‏إظهار الرسائل ذات التسميات المجتمع المدني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المجتمع المدني. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 27 يناير 2016

حول برنامج التحول الوطني

بحوث التنمية الحديثة ، تجمع على استحالة تحقيق نمو متوازن ومستدام ، دون الانخراط الفعال للمجتمع في سياسات التنمية وبرامجها.

كان برنامج التحول الاقتصادي الوطني موضوعا لمناقشات عديدة في الصحافة السعودية خلال الأيام الماضية ، رغم انه لم يعلن رسميا.  تناقش هذه المقالة فكرة التحول في عمومها. وتؤكد على أهمية المشاركة الأهلية في استراتيجيات العمل التي يتضمنها اي برنامج من هذا النوع.
ينبغي الاشارة اولا الى انطباع عام فحواه ان البرنامج العتيد يمثل نوعا من الاستدراك او التعديل على خطط التنمية الخمسية التي تبنتها المملكة منذ العام 1971. واذا صح هذا التقدير فانه من الضروري ايضاح الاسباب التي أوجبت ذلك الاستدراك او التعديل. تنطوي الاسباب بطبيعة الحال على قراءة نقدية للنتائج التي أثمرت عنها خطط التنمية طوال الاربعين عاما الماضية. ليس من أجل جلد الذات ولا توجيه الاتهام الى احد بعينه ، بل من أجل فهم المسار والاهداف على نحو أوضح.
أشير أيضا الى عامل التوقيت. فالفهم العام يميل الى اعتبار البرنامج واحدا من المعالجات التي أملتها ظروف الانكماش الاقتصادي الراهن. ينصرف هذا الفهم – اذا صح – الى الظن بأن البرنامج يستهدف توفير مصادر دخل بديلة عن تصدير البترول الخام ، او تقليص النفقات الحكومية الحالية. ان توضيح هذا الجانب ضروري لتقييم السياسات التي يفترض ان يحتويها البرنامج المذكور ، اي اختبار ما اذا كانت تؤدي حقيقة الى هذه الغاية ام لا.
نحن بحاجة الى توضيح هاتين المسألتين ، من أجل اقناع المجتمع بالمشاركة الفاعلة في عملية التحول. ويحسن القول في هذا المقام ان خطط التنمية الخمسية التسع السابقة  لم تلحظ هذا الجانب. فكأن واضعي تلك الخطط افترضوا تحميل الدولة أعباء التنمية بكاملها. ونعلم ان بحوث التنمية الحديثة ، سيما في العقدين الماضيين ، تتفق جميعا على استحالة تحقيق نمو متوازن ومستدام ، من دون الانخراط الفعال للمجتمع في سياسات التنمية وبرامجها.
التنمية في مفهومها الحديث تتجاوز تمويل المشروعات وانشاء البنى التحتية ، الى خلق مصادر جديدة ، مادية وتقنية ، تتعدد وتتنوع على نحو يستحيل على جهة واحدة تحديدها سلفا واستيعاب ابعادها. المجتمع ككل ، هو البيئة الطبيعية لظهور وتبلور هذه المصادر. الامر الذي يوجب على مؤسسات التخطيط استنهاض هذه الطاقة الكامنة وتفعيلها ورعاية تطورها وربطها بدائرة الاقتصاد الكلي.
المثال الذي يضرب في هذا السياق هو اقتصاد المعرفة ، الذي ظهر في السنوات الاخيرة ، وتحول سريعا الى مولد رئيس للصادرات وفرص العمل ، ومحركا للنمو التقني. مشروعات مثل الهواتف الذكية من شركة ابل  ، والمتاجر الالكترونية مثل امازون ، والبوابات الالكترونية مثل غوغل الامريكي وعلي بابا الصيني ، أضافت عشرات المليارات من الدولارات الى الدخل القومي لبلدانها ، لكنها – فوق ذلك - ساهمت في تسريع التطور التقني الذي خلق ملايين من الوظائف الجديدة. لم يكن اي من هذه المشروعات حكوميا ، ولا بدأ بدعم حكومي ، بل كان ثمرة لابداع الناس وتوفر الحاضن الاجتماعي المناسب لهذا الابداع ، مع الدعم والاحتضان الرسمي في وقت لاحق. مثل هذه المشروعات وفرت للدولة ما لم تستطع توفيره اجهزتها ، رغم انها لم تنفق عليه اي شيء تقريبا.
استنهاض الطاقات الكامنة في المجتمع سيريح الدولة من نفقات كثيرة ، لكنه ايضا سيحول المجتمع من عبء على نفسه وعلى الدولة ، الى شريك في حل مشكلاته. وهذا من أبرز أغراض التنمية البشرية التي يتحدث عنها عالم اليوم.
الشرق الاوسط 27 يناير 2016
http://aawsat.com/node/553681/

السبت، 5 ديسمبر 2015

في الطريق الى المجتمع المدني



اصدار مجلس الوزراء السعودي لنظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية هو بالتاكيد أهم أخبار الشهر المنصرم. يشكل النظام  الاطار القانوني الضروري لقيام منظمات المجتمع المدني وتنظيم عملها ، سيما علاقتها مع الاجهزة الرسمية المحلية. انه خبر جدير بأن يبعث فينا التفاؤل بين سيل من الاخبار الموجعة حولنا.
من السابق لأوانه الحكم على تفاصيل النظام الجديد. لكن ما يثير اهتمامي هو المبدأ الذي صدر على ضوئه ، اي المشاركة الشعبية في إدارة المجتمع وتطويره ، التي قال د. ماجد القصبي وزير الشؤون الاجتماعية انها جزء من رؤية رسمية ترمي للتحول من الرعوية إلى التنموية.
شكل هذا النظام موضع اجماع في المجتمع السعودي. خلال العقد الماضي تحدث عشرات من المثقفين والشخصيات العامة وكبار المسؤولين الحكوميين في الدعوة اليه وبيان ضرورته. على أي حال فقد أمسى كل ذلك خلفنا. إقرار النظام يستدعي الحديث عن المرحلة التالية. ويهمني هنا توضيح نقطة محددة تخص العلاقة بين الجمعيات الأهلية التي ستقوم في ظله ، وبين الادارة  الحكومية. تكمن أهمية المسألة في حقيقة ان النظام الجديد يقيم منظومة تختلف فلسفيا ووظيفيا عن الاجهزة الرسمية ، لكنها تشاركها العمل في الفضاء العام.
نتيجة بحث الصور عن ‪civil society‬‏
تستمد المنظمة الحكومية قوتها ومبررات وجودها من ارتباطها بالطبقات العليا في الهرم الاداري. بينما يعتمد عمل المنظمات الأهلية وقوتها وخياراتها على ارادة اعضائها ودعم الجمهور ، أي قاعدة الهرم الاجتماعي. هناك بالتأكيد اختلاف بين الطرفين في طريقة التفكير والاولويات والامكانات ، الأمر الذي يقود بشكل طبيعي الى تزاحم في الارادات. ورأينا هذا التزاحم في تجربة المجالس البلدية والصحافة ، فضلا عن المنظمات الأهلية شبه التقليدية ، مثل الجمعيات الخيرية والنوادي الرياضية ، وفي تجربة المنظمات المختلطة (الرسمية/الأهلية) مثل النوادي الأدبية والجمعية الوطنية لحقوق الانسان.
يرجع التزاحم المدعى الى عاملين ، عامل ثقافي يشترك فيه الجميع ، الجمهور وموظفي الدولة ، وعامل يخص التشريعات القانونية التي تنظم عمل الادارات  الرسمية.
اشارة وزير الشؤون الاجتماعية الى "التحول من الرعوية الى التنموية" ترتبط بالعامل الأول. تشكل "الرعوية" محور الثقافة السياسية السائدة في المجتمعات العربية كافة. وفحواها ان الدولة مكلفة بحياة الناس كلها. هذه الرؤية تستدعي  – في الجانب المقابل – تدخلا غير محدود لأجهزة الدولة في حياة الناس وخياراتهم.
وعلى العكس ، فان فلسفة المجتمع المدني تعتبر المجتمع الأهلي ، كافراد وكمجموع ، مسؤولين تماما عن حياتهم وخياراتهم. وهي رؤية تستدعي في المقابل انصراف الدولة الى واجباتها الرئيسية ، أي ادارة البلد ككل ، وتقليص تدخلها في حياة الافراد الى أدنى حد ممكن. وبحسب تعبير أحد الفلاسفة فان قيام الدولة الحديثة كان ايذانا بتحول وظيفتها الجوهرية من مفهوم السلطة على اشخاص الناس ، الى مفهوم ادارة المصالح العامة وما يشترك فيه الناس.
تحقيق هذه الرؤية يستدعي مراجعة القوانين واللوائح التنفيذية التي تنطوي على مضمون تدخلي ، بما يؤدي الى تقليص هذا المضمون الى أدنى الحدود الممكنة. كما نحتاج الى "اعادة تثقيف" الموظفين المعنيين بتطبيق تلك اللوائح والقوانين ، أي تنويرهم بالتحول الذي نسعى اليه ، وصولا الى التطبييق الكامل لفحوى  الحديث الشريف "من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
تصنف الفلسفة السياسية  المجتمع المدني كواحد من ابرز أركان الدولة الحديثة. ونحمد الله ان بلادنا قد انتهت من الخطوة الأولى ، أي وضع الاطار القانوني ، ويحدونا أمل بأن تأتي الخطوات التالية بما يلبي هذا الأمل ويعززه.
الشرق الاوسط aawsat.com/node/510371
 2 ديسمبر 2015

الأحد، 20 سبتمبر 2015

التسامح وفتح المجال العام كعلاج للتطرف

يمكن للدين ان يبرر الكراهية مثلما يبرر المحبة. لكن خطاب الكراهية بذاته خطاب مستقل ، يظهر في هذا الظرف او ذاك ، فيحتاج الى تبرير ايديولوجي كي يمسي مقبولا بين الناس. في العراق مثلا لم يرجع حزب البعث الى مبررات دينية قبل قصف القرى الكردية بالسلاح الكيمياوي خلال حملة الانفال. وفي المانيا استند خطاب الكراهية النازي على ايديولوجيا قومية وليس مبررات دينية. مثلما استند خطاب الكراهية في مجموعات الكوكلوكس كلان الامريكية الى دعاوى عنصرية ، اعتبرها اصحابها ايديولوجيا قائمة بذاتها. وجرى مثل هذا في جنوب افريقيا وغيرها.
الكراهية كسلوك او كمشاعر تشكل منظومة مستقلة ، تستعين بالمبرر المناسب في كل ظرف. نعلم ان اتجاهات الرأي العام تتباين من ظرف لآخر. لكن ما يهم دعاة الكراهية ومستثمروها هو اقناع عامة الناس بان هذا السلوك غير المقبول ، طبيعي او ربما ضروري.
على اي حال فان المشكلة التي نواجهها اليوم هي الجماعات التي تربط بين الكراهية والدين. ولهذا نحتاج الى التركيز على العوامل الدينية التي يمكن ان تبرر او تغذي مشاعر الكراهية او تحمي المصالح المرتبطة بنشر الكراهية.
في هذه المساحة الصغيرة سوف اقترح نوعين من العلاج ، هما تعزيز قيمة التسامح وفتح المجال الديني:
أ) نقصد بقيمة التسامح معناها الفلسفي ، اي اعتبار تعددية الحق ، وحق الانسان في اختيار المعتقد ونمط الحياة الذي يريد. ومحاربة الفكرة القائلة بان طريق الحق واحد ، او ان احدا من البشر مخول بجبر الآخرين على هذا الطريق. يجب تحويل هذا المفهوم الى عنصر رئيس في التربية المدرسية ، وفي التوجيه العام. هذا لا يعالج – بالضرورة – المشكلة الراهنة ، لكنه يساعد على تفكيك الذهنية التي تسمح بولادة خطاب الكراهية او تفاقمه. نحن – بعبارة اخرى – نوفر وقاية للاجيال الجديدة التي نخشى ان يجرفها تيار الكراهية والعنف.
ب) شهدت العقود الثلاثة الماضية ما يمكن اعتباره افراطا في توحيد المجال الديني ، ادى الى انقسامات مركزية. نحن اليوم نتحدث عن خمسة او ستة تيارات دينية تقتسم معظم الساحات. وجميع هذه التيارات تستثمر الموروث التاريخي في تعزيز مشروعيتها. ولهذا فهي تزداد انغلاقا مع مرور الزمن. وزاد في الوضع سوءا ان هذا العدد القليل من التيارات ، نجح – لاسباب مختلفة – في الاستيلاء على المجال السياسي الأهلي ، فاختلط الديني الذي طبيعته الثبات والاستمرار بالسياسي الذي طبيعته التحول والتنوع. ونتيجة لهذا اصبح الفضاء السياسي العام في اكثر من دولة عربية ، مغلقا او ضيقا على كل من يبحث عن خيارات بديلة او مختلفة.
في معظم الدول العربية ، ثمة صراع ظاهر او مكتوم بين فريقين: الدولة والتيار الديني ، الذي يتبنى في الغالب المقولات التقليدية الموروثة. هذا تعارض لا يمكن حله بادماج المجالين ، الرسمي والاهلي ، ولا بتحالف الدولة مع التيار الديني التقليدي، فهما عالمان متناقضان جوهريا.

الحل الصحيح هو فتح المجال امام حياة سياسية اعتيادية ، تساعد على ظهور خيارات بديلة للجمهور ، ومن بينها خصوصا خيارات دينية بديلة. اعتقد ان التعددية السياسية الحرة (اي غير التوافقية او المضبوطة بضوابط حكومية او دينية) يمكن ان تشكل أداة فعالة لاحتواء الطامحين والباحثين عن أدوار ، وهو المقدمة الضرورية لاصلاح خطوط الانكسار الاجتماعي والسياسي ، او على الاقل تلافي انعكاساتها الخطرة ، سيما تفاقم حالات الاحباط بين الاجيال الجديدة ، وهي الارضية التي تسمح بظهور الاتجاهات الراديكالية او تبرير الكراهية والعنف.

"القبس" الكويتية 20/09/2015 
http://www.alqabas.com.kw/Articles.aspx?ArticleID=1091015&CatID=323

الثلاثاء، 22 يوليو 2014

احتواء التحدي وتحييده


اعلان داعش عن دولتها وخليفتها كان الشغل الشاغل للمجتمع السعودي خلال الاسبوع المنصرم. كان هذا واضحا في احاديث المجالس والصحافة وفي مواقع التواصل الاجتماعي.
كثير منا لا يرى في داعش تهديدا وشيكا. لكن كثرة النقاش حولها تشير الى قلق عميق في نفوس الناس من تحد لا يبدو اننا متفقون على "كيفية" تحييده. والمؤكد ان هذا القلق ازداد بعد العدوان الآثم على مركز الوديعة الحدودي الذي كلف البلد خمسة شهداء من رجال الامن. هذا الحادث ذكرنا جميعا بأن داعش ليست في شمال العراق ، بل هي ، بعض منها على الاقل ، على حدودنا.
لا ينبغي تهويل الامر. فهذا العدوان الغادر ليس دليلا على تهديد وشيك من النوع الذي تمثله داعش العراقية. لكن المسألة ككل تمثل خطرا ثقافيا وسياسيا لا ينبغي التقليل من اهميته. اعلان داعش عما تسميه "خلافة اسلامية" يستهدف مباشرة التشكيك في الشرعية السياسية والقانون الجاري في دول المنطقة كلها. وقد يكون مجتمعنا ابرز المستهدفين بهذا المخطط ، نظرا لأن النموذج الثقافي- الديني السائد يحمل سمات مقاربة ويعبر عنه بلغة مماثلة. وهو قادر على التاثير خصوصا في الشرائح الاجتماعية التي تشعر بالاحباط او تتطلع الى حلول سحرية للمشكلات التي تعانيها او تتخيلها.
يتجه تهديد الخطاب الداعشي في المقام الاول الى "الاجماع الوطني" ، أي ذلك التوافق الضمني على نظام العلاقة بين ابناء الوطن والسبل المتعارفة لادارة تعارضات المصالح.
حكومتنا هي اللاعب الوحيد في الميدان السياسي والقانوني. فهي تحتكر بشكل كامل العمل السياسي ، كما تراقب بشدة  العمل المدني (الذي يفترض ان يكون اهليا). ولذا فهي تتحمل الجانب الاعظم من الاعباء الخاصة بصيانة الاجماع الوطني وتعزيزه.
هذا يعني ان على الحكومة الكثير مما ينبغي القيام به لتحصين البلد من اخطار الخطاب الداعشي. واشير هنا الى عنصر واحد اراه ضروريا وعاجلا ، الا وهو التخلي عن السياسات الخشنة التي اتبعت خلال العامين الاخيرين ، واستبدالها بسياسات ملاينة للمجتمع والقوى الاجتماعية. نستذكر هنا الخطاب الرباني للرسول عليه الصلاة والسلام "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر".
في 1993 سمعت المرحوم الملك فهد يقول ان "الحكومة اقوى من كل احد في البلد وانها قادرة على سجن من تشاء وقهر من تشاء لو ارادت ، لكن هذا لا يقيم مجتمعا متعاطفا مترابطا. التفاهم والحلول اللينة هي التي تبني الاوطان". واني اجد بلادنا بحاجة الى هذه الرؤية اليوم ، اكثر من أي وقت مضى. اني ادعو حكومتنا الى تبني استراتيجية الملاينة والتفاهم واعادة استيعاب المختلفين والمخالفين ، أيا كان رأيها فيهم ، فهذا هو السبيل اليوم لسد الثغرات التي يتسلل منها اعداؤنا لضرب السلم الاهلي وخلخلة الاجماع الوطني.
الاقتصادية 22 يوليو 2014
http://www.aleqt.com/2014/07/22/article_869551.html
مقالات ذات علاقة
·         فلان المتشدد
·         ثقافة الكراهية
·         تجريم الكراهية
·         تجارة الخوف
·         في انتظار الفتنة
·         العامل السعودي
·         قبل ان نفقد الامل
·         تعـزيــز الامــل


الثلاثاء، 8 أبريل 2014

حين تكون في "الجماعة" وحين تصبح خارجها


"تنوع" ليس اول مشروع شارك فيه ياسر الغرباوي. فقبلها كان عضوا فاعلا في الجماعات الطلابية الاسلامية التي تنظم نشاطات محورها التثقيف الديني واقناع الطلبة بالتزام احكام الشريعة ، فضلا عن مصارعة التيارات الاخرى المنافسة - سياسيا او اجتماعيا - للتيار الديني الحركي. خلال هذه السنوات حصد ياسر ورفاقه مكاسب كثيرة ، كما واجهوا اخفاقات عديدة. وفي نهاية المطاف ، حين عاد للتأمل في مسيرته ، وجد انه ورفاقه لم يفعلوا شيئا سوى تكرار ما يفعله الجميع. هذا اشبه بزرع شجرة جديدة وسط الغابة او سكب سطل ماء في النهر. سأل ياسر نفسه: هل هذا هو الامل العظيم الذي راود نفسه التائقة للابداع والمشاركة في تغيير العالم؟.
هذه الاسئلة فتحت ذهنه على الخيارات البديلة ، اي الواقع المتنوع خارج "الجماعة".

حين حرر ذهنه من ذلك الاطار ، اكتشف قضايا في مصر اكثر اهمية ومشكلات اكثر حرجا ، لم تطرح ابدا وسط "الجماعة" ، ولا وردت في ادبياتهم ، ولم يعتبرها احدهم موضوعا يستحق التوقف ، مثل الفقر والفساد والطبقية والبطالة والاحباط الخ.
سأل ياسر نفسه: هل ستنتهي هذه المشكلات لو اصبح الناس اكثر تدينا؟.
لكن السؤال الذي الح على نفسه اكثر هو: اي من مشكلات البلاد يمكن لشاب مثله ان يشارك في حله؟.
في هذه المرحلة تعرف ياسر على المسألة الطائفية. رغم اقرار الدستور المصري بالحقوق المتساوية للمواطنين ، الا انه اكتشف للمرة الاولى ان الاقباط لا يعاملون – من جانب الحكومة – كمواطنين طبيعيين. ثمة تمييز مقنن ومكتوب ، وثمة تمييز متعارف عليه لكنه غير مكتوب ، يمارس ضد المواطن المسيحي فيما يتعلق بمكان عبادته وفي فرصته للمنافسة على الوظائف العامة وفي تعبيره عن رايه ومعتقده. في احدى المناسبات – يقول ياسر – قررت ان ارى كيف يعيش جيراني الاقباط. دخلت كنيسة. اخبرني القسيس انه كان قائدا لاحدى الكتائب التي اقتحمت خط بارليف في حرب اكتوبر 1973 ، بعد نهاية الحرب كوفيء جميع ضباط الفرقة التي تتبعها الكتيبة بوسام الشجاعة ونجمة اكتوبر ، عدا الضباط الاقباط وهو احدهم. حينها فهم ان كونه مصريا شجاعا لا يكفي كي يعامل مثل زملائه المسلمين. يومئذ قرر ترك الجيش والعمل قسيسا.
اسس ياسر وعدد من رفاقه مركز "تنوع" من اجل كشف واقع التمييز وفضح تجار الكراهية ، الذين يستعملون الدين لتفريق الناس وتبرير التمييز ضدهم. شارك في المركز شبان وشابات ، مسيحيون ومسلمون ، عملوا معا للتشهير بالكتاب والخطباء والشيوخ والقساوسة الذين يروجون الكراهية الدينية ، ومسؤولي الدولة الذين يمارسون التمييز الطائفي ، في الجانب القبطي والمسلم على السواء.
منذ تاسيسه قبل بضع سنوات ، انضم لمركز "تنوع" مئات من الشباب ، وتعاون معه الاف غيرهم. هذا النشاط نموذج على ان الجيل الجديد قادر على المساهمة في تغيير عالمه حين يحسن الاختيار.
الاقتصادية 8 ابريل 2014
http://www.aleqt.com/2014/04/08/article_839514.html
مقالات ذات علاقة


الثلاثاء، 4 يونيو 2013

الجمعيات الاهلية : الترخيص في غياب القانون


 (1)
فلنفترض ان عدة مواطنين شكلوا جمعية اسمها جمعية الادباء او جمعية البيئة او جمعية حماية الثروات العامة ... الخ . فهل سيعاقب هؤلاء او يجبرون على حل جمعيتهم؟.
لو طالعنا الوجه القانوني للمسالة، فهل يصح منع الناس من تشكيل تلك الجمعيات ، علما بانه لا يوجد – حسب علمي – اي نظام ينص على منعها ، او يحدد عقوبة على هذا الفعل؟.
النظام الاساسي للحكم ، اعلى قانون للبلد ، ينص صراحة في المادة 38 على انه "لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على نص شرعي، أو نص نظامي، ولا عقاب إلا على الأعمال اللاحقة للعمل بالنص النظامي". ومعنى هذا ان اي فعل لم يجر منعه بنظام صادر عن مجلس الوزراء ، فهو مباح ، ولا يجوز لاي هيئة حكومية منعه، فضلا عن معاقبة الفاعل.
(2)
الكلام السابق كله نظري ، ينطلق من فرضية صحيحة ، فحواها ان البلد يحكم بالقانون. لان القانون هو الضمان الوحيد لمنع تحكم الميول والاهواء الشخصية ، ولانه الحكم الفصل بين الناس ، الضعفاء والاقوياء ، الحكام والمحكومين.
لكن واقع الحال ينبئنا بغير ما افترضناه. فثمة اناس ارادوا تشكيل جمعية للمحامين فقيل لهم "لا بد من ترخيص" ، وثمة من اراد تشكيل جمعية للاعلاميين والكتاب ، فجوبه بجدار "لا بد من ترخيص" ، وحاول مجموعة شبان نابهين تنظيم جمعية للتوعية البيئية ، فقيل لهم "لا بد من ترخيص".
ها انا اسأل الان: ما هو النص القانوني الذي يستند اليه حراس بوابة "الترخيص"؟ . هل لدينا نظام صادر حسب الاصول ينص على منع تشكيل منظمات المجتمع المدني وجمعيات العمل التطوعي؟.
ومع العلم بعدم وجود نظام كهذا ، افلا يعتبر منع الناس من تشكيل جمعياتهم، مخالفة مباشرة لنص صريح في النظام الاساسي للحكم؟
(3)
لماذا نقول هذا الكلام؟
نقوله لان مئات من الناس يريدون فعليا المساهمة في تنمية مجتمعهم ، من خلال جمعيات للعمل التطوعي الاهلي. لكن "نظام الجمعيات الاهلية" الذي يفترض ان ينظم هذا النشاط ، لازال منذ نهاية 2010 حبيس درج ما في مجلس الوزراء ، بعدما دار اربع سنين ، بينه وبين مجلس الشورى ، حتى اقر بصيغته النهائية.
مسارعة مجلس الوزراء باصدار هذا النظام هو الحل الوحيد للخلل القانوني المتمثل في منع الناس من حق لهم ، دون سند قانوني. واذا لم يشأ المجلس اصدار النظام ، فيجب ترك الناس يقيمون جمعياتهم ، فهذا هو معنى المادة 38 من النظام الاساسي للحكم.
نطالب الناس بالتزام حدود القانون ، كما نطالب اجهزة الدولة قبل ذلك بان لا تقوم بعمل ، او تمتنع عن عمل ، ينطوي على مخالفة لاعلى نظام في البلد. هذا ما نسميه سيادة القانون.
الاقتصادية 4 يونيو 2013
مقالات ذات علاقة


"الفرج بعد الشدة"

|| ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احت...