الأربعاء، 26 يوليو، 2017

القانون للصالحين من عباد الله

|| لا يخلو مجتمع في العالم كله ، من اشخاص فاسدين وعابثين. لكن مشيئة الله قضت ان يكون غالبية الخلق عقلاء ملتزمين بدواعي الفطرة السوية وإرادة الخير||
يخبرنا الزميل د. عبد العزيز النهاري عن حادثة ذات دلالة ، كان طرفا فيها. وخلاصتها انه قدم وصفة طبية لصيدلانية في مدينة ليفربول غرب انجلترا ، ومعها قيمة الدواء ، فأبت السيدة ان تأخذ المال ، لأن القانون يعفي الاشخاص فوق الستين عاما من كلفة العلاج (عكاظ 22 يوليو 2017). مثل هذا الحدث غير مألوف في العالم العربي ، لكنه اعتيادي في بريطانيا ودول أوروبية أخرى.
وأذكر أيضا ما شاهدته في النرويج قبل عامين ، حين وجدت الناس يدخلون ويخرجون من محطة القطار ، دون ان يسألهم احد عن تذاكر الركوب. خلافا لما كنت اعرفه في بلدان أخرى. وعلمت لاحقا ان الهيئة المشغلة للقطار وجدت المخالفات نادرة جدا ، فاستغنت عن توظيف المراقبين. وأظن ان معظم الذين سافروا الى اوربا او عاشوا فيها ، يعرفون العديد من القصص المماثلة. ولا بد ان بعضهم يتمنى لو رأى مثلها في البلاد العربية والاسلامية.
العنصر الجامع بين القصتين هو طبيعة القانون وفلسفته. في الأولى حول القانون مبدأ التكافل الاجتماعي ، من اعتقاد ميتافيزيقي ، الى حق مادي لكل عضو في الشريحة الاجتماعية المعنية بالتكافل ، ووضع اجراءات محددة لتمكينهم من هذا الحق. وفي القصة الثانية استند واضع القانون الى قناعة فحواها ان معظم الناس يميلون للالتزام بمفاد القانون ، حتى لو استطاعوا مخالفته. وكلما صيغ القانون على نحو يسهل حياة الناس ، فان الالتزام به سيكون اوسع واعمق.
اني واثق ان جميع الناس ، في منطقتنا وسائر بلاد العالم ، يتمنون ان يكون القانون في خدمتهم ، ان يوضع على نحو يمكنهم من نيل حقوقهم دون عناء. وهم بالتاكيد يتمنون ان يعاملوا بثقة واحترام ، من جانب حكوماتهم ومن جانب كل طرف ذي علاقة بالمجال العام. ولا فرق في هذا بين النخب الحاكمة والجمهور.
حسنا. دعنا نسأل أصحاب القرار وصناع القانون ومنفذيه: لماذا لا يفعلون ذلك؟.
المرجح انك ستسمع جوابا واحد ، فحواه أن مجتمعاتنا مختلفة ، وأن ما يصلح في الغرب لا يصلح في الشرق.
قد يكون هذا الاعتقاد صحيحا وقد يكون خاطئا. لكن الحقيقة المؤكدة انه لم يخضع للتجربة على نحو كاف ، كي نتحقق من صدقه او خطئه. بل لدينا من الأمثلة ما يؤكد ان الجواب المذكور لا يخلو من مبالغة ، وقد يكون بعيدا عن الحقيقة. أذكر على سبيل المثال تجربة من بلادنا (السعودية) تتعلق بالتحول الذي جرى في إصدار الجوازات وبطاقات اقامة الوافدين. قبل عقد من الزمن ، كانت هذه مهمة مضنية ، تستهلك الكثير من الوقت والجهد في المراجعات الشخصية للدوائر. لكن الجزء الاعظم منها يجري الآن عبر الانترنت ، وترسل بطاقات الاقامة في البريد الى عنوان المستفيد. ونعلم ان تقليص الاجراءات والمراجعات الشخصية لم يتسبب في زيادة التزوير والتهرب من القانون. هذه التجربة دليل فعلي على اننا لا نختلف عن غيرنا ، واننا نستطيع تكرارها في قطاعات اخرى.
لا يخلو مجتمع في العالم كله ، من اشخاص فاسدين وعابثين. لكن مشيئة الله قضت ان يكون غالبية الخلق عقلاء ملتزمين بدواعي الفطرة السوية وارادة الخير. ومن هنا فان القانون الاجدر بالطاعة والتأثير ، هو ذلك الذي يصاغ على نحو يحاكي هذه الطبيعة ويخدم اصحابها ، لا القانون الذي يضيق على الناس حياتهم أو يهدر حقوقهم.
الشرق الاوسط 26 يوليو 2017 http://aawsat.com/node/982871
مقالات مماثلة


الأربعاء، 19 يوليو، 2017

العلاقة الجدلية بين الحرية ورضا العامة


|| يعلم الناس بأن منصب الحكم لايتسع الا لعدد قليل جدا. ولذا فغالبيتهم الساحقة لايتطلعون لهذه الوظيفة ولايسعون لنيلها. لكنهم جميعا يريدون الحرية كي يشعروا بالأمان ||
يجمع مفكرو هذا العصر على ان عامة الناس أميل للتسالم وطاعة القانون. هذا لا يعني بالضرورة انهم يحبون حكوماتهم او يثقون تماما في رجالها. في الاسبوع الماضي مثلا كشف استقصاء للرأي العام ان 37% فقط من الامريكيين يثقون في أداء رئيسهم الجديد. ولم يسبق لرئيس امريكي ان تدنت شعبيته بهذا القدر في العام الاول من ولايته.
مع ذلك فلا أحد يتوقع ان يتمرد الامريكيون على حكومتهم. لأنهم - ببساطة - يثقون في "المؤسسة" ، اي القانون والاجهزة التي تطبقه. وهي لا ترتبط بشخص الرئيس ، بل بالنظام السياسي ككل.  هذا مثال متكرر في كافة مجتمعات العالم في الأوضاع الطبيعية. والعالم العربي ليس استثناء.
دعنا نقول ان ثقة الجمهور في المؤسسة الرسمية ، نتاج لعلاقة تفاعلية بين الطرفين. قد تتعاظم حتى تتحول المؤسسة ورجالها الى هيئة مقدسة يثق فيها الناس دون سؤال ، وقد تنكمش أو ربما تنعدم تماما ،  ويحل محلها الريبة والتباغض او حتى العداء. وأظن ان معظم القراء قد رأوا نماذج عن هذه العلاقة أو تلك في بعض البلدان.
اعتقد جازما ان كل حكومات العالم ترغب في رضا جمهورها وتود لو منحها ثقته الكاملة. وهي تعلم بالتأكيد ان ثمة مسافة بين الرغبة ونيل المراد. تعزيز الثقة رهن بفهم النخب الحاكمة لهموم الجمهور ، وتوجيه سياسات الدولة على نحو يحاكي تلك الهموم أو يعالجها.
قد يغضب الناس على حكومتهم وقد يرتابون في سياساتها. لكنهم لا يفعلون هذا لانهم يريدون اسقاطها. بل لانهم يسعون للعيش بسلام ، في ظل قانون يمكنهم من تحقيق سعادتهم الخاصة. قبل خمسة قرون نظر المفكر الايطالي نيقولو مكيافيلي في العوامل المحركة لرغبة الناس في الحرية. فقدم مجادلة متينة ، فحواها ان جميع الناس مقتنعون بأن وظيفة الحكم لا تتسع الا لعدد قليل جدا. ولذا فغالبيتهم الساحقة لا يتطلعون الى هذه الوظيفة ولا يسعون لنيلها. لكنهم جميعا يريدون الحرية كي يشعروا بالأمان. يتحقق الأمان حين يتمكن الفرد من تشكيل حياته وصناعة مستقبله دون ان يعيقه القانون في كل خطوة. كلما اتسع القانون ، توسع معه مجال التصرف الحر للافراد ، سواء كان هذا التصرف تعبيرا عن رأي او اختيارا لعمل او انتقالا من مكان الى مكان.. الخ. بعبارة اخرى فان الجمهور يريد من الحكومة ان تقوم بعملها ، وان تدعه في المقابل يقوم بعمله ، ويعيش حياته كما يشاء.
دعنا نتخيل حالتين: حكومة تتدخل في تفاصيل حياة الناس اليومية ، وأخرى تركت الناس يعيشون كما يشاؤون. أفترض ان احتمالات الاختلاف في الحالة الأولى ستكون اكبر كثيرا من الحالة الثانية. ومع الاخذ بعين الاعتبار الفارق الواسع في الامكانات بين الطرفين ، فان المواطن سيميل غالبا الى فرضية ان الدولة قادرة على فعل اي شيء ، وانها – بالتالي – مسؤولة عن كل فعل او احجام او تأخير. أما مواطن الحالة الثانية فهو لا يتوقع من الاساس ان تقوم الدولة بأي شيء ، وأن عليه ان يدبر حياته بنفسه. ولهذا فليس ثمة مورد للخصام او عدم الرضى.
زبدة القول ان توسيع القانون ، وتوسيع مجالات الحياة الحرة لعامة الناس ، عامل مؤثر في تعميق ثقتهم في حكومتهم ورضاهم عنها. الناس - ببساطة – يريدون العيش في سلام ، وهذا يتطلب – بين أمور أخرى – تقليص تدخل الدولة في حياتهم الى أدنى الحدود الممكنة.

الشرق الاوسط 19 يوليو 2017   http://aawsat.com/node/977491
مقالات مماثلة





الثلاثاء، 11 يوليو، 2017

العراق: المهمة الكبرى بعد الموصل

؛؛ اتفق العراقيون على ما سمي بالمحاصصة ، أي اقتسام النظام السياسي. وهو عرف قد يقبل كعلاج انتقالي ، ريثما يتم بناء الثقة المتبادلة. لكنه شديد الخطورة اذا تكرس كعرف دائم ؛؛
تحرير الموصل من قبضة داعش ينطوي على قيمة مادية عظيمة. لكن قيمته المعنوية والسياسية فوق ذلك بكثير. ينبغي للساسة العراقيين استثمار هذا النصر الكبير في معالجة اشد المعضلات التي تواجه بلدهم ، اعني بها مسألة "الاجماع الوطني".
كانت مشكلات الحكم والاقتصاد رفيقا ملازما للعراق طوال تاريخه الحديث. ولمن يظن ان مشكلاته بدأت بعد الاجتياح الامريكي في 2003 ، يؤسفني ان أذكره بحملة الانفال ، حين شن الجيش اوائل 1988 حملة على كردستان ، دمرت فيها 2000 قرية ، وهجر نصف مليون مواطن ، وابيد الاف السكان بالقنابل الكيمياوية. مأساة الأكراد مثال واحد على طبيعة السياسة في هذا البلد. وثمة مئات من الأمثلة المشابهة ، يعرفها كل باحث في الشأن العراقي. هذه - على أي حال – تفاصيل تاريخ مضى. ولعل في مشكلات اليوم ما ينسي ذلك الماضي الأليم.
سقوط النظام في 2003 لم يتسبب في الانقسام الاجتماعي ، بل كسر السقف الذي حال دون تطوره الى نزاع أهلي. أما سبب الانقسام  المزمن فهو هيمنة مفهوم "الغنيمة" على المجال العام. النخب الحاكمة تعاملت مع الدولة كمغنم خاص لها ولمن تبعها من الناس. الامر الذي تسبب في اقصاء معظم المواطنين ، أفرادا وجماعات ، وأقام جدارا عاليا من الارتياب بين أطياف المجتمع ، وكسر التوافق الموروث بين المواطنين على العيش المشترك وتبادل المنافع والاعباء.
اعادة بناء "الاجماع الوطني" هو السبيل الوحيد لاصلاح النظام السياسي ، وتحرير العراق من سجن تاريخه المشحون بالمعاناة. وأظن ان هذا ضرورة أيضا للبلدان التي تعاني انقسامات اجتماعية شديدة ، كحال اليمن وليبيا على سبيل المثال.
"الاجماع الوطني" هو الفهم المشترك بين المواطنين لطبيعة نظامهم السياسي والعلاقة التي تربطهم في إطاره. وهو يتألف من منظومة قيمية وتقاليد سياسية ومجتمعية ، يتوافق عليها الجميع ويرجعون اليها لتسوية خلافاتهم في المصالح أو الافكار. واظنه معادلا لمفهوم "عرف العقلاء" المعروف في التراث الاسلامي.
لقد اتفق العراقيون على ما سمي بالمحاصصة ، أي اقتسام النظام السياسي. وهو عرف ربما يقبل كعلاج انتقالي ، ريثما يتم بناء الثقة المتبادلة. لكنه شديد الخطورة اذا تكرس كعرف دائم. يجب ترسيخ المواطنة الفردية كاطار قانوني وحيد لتنظيم علاقة المجتمع بالدولة. وكل تنميط للمواطنين ، على اساس قومي او طائفي أو غيره ، سيؤدي بالضرورة الى هدر قيمة المواطن الفرد ، ويعيده قسرا الى كهف الجماعة ، اي التراجع من زمن الدولة الحديثة الى زمن القبيلة والطائفة.
يهمني أيضا الاشارة الى ضرورة الاهتمام بالعامل الخارجي ، الذي أراه مؤثرا جدا في اعادة بناء الاجماع او اعاقته. وهو عامل يكرهه العراقيون أشد الكراهية ، لكن ضرورات المرحلة تقضي بتهميش العواطف ، حتى العبور الى الضفة الأخرى. يحتاج العراق في ظني الى التكيف مع إطاره الاقليمي والدولي. وأعني تحديدا اتخاذ خط وسط يتضمن – من جانب - الاقرار بدور محدد للدول الأخرى ذات التأثير في داخله ، والعمل – من جانب آخر – على تحديد هذا التدخل وجعل الحكومة الشرعية طريقه الوحيد. هذا يعني بالضرورة استيعاب جميع الاطياف والمصالح ، حتى تلك التي فشلت في البرهنة على قوتها من خلال السلاح او من خلال الانتخابات. حين تقصي أحدا فانت تفتح نافذة للأجنبي. وخير للبلد ان يتحمل أخطاء أبنائه ، بل وآثامهم أيضا ، كي لا يضطر للتفاوض مع الغريب على تفصيلات سياساته وعناصر سيادته وسلمه الداخلي.
الشرق الاوسط 11 يوليو 2017
http://aawsat.com/node/971831
مقالات ذات علاقة

الأربعاء، 5 يوليو، 2017

تجنبا لداعش أخرى: اربعة عوامل للوقاية



؛؛ أربعة عوامل هيأت لظهور داعش: الهوية المتأزمة ، تعثر التنمية ، غياب الحريات والمشاركة الشعبية ، وجمود الفكر الديني؛؛

سقوط تنظيم "داعش" في الموصل ، وفر فرصة لبعض المعلقين لتكرار القول بان داعش لم ينته ، طالما بقي الفكر الذي ولد في رحمه. من يتبنى هذه الرؤية ، ينظر الى داعش كتنظيم مغال في العنف والتشدد لا اكثر ، وان الفكر هو الذي يحول الانسان العادي الى قاتل. التحول الفكري يتمثل تحديدا في تبني نحلة او مذهب متشدد.
لكني انظر من حولي فأرى آلافا من الناس يحملون نفس القناعات ، لكنهم يعيشون في سلام مع العالم. "داعش" ليس مجرد تنظيم عنيف. بل نموذج معياري لمفهوم ومشروع سياسي ، يختلف كليا عن بقية الجماعات التي تشاكله ظاهريا. يتألف هذا النموذج من اربعة أجزاء متكاملة:
1- الخلافة التي تذكر باعتقاد سائد فحواه ان التاريخ عجلة تدور باستمرار ، وان ما أصلح حال المسلمين في الماضي سيصلحهم في الحاضر.
2- القوة الباهرة وممارسة الحسم في حده الاعلى. وهو الذي جعل التنظيم ودولته قضية ضخمة تشغل العالم. هذا الانشغال ملأ فراغا موحشا عند شريحة واسعة من المسلمين ، تشعر بان العالم لا يهتم بها ولا يقيم لها وزنا.
3- الانتصارات المتلاحقة خلال مدى زمني قصير. وهو يغذي اعتقادا عميقا بان من يملك مصدر قوة خفي (ربما يكون غيبيا او نوعا من الكرامات الخاصة) فانه سيكمل مهماته بنفسه ولا يحتاج للتفاوض مع أحد.
4- مشروع عابر للحدود والقوميات ، يفسح مجالا لأي مسلم من أي مكان ، كي يسهم في اعادة ما يعتقدون انه دولة الاسلام.
لا يؤمن الناس بهذا  المشروع النموذجي لأنهم ينتمون الى مذهب متشدد ، او لانهم يحملون افكارا متشددة. بل لأنهم – من جانب - يعيشون أزمات كبرى في أنفسهم وفي أوطانهم ، أزمات اقتصادية او اجتماعية او سياسية. ولانهم – من جانب آخر – يرون التساقط المتوالي للحلول والبدائل التي ظنها الناس حلولا ممكنة لتلك الأزمات. الفشل المتوالي هو الذي يعيد احياء الفكرة القائلة بانه "لا يصلح آخر الأمة الا بما صلح به أولها" ، حيث تشكل عودة الخلافة عمودها الأول.
نتيجة بحث الصور عن خلافة البغدادي
هذا هو السر في تميز مشروع "داعش" بميزتين مؤثرتين ، أولاهما ان الذين التحقوا به جاؤوا من مذاهب وقوميات شتى ، وبعضهم لم يكن في الاساس متدينا ، اي ان الحاضن الاجتماعي للمشروع ليس مركزيا محصورا في نطاق اجتماعي محدد. والثانية ان شريحة مهمة ممن راقب هذا المشروع من خارجه لا يؤيدون داعش ، لكنهم في الوقت نفسه لا يستبعدون نجاحه. بل ربما شعروا بالسرور لما حقق من انتصارات ، حتى لو لم يكونوا مستعدين للاسهام فيها.
حين اعلنت دولة الخلافة في الموصل ، كتبت انها قصيرة العمر مستحيلة النجاح ، لانها ضد حركة التاريخ. لكن المهم الآن هو مراجعة الاسباب التي تجعل العالم العربي مهيأ لظهور نموذج كهذا. وأراها محصورة في أربعة عوامل: الهوية المتأزمة ، تعثر التنمية الاقتصادية/الاجتماعية في مفهومها الشامل ، غياب الحريات المدنية والمشاركة الشعبية في القرار ، وأخيرا جمود الفكر الديني وعدم تفاعله مع متغيرات العصر.
هذه العوامل الأربعة ساهمت في إفشال كل مشروع مستقبلي بديل ، وعمقت الشعور بالاحباط بين الجمهور العربي. وبالتالي وفرت الفرصة والشرعية للحلول المستوردة من التاريخ. ومن هنا فان المصل الوحيد للوقاية من ظهور مشاريع شبيهة لمشروع داعش (او ربما اكثر سوء منه) هو التعامل الجاد مع تلك العوامل.
الشرق الاوسط  05 يوليو 2017 
http://aawsat.com/node/967121

مقالات ذات علاقة

الأربعاء، 28 يونيو، 2017

النقلة الحتمية : يوما ما ستنظر الى نفسك فتراها غير ما عرفت


؛؛ حين يسيح الناس في الفضاء المجازي ، فانهم لايؤدون اعمالهم فقط، بل يتعلمون اشياء جديدة ومثيرة. ويعيدون تشكيل هويتهم ورؤيتهم لانفسهم والعالم ؛؛
 مع تفكك الاتحاد السوفيتي في 1991 ، أطلق عدد من الأكاديميين مصطلح"انفجار الهوية"لوصف التمرد الجمعي للقوميات التي خضعت منذ الحرب العالمية لهيمنة موسكو. قدر اولئك الباحثون ان معظم الدول الكبرى ، سوف تتقلص الى كيانات قائمة على اساس قومي او عرقي.
لم تصدق تلك النبوءة. لكن الذي حصل في الواقع هو ما تنبأ به مانويل كاستلز ، عالم الاجتماع الاسباني ، الذي رأى ان ثورة الاتصالات تقود العالم الى نوع من الهوية الموحدة. عرض كاستلز هذه الفكرة في 1989. لكنها لم تثر اهتماما يذكر حتى نهاية العقد التالي. في كتابيه الآخرين "مجتمع الشبكات" و "قوة الهوية" اهتم كاستلز بانعكاسات التواصل العابر للحدود على السلوك اليومي للأفرد والمجتمعات. وقدم في هذا الاطار تصورا متينا عن هوية معولمة ، تتشكل في العالم الافتراضي ، لكنها تعيد تكوين نفسها في العالم الواقعي ، على نحو يتعارض - في معظم الاحيان - مع المكونات المحلية الموروثة.
والحقيقة ان نظرية كاستلز تذهب الى مدى أبعد. فهو يقول ان ما كنا نسميه بالعالم المجازي ، لم يعد مجازيا على الاطلاق. فقد بات عالما حقيقيا ، وهذا واضح في مجال التجارة والثقافة ، وهو سيؤثر في نهاية المطاف على مفهوم ومضمون الدولة.
لا تعمل الدولة في الفراغ ، حسب رؤية كاستلز. فهي تكثيف للعلاقات والافكار والافعال التي تجري ضمن نطاقها الحيوي ، اي الارض التي تبسط عليها سيادتها. ومع تغير ثقافة البشر وعلاقاتهم ، وتغير الاقتصاد ونظم التبادل ضمن هذا النطاق وعلى امتداد العالم ، فان مفهوم الدولة وفلسفتها وديناميات عملها ، ورؤية الناس لها وتعاملهم معها ، سوف تتغير هي الأخرى.
نتيجة بحث الصور عن ‪manuel castells‬‏
ربما يتوجب علينا الانتظار بضع سنوات. لكن الذي سنراه في نهاية المطاف هو هوية فردية/جمعية معولمة ، اقتصاد معولم تحركه نظم المعلومات والاتصالات العابرة للحدود ، ودولة مضطرة للتناغم مع تحول البنية الاجتماعية التي تشكل مجالها الحيوي.
ما الذي يهمنها من هذا الحديث؟.
الواقع ان المجتمعات العربية عموما ، ومجتمعات الخليج بصورة أخص ، هي أكثر من ينطبق عليها التقدير السابق. الاحصاءات الخاصة بنفوذ الانترنت واستعمال الهواتف الذكية ، والتوسع السريع للتجارة الالكترونية والتعامل على الفضاء المجازي ، تؤكد الحقيقة التي تنبأ بها كاستلز ، أي تحول شبكة الانترنت من وسيط لتبادل الأفكار ، الى مجال لاعادة صياغة الحياة اليومية.
نعلم ان اكثر من نصف الأخبار المتداولة في العالم العربي اليوم تدور على الانترنت ، وان التجارة الالكترونية تنمو بنسبة لا تقل عن 6% سنويا. ونعلم ان جميع الاجهزة الحكومية والمنظمات التجارية ، تسعى لنقل ما تستطيع من عملياتها الى الفضاء الافتراضي. هذا وغيره سيحول الانترنت الى مجال حيوي يومي لجميع الناس ، صغارا وكبارا. وحين يسيح الناس في الفضاء المجازي ، فانهم لا يؤدون اعمالهم فقط ، بل يتعلمون اشياء جديدة ومثيرة. وفي هذا السياق يعيدون تشكيل ثقافتهم وعلاقاتهم ، وبالتالي هويتهم ورؤيتهم لانفسهم والعالم.
بالنسبة للمجتمعات العربية فان هذا التطور ، يستدعي حسما سريعا لسؤال: من نحن وماذا نريد وكيف نفهم العالم وكيف نتعامل معه.
في وقت ما ، قد يكون قريبا جدا ، سنجد انفسنا مختلفة عن انفسنا التي اعتدناها ، وسنضطر للتكيف مع انماط حياة غير التي ورثناها أو تعلمناها. ربما نحب هذا التحول او نبغضه ، لكنه سيحدث على أي حال.
الشرق الاوسط 28- يونيو - 2017

مقالات ذات علاقة


الأربعاء، 21 يونيو، 2017

المعنوية ، حيث تلتقي جميع الرسالات



الحوارات اليومية للمفكر السوري د. محمد شحرور على قناة روتانا ، هي في ظني أفضل عمل ثقافي قدمه الاعلام العربي خلال هذا الشهر المبارك. تعرفت على شحرور للمرة الأولى في مطلع تسعينات القرن المنصرم ، من خلال عمله المثير للجدل "الكتاب والقرآن". وللحق فان تحليله الفريد للنص القرآني قد صدمني وسفه كثيرا من قناعاتي المستقرة. لكنه علمني ان فهم النص مشروط بالعبور منه الى ما وراءه. هذا "الوراء" قد يكون تخيلا للاحتمالات الممكنة في النص ، أو ربما قائمة معايير أولية بسيطة ترجع اليها كافة الاخلاقيات والمثل ، أو إطارا عاما يجمع ما تظنه الخيوط التي تربط بين حياة البشر المادية وحياة الانسان المعنوية.
وجدت ثلاثة مفاهيم تشكل ما أظنه اطارا عاما يجمع كل آراء محمد شحرور ، هي الدنيوية ، المعنوية ، والعقلانية. من حيث المبدأ تصور شحرور الاسلام وكتابه المقدس كمنهج لتنظيم حياة البشر في الدنيا. ما يتعلق بالغيب والآخرة مجرد تكملة للقواعد التي تنظم الحياة الدنيوية. ثم انه تصور الحياة الدنيا العاقلة كنموذج أولي لتطبيقات القيم الدينية. والحق ان القرآن لا يدعونا لغير القيم العليا وقواعد العيش الكريم ، التي توصل اليه عقلاء البشر في كل زمان ومكان. ربما تختلف تطبيقات تلك القيم ومقاصدها الفورية بين ظرف وآخر او بين مكان وآخر ، بحسب موقعها في التشكيل العام للظرف الاجتماعي – الاقتصادي الراهن. لكنها في نهاية المطاف ليست أدوات تبرير لذلك الظرف ولا السلوكيات او المفاهيم المتولدة عنه. بل هي على العكس من ذلك ، نماذج مرجعية لنقد السلوكيات والافعال والمفاهيم السائدة ، وتأكيد على تجاوز التطبيقات الظرفية الى النموذج الاعلى.
نتيجة بحث الصور عن محمد شحرور النبأ العظيم
المعنوية هي النقطة التي تلتقي عندها كافة الأديان والدعوات الروحية. لطالما استمعنا الى من يقول ان الاسلام متمايز على سائر الأديان ، بما يحويه من توازن بين جانبيه المادي والروحي. لكن ماذا تغني روحانيات الدين ان لم تملأ القلوب بالمحبة لسائر خلق الله. ان ما جرى من افراط في استعمال الشعار الديني في الصراعات الاجتماعية والسياسية ، قد حجم روحانيات الدين ، وحولها من عالم مستقل موازن للميول المادية ، الى أداة للأغراض المادية ، من خيوط وصل تربط بني آدم الى تبريرات للعدوان عليهم.
في هذه الأيام أرى نوعا من إعادة الاعتبار لمعنويات الدين. اي تلك المفاهيم القائلة بان عباد الله جميعا يمكن ان يلتقوا على شاطيء واحد ، هو عمل الخير ، حتى لو سلكوا سبلا شتى او اختاروا مذاهب وأديانا مختلفة. ويلفت انتباهي خاصة الاراء الجديدة التي يطلقها دعاة ومفكرون ، وفحواها ان قصد الخير بشكل عام ، كاف لنيل رضا الله.
جوهر معنوية الدين هي الايمان بأن رسالة الله واحدة ، تختلف اشكالها واطارات عملها بحسب اختلاف ازمنة الناس ، وان رحمة الله تتسع لجميع خلقه ، المذنبين والمحسنين. ونقطة الالتقاء بين العقلانية والمعنوية هي الايمان بدور الضمير الانساني كنقطة اتصال بين الانسان وربه ، ودور العقل كمولد لمعاني الافعال. مهما كان اتجاه الانسان وقناعاته ، فان عقله قادر على كشف محتوى الفعل ، اي التمييز بين الصلاح والفساد فيه ، حتى لو كان جاهلا بتعاليم الدين.
قد تكون ممن يتوسع في اقامة شعائر الدين او ممن يقتصد فيها. ما هو مهم في كل الاحوال هو قصد الخير لنفسك ولعامة الخلق ممن تعرفهم او لا تعرفهم. هذا هو  الايمان بالله.
الشرق الاوسط 21 يونيو 2017

مقالات ذات علاقة

الأربعاء، 14 يونيو، 2017

كهف الجماعة



أنت وأنا ننظر الى واقعة واحدة ، فأرى شيئا وترى شيئا آخر. انا وأنت لا نرى الواقعة كما هي ، بل نرى صورتها التي في أذهاننا. لا يختلف الناس في حكمهم على الاشياء لأنهم يجهلون الحقائق ، بل لأنهم يرونها على صور متباينة. قدم الفيلسوف الالماني مارتن هايدغر صياغة مبسطة لهذا المفهوم فقال ان كل فهم جديد مشروط بالفهم السابق. ولا فهم من دون فهم مسبق. لهذا السبب على الارجح رأى توماس كون ، المفكر الامريكي المعاصر ، ان ما يكتشفه البشر في مراحل العلم العادي ليس سوى اعادة ترتيب لما يعرفونه سلفا.
قبل ذلك بزمن طويل ، رأى افلاطون ان عامة الناس سجناء للذاكرة الفردية او الجمعية التي تحدد رؤيتهم للعالم. تخيل افلاطون كهفا يتسلل اليه بصيص ضوء ، فتنعكس على جدرانه ظلال من حركة الحياة في خارجه ، فيتخيل أهل الكهف انهم يرون الحياة بذاتها. لكنهم في حقيقة الامر لا يرون غير ظلالها. قلة قليلة ممن يملكون البصيرة أو يتحلون بالشجاعة ، يتمردون على كهف الذاكرة فيخرجون الى النور ، فيرون العالم كما هو ويرون الحياة كما هي. وحين يصفونها لأهل الكهف فان قليلا منهم سيجرأون على تقبل فكرة ان هناك ، خارج جدران الكهف ، عالما ينبض بالحياة أو يتحرك في اتجاه مختلف عما تخيلوه طوال حياتهم.

أعاد فرانسيس بيكون شرح الفكرة في نظريته الشهيرة عن أصنام العقل الاربعة ، أي منظومات الأوهام الساكنة والنشطة التي تتحكم في رؤية العقل للحقائق ، وبينها أصنام الكهف.
اصنام الكهف او كهف الذاكرة تنطبق بصورة بينة على المسار الاجتماعي الذي نسميه التمذهب. نحن ننظر الى معتقداتنا فنراها صحيحة دائما. بينما ينظر اليها اتباع مذهب مختلف ، فيرونها خاطئة دائما. نأتي بالادلة والشواهد ، فيأتون بأدلة وشواهد مقابلة. وفي نهاية النقاش ، يزداد الطرفان قناعة بما كانوا عليه أصلا. وكأن النقاشات كلها حوار بين طرشان أو مجرد نفخ في الهواء.
ليس بين الطرفين جاهل او قليل العلم ، وليس بينهما من لا يفهم الادلة او طرق الاستدلال. المسألة وما فيها انهم يفكرون في قضايا تتحد في الاسماء ، وربما تتحد في الجوهر ، لكنهم لا يهتمون بجوهر الاشياء ولا باسمائها ، بل يهتمون بالمعاني المتولدة من تلك الاشياء.
معنى الشيء هو الصلة التي تربط بينه وبين الناس. ولا قيمة لأي شيء ما لم تتحدد علاقته بالاشخاص الذين يتداولونه. جرب ان تعرض على طفل خمسمائة ريال او لعبة بعشرة ريالات ، فما الذي سيختار؟. المؤكد انه سيختار اللعبة ، لانها تعني له شيئا. اما الخمسمائة ريال فليست – بالنسبة اليه – سوى ورقة.
اتباع الأديان والمذاهب وأعضاء الجماعات السياسية ، بل كافة الناس على وجه التقريب ، لايجادلون قناعاتهم الاساسية ، ولا يتخلون عن مسلماتهم ، حتى لو رآها الاخرون غير معقولة. لانها ليست عناصر هائمة في الفضاء ، بل هي اجزاء متناغمة ملتحمة في صورة كاملة مستقرة في ذاكرتهم ، تشكل كهفهم الخاص ، اي عالمهم الحقيقي ، الذي قد يماثل عالم الناس او يختلف عنه ، لكنهم يعرفون انفسهم والعالم على هذا النحو.
هل يستطيع أحد البرهنة على ان عالمك اكثر معقولية من عالمي ، أو ان كهفك اوسع من كهفي؟. ربما. لكننا نتحدث في نهاية المطاف عن كهف ، واسعا كان أو ضيقا.
الشرق الاوسط 14 يونيو 2017



الأربعاء، 7 يونيو، 2017

كيف تولد الجماعة



لا نسمع هذه الايام عن ظهور مذاهب دينية جديدة. لكنا نسمع دائما عن ظهور جماعات دينية جديدة. لو عدنا الى التاريخ وتأملنا في الظروف التي ولدت في رحمها المذاهب المختلفة ، لوجدناها شبيهة بالظروف التي تتخلق في رحمها أحزاب اليوم.
معظم المذاهب الدينية القائمة ، مثل نظيرتها التي اندثرت في مسار الزمن ، ولدت كنتيجة لتحولات اجتماعية او صراعات سياسية. ثم جرى شحنها بمحتوى نظري يؤكد الحدود التي تفصلها عن التيار السائد. أحزاب اليوم تسير في نفس الطريق. يكتشف شخص او عدد من الاشخاص فكرة ، تتحول الى موضوع تناقض مع حاضنها الاجتماعي ، ثم تتحول الدعوة اليها او الدفاع عنها الى "دائرة مصالح" لأصحابها ، ثم يجري تنظير الحدود التي تميزها عن دوائر المصالح المنافسة في ذات الاطار الاجتماعي ، فتمسي "جماعة" مستقلة.
التحول من دائرة مصالح اجتماعية او سياسية الى مذهب او طائفة ، يتم تدريجيا ، وربما يستغرق عشرات السنين ، بحيث ينسى الناس ظرف البداية ، فيتعاملون مع الجماعة او الطائفة كمعطى ناجز او واقع قائم ، لا يبحث أحد عن أصوله وبداياته.
من حيث الشكل الخارجي ، لا تحمل الاحزاب الدينية المعاصرة سمات المذهب او الطائفة. فكلها حريصة على تحديد موقعها ضمن أحد المذاهب. لكن التأمل في مضمونها ومحتواها الايديولوجي ، فضلا عن مواقفها الثابتة ، يوضح انها لا تختلف كثيرا عن المذاهب المكتملة. ولذا فقد نجدها على خصام مع بقية أتباع المذهب نفسه ، سواء انتموا الى دوائر مصالح مستقلة او كانوا ضمن التيار العام. انها اذن اقرب الى ما يمكن اعتباره شبه طائفة او شبه مذهب ، تحمل كل مقومات المذهب المستقل او الطائفة المستقلة ، لكن سماتها الخارجية ما تزال غير مكتملة.
ربما يرجع هذا اللبس الى اصرار الجماعات الجديدة على التمسك بذات المصادر القيمية والمرجعية النظرية للمذهب الاصل. وهذا من الأمور الشائعة. اذ نادرا ما تتخلى الجماعة عن المصادر المرجعية المشتركة ، لانها تحتاج اليها في تأكيد مشروعيتها.  وهي تحتاجها كي تصون قدرتها على العمل في نفس الحاضن الاجتماعي الذي تخارجت عنه. ولو انكرت تلك المصادر لسهل على المنافسين اقصاءها باعتبارها اجنبية او خارجية.
تتمسك الجماعة بتلك المصادر ، اي الكتاب والسنة والمنظومات العقدية ، والاجتهادات الفقهية الرئيسية، ثم تعيد تفسيرها على نحو يبقي على الارتباط بالأصل. لكنه في الوقت نفسه يؤكد الفارق بينها وبين المنافسين. ويبرر تخارجها النسبي عن المذهب الاصل. وهي تطرح هذه التفسيرات باعتبارها المفاد الصحيح او المعنى الأقرب للمصادر المرجعية.
زبدة القول ان ظهور الجماعات الدينية اليوم ، مثل ظهور المذاهب الدينية في الماضي ، هو استجابة لدوافع ومحركات اجتماعية او سياسية. اما الافكار المتمايزة فهي إعادة تفسير للنص او المصادر المرجعية على نحو يبرر التفارق. ولهذا نجد ان بعض ما يطرحه اصحاب المذاهب من اراء متمايزة ، لا مبرر له سوى تأكيد التمايز. انها – بتعبير آخر – تأكيد على مركزية الجماعة ، ودعوة الاتباع للنظر الى الدين والعالم من خلال الجماعة/المذهب ، وليس النظر الى الجماعة من خلال الدين او الرؤية الدينية الى العالم.
هذا لا يعني بطبيعة الحال ان هذه الرؤية صحيحة او باطلة ، بل يعني فقط وفقط ان الاختلاف والتمايز ، سنة جارية في كل دين وايديولوجيا. يبدأ الانقسام لاسباب اجتماعية او سياسية ، ثم يشحن بمبررات دينية او ايديولوجية.
الشرق الاوسط 7 يونيو 2017
http://aawsat.com/node/945446

الأربعاء، 31 مايو، 2017

نسبية المعرفة الدينية



من حيث المبدأ ، يتجه الخطاب الديني الى كل البشر ، في كل الازمان والأماكن ، باعتباره مثالا ومنهجا كونيا ، قادرا على توحيد الأحياء وتعزيز الالفة فيما بينهم ، وصولا الى تشكيل أمة واحدة تسود الكوكب. وفي هذا المجال لا يختلف دين عن دين. الاسلام مثل المسيحية واليهودية والبوذية وجميع الاديان الأخرى ، كل منها يقدم نفسه كخطاب كوني وقوة توحيد للعالم. وهي جميعا تدعو  للتعارف والتفاهم بين الاقوام والجماعات البشرية المختلفة ، تمهيدا للاندماج والتوحد..
لكن تاريخ العالم يخبرنا ان الأديان التي نجحت أولا في توحيد المجتمعات الصغيرة ، سرعان ما أصيبت بداء الانقسام والتفكك الداخلي.
ومن المفارقات ان كل الاديان تسعى للتوسع ، من خلال ضم مجتمعات جديدة الى قاعدة اتباعها ومعتنقيها. لكن هذا المسار بذاته ، يفتح الباب لدخول أعراف تلك المجتمعات وموروثاتها الثقافية ، الى النسيج الثقافي للدين. وطالما بقيت ابواب المعرفة الدينية مفتوحة لجميع اتباع الدين ، فان احتمالات التحول في تلك المعرفة ، تبقى مشرعة بنفس القدر. المزيد من الاتباع يعني المزيد من الاضافات ، والمزيد من الاضافات يعني احتمالات جديدة لظهور جماعات متمايزة داخل الدائرة الدينية.
اختلاف الفتوى من بلد لآخر ومن زمن لآخر ، مثال شائع عن تلك الحقيقة. وهو للمناسبة من الأمور التي يحبذها كافة اتباع الأديان ، ويرونها دليلا على يسر الدين وانفتاحه. بعض الباحثين ينظر لاختلاف الرأي والفتوى كقضية علمية بحتة ، سببها اختلاف العقول وتعدد الأدلة. لكن الواقع يخبرنا ان عقل الانسان لا يعمل في العزلة.  فهو يتأثر بالمعارف المنظمة والأدلة ، إضافة الى التصورات الذهنية المنعكسة عن ظرفه الاجتماعي ، أي أنماط معيشة الناس وهمومهم ومشكلاتهم وتطلعاتهم ومصالحهم ومخاوفهم. تترك هذه المؤثرات بصمتها على الفتوى والرأي الديني ، مثل اي تعبير ثقافي آخر. العوامل البيئية تؤثر في فهم الباحث لموضوع البحث كما تؤثر في مسارات تفكيره ، وتؤثر اخيرا في صياغته لنتاج عقله. اختلاف البيئة الاجتماعية لعالم الدين ، هو السبب وراء تعدد النماذج الدينية واختلافها بين بلد وآخر ، أو حتى بين جيل وآخر في نفس البلد.
المفترض ان نتعامل مع تعدد النماذج الدينية كسياق طبيعي في الحياة. بل من المنطقي القول انه مؤشر على اتساع التجربة الدينية وميلها الى الثراء والتكامل. لكننا مع ذلك سنواجه سؤالا لا يسمح باجابة نهائية ، وهوسؤال المسافة الممكنة للاختلاف بين النماذج المحلية للدين من جهة ، والمسافة الممكنة للاختلاف بين كل من هذه النماذج ، وبين النموذج النظري الاصلي. سبب هذا السؤال هو القناعة القائلة بأن النموذج الاصلي للدين ، هو الوحيد الذي يتمتع بمشروعية كاملة ، أما النماذج المحلية فمشروعيتها نسبية ، ومشروطة بقربها الى الأصل أو بعدها عنه.
بالنسبة لمعظم الناس ، يبدو ذلك السؤال بديهيا وضروريا. فجميعهم يود الاقتراب من الاصل قدر المستطاع. لكنه ، من ناحية أخرى ، سؤال غير منطقي ، بل لا يبعد ان يكون بلا موضوع. فكل متدين ينظر الى كلا النموذجين: المحلي والأصلي ، من زاويته الخاصة. اي أن رؤيته محكومة بظرف الانقسام ، وبالتالي فهي منحازة. فهل يمكن لرؤية منحازة ان تقدم حكما محايدا؟.
نتيجة الجواب ليست مهمة ، المهم ان قبولنا بالسؤال في الاصل يمثل اقرارا ضمنيا بأن المعرفة الدينية نسبية ، وان التطبيقات الدينية من جملة تلك المعارف ، التي قد تطابق الحقيقة الدينية او تفارقها.
الشرق الاوسط 31 مايو 2017

http://aawsat.com/node/939756

الأربعاء، 17 مايو، 2017

الفتاوى الغريبة وحكمتها الخفية


في ديسمبر 2008 نشرت صحيفة "الوطن" تقريرا للزميل عضوان الاحمري ، استعرض أغرب الفتاوى خلال العام. وتنشر الصحافة تقارير مثل هذا بين حين وآخر.
استغراب تلك الفتاوى لا يتعلق بصحة أو خطأ أدلتها. فليس هذا ما يهم عامة الناس. موضع الاثارة والاستغراب هو تطبيق مضمون الفتوى. وأذكر ان وزير الاعلام السابق د. محمد عبده يماني ، ، عرض علي يوما كتابا عن الحديث المعروف بحديث الذبابة. ووجدت ان كاتبه قد بذل جهدا فائقا في التحقق من الروايات التي تسند الحديث المذكور. لكن المرحوم يماني لم ينس الاشارة الى ان المشكلة لا تكمن في صحة الاستدلال ، بل في كون مؤدى الحديث مما يجافي الذوق العام. ولذا يقع موقع السخرية.
اعلم أيضا ان بعض الفقهاء المعاصرين يختار السكوت عن فتاوى كانت محل اجماع في الماضي ، لأن الجمهور ما عاد يقبلها. ومن بينها مثلا فتاوى تحريم التصوير ، والدراسة في الخارج والعمل في البنوك واقتناء الاسهم ، و السفر الى البلدان الاجنبية ، والمتاجرة في الاسواق المستقبلية ، وتولي النساء للوظائف القيادية..الخ.
هذا يشير الى حقيقة ان المسألة الشرعية لا تنتهي بمجرد اعلان الفتوى فيها. دعنا نقول ان عملية الاجتهاد تتألف في المنهج الموروث من ثلاث مراحل ، هي التكييف الموضوعي للمسالة ، ثم البحث عن الادلة ذات العلاقة ، واخيرا انتخاب الحكم المناسب.
لكن التحولات الاخيرة في تعامل الناس مع الشريعة وأهلها ، تستدعي إضافة مرحلة رابعة ، هي اختبار الانعكاسات المترتبة على اعلان الفتوى. والمرجع في هذا الاقتراح ان المصلحة شرط في الحكم. واشتهر بين العلماء ان "الاحكام تدور مع المصالح وجودا وعدما". ومعنى هذا القول ان فتوى الفقيه تسقط من الاعتبار ، اذا ترتب عليها تضييع مصلحة عقلائية ، او تسببت في فساد.
ومن أجلى وجوه الفساد التسبب في إعراض الجمهور المسلم عن احكام الشريعة ، او جعلها موضعا للسخرية والتندر من قبلهم او من قبل غيرهم. ولا يختلف الحال بين ان يرفض الحكم لما يتسبب فيه من عسر على الناس او حرج ، كما في القول بحرمة السفر الى البلاد الاجنبية ، أو لأنه - في اللفظ او الفحوى - مخالف للذوق العام او طبيعة البشر ، كما في النهي عن محبة الزوجة غير المسلمة.
لا بد ان بعض القراء سيرى في الكلام السابق معالجة لسطح المشكلة. وهذا رأيي أيضا. لكن لو أردنا الذهاب درجة واحدة في العمق ، فقد نجد ان جوهر المسألة ليس رد فعل الجمهور على غرابة الفتوى ، بل في ان بعض الفتاوى تناقض حكم العقل أو تهدر المصالح الجارية للناس.
لا يتسع المجال للتفصيل في هذا. وزبدة القول ان المشكل الجوهري يكمن في الفرضية القائلة بان بعض الاحكام الشرعية ينطوي على حكم خفية لا يدركها العقل ، وان على المؤمن ان يأخذ بها تعبدا وتسليما ، لأنها حكم الله ، وهو الاعلم بما يصلح عباده وما يصلح لهم.
لا يوجد اي دليل معتبر على صحة الالزام بالفرضية المذكورة. فاحكام الشريعة ، سيما الموجهة للمجتمع كنظام ، غرضها تحقيق مصالح قابلة للتشخيص العرفي ، اي ان مضمونها ظاهر لعامة العقلاء. بديهي ان وضوح المصلحة العقلائية ، يستدرج حكمها ، لما ذكرناه من ان الاحكام تدور مع المصالح نفيا او اثباتا. ولنا عودة الى الموضوع في وقت آخر ان شاء الله.
الشرق الاوسط 17 مايو 2017
http://aawsat.com/node/928106

الأربعاء، 3 مايو، 2017

الحق في ارتكاب الخطأ

 في مقالة قصيرة نشرها يوم الاثنين الماضي ، أثار المحامي المعروف عبد الرحمن اللاحم ، مسألة استقلال الفرد ومدى سلطة المجتمع والقانون على حياته الشخصية. والمقالة جزء من جدل اجتماعي واسع حول الحق في الترفيه ، ومن ضمنه ذلك الذي يعتبر عند بعض شرائح المجتمع خاطئا او غير ذي أولوية.
للوهلة الأولى بدا ان محور الجدل هو التجويز الشرعي لعقد المناسبات الترفيهية والمشاركة فيها. لكنه في حقيقته العميقة متعلق بحق الانسان في ارتكاب الخطأ.  ولطالما تجادل الفلاسفة حول سؤال: هل يستطيع الانسان تحديد ما هو خير له وما هو شر.
تميل الثقافات التقليدية عموما الى اعتبار عقل الانسان قاصرا عن تشخيص المصالح والمفاسد. ولذا فهو بحاجة الى معلم ورقيب. هذه الرؤية قديمة في التفكير البشري ، وتحدث عنها ارسطو بصورة مفصلة في شرح نظريته الاخلاقية ، وقرر ان مهمة الدولة هي تعليم الرجال معنى السعادة وكيفية بلوغها. ومال كثير من قدامى المتكلمين المسلمين الى ان النقص الطبيعي في الانسان هو المبرر الرئيس للولاية عليه.
لكن منذ أواخر القرن السابع عشر ، مالت الفلسفة الى منحى معاكس ، يؤكد على أهلية الانسان لتشخيص الخير والشر اعتمادا على عقله المنفرد. وانه – لهذا السبب – حر في حياته ، مسؤول عن أفعاله. ولولا أهليته لتمييز الصواب والخطأ ، لما جاز محاسبته على أفعاله.

يطرح التقليديون مجادلة مقنعة في العادة لمستمعيهم ، فحواها ان الخطأ محتمل من الانسان ، وهو يتأثر بالغرائز والشهوات ، فضلا عن غواية الشيطان ، فلا يبعد ان يقع في الخطأ مرارا وتكرارا. ولو استمع لأمر المرشد الناصح قبل الاقدام على أي فعل ، لما انزلق في الأخطاء. فأيهما خير للانسان: أن يستمع دائما الى قول مرشده قبل الاقدام على أي فعل ، ام يتجاهل المرشد ، ويتصرف حسب إملاءات عقله القاصر ، المتأثر بالغرائز والشهوات وتزيين الشيطان؟.
واضح ان مستمعي هذه المجادلة ، سيميل أغلبهم الى الخيار الأول ، اي كبح عقله والاتكال على عقل المرشد.
-         فماذا لو قلت ان الخيار الثاني هو الصحيح ، رغم انه يؤدي أحيانا الى ارتكاب الأخطاء؟
 ثمة عشرت الادلة على هذا القول. لكن ابسطها هو مشكلة الدور. اذا كان النقص وارتكاب الخطأ جزء من طبيعة البشر ، فماذا عن المرشد.. اليس انسانا يحمل هذه الصفة؟. بديهي ان النقص يصيب العمل كما يصيب التفكير والتصور ، فما الذي يقيه من ارتكاب الخطأ في التفكير والارشاد.
لكن دعنا من الجدل الفلسفي ، ولننظر في التجربة الواقعية للبشر. هذا التقدم الهائل في العلوم والفنون ، الم يصنعه البشر الخطاؤون؟. فما هي انجازات المرشدين والمسترشدين في المقابل؟.
هل لانجازات الخطائين تلك ، قيمة معنوية واخلاقية ، ام انها بلا قيمة. هل يمكن للانسان ان يتعلم ويتقدم من دون تجربة الخطأ والصواب. هل يصح قصر التفكير والتجربة على شريحة محددة من المجتمع ، ام هو دور يقوم به جميع الناس؟.
زبدة القول اذن ان الحق في حرية التفكير يعادل في جوهره الحق في ارتكاب الاخطاء وتحمل المسؤولية عنها.
 حياة الانسان ليست سوى تجربة مستمرة من الافكار الصحيحة والخاطئة ، والافعال الصحيحة والخاطئة. وان ايقاف هذه التجربة يعادل ايقاف العقل ، وتحويل الانسان الى مجرد آلة مبرمجة خالية من الروح وعاجزة عن الحياة المستقلة. فهل يود أحد ان يعيش حياة كهذه؟.
 الشرق الاوسط 3 مايو 2017   http://aawsat.com/node/917211