاموال اللازمة، ولا شك اننا اقدر على ذلك. ما ينقصنا بصورة جدية هو التكنولوجيا وخطة التحول الى مجتمع صناعي. وكلا الامرين يتوقف على قرار وطني جاد وحاسم. رغم ان بعض التكنولوجيا قابل للتوفير من الاسواق الدولية، الا انه لا يمكن الاعتماد على استيراد التكنولوجيا الجاهزة حتى النهاية. لا بد من توطين التقنية، وهذا يحتاج الى مشروع استثنائي يستهدف هذا الغرض خصوصا، ويحتاج الى مضاعفة المخصصات المالية للبحث العلمي، ويحتاج بصورة حاسمة الى تطوير نظام التعليم كي ينتج علماء وباحثين وتقنيين بدل الالاف المؤلفة من الكتبة الذين يتخرجون اليوم من مدارسنا.
 عولمة الاقتصاد هي تحد ينطوي على الكثير من الفرص. وحري بنا ان نواجه بما يستحق من جدية وتصميم كي نصنع مستقبلا افضل من حاضرنا.
    « صحيفة عكاظ » - 11 / 6 / 2005م

مقالات ذات صلة


السبت، 29 يناير 2005

المجتمع المدني كاداة لضمان الاستقرار

  تصريحات سمو وزير الدفاع بشأن توسيع صلاحيات مجلس الشورى وزيادة عدد اعضائه أحيت الامل بتواصل مسيرة الاصلاح وصولا الى تحقيق مشاركة شعبية كاملة في الحياة السياسية . المشاركة السياسية الواسعة ليست فقط مطلبا عاما بل هي ايضا وسيلة رئيسية لتعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي ومعالجة التوترات التي يمكن ان تؤدي الى اختلال النظام العام.

ادى الاختراق المتزايدة للحداثة الى تعقيد ممارسة السلطة في المجتمعات التقليدية ، وازداد هذا التعقيد بفعل ثورة الاتصالات والتطور الهائل في تقنيات انتقال المعلومات التي تجتاح العالم . حتى اواخر الربع الثالث من القرن العشرين ساد اعتقاد بان احتكار الحكومات لوسائل الاتصال المتقدمة كان ابرز العوامل التي مكنتها من توزيع الموارد العامة بصورة تضمن سيطرة مركزية شبه مطلقة على حركة المجتمع . لكن انتشار التقنيات الرقمية ، ولا سيما تحول الكمبيوتر الى سلعة منزلية قد ادى بصورة متزايدة الى انهيار ذلك الاحتكار. فمع انتشار وسائل الاتصال ، تغيرت منظومات العمل ووسائل كسب الثروة ، كما تغيرت ايضا وسائل التاثير في الراي العام ، وصار من الممكن للكثير من الناس الذين لا يتمتعون بالمقومات المادية للنخبة القديمة ان يضعوا ارجلهم على سلم الارتقاء الاجتماعي بالاعتماد على الوسائل التي وفرتها الحداثة .

 نتيجة لهذا اصبح في الامكان رؤية ما يمكن وصفه بنخبة جديدة على مستوى العالم وعلى مستوى المجتمعات المحلية ، نخبة تتمتع بقدرة على التاثير في الراي العام ، رغم انها لا تتمتع بمقومات الارتقاء التي كانت متعارفة في الماضي ، ولا سيما تلك التي ترجع الى رابطة القرابة او التواؤم الثقافي. مثل هذا التطور يتطلب بصورة ملحة اعادة تنظيم المجتمع لتمكين هذه الطبقة الجديدة من التعبير عن نفسها ضمن اطارات قانونية ، وهي ما يمكن وصفه في الجملة بمنظمات المجتمع المدني .
لا يخلو مجتمع في اي بقعة من العالم من مسببات للانزعاج ، والانزعاج قد يكون فرديا او بسيطا وقد يكون واسعا بحيث يمكن مقارنته بظاهرة عامة . لكن في كل الاحول فان منظمات المجتمع المدني هي ادوات مثالية لتاطير ذلك الانزعاج وحصره في نطاق محدود ثم تحويله من مبرر للتمرد على النظام العام الى مجرد موضوع للنقاش . وفي بعض الحالات تحويله من غضب احتجاجي الى مطلب شرعي قابل للمعالجة بصورة نظامية وفي اطار القانون الوطني . منظمات المجتمع المدني هي ادوات لتاطير نشاط النخب الجديدة وعامة الناس ، ولا سيما من الجيل الجديد غير القابل للضبط في الاطارات الاجتماعية القديمة. في هذه الحالة فان عملية الضبط لا تتخذ شكل القهر بل تنظيم مخرجات النشاط بحيث لا تتجاوز حدود النظام العام . غياب هذا النوع من الاطارات او ضعفها او تحديدها في نطاقات صغيرة ، يحرم المجتمع من فرصة لعقلنة التعبيرات الجديدة الناتجة عن تغير القيم والعلاقات الاجتماعية ، او المشكلات الناتجة عن التباين بين الافراد في القدرة على استيعاب التغيير والتعامل مع افرازاته .

المجتمع المدني المنظم هو احد الصيغ الاكثر فاعلية لتاسيس مفهوم للمشاركة الشعبية يقوم على التواصل بين الحلقات الاجتماعية الدنيا من جهة والنخبة السياسية وهيئات اتخاذ القرار من جهة ثانية ، وهو وسيلة لتحويل المطالبات العامة من خلفية للانزعاج – وبالتالي للخروج على النظام العام – الى حوار تفاعلي يعين المسؤول الرسمي على قياس شعبية السياسات وبرامج العمل .

مع الاتجاه القائم الى تطوير تجربة مجلس الشورى ، فانه ينبغي ايضا النظر الى الموضوع ضمن افقه الاوسع ، اي باعتباره خطوة لتوسيع مشاركة المجتمع في الحياة السياسية . وفي هذا الاطار فان عملية التطوير يجب ان لا تغفل الحاجة الحقيقية الى ادماج المجتمع ضمن العملية السياسية ، وفي ظني ان تسهيل قيام منظمات المجتمع المدني وتوفير المساعدة القانونية الضرورية لتمكينها من النضج هو الوسيلة المثالية لتحقيق هذا الغرض.

 ( السبت - 19/12/1425هـ ) الموافق  29 / يناير/ 2005  - العدد   1322
www.okaz.com.sa/okaz/Data/2005/1/29/Art_185158.XML

الأربعاء، 10 نوفمبر 1999

عن العولمة والبقالين والحمالين و السمكرية و…

الملخصات التي نشرتها (عكاظ) للاوراق المعروضة على مؤتمر رجال الاعمال الذي انعقد السبت ، تعطي القاريء انطباعا بأن معظم القضايا المطروحة تدور حول العولمة الاقتصادية ، أو انها وضعت على خلفية القلق من العولمة وانعكاساتها على الاقتصاد السعودي ، وباضافة هذا الانطباع إلى ما يخرج به المتابع لاحاديث اهل السوق وتقارير الصحافة المحلية ، فان المحصلة الاجمالية ، تدعم فكرة ان مسالة العولمة قد تحولت فعلا ، من قضية تثير الاهتمام إلى فزاعة ، فالجميع قلق من نهاية عصر الاقتصادات المسورة سياسيا ، والجميع يتساءل عما سينتج عن انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية ، والجميع يتبادل الافكار والاحتمالات عن مصير المؤسسات الصغيرة في البلد ، بل وصل الامر ببعض الاكاديميين إلى ادعاء ان هذه المؤسسات ستفلس وستخرج من السوق مع تطبيق اتفاقية التجارة العالمية .
نتيجة بحث الصور عن bureaucracy
وقد كتب الكثير من المقالات والبحوث حول العولمة وجذورها وانعكاساتها ، وبعض هذه الكتابات جاد وحريص على ايصال الفكرة ، لكنني ـ بعد قراءة بضع عشرة بحثا وعدد كبير من المقالات ـ اجد نفسي عاجزا عن تفسير الموضوع ، وتقديم اجابات شافية لمن يسألني عن التفصيل ، وظننت احيانا ان مخيلتي قد شاخت ، فعجزت عن استيعاب ما لا تراه العين متجسدا شاخصا ، وطلبت النجدة من زملاء أكثر شبابا وبصيرة ، فما وجدت لديهم شيئا يزيد عما قرأت .
 لكن واحدا من قرائي دلني يوم امس على حقيقة طالما نظرت اليها دون ان اراها ، وخلاصتها ان جميع الابحاث والمقالات التي قرأتها ، كانت تتحدث عن شيء قائم فعلا ، وكنت ابحث عن جديد ظننته ما زال جنينا في رحم الغيب ، وتذكرت معلمي الذي طالما تمثل بحكمة يدعي انها مشهورة ، وان كنت لم اسمعها من غيره ، تقول (توضيح الواضحات من أشكل المشكلات) والحق ان العولمة كنظام للعلاقة بين المجتمع والسوق ، وحركة الرساميل وتبادل السلع والخدمات ، واضحة وهي قائمة بالفعل ، ونحن نشارك فيها ولو مشاركة طرفية ، لكنها قائمة على أي حال ، وتستطيع ان تراها على الارض ، في الولايات المتحدة الامريكية وفي الاتحاد الاوربي ، واعتقد الآن ان انضمامنا إلى اتفاقية التجارة العالمية ، لن ياتي بشيء ازيد مما هو قائم في السوق الامريكية والاوربية ، فاذا اردنا معرفة ما سيجري لنا ، فلندرس ما جرى في اوربا بعد توحيد اسواقها ، ولندرس ما جرى في الولايات المتحدة منذ بداية الفترة الثانية من حكم الرئيس الاسبق رونالد ريغان.
بعد ان توصلت إلى هذه النتيجة ، نصحت نفسي بالبحث عن مقالات تشرح الاثار الفعلية ، أي  القابلة للمشاهدة والملاحظة على قطاع معين ، بدلا من صرف الوقت في قراءة الكلام العام عن الاقتصادات التي سوف تتناثر ، ولا سيما تلك التي اختصت باثارة المخاوف ، أو اقتصرت على عرض الاحتمالات ، انني اشعر الآن بالحاجة إلى مقال يعرض بالارقام والتفاصيل كيف ستفلس شركة محددة أو شريحة محددة ولماذا .
 ووجدت نفسي مرتاحة إلى حد ما ، بعد ما عرفت سر جهالتي المزمنة بهذا الموضوع الخطير ، وقلت لنفسي ان مؤتمر رجال الاعمال سيفيدني في هذا الجانب ، فالتجار هم أكثر الناس اعراضا عن العموميات ، واشدهم اهتماما بالتفاصيل والارقام والقراءات المحددة ، فكلام التجار من ذهب ، وليس من فضة مثل كلام الخطباء ، ولا من ورق جرائد مثل كلام الكتاب .
على انني بعد ما اعدت قراءة ملخصات الابحاث المعدة للعرض أمام رجال الاعمال ، وجدت انهم ربما اصيبوا بلوثة الكتاب ، فتحول كلامهم إلى ورق جرائد مثل كلامنا ، ولم يعد ذهبا كما هو المعهود ، فهاهي اوراقهم تتحدث عن احتمالات وتثير مخاوف ، وتبعث نصائح على طريقة العرائض التي تبدأ بجملة (لمن يهمه الامر ..(
كنت اتمنى ان اقرأ شيئا يخبرني عما سيجري للبقالين والفلاحين وسائقي التاكسي وصيادي السمك والبائعين المتجولين في الاسواق الشعبية وصغار المقاولين والخبازين وصانعي الاحذية الشعبية والمصورين وأصحاب المقاهي والبوفيهات وباعة الخضر والحمالين والحدادين والنجارين والسمكرية ، وأمثال هؤلاء الذين ينطبق عليهم وصف المؤسسات الصغيرة ، الذين تهددهم مقالات الصحف بالخروج من السوق .
اعتقد الآن ان ما قرأته ، وما يقال في المؤتمرات والاجتماعات ، كله ورق جرائد ، أو كلام جرائد كما يقول اخوتنا المصريون ، فقد رايت اولئك المهددين بالافلاس والخروج من السوق ، يعملون في الاسواق الامريكية والاوربية ، ورايتهم يحصلون على الزبائن واموال الزبائن ، رغم ما يتعرضون له من تحدي الشركات الصغرى والكبرى ، العابرة للقوميات والعابرة للحدود وحتى العابرة للمحيطات ، إذا كان هناك شركات تعبر المحيط .
ما الفرق بين فلاحنا وفلاحهم ، وما الفرق بين بقالنا وبقالهم ، وصيادنا وصيادهم ، وحمالنا وحمالهم ؟ .
مادام اولئك قد صمدوا في وجه التحدي ، فلا اجد مبررا للفزع من التحدي عندما يصلنا ، وأظن انه قد حان الوقت للحديث عن تاهيل هؤلاء ، وتعليمهم كيف يستعدون للتحدي ، بدل الاقتصار على تخويفهم ، فالعولمة ، وان كانت تنطوي على تحد ، الا انها ليست ـ بالتاكيد ـ فزاعة .
مقالات ذات صلة



المساواة بين الخلق ... المساواة في ماذا ؟

هذا المقال موجه لأولئك الذين يعارضون المساواة بين المواطنين ، والمساواة بين الرجال والنساء. وهو يستهدف توضيح موضوع النقاش وتفصيح اسئلته. ...