الأربعاء، 14 يونيو، 2017

كهف الجماعة



أنت وأنا ننظر الى واقعة واحدة ، فأرى شيئا وترى شيئا آخر. انا وأنت لا نرى الواقعة كما هي ، بل نرى صورتها التي في أذهاننا. لا يختلف الناس في حكمهم على الاشياء لأنهم يجهلون الحقائق ، بل لأنهم يرونها على صور متباينة. قدم الفيلسوف الالماني مارتن هايدغر صياغة مبسطة لهذا المفهوم فقال ان كل فهم جديد مشروط بالفهم السابق. ولا فهم من دون فهم مسبق. لهذا السبب على الارجح رأى توماس كون ، المفكر الامريكي المعاصر ، ان ما يكتشفه البشر في مراحل العلم العادي ليس سوى اعادة ترتيب لما يعرفونه سلفا.
قبل ذلك بزمن طويل ، رأى افلاطون ان عامة الناس سجناء للذاكرة الفردية او الجمعية التي تحدد رؤيتهم للعالم. تخيل افلاطون كهفا يتسلل اليه بصيص ضوء ، فتنعكس على جدرانه ظلال من حركة الحياة في خارجه ، فيتخيل أهل الكهف انهم يرون الحياة بذاتها. لكنهم في حقيقة الامر لا يرون غير ظلالها. قلة قليلة ممن يملكون البصيرة أو يتحلون بالشجاعة ، يتمردون على كهف الذاكرة فيخرجون الى النور ، فيرون العالم كما هو ويرون الحياة كما هي. وحين يصفونها لأهل الكهف فان قليلا منهم سيجرأون على تقبل فكرة ان هناك ، خارج جدران الكهف ، عالما ينبض بالحياة أو يتحرك في اتجاه مختلف عما تخيلوه طوال حياتهم.

أعاد فرانسيس بيكون شرح الفكرة في نظريته الشهيرة عن أصنام العقل الاربعة ، أي منظومات الأوهام الساكنة والنشطة التي تتحكم في رؤية العقل للحقائق ، وبينها أصنام الكهف.
اصنام الكهف او كهف الذاكرة تنطبق بصورة بينة على المسار الاجتماعي الذي نسميه التمذهب. نحن ننظر الى معتقداتنا فنراها صحيحة دائما. بينما ينظر اليها اتباع مذهب مختلف ، فيرونها خاطئة دائما. نأتي بالادلة والشواهد ، فيأتون بأدلة وشواهد مقابلة. وفي نهاية النقاش ، يزداد الطرفان قناعة بما كانوا عليه أصلا. وكأن النقاشات كلها حوار بين طرشان أو مجرد نفخ في الهواء.
ليس بين الطرفين جاهل او قليل العلم ، وليس بينهما من لا يفهم الادلة او طرق الاستدلال. المسألة وما فيها انهم يفكرون في قضايا تتحد في الاسماء ، وربما تتحد في الجوهر ، لكنهم لا يهتمون بجوهر الاشياء ولا باسمائها ، بل يهتمون بالمعاني المتولدة من تلك الاشياء.
معنى الشيء هو الصلة التي تربط بينه وبين الناس. ولا قيمة لأي شيء ما لم تتحدد علاقته بالاشخاص الذين يتداولونه. جرب ان تعرض على طفل خمسمائة ريال او لعبة بعشرة ريالات ، فما الذي سيختار؟. المؤكد انه سيختار اللعبة ، لانها تعني له شيئا. اما الخمسمائة ريال فليست – بالنسبة اليه – سوى ورقة.
اتباع الأديان والمذاهب وأعضاء الجماعات السياسية ، بل كافة الناس على وجه التقريب ، لايجادلون قناعاتهم الاساسية ، ولا يتخلون عن مسلماتهم ، حتى لو رآها الاخرون غير معقولة. لانها ليست عناصر هائمة في الفضاء ، بل هي اجزاء متناغمة ملتحمة في صورة كاملة مستقرة في ذاكرتهم ، تشكل كهفهم الخاص ، اي عالمهم الحقيقي ، الذي قد يماثل عالم الناس او يختلف عنه ، لكنهم يعرفون انفسهم والعالم على هذا النحو.
هل يستطيع أحد البرهنة على ان عالمك اكثر معقولية من عالمي ، أو ان كهفك اوسع من كهفي؟. ربما. لكننا نتحدث في نهاية المطاف عن كهف ، واسعا كان أو ضيقا.
الشرق الاوسط 14 يونيو 2017



الأربعاء، 7 يونيو، 2017

كيف تولد الجماعة



لا نسمع هذه الايام عن ظهور مذاهب دينية جديدة. لكنا نسمع دائما عن ظهور جماعات دينية جديدة. لو عدنا الى التاريخ وتأملنا في الظروف التي ولدت في رحمها المذاهب المختلفة ، لوجدناها شبيهة بالظروف التي تتخلق في رحمها أحزاب اليوم.
معظم المذاهب الدينية القائمة ، مثل نظيرتها التي اندثرت في مسار الزمن ، ولدت كنتيجة لتحولات اجتماعية او صراعات سياسية. ثم جرى شحنها بمحتوى نظري يؤكد الحدود التي تفصلها عن التيار السائد. أحزاب اليوم تسير في نفس الطريق. يكتشف شخص او عدد من الاشخاص فكرة ، تتحول الى موضوع تناقض مع حاضنها الاجتماعي ، ثم تتحول الدعوة اليها او الدفاع عنها الى "دائرة مصالح" لأصحابها ، ثم يجري تنظير الحدود التي تميزها عن دوائر المصالح المنافسة في ذات الاطار الاجتماعي ، فتمسي "جماعة" مستقلة.
التحول من دائرة مصالح اجتماعية او سياسية الى مذهب او طائفة ، يتم تدريجيا ، وربما يستغرق عشرات السنين ، بحيث ينسى الناس ظرف البداية ، فيتعاملون مع الجماعة او الطائفة كمعطى ناجز او واقع قائم ، لا يبحث أحد عن أصوله وبداياته.
من حيث الشكل الخارجي ، لا تحمل الاحزاب الدينية المعاصرة سمات المذهب او الطائفة. فكلها حريصة على تحديد موقعها ضمن أحد المذاهب. لكن التأمل في مضمونها ومحتواها الايديولوجي ، فضلا عن مواقفها الثابتة ، يوضح انها لا تختلف كثيرا عن المذاهب المكتملة. ولذا فقد نجدها على خصام مع بقية أتباع المذهب نفسه ، سواء انتموا الى دوائر مصالح مستقلة او كانوا ضمن التيار العام. انها اذن اقرب الى ما يمكن اعتباره شبه طائفة او شبه مذهب ، تحمل كل مقومات المذهب المستقل او الطائفة المستقلة ، لكن سماتها الخارجية ما تزال غير مكتملة.
ربما يرجع هذا اللبس الى اصرار الجماعات الجديدة على التمسك بذات المصادر القيمية والمرجعية النظرية للمذهب الاصل. وهذا من الأمور الشائعة. اذ نادرا ما تتخلى الجماعة عن المصادر المرجعية المشتركة ، لانها تحتاج اليها في تأكيد مشروعيتها.  وهي تحتاجها كي تصون قدرتها على العمل في نفس الحاضن الاجتماعي الذي تخارجت عنه. ولو انكرت تلك المصادر لسهل على المنافسين اقصاءها باعتبارها اجنبية او خارجية.
تتمسك الجماعة بتلك المصادر ، اي الكتاب والسنة والمنظومات العقدية ، والاجتهادات الفقهية الرئيسية، ثم تعيد تفسيرها على نحو يبقي على الارتباط بالأصل. لكنه في الوقت نفسه يؤكد الفارق بينها وبين المنافسين. ويبرر تخارجها النسبي عن المذهب الاصل. وهي تطرح هذه التفسيرات باعتبارها المفاد الصحيح او المعنى الأقرب للمصادر المرجعية.
زبدة القول ان ظهور الجماعات الدينية اليوم ، مثل ظهور المذاهب الدينية في الماضي ، هو استجابة لدوافع ومحركات اجتماعية او سياسية. اما الافكار المتمايزة فهي إعادة تفسير للنص او المصادر المرجعية على نحو يبرر التفارق. ولهذا نجد ان بعض ما يطرحه اصحاب المذاهب من اراء متمايزة ، لا مبرر له سوى تأكيد التمايز. انها – بتعبير آخر – تأكيد على مركزية الجماعة ، ودعوة الاتباع للنظر الى الدين والعالم من خلال الجماعة/المذهب ، وليس النظر الى الجماعة من خلال الدين او الرؤية الدينية الى العالم.
هذا لا يعني بطبيعة الحال ان هذه الرؤية صحيحة او باطلة ، بل يعني فقط وفقط ان الاختلاف والتمايز ، سنة جارية في كل دين وايديولوجيا. يبدأ الانقسام لاسباب اجتماعية او سياسية ، ثم يشحن بمبررات دينية او ايديولوجية.
الشرق الاوسط 7 يونيو 2017
http://aawsat.com/node/945446

الأربعاء، 31 مايو، 2017

نسبية المعرفة الدينية



من حيث المبدأ ، يتجه الخطاب الديني الى كل البشر ، في كل الازمان والأماكن ، باعتباره مثالا ومنهجا كونيا ، قادرا على توحيد الأحياء وتعزيز الالفة فيما بينهم ، وصولا الى تشكيل أمة واحدة تسود الكوكب. وفي هذا المجال لا يختلف دين عن دين. الاسلام مثل المسيحية واليهودية والبوذية وجميع الاديان الأخرى ، كل منها يقدم نفسه كخطاب كوني وقوة توحيد للعالم. وهي جميعا تدعو  للتعارف والتفاهم بين الاقوام والجماعات البشرية المختلفة ، تمهيدا للاندماج والتوحد..
لكن تاريخ العالم يخبرنا ان الأديان التي نجحت أولا في توحيد المجتمعات الصغيرة ، سرعان ما أصيبت بداء الانقسام والتفكك الداخلي.
ومن المفارقات ان كل الاديان تسعى للتوسع ، من خلال ضم مجتمعات جديدة الى قاعدة اتباعها ومعتنقيها. لكن هذا المسار بذاته ، يفتح الباب لدخول أعراف تلك المجتمعات وموروثاتها الثقافية ، الى النسيج الثقافي للدين. وطالما بقيت ابواب المعرفة الدينية مفتوحة لجميع اتباع الدين ، فان احتمالات التحول في تلك المعرفة ، تبقى مشرعة بنفس القدر. المزيد من الاتباع يعني المزيد من الاضافات ، والمزيد من الاضافات يعني احتمالات جديدة لظهور جماعات متمايزة داخل الدائرة الدينية.
اختلاف الفتوى من بلد لآخر ومن زمن لآخر ، مثال شائع عن تلك الحقيقة. وهو للمناسبة من الأمور التي يحبذها كافة اتباع الأديان ، ويرونها دليلا على يسر الدين وانفتاحه. بعض الباحثين ينظر لاختلاف الرأي والفتوى كقضية علمية بحتة ، سببها اختلاف العقول وتعدد الأدلة. لكن الواقع يخبرنا ان عقل الانسان لا يعمل في العزلة.  فهو يتأثر بالمعارف المنظمة والأدلة ، إضافة الى التصورات الذهنية المنعكسة عن ظرفه الاجتماعي ، أي أنماط معيشة الناس وهمومهم ومشكلاتهم وتطلعاتهم ومصالحهم ومخاوفهم. تترك هذه المؤثرات بصمتها على الفتوى والرأي الديني ، مثل اي تعبير ثقافي آخر. العوامل البيئية تؤثر في فهم الباحث لموضوع البحث كما تؤثر في مسارات تفكيره ، وتؤثر اخيرا في صياغته لنتاج عقله. اختلاف البيئة الاجتماعية لعالم الدين ، هو السبب وراء تعدد النماذج الدينية واختلافها بين بلد وآخر ، أو حتى بين جيل وآخر في نفس البلد.
المفترض ان نتعامل مع تعدد النماذج الدينية كسياق طبيعي في الحياة. بل من المنطقي القول انه مؤشر على اتساع التجربة الدينية وميلها الى الثراء والتكامل. لكننا مع ذلك سنواجه سؤالا لا يسمح باجابة نهائية ، وهوسؤال المسافة الممكنة للاختلاف بين النماذج المحلية للدين من جهة ، والمسافة الممكنة للاختلاف بين كل من هذه النماذج ، وبين النموذج النظري الاصلي. سبب هذا السؤال هو القناعة القائلة بأن النموذج الاصلي للدين ، هو الوحيد الذي يتمتع بمشروعية كاملة ، أما النماذج المحلية فمشروعيتها نسبية ، ومشروطة بقربها الى الأصل أو بعدها عنه.
بالنسبة لمعظم الناس ، يبدو ذلك السؤال بديهيا وضروريا. فجميعهم يود الاقتراب من الاصل قدر المستطاع. لكنه ، من ناحية أخرى ، سؤال غير منطقي ، بل لا يبعد ان يكون بلا موضوع. فكل متدين ينظر الى كلا النموذجين: المحلي والأصلي ، من زاويته الخاصة. اي أن رؤيته محكومة بظرف الانقسام ، وبالتالي فهي منحازة. فهل يمكن لرؤية منحازة ان تقدم حكما محايدا؟.
نتيجة الجواب ليست مهمة ، المهم ان قبولنا بالسؤال في الاصل يمثل اقرارا ضمنيا بأن المعرفة الدينية نسبية ، وان التطبيقات الدينية من جملة تلك المعارف ، التي قد تطابق الحقيقة الدينية او تفارقها.
الشرق الاوسط 31 مايو 2017

http://aawsat.com/node/939756

الأربعاء، 17 مايو، 2017

الفتاوى الغريبة وحكمتها الخفية


في ديسمبر 2008 نشرت صحيفة "الوطن" تقريرا للزميل عضوان الاحمري ، استعرض أغرب الفتاوى خلال العام. وتنشر الصحافة تقارير مثل هذا بين حين وآخر.
استغراب تلك الفتاوى لا يتعلق بصحة أو خطأ أدلتها. فليس هذا ما يهم عامة الناس. موضع الاثارة والاستغراب هو تطبيق مضمون الفتوى. وأذكر ان وزير الاعلام السابق د. محمد عبده يماني ، ، عرض علي يوما كتابا عن الحديث المعروف بحديث الذبابة. ووجدت ان كاتبه قد بذل جهدا فائقا في التحقق من الروايات التي تسند الحديث المذكور. لكن المرحوم يماني لم ينس الاشارة الى ان المشكلة لا تكمن في صحة الاستدلال ، بل في كون مؤدى الحديث مما يجافي الذوق العام. ولذا يقع موقع السخرية.
اعلم أيضا ان بعض الفقهاء المعاصرين يختار السكوت عن فتاوى كانت محل اجماع في الماضي ، لأن الجمهور ما عاد يقبلها. ومن بينها مثلا فتاوى تحريم التصوير ، والدراسة في الخارج والعمل في البنوك واقتناء الاسهم ، و السفر الى البلدان الاجنبية ، والمتاجرة في الاسواق المستقبلية ، وتولي النساء للوظائف القيادية..الخ.
هذا يشير الى حقيقة ان المسألة الشرعية لا تنتهي بمجرد اعلان الفتوى فيها. دعنا نقول ان عملية الاجتهاد تتألف في المنهج الموروث من ثلاث مراحل ، هي التكييف الموضوعي للمسالة ، ثم البحث عن الادلة ذات العلاقة ، واخيرا انتخاب الحكم المناسب.
لكن التحولات الاخيرة في تعامل الناس مع الشريعة وأهلها ، تستدعي إضافة مرحلة رابعة ، هي اختبار الانعكاسات المترتبة على اعلان الفتوى. والمرجع في هذا الاقتراح ان المصلحة شرط في الحكم. واشتهر بين العلماء ان "الاحكام تدور مع المصالح وجودا وعدما". ومعنى هذا القول ان فتوى الفقيه تسقط من الاعتبار ، اذا ترتب عليها تضييع مصلحة عقلائية ، او تسببت في فساد.
ومن أجلى وجوه الفساد التسبب في إعراض الجمهور المسلم عن احكام الشريعة ، او جعلها موضعا للسخرية والتندر من قبلهم او من قبل غيرهم. ولا يختلف الحال بين ان يرفض الحكم لما يتسبب فيه من عسر على الناس او حرج ، كما في القول بحرمة السفر الى البلاد الاجنبية ، أو لأنه - في اللفظ او الفحوى - مخالف للذوق العام او طبيعة البشر ، كما في النهي عن محبة الزوجة غير المسلمة.
لا بد ان بعض القراء سيرى في الكلام السابق معالجة لسطح المشكلة. وهذا رأيي أيضا. لكن لو أردنا الذهاب درجة واحدة في العمق ، فقد نجد ان جوهر المسألة ليس رد فعل الجمهور على غرابة الفتوى ، بل في ان بعض الفتاوى تناقض حكم العقل أو تهدر المصالح الجارية للناس.
لا يتسع المجال للتفصيل في هذا. وزبدة القول ان المشكل الجوهري يكمن في الفرضية القائلة بان بعض الاحكام الشرعية ينطوي على حكم خفية لا يدركها العقل ، وان على المؤمن ان يأخذ بها تعبدا وتسليما ، لأنها حكم الله ، وهو الاعلم بما يصلح عباده وما يصلح لهم.
لا يوجد اي دليل معتبر على صحة الالزام بالفرضية المذكورة. فاحكام الشريعة ، سيما الموجهة للمجتمع كنظام ، غرضها تحقيق مصالح قابلة للتشخيص العرفي ، اي ان مضمونها ظاهر لعامة العقلاء. بديهي ان وضوح المصلحة العقلائية ، يستدرج حكمها ، لما ذكرناه من ان الاحكام تدور مع المصالح نفيا او اثباتا. ولنا عودة الى الموضوع في وقت آخر ان شاء الله.
الشرق الاوسط 17 مايو 2017
http://aawsat.com/node/928106

الأربعاء، 3 مايو، 2017

الحق في ارتكاب الخطأ

 في مقالة قصيرة نشرها يوم الاثنين الماضي ، أثار المحامي المعروف عبد الرحمن اللاحم ، مسألة استقلال الفرد ومدى سلطة المجتمع والقانون على حياته الشخصية. والمقالة جزء من جدل اجتماعي واسع حول الحق في الترفيه ، ومن ضمنه ذلك الذي يعتبر عند بعض شرائح المجتمع خاطئا او غير ذي أولوية.
للوهلة الأولى بدا ان محور الجدل هو التجويز الشرعي لعقد المناسبات الترفيهية والمشاركة فيها. لكنه في حقيقته العميقة متعلق بحق الانسان في ارتكاب الخطأ.  ولطالما تجادل الفلاسفة حول سؤال: هل يستطيع الانسان تحديد ما هو خير له وما هو شر.
تميل الثقافات التقليدية عموما الى اعتبار عقل الانسان قاصرا عن تشخيص المصالح والمفاسد. ولذا فهو بحاجة الى معلم ورقيب. هذه الرؤية قديمة في التفكير البشري ، وتحدث عنها ارسطو بصورة مفصلة في شرح نظريته الاخلاقية ، وقرر ان مهمة الدولة هي تعليم الرجال معنى السعادة وكيفية بلوغها. ومال كثير من قدامى المتكلمين المسلمين الى ان النقص الطبيعي في الانسان هو المبرر الرئيس للولاية عليه.
لكن منذ أواخر القرن السابع عشر ، مالت الفلسفة الى منحى معاكس ، يؤكد على أهلية الانسان لتشخيص الخير والشر اعتمادا على عقله المنفرد. وانه – لهذا السبب – حر في حياته ، مسؤول عن أفعاله. ولولا أهليته لتمييز الصواب والخطأ ، لما جاز محاسبته على أفعاله.

يطرح التقليديون مجادلة مقنعة في العادة لمستمعيهم ، فحواها ان الخطأ محتمل من الانسان ، وهو يتأثر بالغرائز والشهوات ، فضلا عن غواية الشيطان ، فلا يبعد ان يقع في الخطأ مرارا وتكرارا. ولو استمع لأمر المرشد الناصح قبل الاقدام على أي فعل ، لما انزلق في الأخطاء. فأيهما خير للانسان: أن يستمع دائما الى قول مرشده قبل الاقدام على أي فعل ، ام يتجاهل المرشد ، ويتصرف حسب إملاءات عقله القاصر ، المتأثر بالغرائز والشهوات وتزيين الشيطان؟.
واضح ان مستمعي هذه المجادلة ، سيميل أغلبهم الى الخيار الأول ، اي كبح عقله والاتكال على عقل المرشد.
-         فماذا لو قلت ان الخيار الثاني هو الصحيح ، رغم انه يؤدي أحيانا الى ارتكاب الأخطاء؟
 ثمة عشرت الادلة على هذا القول. لكن ابسطها هو مشكلة الدور. اذا كان النقص وارتكاب الخطأ جزء من طبيعة البشر ، فماذا عن المرشد.. اليس انسانا يحمل هذه الصفة؟. بديهي ان النقص يصيب العمل كما يصيب التفكير والتصور ، فما الذي يقيه من ارتكاب الخطأ في التفكير والارشاد.
لكن دعنا من الجدل الفلسفي ، ولننظر في التجربة الواقعية للبشر. هذا التقدم الهائل في العلوم والفنون ، الم يصنعه البشر الخطاؤون؟. فما هي انجازات المرشدين والمسترشدين في المقابل؟.
هل لانجازات الخطائين تلك ، قيمة معنوية واخلاقية ، ام انها بلا قيمة. هل يمكن للانسان ان يتعلم ويتقدم من دون تجربة الخطأ والصواب. هل يصح قصر التفكير والتجربة على شريحة محددة من المجتمع ، ام هو دور يقوم به جميع الناس؟.
زبدة القول اذن ان الحق في حرية التفكير يعادل في جوهره الحق في ارتكاب الاخطاء وتحمل المسؤولية عنها.
 حياة الانسان ليست سوى تجربة مستمرة من الافكار الصحيحة والخاطئة ، والافعال الصحيحة والخاطئة. وان ايقاف هذه التجربة يعادل ايقاف العقل ، وتحويل الانسان الى مجرد آلة مبرمجة خالية من الروح وعاجزة عن الحياة المستقلة. فهل يود أحد ان يعيش حياة كهذه؟.
 الشرق الاوسط 3 مايو 2017   http://aawsat.com/node/917211


الأربعاء، 26 أبريل، 2017

جدل الدين والتراث ، بعد آخر


في كتابه المثير للجدل "بسط التجربة النبوية" خصص عبد الكريم سروش فصلا موسعا لتفصيل رؤيته حول ما يصفه بالذاتي والعرضي في الاديان. والحق ان معظم مقولات سروش تتجاوز الحدود المتعارفة للنقاش في قضايا الدين. فهي تطرح تحديات عسيرة لمعظم ما ألفناه من مسلمات ، نقرأها دائما أو نسمعها ، ثم نعيد قولها دون ان نتوقف لحظة للتأمل في حقيقتها أو مراميها النهائية ، أو قابليتها للصمود في وجه المساجلة العقلية المتحررة من الشوق للقبول او الرغبة في التبرير.
يرجع مفهوم "الذاتي والعرضي" في الأشياء والافكار ، الى نقاشات الفلسفة اليونانية القديمة حول الجوهر والعرض. فالجوهر عند ارسطو مثلا هو حقيقة الشيء وعماد وجوده ، القابل للتحديد والتعريف بمفرده ، الذي لا يحتاج في وجوده إلى عامل خارجي يعرفه او يحدده. أما الاعراض فهي ما يلتحق بالذات او الجوهر ، ليلعب دورا اضافيا مثل التحسين او الايضاح او الربط. وهي أدوار لا تؤثر في وجود الذات او الجوهر ، لكنها تنظم علاقته بالذوات والاعراض الأخرى في محيطه.
اراد سروش من وراء هذه المساجلة ايضاح الفارق بين الدين والتراث الديني ، اي مجموع المعارف التي نشأت حول الدين ، من تفاسير وآراء واجتهادات وتجارب وتاريخ وثقافة شعبية وفولكلور ، وغير ذلك من المكونات المادية والنظرية والذهنية التي تدور في فلك الدين ، لكن لا وظيفة لها من دونه ، ولم تحصل على وصفها الخاص او قيمتها قبل ارتباطها به.
أظن ان كثيرا من الناس يوافقون سروش في هذه الرؤية ، من حيث العموم على الاقل. لكنها مع ذلك واجهت معارضة شديدة. فهي ، في نهاية المطاف ، تقول ان المعارف المرتبطة بالدين ، ليست جزء منه ، ولا تملك صفة الاطلاق والعمومية الخاصة به.هذا يعني ببساطة ان ما أنتجه السابقون وما ينتجه المعاصرون ، أي مجموع المعارف التي اعتدنا فهم الدين من خلالها ، ليست سوى معارف عادية ، يمكن للمسلم ان يستفيد منها ، دون ان يلتزم بمقولاتها ، كما يمكن له ان يضعها على الرف فلا يسأل عنها.
بديهي ان الأغلبية الساحقة من المشتغلين بالعلم الديني ، لن ينظروا لهذه الأقوال بعين الرضا. فهم اعتادوا على فهم الدين ، نصا وفكرا ، بالرجوع الى أفهام السابقين وتفسيراتهم. وهم لا ينكرون نسبية هذه الأفهام ، لكنهم يرونها أبوابا للدين يستحيل عليهم الوصول الى جوهر الدين دون عبورها. بل يمكن القول ان كلا منهم مضطر الى هذه الأبواب ، لأنه لا يعرف غيرها ولم يعتد على سواها. وهذه حال كل واحد منا. نحن نفهم الاشياء لاننا ننظر اليها من زوايا محددة ، تصف لنا ما نراه وتبرره ، ولو نظرنا اليها من زوايا مختلفة ، فلربما لم نعرف ما ننظر اليه.
لكن سروش لا يتوقف عند هذه النقطة. فهو يأخذ القاريء الى غور بعيد ، يتعلق بالنص ذاته ، حين يضع أمامه السؤال المحير: هل النص بذاته هو ذات الدين او جزء من ذات الدين ، أم هو من أعراضه؟. بعبارة أخرى: هل جرى اختيار لغة النص والقصة والمثال ونظام الجملة التي استعملت في النص ، باعتبارها جميعا جزء من ذات الدين وجوهره ، أم ان دورها وظيفي بحت ، مثل الظرف الذي تقدم فيه الرسالة ، أو الطبق الذي يقدم فيها الطعام؟.
الشرق الاوسط 26 ابريل 2017
http://aawsat.com/node/911051

الأربعاء، 19 أبريل، 2017

نظرة على علم اصول الفقه



تطور الفكر الاسلامي مدين للاجتهاد. والاجتهاد ليس سوى إعمال العقل في النصوص من جهة ، وفي الموضوعات والقضايا الواقعية من جهة أخرى ، لاستنباط فكرة أو حكم جديد لم يعرف من قبل ، او لم يكن ظاهرا في النص. ولولا الاقرار بالدور المحوري للعقل وكونه قادرا على كشف وجوه الحسن والقبح في الافعال ، لما كان لدى المسلمين المعرفة الواسعة بالدين التي يملكونها اليوم ، والتي تتسع وتتطور يوما بعد يوم.
"أصول الفقه"  هو منهج البحث في أدلة الاحكام الشرعية. لا يمكن للفقيه ان يعمل دون الاعتماد على القواعد ونظم البحث والمقدمات النظرية التي تطورت في أطاره. المهمة الرئيسية لعلم اصول الفقه هي وضع الاطارات النظرية وصوغ المفاهيم الناظمة للبحث الفقهي. ومن هنا نقول ان تطور علم الاصول سيقود بالضرورة الى تطور الاجتهاد والارتقاء بمستوى البحث الفقهي ، وبالتالي انتاج أحكام شرعية أكثر دقة وملامسة لموضوعاتها وانسجاما مع روح الشريعة.
"اصول الفقه" علم عقلي ، يطور القواعد والمفاهيم ، او يستعيرها من العلوم الأخرى كالفلسفة والمنطق واللغة. من يقرأ في الفقه ، سوف يصادف على الدوام قواعد مبنية على حكم العقل مثل "لاضرر ولا ضرار" ، "دفع العسر والحرج" ، "امتناع التكليف بالمحال" ، "عدم جواز التكليف بما لا يطاق" ، "دفع الضرر بالضرر" ، "أولوية دفع المفسدة على جلب المصلحة" ، وعشرات القواعد المماثلة ، التي استعملها الشرع في إطاره الخاص.
رغم ان علم الاصول الذي لدينا لا يقارن بما كان عليه في بداياته. الا انه – مثل سائر علوم الشريعة الاخرى – تباطأ كثيرا ، ولا سيما في القرنين الاخيرين. نعرف هذا من المقارنة بينه وبين التطور الكبير للعلوم الموازية له ، مثل علوم اللغة والقانون والفلسفة وغيرها.  وأحتمل ان هذا مرتبط بتراجع العلم في العالم الاسلامي بشكل عام ، وعدم انفتاح دارسي الشريعة على العلوم الجديدة التي تطورت في اطار الحضارة الغربية.
لكني أجد سببا آخر ، وهو إعراضه عن التخصص. وهذه مشكلة فيه وفي علم الفقه ، وهو المستهلك الوحيد لنتائج علم الاصول. ان الثورة العلمية التي شهدها العالم ، ولاسيما في القرن العشرين ، مدينة في جانب كبير من زخمها الى رسوخ مبدأ التخصص العلمي ، الذي تحول بموجبه العلم الواحد الى عشرات من العلوم الفرعية ، المنفردة برجالها ومدارسها ونظرياتها ومجالات عملها. يستحيل ان ترى في هذه الايام فيلسوفا او عالم قانون او طبيبا أو رياضيا ، محيطا بكل فروع هذه العلوم. لأن سعتها وغناها يفوق قدرة فرد واحد على الاحاطة بفرع واحد ، فضلا عن كافة الفروع.
لو اتجهنا الى تطوير علم الاصول من خلال تطبيق مبدأ التخصص ، فسنرى باحثين متخصصين في اللغويات واللسانيات وعلم الدلالة ، واخرين في نظرية المعرفة ومنطق البحث العلمي ، وغيرهم في الهرمنيوتيك الفلسفي (التأويل) وفقه القانون. وهذه العلوم قريبة جدا من المجال المباشر لعلم اصول الفقه. لو حدث هذا فلربما تلاشت الفجوة الفاصلة بين علم الدين والعلوم الحديثة. ولربما حصلنا على منظومة واسعة من العلوم الاصولية. وسنجد ان القواعد التي ذكرناها في أول المقالة قد تضاعفت وتفرعت ، وبات بامكاننا الانتقال من الفقه المدون في الاف المسائل المنفردة الى فقه منظومي مرتب بقواعد عامة وفروع مترابطة. وأظن ان هذا سيكون تمهيدا فعالا لتطور الفكر الديني ، ومعه معنى الدين ودوره في الحياة العامة.
الشرق الاوسط 19 ابريل 2017
http://aawsat.com/node/905761


الأربعاء، 12 أبريل، 2017

مواطنون فقط. لا ذميون ولا مستأمنون


اثار الهجوم الارهابي على كنيستين مصريتين هذا الاسبوع موجة استنكار واسعة بين كافة المسلمين ، علماء وعامة وسياسيين. وأحمد الله انا ما عدنا نسمع أحدا يرحب بهذه الجرائم او يبررها. وهذا تطور طيب.
وسط بيانات الاستنكار ، لفت نظري الاستعمال المتكرر لمصطلحات مثل "مستأمنين" و "ذميين" و "اهل الكتاب" في وصف المواطنين الأقباط ، الذين وقعوا ضحية للهجوم الغادر. ومثل هذه المصطلحات ترد عادة في أحاديث رجال الدين ، تأكيدا على حرمة العدوان على غير المسلمين.
نتيجة بحث الصور عن الكنيسة القبطية
تلك التعابير ليست اطلاقات لغوية محايدة ، بل "حقائق شرعية" حسب عرف الاصوليين ، اي مصطلحات خاصة ذات محمول محدد. وتقال في سياق الكلام ، بقصد الاشارة الى جملة علائق وأحكام ، أو وحدة مفهومية ، تصف قيمة الاشخاص المعنيين وموقعهم بالنسبة للمتحدث.
هذه الاوصاف مستمدة من الفهم الفقهي للواقع. لكنها خاطئة في المنظور الواقعي المعاصر. هذا يشير إذن الى تباين بين الفهم الفقهي للواقع وبين الواقع نفسه. ومن حيث التصنيف فهي تنتمي الى مرحلة تاريخية سابقة ، الامر الذي يكشف عن سبب التباين.
ولدت تلك الأوصاف في مرحلة نهوض الدولة الاسلامية ، حين كانت جيوشها تغزو البلدان ، فتتوسع الدولة وتنمو معها علاقات المسلمين بغيرهم. كان ضروريا يومها تنظيم العلاقة بين القوة الكبرى المنتصرة ورجالها الاقوياء ، وبين الافراد والمجتمعات الضعيفة التي خضعت لها رغبة أو كرها. ضمن هذا الظرف الخاص ، كان مضمون هذه العبارات هو التأكيد على الولاية السياسية ومسؤولية الدولة عن كل رعاياها ، كقاعدة عمل موازية لولاية الايمان ، التي تشير الى تعاضد أهل الاسلام فيما بينهم.
مع مرور الزمن وهيمنة التفكير الفقهي على الثقافة العامة ، تحول الانتماء الديني الى مضمون وحيد للرابطة الاجتماعية. ومع ان فكرة الحماية والضمان ، بقيت مركزية في تحديد العلاقة مع غير المسلم ، الا انه لم يعتبر شريكا متساويا في كافة الحقوق ، او "مواطنا" بحسب المفهوم الحديث.
انتقلت هذه المقاربة الى الفقه الاسلامي المعاصر. وتكفي نظرة سريعة على اي مما كتبه الفقهاء والكتاب الاسلاميون المعاصرون حول الموضوع ، كي تكتشف المشكلة التي واجهوها ، حين ارادوا وضع تصور يتلاءم مع الموروث الديني من جهة ، ومع المباديء السياسية والقانونية وحقوق الانسان من جهة ثانية ، ومباديء العدالة من جهة ثالثة.
والحق انه لا مجال لتسوية الاشكال. الدولة الحديثة تنتمي لعالم مفهومي مختلف عن ذلك الذي كان قائما في عصر الدولة الاسلامية القديمة. اي انها موضوع مختلف ، لا يمكن فهمه وفق المنظور الفقهي القديم ، ولا التكييفات والاحكام التي استعملت فيه. علاقة الدولة الحديثة برعاياها قائمة على مبدأ المواطنة ، الذي يعني تساوي جميع المواطنين في الحقوق والواجبات ، أيا كانت أديانهم وانتماءاتهم الاجتماعية. كل مواطن شريك في ملكية تراب وطنه. وهو يستمد حقوقه المدنية من هذه الملكية ، وليس من انتمائه الديني. ومن هنا فليس في عالم اليوم من يصح وصفه بالذمي والمستأمن. المواطن مواطن فقط وفقط.
بالنسبة لعامة الناس فان هذه النتيجة لا تحمل اي جديد. لكني اردتها مناسبة لتنبيه أهل الفقه وطلابه الى التباين القائم بين التفكير الموروث ، وبين واقع الحال في عالم اليوم. انها دعوة للتحرر من المفاهيم القديمة ، التي ما عادت مفيدة او واقعية. دعوة لتوجيه الذهن الى العالم الواقعي ، بدل حصره في عالم الاوراق والكتب القديمة.
الشرق الاوسط 12 ابريل 2017
http://aawsat.com/node/900261



الأربعاء، 5 أبريل، 2017

أول الاصلاح عقلنة القيم


أعلم ان غالبية معارضي الاصلاح الديني قلقون من حقيقة ان الاصلاح المنشود ، ينطوي – صراحة او ضمنيا – على انفتاح غير محدود على ثقافة الغرب ونظامه المعرفي والقيمي. وان هذا الانفتاح ، سيقود في نهاية المطاف الى تهميش بعض القيم والرؤى وقواعد العمل ، التي اعتبرناها – لزمن طويل – بين المسلمات التي لا تناقش.
هذا النقاش ليس جديدا. فهو يرجع الى قرن من الزمن أو يزيد. وأميل الى الظن بان النقاشات القديمة والجديدة في الموضوع ، قد مرت سريعا على عنصر جوهري ، لو نوقش بانفتاح وتفصيل ، فلربما ساعد على حل الاشكال.
ذلك العنصر هو موقع المادة المستوردة في نظامنا المعرفي والقيمي. وبالتالي تأثيرها المزاحم لبقية المعايير التي ينطوي عليها ذلك النظام. لتوضيح الفكرة دعنا نضرب مثلا بمبدأ حقوق الانسان الذي استوردناه من الاطار المعرفي الغربي. ينطوي هذه المبدأ على جملة من القيم الاساسية ، التي تتعارض حديا مع مسلماتنا ونظام حياتنا. من ذلك مثلا حرية الاعتقاد والتعبير ، وحق الانتقال والعمل والسكن واختيار نمط المعيشة. فهذه من اساسيات مبدأ حقوق الانسان الغربي. لكنها جميعا تنطوي على تعارض مع أعراف وقيم مستقرة في نظامنا الثقافي او الاجتماعي او الديني. ومن المؤكد ان استيعابها في هذا النظام ، سيؤدي الى تهميش العديد من القيم والاعراف التي نعتبرها تمثيلات للحق او ضرورات للعيش ، او نصنفها كمسلمات لا نعرف فحواها،  لكننا نقبلها تعبدا.
من يعارضون الانفتاح محقون تماما في القول بان هذا التزاحم ، سينتهي الى غلبة القيم الوافدة وهزيمة نظيرتها الموروثة. نعلم هذا. ونعلم ان جميع التجاذبات المماثلة بين الموروث والوافد ، ستنتهي عاجلا او آجلا بانهيار الأول ، لسبب يعرفه كل الناس ، وهو ان أي قيمة غير مؤسسة على ارضية عقلانية ، او لا تحقق مصلحة يمكن تحديدها وحسابها ، فانها ستخلي مكانها لنظيرتها من الجبهة الأخرى.
نستطيع القول اذن ان جوهر المشكل في جبهتنا ، يكمن في عقلانية القيم والاعراف والرؤى والمناهج التي نتبناها كمسلمات ، او نعتبرها دلالات او معايير للحقيقة.
هذا يعيدنا الى فاتحة المقالة ، اي علاقة الاصلاح الديني بالموقف من الغرب. وزبدة القول في هذا المجال ان الفكرة الجوهرية في دعوة الاصلاح الديني ، هي إعادة بناء القيم الدينية والاعراف الاجتماعية على ارضية عقلانية. ومن ثم اعتبار المصالح الناتجة عن تطبيق مؤديات تلك القيم واحكامها ، معيارا لقبولها او طرحها. حين تتزاحم الرؤية الغربية لحرية التعبير مثلا ، مع نظيرتها في  الفهم الفقهي او العرف الاجتماعي ، فان معيار التفاضل بينهما هو الناتج الفعلي ، وليس الجدل المنطقي او التاريخي حول هذه او تلك.
تتعارض هذه الرؤية مع المنهج الذي يدعو للاخذ بظاهر النص او قول الفقيه "تعبدا". كما تتعارض مع القول بوجود علل خفية لا يدركها العقل. تجادل هذه الرؤية بان كل حكم وضع لحكمة ، أو لتحقيق مصلحة قابلة للادراك ، ولهذا اصبحت فرضا يحاسب الناس عليه.
هذا هو الخط الاول في دعوة الاصلاح الديني ، وهو وسيلتنا للخلاص من قلق التفاوت بين ما لدينا ، وما يعرضه تطور العلم  والعالم علينا.
نحن نقول بالفم الملآن ان دين الاسلام قام على ارضية عقلانية ، وان أحكامه محكمة منطقيا ومصلحيا. دعونا اذن نجرب سلامة هذه الدعوى في الواقع ، دعونا نطرحها في مقابل نظائرها المنتجة على ارضيات معرفية او ايديولوجيا مخالفة.
الشرق الاوسط 5 ابريل 2017
http://aawsat.com/node/894556




الأربعاء، 29 مارس، 2017

اليوم التالي لزوال الغرب



التوصل الى حل واقعي لسؤال العلاقة بين المسلمين والغرب ، يحررنا من عبء كبير ، ذهني وديني ، ومن ثم سياسي.
في أيامنا هذه ، نادرا ما تخلو خطبة جمعة من التنديد بالغرب ، والدعاء عليه بالفناء والزوال والخسف وتشتيت الشمل. وتستعمل عادة أوصاف تشير اليه بالتحديد ، مثل اليهود والنصارى والصليبيين.. الخ. قد تكون هذه الدعوات كليشيهات محفوظة ، يكررها القائل دون انتباه لمعانيها النهائية. لكن تكرارها على مدى السنين حولها الى مسلمة راسخة ، لا تستدعي مراجعة ولا تثير نقاشا. وبالنظر للسياق الذي تقال فيه ، فهي تلبس لبوسا دينيا يحميها من المقارنة العلمية بالوقائع والارقام.
دعنا نفترض ان الله استجاب دعاء الداعين ، فخسف الارض بالغرب كله ، فمات أهله وزال من الوجود. فهل سيكون العالم في اليوم التالي لهذا الخسف افضل مما كان في اليوم الذي سبقه؟. هل ستكون البشرية ، المسلمون وغيرهم ، في حال أفضل مما مضى؟.
استطيع الزعم بان هذا لو حدث ، فان مستوى الحياة في العالم سيتراجع لما يشبه الحال بعيد الحرب العالمية الأولى. ليس فقط لأن الغرب هو الذي يقود تطور العالم ، بل لأنه ايضا يشكل سوقا لكل ما ينتجه العالم. اذا زال الغرب غدا فلن تجد دول آسيا الصناعية زبونا لمنتجاتها. وحينئذ سوف تتوقف عن شراء البترول الذي يشغل مصانعها. وحينها لن يستطيع الخليج مثلا توفير الوظائف لملايين العاملين القادمين من الدول الأخرى ، ولن تجد هذه الدول ثمن الغذاء والدواء الذي تحتاجه .. وهكذا.
نعلم جميعا ان حياة البشر أمست متشابكة ، بحيث بات مستحيلا على أي إقليم ان ينجو من تبعات الكوارث التي تحدث في الأقاليم الأخرى. وقد رأينا أمثلة بسيطة في الازمة المالية عام 2007 وفي الانخفاض الراهن في اسعار البترول ، فضلا عن الكساد العظيم في 1929 أو سنة البطاقة في الخليج عام 1943. وهي جميعا إنعكاسات لأزمات في الغرب.
واضح لكل متأمل في نهايات الاسئلة ، أن زوال الغرب ، مثل زوال الصين او اليابان او الهند مثلا ، لن يحل مشكلاتنا بل سيحول حياة العالم  كله الى مأساة.
واضح أيضا ان الرغبة في فناء الغرب وليد لرؤية هروبية ، تخشى مساءلة الذات عن أسباب تخلفها ، فتعوضها بمفاصلة وجودية فحواها ان العالم لا يتسع للجميع ، فاما بقاؤنا وفناؤهم او العكس. لا تستند هذه الرؤية الى اساس ديني او قيمي ، بل هي تفريع عن تضخم مفرط لهوية مأزومة.
لو نظرنا للبشر جميعا ، كشركاء حياة ومصير. ولو تأملنا في قوله تعالى "إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين" فلربما اعدنا النظر في معنى ان نكون مسلمين او متقين او عبادا لله. ولربما تحررنا من الضغط الذهني والروحي الشديد لثنائيات مثل مسلم/كافر ، التي تعني في الحقيقة نحن/هم. ولربما نظرنا للبشر جميعا كاخوة ، تتعدد مشاربهم فيختصمون مرة ويتفقون أخرى. لكنهم يبقون أخوة في الخلق ، عبادا لله ، وشركاء في بيت واحد ، ينتهون الى مصير واحد.
هذا يعني ببساطة ان نفهم ديننا ، لا كامتياز خاص لمن يسمون مسلمين. بل كرسالة للبشر جميعا ، يشارك  كل منهم بنصيب فيها ، ظاهر او خفي. من الزاوية المصلحية أيضا ، لا ينبغي ان نرغب في زوال أي أمة أو حضارة. لان اليوم التالي له سيكون كارثة علينا أيضا.
الشرق الاوسط 29 مارس 2017
http://aawsat.com/node/889041

الأربعاء، 22 مارس، 2017

حول طبيعة السؤال الديني


اواخر 1989 تحدث الداعية المعروف د. عايض القرني عن رحلته الى الولايات المتحدة ، فوصفها بانها "مجتمع خبيث ، فيه المجرمون ، فيه السكارى ، فيه أهل الدعارة ، فيه الزنوج الذين تغلي قلوبهم ، فيه فرق مبتدعة ، فيه أهل الغارات ، فيه أهل الأحقاد ، فأنت تتوقع كل يوم متى يعتدى عليك".
بعد عقدين ، في فبراير 2008 ، كتب عن رحلته الى فرنسا ، فقدم انطباعا مغايرا عن الغرب: "أقمت في باريس أراجع الأطباء وأدخل المكتبات وأشاهد الناس وأنظر إلى تعاملهم ، فأجد رقة الحضارة وتهذيب الطباع ، ولطف المشاعر وحفاوة اللقاء ، حسن التأدب مع الآخر ، أصوات هادئة ، حياة منظمة ، التزام بالمواعيد ، ترتيب في شؤون الحياة. أما نحن العرب فقد سبقني ابن خلدون لوصفنا بالتوحش والغلظة".
كلا الحديثين يجيب على سؤال افتراضي واحد: "ما هي حقيقة الغرب". لكن السنوات العشرين الفاصلة بين النصين تشهد على تحول جوهري في هموم المتحدث أو ظرف السؤال ، أو تطلعات المتلقين. هذا مايسميه الفيلسوف المعاصر غادامر بالافق التاريخي للفكرة. يتكرر السؤال على امتداد الزمن. لكنه في كل حقبة يحكي حاجة مختلفة ، ويطلب إجابة مختلفة.
مضمون السؤال في 1989 انصرف في ذهن المتحدث الى اشكالية الهوية. فهو لم يفهم كطلب لوصف واقع الغرب ، بل تحديد قيمته مقابل قيمتنا. اي ان سؤال "ما هي حقيقة الغرب" تحول الى "من نحن". فأجاب عليه بوصف متقابل محوره التهوين من قيمة الغرب ومدنيته. اختيار هذا المنحى بالخصوص مرجعه أن التعريف بهوية المسلم خلال "مرحلة الصحوة"  انصرف الى تعريف الضد وليس تعريف الذات. سؤال "من نحن" في تلك الأيام ، جوابه "نحن نقيض اولئك". وهذا ما يجري عادة في ظروف الصراع ، سواء كان حقيقيا او متوهما. وصف الآخر في ظرف الصراع يلعب دورين متوازيين: التأكيد على الموقع الحركي للذات ، وتحديد مبررات المفارقة.
النص الثاني الذي جاء بعد عقدين يجيب على السؤال نفسه "ماهي حقيقة الغرب". لكن ظرفه مختلف. مرحلة الصحوة انتهت ، المتحدث انتقل الى طبقة اجتماعية أعلى  ، وهموم الناس تحولت الى اكتشاف الغرب وليس مصارعته. لذا غلب على الحديث الطابع التصالحي ، الذي تضمن ايضا تعريفا بفضائل الغرب ونقد الذات. الواضح اذن انه ليس مهموما بمسألة الهوية او الصراع مع الغرب ، بل التواصل معه.
كلا الحديثين وضع في قالب ديني ودعم بنصوص دينية. فهل يمكن اعتبارهما "جواب الدين" ، وهل يمكن اعتبار السؤال الضمني السابق لهما سؤالا دينيا؟.
نظريا ، يصنف الفقه التقليدي العلاقة بين الناس كموضوع ديني. ويحدد المسافة بينهم تبعا للفارق بين نوعية ومستوى التدين عند هؤلاء وأولئك. اما في الممارسة الواقعية فان غالبية رجال الدين ، التقليديين وغيرهم ، يتبعون منهجا عقليا بحتا يركز على المصلحة المنظورة في العلاقة. عدو الامس قد يتحول اليوم الى صديق ، أو العكس. وفي التاريخ القديم والمعاصر شواهد لاتحصى على هذا المنهج.
اذا صح هذا التحليل ، فان السؤال التالي سيتناول الهوية وما يترتب عليها من علاقة مع المختلفين ، اي سؤال "من أنا" و "كيف اتعامل مع المختلف". ترى هل سنجيب عليه بالتعريف الفقهي الموروث ، أم سنجيب عليه وفقا للمصلحة العقلائية القائمة؟. وهل نصنف التشخيص العقلي للمصلحة كعنصر من داخل الدين ام خارجه؟.
الشرق الاوسط 22 مارس 2017
http://aawsat.com/node/883501


الأربعاء، 15 مارس، 2017

في معنى الوصف الديني


النقاش حول خط فاصل بين ما نعتبره موضوعا دينيا وما نعتبره خارج الدين ، يثير بالتاكيد بعض المخاوف. ثمة من ينظر لكل اشارة عن "خارج الدين" كدعوة مستترة الى العلمانية. ولذا فقد يفيدنا ان نتعرض باختصار لمعنى الوصف الديني للأشياء.
حين تصف شيئا بأنه إسلامي او ديني ، فانت تشير على الأغلب الى واحد من أربعة معان. أولها نسبة الموصوف الى الدين بشكل مباشر ، مثل وصف للصلاة بانها واجب ديني. المعنى الثاني يتعلق بالافعال المكرسة للدين دون غيره ، فهي متصلة بالدين بشكل غير مباشر ، مثل المؤسسات الدعوية ومدارس العلم الشرعي. أما المعنى الثالث فيشير فقط الى التزام الموصوف بالمعايير الدينية ، ويتعلق عادة بالافعال التي لا تتصل مباشرة او مداورة بالدين ، لكنها تلتزم بقواعده ، مثل وصف قوانين الدولة بانها اسلامية ، ووصف التعاملات المالية الخالية من الفائدة المشروطة بالمعاملات الاسلامية. ويشير المعنى الرابع الى الاشياء أو الافعال القائمة ضمن المجال الديني ، او المنتمية ثقافيا او موضوعيا الى جماعة المسلمين ، لكن من دون علاقة عضوية او وظيفية بالدين. مثل وصفنا لبعض انماط العمارة بانها اسلامية ، ومثلها المجتمع الاسلامي والتاريخ الاسلامي.. الخ. فهذه المعاني تنسب الموصوف الى البشر والفضاء الاجتماعي وليس المنظومة النظرية للدين.
الفارق بين المعاني الأربعة يكمن في طبيعة الوصف وما يترتب عليه من قيمة. واضح ان المعنى الأول يشير الى قيمة ذاتية لاتصاله عضويا بالدين. بينما يحمل الثاني والثالث قيمة مدعاة من قبل اصحابه ، ولذا فهو مشروط بمدى تحقيق تلك الافعال للأغراض المضافة الى المعنى الاول وليست جزء منه. اما المعنى الرابع فهو الأكثر شيوعا ، وهو – كما سلف – مجرد وصف اجرائي لا يحمل قيمة محددة.
واضح عندي قول بعض القائلين بأن الدين شامل ، لانه يتدخل في كل شيء من خلال توجيهه لسلوك البشر. وهذا يغطي كافة مناحي الحياة دون استثناء. لكن هذه مغالطة واضحة. فالسلوكيات الفاضلة مثلا ، لا تعد أفعالا دينية ولا تتطلب معرفة بالدين ولا نية التقرب الى الله. لأن الاخلاقيات تنتمي لمنظومة القيم العليا السابقة للدين ، والتي أجمع عليها عقلاء البشر في كل الازمنة والأمصار. وقد أطلق عليها الاصوليون المسلمون اسم "المستقلات العقلية" الذي يشير الى مصدرها البشري.
ليس من العسير ان تجد انواعا من الصفات والسلوكيات الفاضلة عند الملحدين الذين لا يؤمنون بأي دين. صفات مثل الصدق في المعاملة والاخلاص في العمل والتضحية بالمال والجهد لاعانة الضعفاء. ومثله طلب العلم والانفاق عليه وعمارة الارض وصيانة البيئة الكونية. فهذه كلها من الفضائل التي يأمر بها العقل منفردا. ويؤيدها الدين من باب تكميل مكارم الاخلاق ، لا من باب تأسيسها.
المؤكد ان الدعوة الى تمييز "داخل الدين" عن "خارج الدين" لا تخلو من لمسة علمانية. لكن غرضها ليس اقصاء الدين عن الحياة ، بل تصحيح العلاقة بين الشرع والعقل ، او الحكمة والشريعة ، بحسب تعبير الفيلسوف ابن رشد. تصحيح هذه العلاقة ضروري لتعزيز فاعلية الدين في مجاله ، وتخفيف ما أثقله من كلف الافعال التي تقع خارجا عنه ، لا سيما كلف النزاعات الأهلية وتأزمات الهوية. وهو ضروري لتحرير عقل المسلم من قلق الهوية والحدود ، الذي نعتقد انه ساهم في ابعاد المسلمين عن ثورة العلم والتكنولوجيا التي صنعت حضارة هذا العصر.
الشرق الاوسط 15 مارس 2017
http://aawsat.com/node/877751

الأربعاء، 8 مارس، 2017

داخل الدين.. خارج الدين


معظم نقاشات الاصلاح الديني تنصرف الى جانبين: تطوير الاجتهاد والاعتدال في الأحكام. ثمة بعد مهمل لكني أراه أكثر أهمية وضرورة ، يتمثل في الفرز بين ما هو موضوع ديني وما يمكن ان نسميه خارج الدين ، اي القضايا التي تركها الشارع للعرف وعقول الناس.
جادلت في مقال الاسبوع الماضي بان التشدد في الاحكام قد يكون عرضا لعلة أخرى ، هي الجمود الايديولوجي. وأظن ان هذا بدوره ناتج عن تحول الخطاب الديني من وعاء للفكرة الدينية الى هدف بحد ذاته. ونقصد بالخطاب مجموع أدوات العلاقة بين الدعاة الى الدين وبين الجمهور ، سواء كانت معارف مكتوبة أو مؤسسات أو أنماط علاقة أو نظم عمل او تقاليد أو فولكلور.
أقول ان البعد الثالث مقدم على تطوير الاجتهاد والاعتدال في الأحكام. لأن وظيفة هذين هي خدمة الغرض النهائي للخطاب ، أي المحافظة على مكانة الدين في الحياة الفردية والعامة. فالواضح اليوم ان شريحة معتبرة من العاملين في المجال الديني ، تركز على تأكيد مكانة الخطاب نفسه ، اي تأكيد مكانة المعارف المرتبطة به والاشخاص الذين يمثلونه والمؤسسات التي قامت في إطاره وحتى الأعراف والتقاليد والعلاقات التي نشأت كناتج جانبي في ظله.
لتوضيح الفكرة سوف اقارنها بالفرق بين الاغراض والوسائل مثل ان يهتم الناس بالمسجد اكثر من اهتمامهم بالصلاة. ومثل اهتمامهم بتلاوة القرآن وحفظه أكثر من معانيه وتعاليمه. ومنه ايضا اهتماهم بتفادي الارباح الربوية في البنوك ، دون اهتمام مواز بالغرض الذي حرم الربا من أجله.
حين أقرأ الآراء التي ينشرها بعض الدعاة المعاصرين ، كتبرير لمواقفهم من قضايا سياسية او جدالات اجتماعية ، أرى فيها اهتماما بمكانة "الجماعة" او التيار ، يفوق اهتمامهم بالأغراض الكبرى للدين وقيمه العليا.
ناقشت في وقت سابق صديقا من الدعاة المعروفين حول ما يكتبه عن الصراع بين الاخوان المسلمين والحكومة المصرية ، ولا سيما استهانته بوحدة المجتمع المصري والسلم الاهلي فيه ، واعتباره كل مخالف للاخوان منافقا او مغفلا ومطية للأجانب. فأجابني ببساطة ان "صراع الحق والباطل لا يحتمل المواقف الرمادية: اما ان تكون مع الحق او مع الباطل ، مع الاخوان او الحكومة".
سواء كنا مع احد الطرفين او ضدهما ، فان اعتبار احدهما معيارا للحق والباطل ، يعني بالضبط نقل صراع سياسي من مستواه العرفي الى مستوى المقدس الديني. تدار الصراعات السياسية بناء على تقديرات عقلية ، تتغير تبعا لمصالح أطراف الصراع. وقد يلتزم هؤلاء بالمعايير الاخلاقية أو يغفلونها. لكن اعتبارها موضوعا دينيا ، يترتب عليه عقاب وثواب أخروي ، ينطوي على مخاطرة الابتداع في الدين. والابتداع كما نعلم هو ان تدخل في الدين ما ليس منه.
لا شك ان اقحام هذا النوع من صراعات المصالح في المجال الديني ، ينطوي على تكلف كبير. سواء عبرنا عنه باعتدال او بخشونة ، وسواء اتبعنا في التوصل اليه منهج اجتهاد تقليدي أو حديث. جوهر المشكلة هو إلباس العرفي ثوب المقدس ، وليس طريقة التعبير عنه.
اقوى المبررات التي تطرح في مقابل هذه الرؤية هو قولهم ان الدين منهج يتسع لقضايا الحياة كلها دون استثناء. وهو قول مرسل لا يستند الى دليل ديني يتحمل ثقله. لكنه شائع جدا بين المسلمين الى حد اعتباره من المسلمات.
ومن هنا فان المهمة الاكثر إلحاحا في مسار الاصلاح الديني ، هي مراجعة العلاقة بين الدين وقضايا الحياة ، لرسم الخط الفاصل بين موضوعات الدين وما هو خارج الدين.
الشرق الاوسط 8 مارس 2017
http://aawsat.com/node/872016

الأربعاء، 1 مارس، 2017

ما ينبغي للتيار الديني ان يخشاه


"سيجبرهم الواقعُ والمجتمعُ على تقديم الصغيرة على الكبيرة ، والسكوت عن إنكارها ، وعلى تقديم الكبيرة على التي هي أكبر منها ، من باب دفع المفسدة العظمى بالصغرى ، إذا استمروا في مقاومة التيار بهذا الجهل والتنطع . وسيفهمون وقتئذ معنى تفريطهم في هذا التنطع والتشديد ورفض الاختلاف المعتبر"
هذا مقطع من حديث للفقيه السعودي المعروف الشريف حاتم العوني ، يستنكر تشدد الدعاة في الاحكام الشرعية التي يستشعر الناس حاجة الى التيسير فيها ، خاصة في موارد الاختلاف بين الفقهاء.
حديث العوني نموذج عن دعوة تكررت هذه الأيام في المجتمعات العربية. وهي تشير الى أزمة كامنة في علاقة الجمهور بالتيار الديني ، سببها الظاهري هو التعارض بين طروحات التيار وانشغالات الجمهور. لكن جذرها يمتد الى إخفاق التيار الديني في تقديم حلول واقعية لما يواجه المجتمع من مشكلات.
كانت مكانة التيار الديني العربي هامشية حتى أوائل الربع الاخير من القرن العشرين. ولم يكن خروجه من الهامش وتحوله الى قوة مؤثرة ، ثمرة لتحولات في التيار نفسه ، بل لأن التيار القومي ، واليسار بصورة عامة ، فشل في تقديم الحلول التي وعد بها خلال ستينات وسبعينات القرن العشرين ، يوم كان القوة المهيمنة سياسيا وجماهيريا ، في معظم الدول العربية والعالم الثالث.
تمحورت وعود اليسار حول الوحدة ، العدالة الاجتماعية ، التحرر من الهيمنة الخارجية ، والاستثمار الأكفأ للموارد. لكن السنين مرت دون انجاز يتناسب مع تلك الوعود. ربما بسبب ضخامة الوعود نفسها ، او ربما الافتقار للكفاءة الادارية والسياسية المناسبة ، او بسبب تغلغل الفاسدين الذين حولوا السلطة الى غنيمة ، أو غير ذلك من الأسباب. وفي اعتقادي ان هذه العوامل ما كانت لتكلف اليسار ثقة الجمهور ، لو كان قد اهتم باشراك الجمهور في سياساته وأعماله ، بل وفي تطوير رؤيته للواقع. كان تيار اليسار مثالا للجمود الايديولوجي الذي انتج جمودا سياسيا ، يتجلى في الهوة الواسعة بين شعاراته وسياساته ، وبين هموم الناس وانشغالاتهم.
أخشى ان التيار الاسلامي ، السياسي منه والشعبي ، يواجه اليوم نفس التحدي. وأظن انه يعاني من نفس العوامل التي أطاحت باليسار فيما مضى. وأهمها في رأيي الجمود الايديولوجي الذي ينتج جمودا سياسيا وابتعادا عن هموم الناس وانشغالاتهم الحياتية. في كل الدول العربية ثمة جماعات اسلامية نشطة في المجال العام. لكن معظمها يتحدث بنفس اللغة القديمة ، ويطرح نفس التصورات والحلول القديمة ، التي تغفل التدليل العلمي ، وتركز على سلوكيات الافراد ، ومصارعة المنافسين ، بدل الانشغال بالقضايا الكبرى ذات التأثير الممتد زمنيا وموضوعيا.
قبل سنوات قليلة فحسب ، كان الاحترام والتبجيل سمة ملحوظة في كلام الناس عن الدين والجماعات الدينية ورجالاتها ورموزها. لكن التشكك هو السمة الغالبة على حديث الناس هذه الايام. النقد الصريح للآراء التي يدلي بها الدعاة والناشطون في المجال الديني ، قد تشير الى تراجع ثقة الجمهور في كفاءة هذا التيار او مصداقيته.
لكن الجزء الخفي من القصة هو ان هذا النقد يشي بان شريحة من الجمهور تنظر للتيار الديني كجماعة متخارجة عنها ، تدعمها او تعارضها ، لكنها ليست جزء منها ولا تمثلها. مثل هذا الانفصال الشعوري والثقافي هو الذي أطاح فيما مضى بالتيار اليساري ، وأخشى ان التيار الاسلامي لم يعد بعيدا عن هذا المصير.
الشرق الاوسط 1 مارس 2017

http://aawsat.com/node/866311

الأربعاء، 22 فبراير، 2017

اوربا التي اصبحت آسيوية ، مسلمة ، سوداء ، وصينية


المنتدى الاقتصادي العالمي الذي ينعقد في دافوس كل شتاء خصص بعض جلساته هذا العام لمناقشة موضوع الهجرة. وهو أمر يكشف عن تحول جوهري في فهم العالم لهذا الموضوع وانعكاساته.
يرجع الجدل حول مسألة الهجرة الى أواخر القرن المنصرم. وكان يدفعه خليط من العوامل الاقتصادية والثقافية ، وانضم اليها العامل السياسي والامني في وقت لاحق.
عرفت اوربا اوسع موجات الهجرة في سنوات النهوض الاقتصادي عقب الحرب الكونية الثانية. وجرى التعامل معها بتساهل ملحوظ حتى اواخر القرن العشرين. الاف العمال الذين جاؤوا من شبه القارة الهندية وافريقيا وشرق آسيا ، عملوا في مصانع المحركات والنسيج ، وساهموا في شق الطرق وبناء المساكن وسكك الحديد ، وعمل كثير منهم في الوظائف المتدنية الأجور ، في المطاعم والبقالات والخدمات العامة. وجرى التعامل مع مشكلات الهجرة وفق منظور اقتصادي بحت ، يحدده حجم المكاسب والأضرار المترتبة عليها. بريطانيا وفرنسا مثلا كانت متساهلة جدا في منح مواطني مستعمراتها السابقة تأشيرات الدخول ورخص العمل ، لان اقتصادها كان محتاجا اليهم.
في العقدين الماضيين برزت عوامل جديدة ، تحول النقاش معها الى قضايا الهوية والاندماج الاجتماعي. لعل ابرز تلك العوامل هو التباطؤ الاقتصادي ، سيما في القطاعات التي تتطلب عمالة كثيفة ، وتفكك المعسكر الاشتراكي وما ترتب عليه من انفتاح سوق العمل في أوربا الغربية امام مواطني الجزء الشرقي. وأخيرا التحولات التي طرأت على التكوين الثقافي لجماعات المهاجرين.
فيما يخص العامل الأخير ، يهمني لفت الانتباه الى ان التحول في هوية المهاجرين  المسلمين ، يحظى بتركيز أوسع من جانب الاعلام ، ولذا فهو يلفت النظر بدرجة أكبر. لكن المسألة تتجاوز هذا الاطار . اذكر مثلا ان بروز نيلسون مانديلا كشخصية مرجعية على مستوى العالم ، منذ اطلاق سراحه في 1990، قد أطلق بالتوازي موجة حماس واسعة بين المهاجرين ذوي الاصول الافريقية ، بمن فيهم أولئك الذين هاجر آباؤهم قبل قرن من الزمن ، وانقطعت صلتهم تماما بأوطانهم الأصلية. في نفس الوقت تقريبا ، كان المهاجرون من الصين وجنوب شرق آسيا ، على موعد مع موجة حماس مماثلة غذاها النهوض الاقتصادي في مجموعة الدول التي عرفت يومها بالنمور الآسيوية ، بعدما برزت كتجارب ناجحة للنمو الصناعي السريع.
فيما يخص المهاجرين المسلمين ، سيما من الشرق الاوسط وشبه القارة الهندية ، فان الجدل الواسع حول رواية "الآيات الشيطانية" أوائل 1989 ثم أزمة الخليج في العام التالي ، شكلا فرصة لمراجعة الذات واكتشاف هوية متمايزة عن المحيط.
في كل هذه المسارات ، كان محرك الازمة هو رغبة المهاجرين في تعامل المجتمع الأوربي معهم كما هم ، اي من دون توقع ان يندمجوا كليا في تقاليده ، اذا كانت تستدعي التخلي عن إرثهم الثقافي الخاص. وأذكر ان هذه الفترة شهدت اهتماما غير مسبوق بالرموز التي تشير للتمايز  ، مثل المظاهر الدينية ، الملابس التقليدية ، المطاعم التي تقدم الوجبات التراثية ، الاحتفال بالمناسبات الوطنية والقومية ، الفولكلور والموسيقى.. الخ.
اعادة المهاجرين الى أوطانهم الاصلية ليست خيارا متاحا. كما لم يعد ممكنا اجبارهم على الاندماج التام. ولهذا تجد أوربا نفسها أمام خيار عسير ، تدعمه النخبة ويعارضه بعض الجمهور ، خلاصته هو التحول الى مجتمع متعدد الثقافات ، لا ينظر للاندماج الاجتماعي كعامل في توليف الوحدة الوطنية. وأظن ان هذا هو المسار المتوقع في العالم كله.
الشرق الاوسط 22 فبراير 2017
http://aawsat.com/node/860786

الأربعاء، 15 فبراير، 2017

وهم الصراع بين الحضارات


أسمع حديثا متكررا فحواه ان الرئيس الامريكي الجديد يدشن النموذج التطبيقي الأول لصراع الحضارات ، وفق التصور الذي عرضه المفكر الامريكي صامويل هنتينغون في 1993. طبقا لهذه الرؤية فان الايديولوجيا (رأسمالية/اشتراكية) لن تكون موضوعا للصراعات الدولية بعدما تفكك المعسكر الشيوعي. الحروب الكبرى القادمة لن تدور بين الدول القومية. أو على أقل التقادير ، فان أية حرب على هذه المستوى ، لن تقسم العالم الى فسطاطين ، وفق ما كان متوقعا في حقبة الحرب الباردة (1945-1991). يعتقد هنتينغتون ان الثقافات الرئيسية هي التي ستحدد جبهات الصراع الدولي القادم. نتصور مثلا جبهة الثقافات الجديدة ، التي تمثلها المجتمعات الصناعية الغربية ، تقابلها جبهة الثقافات القديمة التي تضم العالم الاسلامي ودول آسيا الأخرى.
هذه الرؤية ليست نظرية مثبتة تاريخيا. وليس لدينا دليل مادي يؤكد ان العالم سيشهد صراع حضارات في المستقبل القريب. إنها مجرد تحليل مبني على استقراء تاريخي ، يتوافق مع معطيات رآها هنتينغتون متوفرة في مطلع التسعينات. وهو لم يحاول اخفاء ما تنطوي عليه من توجيه ايديولوجي ، فحواه ان الحضارات بحاجة للصراع ، كي تبقى نشطة ومبدعة.
رغم ذلك فرؤية كهذه تنطوي على خطورة على العالم الاسلامي ، وليس على الغرب. لسبب بسيط وهو ان الايمان بالعلاقة الايجابية مع العالم ، يعزز جانب الميل للمصالحة والانفتاح ، ومن ثم التعاون الثقافي والاقتصادي. وهو أمر نحن في أمس الحاجة اليه ، كي نلحق بحركة العلم والتقنية التي تتصاعد في عالم اليوم ، ولا تكاد تستثني أحدا غير البلدان الاسلامية. 
خلال الخمسين عاما الماضية ، تعرضت مجتمعات المسلمين لضخ مركز للفكرة القائلة بان "الغرب" يمثل كتلة معادية ، تسعى للهيمنة على العالم الاسلامي ، وتستهدف بشكل خاص القضاء على الاسلام. ولا شك ان هذه الرؤية قد ساهمت في عرقلة تطور المجتمعات المسلمة ، بل وأعادت بعضها الى الخلف ، وعمقت الهوة التي تفصلها عن الحضارة الانسانية الحديثة.
ثمة حقائق بسيطة في حاضر العالم وفي ماضيه ، من بينها ان تاريخ البشرية لم يسجل نهوض المدنية في بلد منعزل عن العالم. جميع الحضارات وتجارب التقدم السابقة – بما فيها الحضارة الاسلامية القديمة - كانت ثمرة للتفاعل بين الأمم والثقافات. وكان دوامها وتجددها مرهونا بعلاقتها التفاعلية والمنفتحة مع الآخرين.
ليس من الضروري ، وربما من غير المتوقع ، انتهاء الصراعات الدولية. لكن الصراع المدفوع بخوف على الهوية ، انتهى في كثير من التجارب الى دمار المنتصر والمنهزم معا. لانه ببساطة يحول مضمون العلاقة من صراع على الحدود والمكانة ، الى صراع على الوجود. وفي هذا النوع من الصراعات لا يكون الانجاز والتقدم هدفا. الهدف الوحيد فيها هو تدمير الآخر كشرط للبقاء.
في العالم الاسلامي اليوم ما يكفي من مشاعر الكراهية التي نعرف انها أثمرت عن تفجر العنف في معظم بلدانه. ولا أظننا بحاجة الى المزيد من هذا.
من هنا فاني أشعر بالقلق من عودة الترويج لفكرة الصراع الديني ، والمبالغة في اعتبار تصريحات وقرارات الرئيس الامريكي الجديد او نهوض اليمين في أوربا ، إشارة انطلاق للحرب على الاسلام. مثل هذا الكلام ، بغض النظر عن النوايا الطيبة التي تبرره ، لن يضر الغرب قدر ما يضر المسلمين ، كما حصل فعلا خلال الخمسين عاما الماضية. في هذا التاريخ ما يكفي من العبر لمن أراد ان يعتبر.
الشرق الاوسط 15 فبراير 2017
http://aawsat.com/node/854821