الأربعاء، 27 ديسمبر 2017

حول القراءة الايديولوجية للدين





"الفهم الايديولوجي للدين" هو المحور الرئيس لكتاب المفكر المعاصر عبد الكريم سروش "ارحب من الايديولوجيا". استعرض المؤلف في نحو 380 صفحة عشرات من الأمثلة ، التي تدعم دعوته للتمييز بين الدين وعلم الدين أولا ، ثم بين ما يعتبره جوهر الدين وبين الاعراض التي قد تكون لها قيمة مؤقتة او ظرفية.
بعض الامثلة التي يعرضها سروش صادمة لمعظم الناس الذين فاتهم الاطلاع على المصادر العلمية القديمة ، أي التفاسير والبحوث الفقهية والكلامية ، التي تشكل المصدر الرئيس للتراث الثقافي الاسلامي.
نشرت المقالة التي تحمل اسم الكتاب في يوليو 1993 ، وأثارت موجا من الجدل ، بسبب نقدها المفصل لآراء مرتضى مطهري وعلي شريعتي. وكانا يومئذ اكثر المفكرين تأثيرا في الفكر الشيعي المعاصر. والحق ان هذا الجدل قد خدم الكتاب ايما خدمة ، فخلال السنوات الخمس التالية اعيد طبعه ثماني مرات. وهذا حلم لأي كاتب.
من المقولات المحورية في الكتاب ، قوله ان علم الدين مثل سائر العلوم الانسانية ، نتاج بشري يتناسب ضيقا وسعة مع الامكانات الفكرية لصاحب العلم وميوله الايديولوجية ، فضلا عن انعكاسات الظرف الاجتماعي الذي يعيش في اطاره. لكنه يؤكد ان نقد العلم لا يعني بالضرورة تهوينا من قيمة العالم.
ويستعين سروش أحيانا برؤية الفيلسوف المعروف كارل بوبر ، الذي يقول ان ما نعتبره نتيجة علمية خاطئة ، كان احد الاحتمالات الصحيحة في وقته. وان نشره هو الذي هيأ الفرصة للناقدين ، كي يبحثوا في الاحتمالات البديلة ، أي تلك التي ربما نعتبرها في وقت لاحق ، جوابا صحيحا. حين يقول المفكر او العالم رأيا ، ثم نحكم بأنه خطأ ، فاننا نقترب اكثر فأكثر من الاحتمالات الصحيحة. كل الاجوبة المبنية على دليل علمي هي احتمالات مؤقتة ، تبدو في اول الامر صحيحة ، وبعد مدة يتجاوزها الناس الى غيرها.
يعتقد سروش ان المنحى الايديولوجي واضح في كتابات علي شريعتي. فهو أراد دينا حركيا يسهم في نهوض المستضعفين. ومن أجل هذا اعاد تفسير التاريخ الاسلامي ضمن رؤية فلسفية قريبة جدا من مفهوم الصراع الطبقي. لقد نجح شريعتي في استعادة الملايين من الشباب الى دائرة الدين ، وحماهم من التأثير الماركسي. لكن هذه المحصلة المجيدة لا تجعل منهجه صحيحا من الناحية العلمية.
أما مرتضى مطهري فقد اهتم بإعادة تفسير الاحكام الشرعية والمقولات الكلامية المعروفة في التراث الاسلامي ، من خلال مناقشات فلسفية تتقارب كثيرا مع تيار الافلاطونية الجديدة ، الذي اشتهر في النصف الثاني من القرن العشرين. ورغم وضوح توجهه النقدي للفقه والكلام التقليدي ، إلا ان عمله النقدي لم يتناول بشكل عميق القواعد الأساسية التي بنيت عليها المدرسة الفقهية والكلامية.
تجديد الفكر الديني يتطلب – وفق رؤية عبد الكريم سروش – مراجعة جذرية للاساسات الفلسفية التي بني عليها هذا الفكر. ربما نجد ان بعضها لم يعد مفيدا او ان الزمن قد تجاوزه.
ما العيب في التخلي عنه؟.. انه في نهاية المطاف نتاج بشري وليس وحيا منزلا.
صحيح ان علماء المسلمين قد تلقوه بالقبول جيلا بعد جيل. وصحيح ان جانبا كبيرا من ثقافتنا معتمد عليه. لكننا نعلم ايضا ان تطاول الزمن لا يمنح الفكر قداسة ولا يجعله صحيحا. تخيل ماذا سيحدث لو تمسكنا بطب الرازي ورياضيات الطوسي او فلسفة الفارابي. هل هذا سيجعلها اكثر فائدة من الطب الحديث او الرياضيات الحديثة او الفسفة الحديثة؟.
الشرق الاوسط الأربعاء - 9 شهر ربيع الثاني 1439 هـ - 27 ديسمبر 2017 مـ رقم العدد [14274]
http://aawsat.com/node/1124776
مقالات ذات علاقة



الأربعاء، 20 ديسمبر 2017

سؤال الى البابا



اسرد القصة التالية لمناسبة عيد الميلاد المجيد ، الذي يحل علينا في الاسبوع القادم. وخلاصتها ان السيد يوجينو سكالفاري ، أحد مؤسسي جريدة "لا ريبوبليكا" التي تعد من كبريات الصحف الايطالية ، انتهز فرصة انتخاب البابا الجديد في 2013 لطرح قضية ، قال انها تشكل جوهر المشكلة الدينية في القرن 21. في يوليو من ذلك العام ، نشر سكالفاري رسالة مفتوحة الى البابا فرانسيس ، حملت جملة من التساؤلات عن "جدوى" الدين في هذا العصر ، وقدرة الكنيسة الكاثوليكية على تقديم رؤية تتسع لكل البشر ، سيما الملحدين والمنكرين للاديان.
"سيدي البابا – كتب سكالفاري – انني ملحد لا أكتم قناعاتي ، لكني اتساءل مثل كثيرين غيري: هل ثمة مكان في جنة الله لاشخاص مثلي ، لا يؤمنون به ولا يلتزمون بتعاليمه ولا يسعون اليه...هل يريد ربكم ان يقصر عالمه على اولئك الملتزمين بالكنيسة ، هل ينظر الى امثالي من الناس الذين ما عادوا يقرون بالحاجة الى الكنيسة في حياتهم؟". 
في سبتمبر وجه البابا جوابا مفصلا الى الصحيفة ، على ورق عادي ، ووقعه باسم فرانسيس ، دون اي لقب. ولهذا لم يلتفت المحرر الى هوية المرسل ، فنشرها ضمن بريد القراء. في ذلك الصباح ، عرف الناس ان البابا هو صاحب الرسالة. وفي اليوم التالي أعادت صحف عديدة نشرها مع تحليلات وقراءات في مغازيها. قال البابا في رسالته ان الله لا يميز بين خلقه ، فهو ينظر اليهم جميعا ويرزقهم جميعا ، وأن رحمته تسع عباده جميعا ، المؤمنين والخاطئين: "عزيزي الدكتور سكالفاري ، في داخل كل منا ضمير حي هو صوت الله ... ان فاتك الاستماع لصوت المسيح ، فانصت الى نداء ضميرك وافعل الخير ما استطعت. ان فعلت ذلك فأنت مع الله".

بعض الباحثين في القضايا اللاهوتية ، اعتبر رد البابا إشارة لتحول جذري في المفهوم الكاثوليكي للايمان وتجسيداته الدنيوية ، سيما في علاقة المؤمنين بالكنيسة وقوانينها. لكن لو أخذنا المسألة الى مداها النهائي ، لوجدناها تنتهي الى سؤال جوهري يمكن صياغته على الوجه التالي: هل يقدم الدين لكل جيل ما يحتاج اليه في عصره ، ام ان للدين مشروعا واحدا في كل الازمنة والاجيال؟. واذا قبلنا بالاحتمال الاول ، اي ان لكل جيل مشروعه الديني الذي قد يختلف عن الاجيال السابقة ، فهل لهذا الجيل دور في صياغة ذلك المشروع؟.
افترض ان بعض القراء سيقول الآن: حسنا ، كانت تلك مشكلة الكاثوليكية ، فهل يجب علينا كمسلمين ان نتخيل  مشكلات دينية مماثلة؟.
نستطيع القول ببساطة: لا .. ليس من الضروري استيراد مشكلات الاخرين او تخيلها. لكن لو نظرنا في حياتنا الواقعية ، سوف نرى ان السؤال عما يقدمه الدين لاتباعه في هذا العصر ، مطروح في صيغ شتى ، وهو يشكل الباطن العميق لبعض الاسئلة والجدالات الدائرة في العالم الاسلامي اليوم.
السؤال الذي طرحه يوجينو سكالفاري ، جدي ومطروح على أهل الأديان جميعا ، وخلاصته: هل للدين رسالة تتجاوز الاطار الاجتماعي لمعتنقيه ، بمعنى هل نستطيع تقديم خطاب يتسع للمؤمن وغير المؤمن على حد سواء ، هل يمكن لغير المؤمن ان يكون شريكا في التجربة الدينية ، أم هي قصر على دائرة المؤمنين؟.
اختتم بتوجيه التحية لكل المحتفلين بعيد الميلاد ، ولكل سكان الكوكب ، وأسأل الله ان ينعم عليهم جميعا بالسلام والسعادة وسعة العيش.
الشرق الاوسط  الأربعاء - 2 شهر ربيع الثاني 1439 هـ - 20 ديسمبر 2017 مـ رقم العدد [14267]

الأربعاء، 13 ديسمبر 2017

الاموات الذين يعيشون في بيوتنا

|| نحتاج لمعرفة تاريخنا كي نتصالح مع الحاضر. بدل الانحباس في احزان الماضي ، علينا ان نعرف حقيقة ما حصل ، ثم نتجاوزه ||

فوجيء اليكس هيلي بالترحيب الهائل الذي حظيت به روايته "الجذور" حين نشرها في 1976. تصويره المفجع للمآسي والآلام التي عاشها السود في الولايات المتحدة ، تنطوي على اتهام مباشر ومحدد ، فحواه انه يتوجب على المجتمع والدولة الامريكية ، اتخاذ المزيد من الاجراءات الضرورية للخلاص من ارث التاريخ المعيب.
تاثر هيلي بموقف مالكوم اكس ، داعية الحقوق المدنية الشهير ، وفحواه اننا نحتاج لمعرفة تاريخنا كي نتصالح مع الحاضر. خيالات الماضي وأحزانه وما ورثناه من اسباب للريبة والقلق ، لا تعيننا على صنع حاضر يليق بنا ولا مستقبل يعكس قدراتنا. علينا ان نعرف ذلك التاريخ المؤلم ، ثم نتجاوزه.
"الجذور" ليست دراما خيالية ، فهي مبنية على تاريخ حقيقي ، جمع هيلي شتاته ، وقدمه من خلال ما يشبه سيره شخصية لكونتا كينتي ، الشاب الذي خطفه تجار العبيد من قرية على ساحل افريقيا الغربي عام 1776، وبيع الى مزارع امريكي في ميريلاند  ، ثم بيعت ابنته ، وكان اليكس هيلي واحدا من احفادها.
بيع من الرواية نحو 6 ملايين نسخة ، وترجمت الى 35 لغة رئيسية. كما حولت الى مسلسل تلفزيوني شاهده الملايين حول العالم. في تلك السنوات ، تساءل كثير من النقاد: ما الذي يجعل الناس مغرمين بالعودة الى التاريخ؟. هل لأننا نستمتع بالشعور بان البشرية قد نجحت في تجاوز ظلمات الماضي ، أم اننا نحاول التعرف على ذواتنا العميقة من خلال البحث عن تحولاتها القديمة.
هذا السؤال يتمتع بأهمية اكثر في المجتمع العربي ، لأننا بساطة لانتعامل مع التاريخ كتجربة ثقافية. ان تاريخنا جزء من حياتنا اليومية. فهو يسهم بنصيب وافر في تشكيل رؤيتنا لأنفسنا وللعالم الذي نعيش فيه. وكان صديق لي يقول ان علاقتنا بالتاريخ اكثر من معرفة: "نحن نحمل اجساد اسلافنا على اكتافنا. نعيش معها ونستمع اليها ، وقد نتحدث اليها أحيانا".
 اظن ان الشوق للتاريخ يتأثر بواحد من أربعة دوافع. بعض الناس يذهبون للتاريخ مثلما يزورون المتاحف ، غرضهم المعرفة او الاستمتاع بتجربة حياتية مختلفة عما اعتادوه. وثمة من يزور التاريخ سعيا للخلاص من مشكلات راهنة ، لكن جذورها ممتدة للماضي. من ذلك مثلا مطالبة الأرمن للحكومة التركية بالاعتذار عما قيل انه إبادة جماعية نفذها العثمانيون في 1915 ، ومطالبة الجزائر ودول افريقية للحكومة الفرنسية بالاعتذار عما جرى من فضائع خلال الحقبة الاستعمارية. يريد هؤلاء الخلاص من ذكريات التاريخ البغيض ، من خلال اعتذار يشكل نوعا من المصالحة الاخلاقية بين الظالم والمظلوم.
ثمة من يذهب للتاريخ محاولا "اعادة تصنيع" هوية قابلة للاستعمال في الصراعات السياسية الراهنة. ولهذا المنحى علاقة جوهرية بمفهوم الامة والهوية الجامعة ، وفق المجادلة العميقة التي قدمها بنديكت اندرسون في كتابه المرجعي "مجتمعات متخيلة". اخيرا فهناك من يذهب للتاريخ هاربا من الاقرار بعجزه عن مواجهة تحديات الحاضر ، أو لأنه غارق في ثقافة الماضي بقدر يجعله منقطعا تماما عن الحاضر. ولذا فان مجاورة الاموات تشكل انسه الوحيد ، يعيش تاريخهم ويتحدث بلغتهم ويستعيد قصصهم ويلبس أزياءهم.
لا بد ان بعضنا قد تعرف على واحد من هذه الدوافع الاربعة في نفسه او في الاشخاص الذين يعرفهم. على اي حال فان سؤال العلاقة بين الماضي والحاضر في جوهره ، سؤال ترتيب للمكانة: من يحكم من ، هل نتحكم في تعاملنا مع تاريخنا ام نحن خاضعون لهذا التاريخ.
الشرق الاوسط  25 شهر ربيع الأول 1439 هـ - 13 ديسمبر 2017 مـ