‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحداثة كحاجة دينية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحداثة كحاجة دينية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 6 يوليو 2009

مرة اخرى : جدل الدين والحداثة


الجدل الذي رافق انتخابات الرئاسة الايرانية وما بعدها ركز الاضواء على نقاش قديم حول فرص المواءمة بين الدين والحداثة في تجلياتهما المختلفة ولا سيما السياسية منها . وصف الاستاذ مظاهر اللاجامي محاولات الباحثين في هذا الصدد بانها تلفيق ، وكتب الاستاذ في علم الاجتماع السياسي د. خالد الدخيل نقدا معمقا لكتابي "حدود الديمقراطيةالدينية" ركز على التعارض الذاتي بين الدين والديمقراطية.

انني من المؤمنين بامكانية تطوير نموذج للحداثة يستوعب الحاجات الثقافية والمادية الخاصة لكل مجتمع . توصلت الى هذه القناعة بعد سنوات من البحث والمراجعة والجدل الذي زادني – في الوقت نفسه- تفهما واحتراما لتحفظات المعترضين واسباب قلقهم . وقد عرضت شريحة واسعة من تلك الاسباب والجوانب الاشكالية في كتاب "الحداثة كحاجة دينية".

 يركز مفهوم الحداثة على دور الانسان كمصدر للقيم والمعايير والمعرفة. وهذا ينطبق على انسان المجتمعات التي ابدعت مفهوم الحداثة وتلك التي تلقته لاحقا . خلال قرن تقريبا شارك مفكرون من شتى انحاء العالم في نقد وتطوير العناصر التي يتشكل منها مفهوم الحداثة. محورية الانسان الفرد ، العقلانية ، معيارية العلم ، التعاقد والارادة الحرة كارضية لتفويض السلطة... وغير ذلك من مكونات المفهوم خضعت لنقاشات معمقة برهنت على ان الحداثة تابى – بطبيعتها – القولبة والحصر الايديولوجي .

على الطرف الاخر فان تقاليد البحث في الفكر الاسلامي تسمح بالتمييز بين القيم الاساسية للدين وبين اجتهادات المسلمين على اختلاف توجهاتهم وعصورهم . هذه المساحة هي التي سمحت دائما بوجود افهام متعددة للمبدأ الواحد واشكال متعددة من الممارسة الدينية . ثمة قيم اساسية في الدين لا يختلف عليها اثنان ، مثل العدل وكرامة الانسان والمساواة ، وثمة الى جانبها تجربة دينية تعبر فقط عن فهم مجتمع معين لتلك القيم.

نعرف بالبديهة ان فهم الانسان لفكرة ما ثم تطبيقها يتاثر بالضرورة بعوامل عديدة واحيانا متعارضة ، وبينها عوامل ذاتية مثل القدرات العلمية للفرد وتربيته العائلية ونفسيته ، وبينها عوامل اجتماعية كالثقافة العامة ومصادر المعيشة ونوعية الفرص والتحديات التي تواجه الجماعة ، ويضاف اليها طبعا المستخلصات الثقافية للتجربة التاريخية لهذه الجماعة .

من المفهوم ان نطاق وعمق تاثير هذه العوامل يختلف بين مجتمع واخر تبعا لاختلاف ظروفه الفعلية وتجربته التاريخية ، كما يختلف تلقي الافراد للفكرة نفسها تبعا لاوضاعهم الذهنية والنفسية والمادية. هذا هو المنطق الطبيعي للحياة والاشياء . ومن هنا نجد قراءات عديدة وتطبيقات متنوعة للفكرة الدينية ، تستلهم جميعا القيمة الاساسية ، لكنها تقدم تجارب متغايرة.  قد نطلق على هذا التنوع اسم الاجتهاد او تعدد القراءات او التمييز بين الثابت والمتحول ، او اي اسم شئت . لكن  الجوهري في الموضوع كله هو امكانية انتاج تجارب دينية متغايرة بين مجتمع واخر. لا اظنني بحاجة الى ادلة لاثبات هذا الادعاء لان تاريخنا والواقع الذي امامنا يكشف عن تنوع في الافهام والتطبيقات يستحيل حصره.

الرسالة النهائية لهذا التحليل هي ان افراد المسلمين والجماعة المسلمة يقومون فعلا – وهم على حق في ذلك – باعادة تشكيل حياتهم الدينية بين ظرف واخر كي تتناسب مع ثقافتهم ، حاجاتهم ، همومهم ، ظروفهم ، وتطلعاتهم ، وهذا ما اسماه هانس جورج غادامر بالافق التاريخي للفكرة.

لكل جيل حق ثابت في صوغ فهمه الخاص للفكرة الدينية وكذلك تجربته الدينية . وهذا يشمل بالتاكيد حقه في تقريب الفكرة او تطبيقاتها الى المباديء والقيم التي تبدو – في وقت معين – ضرورة للحياة ، او وسيلة للارتقاء بالحياة . بعبارة اخرى فلسنا مضطرين لسؤال اسلافنا الذين ماتوا عن امكانية التقريب بين الحداثة وقيم الدين . نحن مثلهم لدينا الحق ولدينا القدرة على الفحص والاختبار والنقد ثم الاخذ بالفكرة او تعديلها او اعادة انتاجها ضمن نسيجنا القيمي الخاص ، كما فعل الاسلاف مع الفلسفة اليونانية والفارسية والهندية وغيرها.

الاسلام والحداثة ، كلاهما يفتح الباب امام النقد والتجريب والمعالجة الهادفة الى انتاج افكار جديدة او اعادة انتاج افكار مسبقة في صيغ جديدة . وهذا هو المنطلق في القول بامكانية المواءمة بين الاسلام والحداثة وما ينتج عنهما من معايير وادوات عمل.
عكاظ 6 يوليو 2009

الاثنين، 29 ديسمبر 2008

ملاحظات هامشية: مناقشة لفكرة الحداثة الدينية


بقلم د. احمد البغدادي  
في مقاله القيّم حول "الحداثة كحاجة دينية "، قام الدكتور عبد الحميد الأنصاري بوضع الداء أو المشكلة، ولم يقدم للقارئ الدواء. والمقال في الواقع يطرح قضية مهمة جداً يحاول المسلمون تجاوزها بالإنكار أو الرفض، في حين يدعو الأخ الدكتور توفيق السيف، الكاتب الإسلامي إلى محاولة دمج الحداثة بالدين، من خلال اقتناعه بإمكانية حدوث مثل هذا التمازج بين نقيضين أو خطين متوازيين. ولكن ما يعيب المحاولة حقاً أنها لا تصمد أمام الواقع الذي يعيشه المسلمون اليوم. ربما سيكون للدعوة صدى لو أنها ظهرت في عصر المأمون العباسي، مؤسس العصر العظيم لترجمة الفكر الفلسفي اليوناني، حيث سادت العقلانية وانزوى الفكر الديني، وما ترتب على هذه الخطوة العلمية العقلانية الجبارة من تسيّد العقل الإسلامي على الساحة الفلسفية. كان من الممكن لهذه المحاولة، الدمج بين الدين والحداثة أن تنجز نسبياً لو أنها جاءت في عصر المفكر ابن رشد، بل كان من الممكن أن تتم ولو جزئياً، في عصر ما بعد استقلال الدولة العربية في منتصف الخمسينات. لكن الفكر الديني النصيّ ممثلاً بالأزهر، وأد محاولات طه حسين وعلي عبدالرازق الهشة التي وقفت عند تخوم الحداثة، ولم يُكتب لهذه المحاولة النجاح بسبب الفكر الديني.

 قبل الحديث عن إمكانية التمازج الفكري بين الدين والحداثة، لابدّ أن نعرف موقع الدين لدى الحداثة، لابدّ من مواجهة الحقيقة القائلة بأن تأسيس الحداثة ما كان له أن يقوم لولا الدعوة الصارمة لقطع العلاقة القائمة في العصر الوسيط بين الدين، ممثلاً بالكنيسة الكاثوليكية والإنسان المسيحي، إضافة إلى الدعوة للتخلص من أسر الحكم المطلق، وهو ليس بذي أهمية بالنسبة لموضوعنا الخاص بالعلاقة بين الدين والحداثة.

جوهر الحداثة المتمركز حول تخليص الإنسان من أسر الهيمنة الدينية الكاثوليكية، أصبح جوهر كل دعوة للحداثة، أو لأي مجتمع يريد الأخذ بهذه الحداثة، بغض النظر عن نوع الدين القائم، الهندوسية أو الإسلام أم البوذية، لا فرق من حيث المبدأ، ولا مجال لاستفراد الفكر الديني الإسلامي بقضية غير قائمة أصلاً في أذهان صانعي الحداثة الغربية. لقد أصبحت الحداثة ظاهرة غربية عالمية لابد من الأخذ بها إذا أراد المجتمع تحقيق التطور والتقدم الفكري والحضاري. والمجتمع المسلم ليس استثناء من القاعدة.

حين نقول إنه لا مجال للمزاوجة بين الدين الإسلامي والحداثة، لا ننطلق من موقع التشاؤم، بل من منطلق معرفة الواقع الديني القائم في العالم العربي- الإسلامي. وهو واقع رافض للحداثة من حيث المبدأ. ألا ترون تسمية "الأصالة" في مواجهة "الحداثة "، وحيث يتم تثبيت الجوهر الديني لهذه الأصالة. فالفكر الديني، وليس فقط العقيدة، يرفض الحداثة، ومن يرى ذلك محق. وإذا ما حاول البعض مثل الدكتور توفيق السيف، من السعودية السعي لتحقيق عملية المزج بين الحداثة والدين، سيصطدم ولاشك، بصلادة العقيدة الدينية والفكر الديني الذي يصنعه الفقهاء.

الحداثة، احتواء وتغييب للسلطة الدينية، في حين أن الدين مجال قائم بذاته ولذاته. كيف يمكن الجمع بين موضوعين نابذين لكل منهما؟ هذا هو المستحيل بعينه. ولذلك أعتبر مثل هذه المحاولات مضيعة للوقت وفيما لا طائل من ورائه، مع الاحترام التام لمن يدعو لهذه المحاولة، لكن لو وقفوا لحظة تفكير مع أنفسهم ومن واقع الهيمنة الدينية القائم اليوم في مجتمعنا العربي، لوجدوا أن الأمر أصعب مما يتصورون. ولابد من الاعتراف بأن هذه الموضوعات شائكة فكرياً واجتماعياً في مجتمع يكاد يحبو في ساحة الفلسفة والفكر.


جريدة الاتحاد 29 ديسمبر 2008

الأربعاء، 24 ديسمبر 2008

الحداثة كحاجة دينية


بقلم: د. عبد الحميد الأنصاري


هذا عنوان لكتاب قيّم ظهر قبل سنتين ولم يأخذ حظه من الاهتمام، للكاتب السعودي الدكتور توفيق السيف، وهو مُفكر إسلامي مُستنير له العديد من المؤلفات التي تضيء أوجه العقلانية في التراث والفكر الإسلامي، وتجتهد في تجسير الفجوة المصطنعة بين الفكرين الديني والحداثي. تذكرت هذا الكتاب صغير الحجم وعظيم الفائدة وأنا في احتفالية التنوير بالكويت، على هامش الاحتفالية العالمية لعصر التنوير الإنساني، بمناسبة مرور قرنين على انطلاق عصر "الأنوار" في العالم، تلك الأنوار التي أيقظت أوروبا من سباتها الطويل وأخرجتها من ظلمات القرون الوسطى، فانطلق العقل ليكتشف ويبدع ويخترع، ويصنع المعجزات العلمية والتقنية التي غيّرت حياة البشر، وأزالت الحواجز بين شعوب الأرض.
 د. عبدالحميد-الأنصاري
هذه الاحتفالية التي حملت عنواناً جذاباً "التنوير... إرث المستقبل" واجتذبت جمعاً حاشداً من المفكرين والمهتمين بقضايا التحديث والتنوير من الجنسين كانت أشبه بتظاهرة جماهيرية متعطشة إلى عصر التنوير الكويتي الذهبي الذي انحسر بفعل هيمنة طروحات دينية سياسية أو متشددة هادفة إلى قطع جسور التواصل مع الفكر الحداثي عبر تغذية روح الممانعة ورفع لواء المواجهة بدلاً من التفاعل العقلاني النقدي مع الفكر الحداثي. كان منظم هذه الاحتفالية، مركز الحوار للثقافة (تنوير) بالتعاون مع الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية، وهو مركز ثقافي تنويري، أسسته مجموعة من المثقفين الكويتيين المهتمين بحقوق الإنسان وحريات الفكر والتعبير وثقافة المجتمع المدني، وقد استضافوا المفكر الإسلامي الدكتور محمد أركون، صاحب المشروع الفكري الكبير المعني بإعادة قراءة التراث العربي لإبراز النزعة الإنسانية في هذا التراث العظيم، وقد صكّ أركون مصطلح "الأنسنة" لأول مرة عام 1997 فشاع وانتشر بين الباحثين. يقول أركون: "أردت لفت الانتباه إلى ضرورة إعادة التفكير في النزعة الإنسانية الدينية المشتقة من الانتروبولوجيا الروحانية القرآنية"، ويقصد بمصطلح الانتربولوجيا القرآنية "الصورة السائدة عن الإنسان في القرآن، وهي صورة رفيعة مليئة بالقيم الروحية، لكنها لم تكن وحدها السائدة في العصر الكلاسيكي، وإنما انضافت إليها صورة أخرى عن الإنسان نفسه مشتقة من التراث الفلسفي اليوناني والتجارب الثقافية الدينية الخاصة بالهنود والمانوية والزرادشتية وغيرها من تيارات ثقافية متفاعلة (طبقاً لهاشم صالح).
لقد أسِر أركون الحضور بحديثه عن عصر الأنوار، وكيف كان عالم القرون الوسطى في أوروبا. "كان عالماً قلقاً مخيفاً، ينبغي أن نذهب إلى أفغانستان أو بلاد "الطالبان" لكي نفهم ذلك، كان الحزن القائم يغلّف المناخ العام للأشياء بغلالة السواد، والناس كانوا ينتظرون نهاية العالم بين يوم وليلة! ولذلك كانوا ينوحون ويبكون ويتحسرون على ما فات، يخشون لقاء ربهم في الدار الآخرة، وكانوا يعتبرون الفرح حالة غير طبيعية" (هاشم صالح في مقالته عن مارتن لوثر). ما هو التنوير؟ هو الاستخدام الحر للعقل واسترداد الإنسان لنوره الخاص، والخروج الشجاع من آلية إشراف الغير إلى إشراق الذات، من آلية الطائفة والمذهب والحزب والمرجعيات (كلمة وزيرة الثقافة البحرينية (الشيخة مي آل خليفة). إنّ هدف التنوير الأسمى كما يقول أركون، هو منح العقل البشري جميع الحمايات والأسباب التي تمكنه من مواصلة الإنتاج المعرفي والثقافي لنفع الإنسانية جمعاء، لا أمة معينة.
وقال: إن الوظيفة الأولى للعقل، هي نقد العقل نفسه فإذا تخلى عنها وتورط في تأييد مواقف أيديولوجية، اعتبر فاشلاً، وأضاف أن هذه النقطة هي المأزق الذي يُعاني منه الفكر العربي. حلّق أركون بالحضور وطاف بهم شرقاً وغرباً، لكن أهم ما أضافه هو مقارنته بين المسيرتين: الإسلامية والأوروبية، فمع سبق المسلمين في الاعتماد على العقلانية في إنتاج معارف علمية دعمت الإيمان الديني وأعطت الوسائل اللازمة للتفاعل مع العقل الفلسفي والذي أثمر كماً معرفياً هائلاً على امتداد القرون الستة الهجرية الأولى، فإن هذه المسيرة توقفت بسبب التدخل السياسي للسلطة في الفكر الإسلامي، وكان كتاب "فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة" للغزالي، إيذاناً بأفول عصر التنوير الإسلامي لتبدأ أوروبا التي كانت غارقة في ظلمات القرون الوسطى حمل راية "التنوير" ومواصلة المسيرة بدون انقطاع إلى يومنا هذا.
كانت لي مداخلة وضّحتُ فيها أن "العامل السياسي" لا يكفي وحده في تفسير انقطاع التنوير الإسلامي، هناك عوامل عديدة، وأتصور أن "العامل الاجتماعي" وأعني به حجب المرأة وعزلها عن مجريات الحياة العامة وفرض الوصاية عليها، هو العامل الأهم في انحسار الفكر التنويري وتدهور حضارة المسلمين. أركون وخلافاً لبعض الظنون في أنه يجترئ على المقدسات، هو من أكثر المفكرين الذين لا يرون "الحداثة" بمعزل عن القيم الدينية، بل ينعى على التنوير الأوروبي في مرحلته الثالثة، أي بعد الحرب الثانية والمرحلة الاستعمارية، تنكره لقيم الأنوار تحت تأثير ما سماه "المخيال الاجتماعي".
وعودة إلى كتاب الدكتور توفيق السيف فإن المؤلف معني بوصل ما انقطع في مسيرة الفكر الإسلامي التنويري، وهو يطرح في الكتاب تساؤلات مهمة، كانت مطروحة بين الحضور في الاحتفالية مثل: هل يمكن لأمة أن تصل إلى الحضارة بدون الدين؟ وإذا كان "التراث الإسلامي" كائنا حيا يعيش فينا ونعيش فيه، ولا فكاك منه، بحسب تعبير أحمد البغدادي، فما مقدار التراث الذي يُشكل حاجة حقيقية لمسلم العصر؟ هذه التساؤلات تأتي على خلفية إشكالية العلاقة بين النهضة والدين والتراث والحداثة، فهُناك من يرى أن شرط النهضة والحداثة، التخلي عن الدين والتراث، بينما يرى آخرون أن الطريق الوحيد للنهضة هو الدين والتمسك بالتراث. يقول الكاتب: إن هذا الربط فيه تكلّف، إذ يمكن لأمة أن تصل إلى الحضارة والتحديث بدون الدين كما حصل في أزمان سابقة وفي زماننا، كما يمكن لأمة أن تحافظ على دينها وتراثها سواء تحضرت أو لم تتحضر، المشكلة الحقيقية عند الكاتب هي قابلية نمط معين من الفهم الديني لإعاقة النهوض الحضاري، ويؤكد: يمكننا إثبات أن نمط التدين السائد في عالمنا الإسلامي اليوم معيق للنهضة والحداثة، لكن هذا التدين مُلتبس بالعادات والتقاليد والتجربة التاريخية بأكثر من انتسابه إلى الوحي، وهذا ما يحاول الكتاب تفكيكه وهو ما ينبغي على الإسلاميين التنويريين العمل على فرزه وتوضيحه.
"الحداثة" ليست مجرد تقدم تقني بل هي أيضاً "نظام قيمي" ونحن بحاجة إلى الأمرين وإذا كان "الدين" بحاجة إلى "الحداثة" لتجديده فإن في تجديد الإسلام، تجديداً لحياة المسلمين وتحويله من مجرد "هوية: مختلفة إلى فاعل في تطوير حياة البشرية كلها.
  جريدة "الاتحاد" الإماراتية
 2008/12/24

الأربعاء، 2 أبريل 2008

الشيعة والسنة والفلسفة وتزويق الكلام: رد على د. قاسم



؛؛ امكانية الربط بين الدين والعلم والمدنية، لا تلغي حقيقة انها عوالم مختلفة ، مستقلة في طبيعتها وموضوعاتها وعلاقتها بالانسان؛؛
ظننت أن دعوى التمييز بين الدين والعلم قد اتضحت في المقالات السابقة. وقد عرضت بعض الامثلة الدالة على ان التمايز بين العلم والدين من حيث الطبيعة والوظيفة، هو منطق الاشياء. لكن زميلي د. عبد العزيز قاسم رآها جميعا غريبة عن الموضوع، عدا كلمات قليلة (عكاظ 20-3-2008). على اي حال فاني اعتذر سلفا للقراء الاعزاء عن اضاعة وقتهم في الكلام المكرر. 

بدأ الزميل قاسم مقالته بالاشارة الى الفارق بين التعليم الديني عند الشيعة والسنة، وهي اشارة لا محل لها من الموضوع اصلا. هذا نقاش عقلي بحت في موضوع علمي بحت، لا ينظر لدين الكاتب او مذهبه او دراسته. كل من الزميل قاسم وهذا الكاتب طالب علم يسعى بما فتح الله عليه، وقد يخطيء او يصيب، مهما كان مذهبه او دينه. ثم اني وجدت نهاية الفقرة مسيئة حين حصر فائدة العلوم العقلية كالفلسفة والمنطق في "تزويق الفكرة وتحسين واجهتها". غرض الفلسفة والمنطق ياعزيزي هو تنظيم التفكير والبحث والاستدلال وليس تجميل الكلام او تزويقه.


نعود الى جوهر الموضوع وهو التمييز بين الدين والعلم. وابدأ بتعريف اطراف الفكرة. فالدين في الاصطلاح هو تسليم الانسان للخالق سبحانه في اوامره ونواهيه، عرف علتها او جهلها، طمعا في رضى الله وغفرانه، لا خوفا من سلطان ولا طمعا في مكافأته. طريق الانسان الى الدين هو الوحي. وهو ابدي، ثابت، وملزم للجميع بذاته ومن دون الحاجة الى دليل من خارجه.


أما العلم فعرف بانه جهد منظم يبذله الانسان لفهم العالم المحيط به وما فيه من بشر واشياء، طبيعتها وكيف تعمل والعلاقة بينها، وتاريخها، وكيف تتطور، بهدف اتقائها او استثمارها او التحكم في حركتها. يصل الانسان الى العلم بالادلة المادية الناتجة عن الفحص والمراقبة والاختبار. العلم مؤقت وقابل للنقد والتعديل والتبديل، ويفتقر الى الالزام الذاتي على أي مستوى.


على صعيد آخر، احتج د. قاسم على دعوة هذا الكاتب للمزج بين الدين والمدنية (او الحضارة)، ورآها متناقضة مع دعوى التمايز بين الدين والعلم. وقال ان المدنية نتاج للعلم فكيف تقام على اساس الدين وينفصل العلم عن الدين. واجدني مضطرا الى عرض تعريف المدنية ايضا لبيان الفارق بينها وبين العنصرين السابقين. واعتمد هنا التعريف الذي يساوي بين المدنية والحضارة (وهناك تعريفات تميز بينهما). عرفت المدنية بانها جملة منظومية من الرؤى والمعايير والسلوكيات وقوانين العمل، موضوعها هو النشاط الجمعي في مجالات الثقافة والعلوم والاقتصاد والسياسة، وتمثل مرحلة راقية في تطور المجتمع الانساني.
تقوم خيمة المدنية على عمودين متساندين: أ- علم يكشف الطبيعة ومواردها، لان المدنية تحتاج الى مقومات مادية لا سبيل الى ادراكها إلا بالعلم. ب-روحية النهضة وارادة التقدم.واشرت في كتابي "الحداثة كحاجة دينية" الى ان روحية النهوض لا يمكن استيرادها، بل يجب استنباطها من ثقافة المجتمع وهويته، سواء كانت تاريخية او حديثة التشكل. الدين هو المكون الرئيس لثقافة المجتمعات المسلمة وهويتها. ولهذا فان تحديث الثقافة الاسلامية سوف يساعد جوهريا على النهوض الحضاري. واني ازعم ان تحديد الخط الفاصل بين وظيفتي العلم والدين شرط ضروري لتحديث واحياء الثقافة الاسلامية وخلق روحية النهوض. 


الحضارة اذن هي وصف لنمط خاص في العمل الجمعي. ويتفق المسلمون على ان المدنية في ارقى صورها، هي تلك التي تجمع بين الاخلاقيات الدينية وتعاليم الوحي كاساس للعلاقات بين الناس، وبين المعايير العلمية كاساس لاتخاذ القرار والتعامل مع الطبيعة.
يظهر إذن أن وجود امكانية للربط بين العناصر الثلاثة، الدين والعلم والمدنية، لا يلغي حقيقة ان كلا منها يمثل عالما قائما بذاته في طبيعته وموضوعات اشتغاله ووظائفه وعلاقته بالانسان.
الأربعاء 25/03/1429هـ 02/ أبريل/2008  العدد : 2481
http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20080402/Con20080402185024.htm

السبت، 24 فبراير 2007

الحداثة باعتبارها حاجة دينيّة وواجباً أخلاقياً "عرض لكتاب الحداثة كحاجة دينية"



بقلم  علي ال طالب
ليس ثمّة أدنى شكّ بأن الأبحاث والدراسات التي جعلت من الثنائيّات «حقيقة المعرفة ومعرفة الحقيقة / الثابت والمتحوّل / الدين وفهم الدين... أغلبها – إن لم يكن كلها – ترنو إلى أهداف تقترب من الواقع كنظام حياة وتطوّر بغض النظر عن ماهوياتها الأيديولوجية والنظامية، والدكتور توفيق السيّف من خلال هذا الكتاب «الحداثة كحاجة دينية» «الدار العربية للعلوم، ناشرون، مركز آفاق للدراسات والأبحاث، 2006»، أراد أن يجعل من الإنسان محوراً مهماً في عملية البحث عن نظم التقدم وفق معايير مدروسة تنتظم وحداثات الواقع «اللحظي» من دون أن يغيب عن ذهنه مدى تجاذب العلاقة بين «النص وفهم النص» وبين «الدين وفهم الدين» أو بين الإسلام والعلمانيّة أو العولمة والهوية... أو أن تهرب منه العادات والتقاليد والتطوّر الاجتماعي بين الأمس واليوم، وبين الأصيل والحديث. إذ يدفع الأمور باتجاه صياغة جديدة تتغذّى على الواقع المتغيّر وتضع الإنسان وعقله ووجدانه في محور مهمّ من هذه العملية الإنتاجية، وكما يبدو هذا هو الرهان المرجو من الباحث والكاتب.

ومن اللافت اعتماده على توصيل الأفكار بطريقة سهلة وطيّعة فضلاً عن الأسلوب الحواري الذي أضفى حالة من التشويق والتجاذب، عبر ضخّ أكبر كمية من الأسئلة التي اقتضت صناعة حوار بين اثنين «الكاتب وصاحبه» في عملية أشبه ما تُوصف بالماراثون الفكري، وهو بذلك يعكس حالة المونولوج بينه وبين ذاته، وبينه والواقع من جهة أخرى.

«أقول إنها مرافعة وليست بحثاً علمياً، فهي سلسلة من التساؤلات يتلو كل منها ما يشبه الجواب، لكنه جواب موقت، إذ لا يلبث أن يثير سؤالاً آخر يتلوه جواب أوّلي وهكذا. فالغرض إذن ليس تقديم أجوبة نهائية»ّ هكذا جاءت صناعة الأفكار وتسلسلها الدرامي عبر المثير من التساؤلات حتى لو لم يكن ثمّة نهاية جلية جراء هذا العصف الذهني الهائل والتي دار رحاها حول محور الثنائية «التقدم والتخلّف» وهو سؤال تصدّر مقدمة الكتاب «كيف ينهض المسلمون من سباتهم المزمن، وكيف يعودون إلى قطار الحضارة بعدما نزلوا أو أُنزلوا منه»؟ وعلى رغم نزعة السؤال التقليدية إلا أن تدافع الإجابات تلو الأخرى أكسب هذه المرافعة – بحسب قوله – حالة بعث جديدة للتراكم الفكري ازاء اجابات متعددة الجوانب والأبعاد ساهم في شكل أو آخر في سدّ مناطق الفراغ اثر التصدّع المستمر والمتلاحق في جدار الأمّة الإسلامية والعربية.

لقد صرف الذين كتبوا أو تحدثوا في هذه المسألة جل جهدهم لعلاج هاتين الإشكاليتين: دور الدين في النهوض الحضاري، والعلاقة مع الغرب... إذ يحدد السيّف، مدى تجاذب العلاقة بين الدين والنهضة من جهة، والارتباك بالقوة والاستطاعة من جهة أخرى، وهذا ما يظل محل جدل في الأوساط الفكرية ما برح المفكرون يجترّونه مع كل الحوادث الواقعة المتولدة عن تلاحق الواقع باطراد، ويبقى الجدل سارٍ حتى يتمكن المسلمون من لحاق قطار التطوّر والنهضة.

وعلى رغم الجهد المبذول في هذا الصدد سواء من جانب الباحثين الغرب أو من الإسلاميين، فإنها «لم تنجح في تقديم حل عملي لمشكلة النهضة في العالم الثالث، كما لم تنجح في تقديم اطار قابل للتفعيل للعلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي» نظراً لاختلاف المنطلقات والأهداف ما بين الجهتين إلا أن ذلك لا يلغي مدى حاجة أحدهما للآخر، فالغرب لا يخفي براغماتيته من خلال هذه العلاقة، كما أن المسلمين تحكمهم الايديولوجيا التي تدفع باتجاه «الإصرار على فكرة الأصالة لم يؤد أبداً إلى توضيح طبيعتها أو مكانها من مشروع النهضة على رغم الجهد الذي بذله كثيرون في هذا السبيل. بل انّ التأكيد على هذا المعنى تحوّل فعلياً إلى إعادة إنتاج فكرة الأصالة في معنى المحافظة على التقاليد والبحث عن حلول لمشكلات العصر في التراث، بدل أن تخدم – كما هو مفترض – معنى المعاصرة، أي إنتاج الفكر والثقافة الإسلامية وفق حاجات العصر وحقائقه وما استجد فيه».

إذ يُثير الكاتب مدى الحاجة الحقيقية إلى هذا التراث، فالمسلمون لديهم خصوصية في علاقتهم بتراثهم مغايرة لما هو عليه سائر الأمم مع تراثها، حيث يظل المسلمون على صلة وثيقة به – والكلام للدكتور السيّف – على رغم ان معظمه قد مات بشخوصه ورموزه وأسئلته والأجوبة التي يقدّمها. «ولقد أصبحنا بسبب هذه العلاقة المعقدة مع التراث مثل حرّاس المتاحف أو المقابر الذين يعتمدون في معيشتهم على مرافقة الأموات أو تركه الأموات من متاع».

  الدين والنهضة
بهذا الاتساق أسس لمعايير جلية ترمي لإحداث الفرق بين «الدين والتراث» إلا أنه لم يكن داعياً للفصل بينهما بقدر ما كان يدفع باتجاه التراث الجيّد بحسب تعبيره وهو «التراث الذي نسخّره وليس الذي يسخّرنا، التراث الجيد هو المعلم الذي يساعدنا على تجاوزه وليس الذي يبقينا أسرى لحدوده» وبذلك جعل من هذا التلازم المقنن بين الدين والتراث منطلقاً إلى علاقة تمتاز بالديناميكية وهي علاقة الدين والنهضة، والجدل الدائر في أيهما يقود الآخر!؟ وبصياغة أخرى: أيهما يسبق الآخر!؟ فمعظم الأبحاث والدراسات التي تناولت سؤال النهضة والتقدّم في شكل مباشر كان محورها مدى التجاذب أو التنافر بينهما، فإن كان الدكتور محمد أركون قد انطلق من السؤال عن امكان انسجام الإسلام والحداثة أو تطوير العالم الإسلامي لحداثة خاصة به سؤالاً مشروعاً وممكناً إلا أن الدكتور السيّف يقف موقفاً مختلفاً، إذ يعتقد بأن الربط بين الدين والنهضة فيه تكلّف غير مستساغ. ويرى بأنه لا رابط موضوعياً بين الاثنين، مع الاعتبار بماهوية مفهوم الحداثة «النهضة» ما بين الطرفين.

ومن هذه الناشئة يؤسّس الدكتور السيّف من خلالها بألاّ ضرورة مع قيام الحضارة بتلازمها مع الدين وأن واقع الحياة يثبت ذلك، هذا لا يعني بأن الدين بصيغه الأصلية قد فشل طيلة التجارب التاريخية في عملية النهوض الحضاري بقدر ما يكون المقصد الفهم المتغاير لهذا الدين، بكلام آخر انّ التديّن السائد في العالم الإسلامي اليوم هو المسؤول عن إعاقة طريق النهضة، التديّن الذي ينتسب إلى العادات والتقاليد والتجارب التاريخية أكثر منه إلى الوحي. ومن هنا انطلق المؤلف ليؤسّس بذلك لمرافعة تضع الملامح الأولية لعملية الفصل بين الدين والثقافة، بين الدين والتراث، بين الأحياء والأموات، إذ لا رهان على الماضي بالواقع المتغيّر، ولا حاكمية للتراث بغثه وسمينه على الواقع المتلاحق وتقرير حق المصير الإنساني من الحضارة والحداثة والنهضة المعاصرة.

يحتوي الكتاب على مقدمة يليها أربعة فصول، الفصل الأول بعنوان «الدين والذات»، والفصل الثاني عنوانه «الإسلام والنهضة: السؤال الخطأ»، أما الفصل الثالث فقد جاء عنوانه «البداية: نقد الذات»، والفصل الرابع والأخير بعنوان «سؤال الحداثة» ليكون بمثابة الخاتمة.

بدأ المؤلف حواره مع صاحبه بسؤال تقليدي دارج: هل هنالك علاقة بين حال المسلمين الراهن وبين إسلامهم!؟ ليستدعي بهذا التساؤل ثنائية الإسلام والحداثة، ومدى ارتباط هذه الأخيرة بالغرب، إذن، كيف نتّصل كمسلمين بقوّة التطوّر المتوافرة لدى الغرب من دون أن نفقد القيمة الروحية والنظام الحياتي الكريم، كل ذلك وفق متطلبات تحكيم الإسلام في كافة الشؤون الحياتية المختلفة بدلاً من أن يكون في مستودع محدّد تحكمه تأويلات امتلاك الحقيقة المطلقة!.

هذا التساؤل كان وليد شعور المسلمين بالفارق الهائل بينهم وبين الغرب على كافة المجالات العلمية والمدنية هذا ما قاله صاحبه في تجاذب ساحر مع الفكرة التي يؤسّس إليها المؤلف، ولعلّ ذلك يتضح في رؤيته تجاه الأسباب التي تقدم من خلالها الغرب على سائر الأمم، فهو للتو – في فترة بزوغ العلمانية – يطلق كافة قوى التقدم والتي أثمرت عن إقامة المدنية الغربية الحاضرة، وهذه النظرة ما فتئ منظّرو التنمية في الغرب يرونها كضرورة إذا ما أراد الإنسان – بالمفهوم الشامل – تحقيق التقدم والأخذ بأسباب الحداثة والتطوّر!. وقد يكون أبرز مَن كتب في مثل هذه الرؤية المنظّران الأميركيان بيتر بيرجر و هارفي كوكس اللذين يُعتبران من الآباء الروحيون لمقولة سيادة العلمانية ولو أنهما استدركا في الأخير عدم دقة هذه الأطروحة وقد كتب بيرجر بعدها «إن العالم ما زال متديناً».
وتأتي المناقشة بينه وبين صاحبه على مناطق أكثر عمقاً من سابقتها نتيجة التطارح الاستفهامي المكثف لتتوالد التساؤلات تلو الأخرى وفق تسلسل منطقي إضافة للغة السهلة والطيعة التي اعتمدها المؤلف بصورة جاذبة وأنيقة، واللافت في الأمر عدم انتصاره لطرف دون الآخر، بل هو وصاحبه يلعبان دوراً تكاملياً عبر تنادي منسجم وفي شكل انسيابي، ولو أمعنا النظر فقد تختفي لدينا هوية المتحاورين حين التعمّق في القراءة ليقودنا بقوة إلى ما يريده الكاتب بكل سلاسة، وأراني ضحية هذا الأسلوب المتميّز.

  الاعتراف بالتخلف
وتتدحرج الأفكار لتصل بالمؤلف لأن يدفع باتجاه الاعتراف بحجم التخلف الذي يعيشه المسلمون والذي لا يمكن التخلص منه دفعة واحدة، وبالقناعة بأننا متخلفون! مما يحفزنا لعقد الصلة مع الواقع ومحاولة فرز كوامن القوة من الضعف معززين بالتالي دور الحوار مع الذات، فـ «المناقشة العلمية هي السبيل الوحيد للاقتراب من الحقيقة، وهي الوسيلة الوحيدة لاكتشاف دواء لعلتنا الكبرى، أعني التخلف عن قطار المدنية الذي انضمت إليه أكثر أمم الأرض وبقينا وحدنا من دونهم، لا راضين بما نحن فيه ولا عازمين على الخلاص منه». ليتصدّر قائمة المناقشة السؤال الحرج: هل الإسلام مسؤول عن تخلفنا أم لا...؟ وإن لم يكن مسؤولاً... فمَن هو المسؤول إذن!؟

وأعتقد بأن صاحبه الذي يحاوره أبرأ ساحة الإسلام من مسؤولية التخلّف حين دعا إلى التجديد معززاً ذلك برواية تنسب إلى النبي الأكرم «صلّى الله عليه وسلّم» حيث قال: «إن الله يبعث لهذه الأمّة على رأس كل مئة سنة، مَن يجدّد لها دينها». فلا غرو من إذكاء عنوان التجديد والمتكرر على مرّ العصور وليس في ذلك جدة بتاتاً؛ إنما كان الغرض الإشارة إلى لازمة الارتباط ما بين التجديد والأشخاص على مرّ العصور الماضية، حيث من النادر تناوله حسب علاقته بالزمن، «فموضوع التجديد وعلاقته بالزمن لم تطرق إلا لماماً وبصورة سطحية إلى حد كبير، بينما تركز الجدل حول الأشخاص الذين يدعى انطباق صفة المجدّد عليهم والعمل الذي أوجب لهم هذا الاعتبار» ولربما الظرف التاريخي ساهم في شكل أو آخر في تسليط الضوء على الشخوص مما أدّى إلى انصرافهم عن الموضوعات وإخراجها عن اطارها الواقعي، والإسلام لم يخرج يوماً من نفوس المسلمين بقدر ما كان قد فَقَدَ جذوته الاجتماعية عندهم حتى أصبح الدين شأناً فردياً مقتصراً على العبادات والنظم الأخلاقية الشخصية، وبالتأكيد مثل هذا النمط من الدّين لا ينفع به أن يكون مصدر فاعلية مع الواقع ومتغيّراته الحياتيّة، فهو بهذا الحد أدنى من أن يساهم في دفع عجلة التطوّر المدني، لأن دعوات التجديد وبحسب التجربة التاريخية كانت مرتكزة على إصلاح العقيدة أو العبادات بدعوى أنها جوهر الدين، لكن التجديد – والكلام للمؤلف – في هذه الجوانب حتى لو قبلنا بالحاجة إليه لا يغيّر شيئاً في الجانب الحرج من حال المسلمين اليوم، أعني تخلفهم في الاقتصاد والعلم والسياسة وغير ذلك من جوانب الحياة الحديثة.

واستطراداً للحديث المتعلقة بالفاصلة ما بين الدين والفهم البشري إليه، أفرد الكاتب عنواناً فرعياً يتعلق بهذا الأمر «ما لحق بالإسلام من مفاهيم وتقاليد خلال التأريخ» حتى أصبحت هذه المفاهيم والتقاليد تتماهى إلى حد كبير مع الأصول الدينية، هذا إن لم يعتبرها الخاصة من الناس قبل العامة بأنها هي الدين ولا مناص من التنصّل منها في الوقت الذي تثبت سيرورة التأريخ بأن ثمّة ما ألحق بالدين وهو لا يرقى إلى قداسته، وبالضرورة بأن الثقافة التي يحملها المسلمون – اليوم – ليست على طرفي نقيض مع المعتقدات الدينية، وتجدر الإشارة إلى كيفية التعاطي معها من قِبَل الأمانة العامة من الناس على وجه التحديد، إذ لا تمايز بين أهل العلم وبينهم بقدر ما هي المسؤولية وتحمّل عبئها، فصلاح العامة مقرون بصلاح الخاصة إلا أن رباط العلاقة يظل براغماتياً حسب مقتضى الحال ومسارات الحياة، فـ «حقيقة الأمر أن المثقفين والعامة متواطئون على مواصلة هذا الطريق بعضهم لأنه يصعد في مسارات الحياة فهو صاحب مصلحة في بقاء الحال السائد، وبعضهم لأنه لا يحتمل الأعباء النفسية والاجتماعية للتغيير، فهو الآخر صاحب مصلحة في الحيلولة دون تغيير يؤدي إلى المشاكل أو يوقعه في مواقع الأذى» بالتالي نحن أمام أزمة خطاب ذاتيّة، فلسنا على وفاق اجتماعي يساهم في تصالحنا مع فهم الدين ولسنا على استعداد لذلك أيضاً طالما بقي الفهم مرهوناً بالماضي.

وقد استشهد الكاتب بشواهد حيّة وردت في تقارير فهمي هويدي أثناء رحلته إلى افغانستان في فترة حكومة طالبان ساهمت بقدر كبير في توضيح ما كان يرمي إليه في العنوان الفرعي المذكور آنفاً، حيث تطرّق إلى نظرة الثقافة الإنسانية للمرأة عن طريق بلدين متجاورين، ففي بلاد افغانستان كان المسلمون يحرِّمون على المرأة الخروج للعمل مطلقاً يعللون ذلك استناداً للآية الكريمة: «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ» بينما يقبل جيرانهم في ايران بأن تتأبط المرأة مكانة مرموقة في مهام العمل، فتصبح قاضية ووزيرة ونائبة للرئيس ومستشارة استناداً للآية المباركة: «وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاُت بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ». فالذي جعل أولئك مختلفين عن هؤلاء، ليس الإسلام في صيغته النظرية المجرّدة، بل الفهم الحاصل من تفاعل المسبقات الثقافية التي يحملها كل منهم مع الصيغة النظرية للإسلام.

ثم انطلق المؤلف من خلال عنوان فرعي على صيغة سؤال «كيف تتحوّل الرغبات إلى مسلّمات مقيّدة للعقل» من أجل عقد صلة البحث المتعلق بثنائية «النص وفهم النص» «الدين والمعرفة الدينية» فهو بهذا السؤال يسلّط الضوء باتجاه مدى تأثر المعرفة «الدينية / فهم النصّ / التفكير...» بالواقع المتغيّر، بمعنى آخر أن التخلّف الذي يضرب المجتمع الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه هو نتاج انفصال معرفتنا الدينية – الحديث للمؤلف – عن عصرنا؟... ولماذا غفل معظم الناس عن الحاجة إلى إصلاح ثقافتهم وبالتالي تجديد حياتهم بما فيها الجانب الديني؟

يراهن الدكتور السيّف من خلال هذه التساؤلات على قـدرة العقـل المتـحرّر من قيود الرغبات على كشـف الحقيـقـة، وتشخيـص أماكـن الداء العـضال في الأمّة، متى ما أدرك هذا الإنـسان من إحداث عملية التوازن ما بين الذات والعقل، هذا التماهـي لا بـد له من التعـامـل معـه بحـذر ليتمكن هذا العقل من الانـفـكاك من قيود الذات والتي قـد تـصل بالإنسان إلى مرحلة من الرضا الكاذب على النفــس، فهذه قدرة عجيبة تستفرد بها الــذات لتمرير ما يخـدع العين فإذا بالمسلمات الحياتية والأعراف والتقاليد تكون في مصاف الثوابت الراسخة وبالتالي تتـعاظم الأنا العليا ليصل الأمر إلى حد لا يستطيع هذا الكائن أن يجد عيباً في ذاته عنـدها تـتـحوّل هذه القناعة الداخلية إلى دين خاص يعيش في داخله ويجده مكتملاً في نموه، من هنا يكون التفكير وتجلياته خارج نـطاق التغطية بالنسبـة لرحـلة البحـث عـن الحقـيقـة وسبل التقـدم والتـطور.
و«المشكلة إذن ليست في مجرد الانفصال بين مسار الذات ومسار الدين، بل في احتلال أحدهما المساحة الخاصة بالمسار الآخر الذي في أنفسنا هو ما أردناه أن يكون. لقد انتـخبـنا منـه ما ينـاسبـنـا ومـا ينسجم مع التقاليد والأعراف والتوازنـات التي نريد العـيـش في ظلها، وصنـعـنا من هذا الخليـط صـورة هي أقـرب ما تكون إلى صورتــنا، ثم أحطنــاها بهـالة من الافتراضات والاعتبارات حتى تحوّلت إلى صنـدوق مغـلق يحـوي بعـض الحـقـيـقـة وبعـض الوهم وكثـيـراً من الرغبة».
على هذا لا يجد الكاتب بأن عقل الإنسان على قدرة كافية لنقد ذاته!، ويعزى السبب إلى وقت إطلاق عنان التفكير تجاه ذاته فإنه في الحقيقة يدور حولها كما الفراشة التي تدور حول شعلة نور لتنصرف بالانشغال بهالة النور عن مصدره، والكاتب يجد في هالة الضوء هي بمثابة الحجاب عن بلوغ الحقيقة، كما الثقافة الحياتية التي يحملها الإنسان فتصبح كما الحجاب الذي يحول بين عقله ومكنون ذاته. ولو جاء النعت لهذه الذات بالمتخلّفة فإن العقل بالتالي يكون عاجزاً عن رؤية التخلّف، ولو نعتناها بالمتقدّمة يصبح العقل أيضاً غير قادر على التمييز بينها وبين الغير!.

ثم يعلّق صاحبه على استنتاجاته بتساؤل جديد حيث يقول: لو لم يكن عقل الإنسان قادراً على نقد ذاته لما كان قادراً على التطوّر أصلاً، ليضعنا الكاتب في موجة عارمة من العصف الذهني الهائل والتي ليس غرضها هو الإجابة فحسب بقدر ما يكون الهدف خلق دافعيّة محفزة لانطلاقة التفكير بكل قوة حيال مقاصد التطوّر والنهضة، ولا فصل ما بين عقل الفرد وعقل الجماعة في هذا المقام إن لم يكن هو مرآة للآخر، ولا يخفى عليكم بأن عقل الإنسان لا يعمل من فراغ ولا يشتغل من دون مقدمات ورضيات وتراكم معرفي ضخم، وهذا ما تسالم عليه الكاتب وفكرة المفكر مالك بن نبي حين قال: «إن عقل الفرد – حين يفكر وينظر – ليس عقلاً فردياً بل هو عقل الجماعة الذي اتخذ له موضعاً في رأس فرد معين، فجعل شخصيته وسلوكه العفوي وردود فعله، نموذجاً لما يناظرها عند كل فرد آخر في نفس الجماعة».

وبالتالي تتكوّن العادات والتقاليد برؤية جماعية لتصبح ديناً دونما شعور، ونصاً ثابتاً دون أدنى مناقشة، فيتم تكيّف التديّن للفرد والجماعة بما لا يتناقض والمسلمات الاجتماعية والتي إما أن تكون صنيعة المجتمع نفسه أو أفكاراً تتبناها في لحظة من لحظات ما، ومثل هذا القول يقترب إلى حد ما مع فكرة «الدين المدني» والتي ابتكرها جان جاك روسو، وفكرة «الدين» التي ناقشها اميل دوركهايم، مع الاعتبار للفارق الجوهري ما بين الفكرتين، فروسو فكرته معززة للفرد، بينما دوركهايم متعلقة بالجماعة على رغم كونها تكليفاً للفرد في الوقت نفسه.
صحيفة الحياة اللندنيّة
 24/02/2007م

المساواة بين الخلق ... المساواة في ماذا ؟

هذا المقال موجه لأولئك الذين يعارضون المساواة بين المواطنين ، والمساواة بين الرجال والنساء. وهو يستهدف توضيح موضوع النقاش وتفصيح اسئلته. ...