الأحد، 1 يناير 2012

البعد الاقليمي للمسألة الشيعية في المملكة

(هذا هو الفصل الثالث من كتاب ان تكون شيعيا في السعودية   وهو منشور بالكامل على هذه المدونة)
يناقش هذا الفصل البعد الخارجي كمؤثر على العلاقة بين الشيعة السعوديين وحكومتهم ، مع التركيز على علاقة المواطنين الشيعة بمراجع دين خارج الحدود وتاثير النهوض الشيعي في المنطقة. تعتبر الحكومة السعودية نفسها حامي حمى الاسلام التقليدي، وينظر اليها في الخارج كمركز للاسلام "السني" المواجه – سياسيا ودينيا – للاسلام "الشيعي" الذي تتزعمه ايران. ومنذ 1979 كان هذا المنظور محركا بارزا للكثير من سياسات المملكة على المستويين الداخلي والخارجي.

عندما يتعلق الامر بالموقف من ايران ، تتوقع الحكومة ان يقف مواطنوها الشيعة الى صفها. بينما يرى الشيعة ان الحكومة ذهبت بعيدا في توقعاتها ، ولا سيما حين اعتبرت "التعاطف" مع الثورة الاسلامية موقفا سياسيا مضادا لها ، وحين خلطت بين الموقف السياسي والتعاطف الروحي. على اي حال فان هذا العامل يؤثر بوضوح على العلاقة بين الحكومة ومواطنيها ، الامر الذي يستدعي مناقشة صريحة لتوضيح جوهر المشكلة. غرض النقاش هو تفصيح الاشكاليات وتحديد حجمها وليس بالضرورة الحكم عليها.
***

علاقة يسودها الارتياب

خلال السنوات الخمس الماضية التقيت بعشرات من الصحفيين والباحثين الاجانب الذين زاروا المنطقة. ووجدت معظمهم يحمل السؤال نفسه: الى اي مدى يمكن للحكومة الايرانية ان "تستعمل" الشيعة في صراع محتمل مع الحكومة السعودية او مع الولايات المتحدة الامريكية[1]؟.
 هذا السؤال عينه كان يتردد بين رجال الدولة السعودية ، والكثير من رجال النخبة. الفارق بين خلفية سؤال الصحافي الاجنبي وسؤال السياسي السعودي هو فهم كل من الطرفين لطبيعة العلاقة المحتملة بين الشيعة من جهة وبين الحكومة الايرانية من جهة ثانية. يظن الاجانب ان وحدة المذهب التي تجمع بين الشيعة والحكومة الايرانية تمثل ارضية مناسبة فيما لو قررت الاخيرة فتح جيوب مساندة لها داخل الاراضي السعودية. اما السعوديين فيظنون ان المسألة لا تتعلق بامكانية "فتح جيوب". وهم يفهمون المسالة على النحو التالي : الشيعة موحدون ويتبعون امر مرجعهم الديني في كل كبيرة وصغيرة. معظم المراجع ايرانيون او مقيمون في ايران ، فهم يخضعون بالتالي لاوامر الحكومة الايرانية. هذا يعني ان الحكومة الايرانية تستطيع ان تامر الشيعة السعوديين في  اي وقت تشاء بالقيام باي عمل تراه مناسبا للضغط على نظيرتها السعودية. ويعزز صدقية هذا الظن ما يرونه من اعتزال رجال الدين الشيعة السعوديين للعلاقة مع مؤسسات الدولة واعمالها.
رغم سذاجة هذا التصور ، الا ان عددا ملحوظا من رجال النخبة مقتنع به ، بل ويعتبره بديهيا. وهم يضربون عشرات الامثلة التي جمعها ناشطون من التيار السلفي ، للتدليل على فاعلية وتاثير المرجع الديني الشيعي في جمهوره. فيما يلي سوف نعرض بالتفصيل للاشكاليتين: علاقة الشيعة بالمراجع الدينين ، وعلاقتهم بايران.

 استقلال المؤسسة الدينية الشيعية 

منذ قديم الزمان حافظ الشيعة على تقليد يقضي بابقاء حياتهم الدينية خارج نطاق علاقتهم بمؤسسة الدولة. ورغم ان هذا التقليد ظهر ابتداء في ظرف الخصام بين الطرفين، الا انه عمم في الحقب التالية فاصبح سائدا حتى في ظل الحكومات الشيعية. وكان هذا معروفا في ايران منذ الدولة الصفوية، وفي العراق وجميع الاقطار الاخرى[2]. بل لا زال قائما حتى في ايران المعاصرة التي يحكمها رجال الدين. ويتجلى المظهر الابرز لهذا الفصل في العلاقة بين عامة الشيعة ومرجعيتهم الدينية. اذ يحرص مراجع الدين على ابقاء مسافة واضحة بينهم وبين الحكومات. الاستثناء الوحيد هو اية الله الخميني الذي تمتع بوضع استثنائي حين جمع بين المرجعية الدينية والقيادة السياسية. فيما عدا الخميني ، فان جميع المراجع او العلماء المؤهلين للمرجعية الذين اقتربوا كثيرا من الدولة ، خسروا شعبيتهم وفرصتهم في تشكيل مرجعية مؤثرة، بمن فيهم اية الله خامنئي، مرشد الثورة الايرانية الحالي، الذي لا تتناسب مكانته الدينية وموقعه في منظومة المرجعية الدينية مع نفوذه السياسي الكبير. يقل عدد اتباع خامنئي عن معظم المراجع الاخرين في ايران نفسها فضلا عن غيرها من البلدان. في السياق نفسه فان الشيعة يحرصون على ابقاء مدارسهم الدينية ومساجدهم ومؤسساتهم الدينية الاخرى بعيدة عن تدخل الدولة. وهذا عرف جار في جميع الاقطار التي يقطنها الشيعة. منذ اعتلائه سدة القيادة بذل اية الله خامنئي جهودا فائقة لوضع المدارس الدينية في ايران تحت اشرافه ، لكن محاولاته لم تفلح رغم مرور عقدين من الزمن ، ورغم الحوافز الكبيرة التي تحصل عليه المدارس التي تقبل اشراف الولي الفقيه عليها.
هذا التقليد الراسخ هو احد المبررات القوية لارتياب الحكومة السعودية في نوايا مواطنيها الشيعة. من المفيد الاشارة هنا الى ان الحكومة لم تتساهل ابدا مع المجموعات الدينية التي حاولت الاستقلال عن جهاز الدولة. ولم يستثن من هذه السياسة حتى المؤسسة الدينية السلفية المتحالفة مع الحكم. في ستينات القرن العشرين ، حاول الشيخ محمد بن ابراهيم ال الشيخ (1893-1969) ، وهو اقوى زعماء المؤسسة الدينية منذ قيام الدولة السعودية الثالثة ، وكان يشغل يومذاك منصب مفتي الديار السعودية ، حاول اتخاذ خط مستقل عن الحكومة، واصدر رسائل وتعليمات تشير الى عدم خضوع المؤسسة لسياسات الحكومة ، ومن بينها خصوصا رسالته الشهيرة "تحكيم القوانين" التي انتقد فيها صراحة ميل الحكومة الى تنظيم القضاء وتقنينه، واخضاع القضاة لمعايير الادارة الحكومية. الا ان الملك فيصل  الذي تولى العرش في 1964 عالج بحزم هذا الاتجاه واعاد المؤسسة وعلماءها الى "بيت الطاعة" الرسمي.
ومنذ اوائل السبعينات تبنت الحكومة سياسة تقضي بتصفية النشاطات الاهلية التي يمكن ان تقود الى تشكيل مراكز قوة خارج الاطار الرسمي. ولعل المثال الذي يتذكره جميع السعوديين هو جامعة الملك عبد العزيز في جدة ، التي بدأت اهلية في 1967 وقامت الحكومة بتاميمها في مارس 1971. كما يتذكرون الصحافة الاهلية التي الغيت تراخيصها ابتداء من مارس 1964 واعيد منحها لشركات ذات وضع خاص، يحتاج المساهم فيها الى موافقة وزارة الداخلية كي يصبح مالكا لبعض اسهمها ، كما يعين رئيس تحريرها من قبل وزارة الاعلام وليس من قبل المالكين. في السياق نفسه ، نال النشاط الديني نصيبا وافرا من تلك السياسة، نظرا لانه يستاثر بالنصيب الاكبر من النشاطات التطوعية في البلاد. وخلال العقود الثلاثة الماضية اتمت الحكومة سيطرتها على المدارس الدينية والمساجد والاوقاف المستقلة، والزمت الدعاة بالانخراط في السلك الوظيفي الرسمي مقابل السماح لهم بامامة المساجد والقاء الخطب. وفي اوائل 2002 منعت وزارة الداخلية الهيئات الدينية والخيرية التي يشرف عليها رجال الدين من جمع تبرعات من الجمهور[3]. وفي يوليو 2007 منعت هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من الاستعانة بالمتطوعين الذين يشكلون القوة الاكبر في صفوفها[4]. وفي اغسطس 2010 صدر امر ملكي بمنع رجال الدين والقضاة من اصدار الفتاوى العامة او التوقيع على عرئض تتضمن نقدا للحكومة او مطالبات.
حاولت الحكومة تكرار السياسة نفسها مع النشاطات الدينية الشيعية. لكنها ووجهت بسلبية مطلقة، لاسباب يرجع بعضها الى العرف الشيعي الراسخ، ويرجع البعض الاخر الى فشل الحكومة في وضع تنظيم مناسب يتسع لمذهب مختلف عن المذهب الرسمي. وقد طرح زعماء الشيعة منذ العام 1995 مقترحات لمعالجة الشق الثاني على وزير العدل يومئذ الشيخ عبد الله ال الشيخ، الا انه رفض الفكرة بدعوى ان وجود نظام مزدوج للعمل الحكومي امر غير مقبول.
على كل حال فان بقاء العالم الديني الشيعي خارج اشراف الحكومة ، يثير عند المسؤولين شعورا بالمرارة ، يغذي الشكوك في طبيعة النشاطات التي يقوم بها الشيعة وما يمكن ان يترتب عليها. ويتكرر حديث المسؤولين عن هذا الامر في اجتماعاتهم مع وجهاء الشيعة. حيث يشار دائما الى ان علاقة الجمهور الشيعي بالمراجع المقيمين في الخارج ، وارسال الزكوات والتبرعات اليهم ، تفهم باعتبارها ولاء لجهة خارجية ، تتعارض مع ما يفترض من اخلاص الولاء للحكومة الوطنية. ورغم تاكيد الشيعة المستمر على المضمون الروحي المحض لهذه العلاقة ، الا ان سلبية الجمهور الشيعي ازاء الحكومة، سيما تمظهراتها السياسية، تتخذ كدليل على ان علاقتهم مع مراجع الدين تتجاوز البعد الروحي.

تأثير التحولات الاقليمية: الثورة الاسلامية في ايران

كان انتصار الثورة الايرانية عام 1979 منعطفا حادا في تاريخ المنطقة الحديث. بالنسبة للمجتمعات الشيعية ، فقد انتهت حالة السكون وبدأ ظرف مليء بالحركة والتطلع . في نوفمبر من هذا العام قرر الشباب في القطيف والاحساء احياء مسيرات عاشوراء التي سبق حظرها في منتصف السبعينات. بدات تلك المسيرات بداية تقليدية تماما تحمل الشعارات الدينية القديمة. لكن الادارة الحكومية المحلية وجدت فيها تمردا غير مقبول على الحظر السابق . فتمت مواجهتها بالقوة ، الامر الذي جعلها تتطور من طقس ديني تقليدي الى تظاهرة سياسية ، انتشرت شرارتها الى كل مدينة وقرية شيعية. وأدت تلك المواجهة الى سقوط عدد من القتلى والجرحى كما اعتقل العشرات.
ادت تلك المواجهة الى اطلاق حراك سياسي نشط بين الشيعة السعوديين ، يميل في العموم الى معارضة الحكومة. وفي الشهور التالية انتقل عدد من المحتجين الى العاصمة الايرانية حيث اعلنوا من هناك ولادة اول تنظيم سياسي ديني في المنطقة[5].
لم يخف الشيعة السعوديون تعاطفهم مع ثورة ايران منذ انفجارها وحتى انتصارها. كما لم يخفوا معارضتهم لموقف الحكومة السعودية المؤيد للعراق خلال حربه ضد ايران. وحين برز حزب الله  على الساحة اللبنانية ، لا سيما بعد انتصاره على الاسرائيليين في يوليو 2006 ، تعاطف الشيعة معه بشكل كبير وعلني.
رغم ان التعارض بين الشيعة السعوديين وحكومتهم يرجع الى سنوات طويلة قبل ثورة ايران ، الا انه تفاقم وتعمق بعد العام 1979. وساهم كلا الطرفين في تعميق الفجوة وصب الزيت على النار. قلق الحكومة من تاثير الايرانيين على الساحة المحلية جعلها اكثر ارتيابا وحساسية تجاه التعاطف الشيعي مع طهران[6] ، وشعور الشيعة بالاذلال دفعهم اكثر فاكثر للاستفادة من الوضع الايراني الجديد. وخلال العقد التالي لانتصار الثورة ، سار الطرفان في اتجاهين متعاكسين: ضيقت الحكومة على رجال الدين الشيعة فهاجر العديد منهم الى مدينة قم الايرانية لمواصلة دراساتهم الدينية ، وتم فصل المئات من اعمالهم ، فاتجهوا نحو المجموعات السياسية المعارضة ، وكلما مال طرف الى التشدد ، برز مثيل له في الطرف الاخر. وفي العام 1987 اعلن عدد من رجال الدين الشباب اقامة تنظيم جديد يحمل اسم "حزب الله- الحجاز" يتبنى ذات الايديولوجيا السياسية المعلنة في ايران. وفي السنوات التالية اتهم الحزب بالوقوف وراء هجمات مسلحة على منشآت حيوية في المملكة ، قيل انها نسقت من جانب جهات ايرانية[7] ، لعل ابرزها الهجوم على مبنى يسكنه مستشارون عسكريون امريكيون في 25 يونيو 1996 ، وقتل فيه 16 شخصا. رغم ان المعلومات بشأن هذا الحادث لاتزال ضئيلة ، ورغم اعلان تنظيم القاعدة مسؤوليته عنه، الا ان الحكومة السعودية اعتبرت ان مجموعة شيعية موالية مرتبطة بايران هي التي تقف وراءه[8].
تعاطف الشيعة السعوديين مع الثورة الاسلامية ، ثم مع حزب الله- لبنان ، وظهور تنظيمات دينية معارضة في اوساطهم ، عزز ارتياب قادة الدولة في ولائهم للحكومة . وقد سمعت شخصيا هذا الراي في مناسبات عديدة ، صراحة او تلميحا. وهو يطلق في صيغة اتهام ، او تقرير لما يعتبرونه حقيقة ثابتة. لكنه في كل الاحوال لم يطرح لنقاش صريح مع زعماء الشيعة ومثقفيهم. على اي حال فانه من السذاجة بمكان اتخاذ ما عرضناه سابقا كدليل على انخراط الشيعة – كمجتمع – في مشروع ايراني او تبنيهم لاجندة خارجية يمكن ان يتهموا – بناء عليها – بعيب في ولائهم للوطن. يقول الشيعة صراحة ان معارضة الحكومة لا تعيب الولاء للوطن. ولو صح الربط بين الاثنين لامكن وصف كل معارض سياسي في اي بقعة من الارض بانه خائن لوطنه. والحق اننا بحاجة الى فهم اعمق لمسألة التفاعل والتاثير المتبادل بين المجتمعات في هذا العصر ، كي نميز بين ما يمكن وصفه بتطور تطبيعي وما يمكن تفسيره كانخراط مقصود في مشروع خارجي.
التطور الهائل لوسائل الاتصال ونقل المعلومات في هذا العصر قوض الحدود التي كانت فيما مضى تفصل بين المجتمعات وتقسم العالم. حين تطالع في هذه الايام تغطية القنوات التلفزيونية ولا سيما "قناة الجزيرة" لثورة الشباب في المجتمعات العربية ، سوف تدرك ان الحدود بين الدول لم تعد ذات معنى ، وان الحكومات الوطنية وشبكاتها الاعلامية والتعليمية  لم تعد موجها وحيدا للراي العام في بلادها. لا يستطيع احد وقف تاثير الخارج على الداخل ولا وقف تاثير الداخل على الخارج . من يريد حقا وقف هذا التفاعل ، فعليه اولا ان يوقف شبكات الاتصال وان يصادر اجهزة الراديو والتلفزيون والتلفون والكمبيوتر ، فلعله يبعث شيئا من الحياة في الحدود القديمة. لكننا نعلم ان هذا هو رابع المستحيلات في يومنا الحاضر.
لا يختلف اثنان في ان المملكة ، مثل سائر بلاد  العالم ، تتعرض دائما لتاثير التيارات السياسية والثقافية والاقتصادية الجارية في محيطها الاقليمي وفي العالم. شيعة السعودية ، مثل غيرهم من السعوديين ، ومثل سائر خلق الله ، يتأثرون بالتحولات التي تجري حولهم ، سواء في المحيط الاقليمي او في العالم. من المتوقع بطبيعة الحال ان يظهر الاهتمام وربما التعاطف حين تجري تلك التحولات في مجتمعات تربطها بهم  صلات خاصة مثل وحدة المذهب.
منذ ستينات القرن العشرين على الاقل ، كان "الخارج" مصدرا لقلق السياسيين السعوديين. ولهذا اتخذت الكثير من الاجراءات الامنية المتشددة بهدف عزل الداخل عن تاثيرات الخارج ، من بينها منع المعارضين السياسيين من السفر ، المراقبة المشددة على دخول الكتب والمطبوعات على الحدود ، اعتبار الاتصال بالسفارات الاجنبية ، ونقد السياسات الحكومية في الصحافة الاجنبية جرما يعاقب عليه المواطن... الخ. بعض السياسيين لا يعتقد او لا يريد الاقرار بان "داخل" المملكة ينطوي على مصادر توتر واثارة ، او ان الشعب السعودي مثل غيره قد تتبلور لديه ميول متعارضة مع السياسات الرسمية . ولهذا تجد كثيرا منهم يركزون في تصريحاتهم على ان ما يحدث من سوءات في داخل البلاد ، سواء تمثل في خروج على الاداب العامة او تبن لاراء وافكار غير تقليدية او تمرد على النظام السياسي ، هو ثمرة لتاثير الخارج او "وليد حراك مستورد" – حسب تعبير وزير الخارجية سعود الفيصل-[9].
اني لا اشك ابدا في ان الكثير من التحولات التي جرت في المملكة ، في جهاز الحكومة او في المجتمع ، كان ثمرة للاتصال بالخارج والتفاعل الايجابي معه . لكن اطلاق القول على هذا النحو ينطوي على تسطيح للمسألة. قد نتحدث عن تفاعل بين الناس ، تتغير بسببه اراؤهم ومواقفهم وطريقة حياتهم. وقد نتحدث عن "اجندة" داخلية او خارجية يتبناها اشخاص محددون وتستهدف توجيه التحولات في مسار معين سلفا. لا بد من التمييز بين المسارين ، لان المسار الاول يكون في العادة عاما واسعا يشترك فيه جيل باكمله ويكون "اهل الداخل" هم القوة المحركة له . اما المسار الثاني فيقتصر على عدد محدد ، قد يكون صغيرا او كبيرا ، ويكون "اهل الخارج" هم القوة المحركة له.
اعتقد ان تفكير النخبة السعودية وقادة الحكومة في المسألة مشوب بخلط شديد بين المسارين ، فهم ينظرون الى المسار الاول ، فيعتقدون انه هو المسار الثاني[10]. ليس من شك ان هناك – في الخارج او في الداخل- من يسعى لاحداث تحولات في السياسة والمجتمع السعودي ، لا ترضي بطبيعة الحال النظام السياسي والنخبة. لكن لم يثبت ابدا ، خلال اي فترة من فترات التاريخ السعودي المعاصر ، ان انخرط المجتمع باكمله او شريحة كاملة منه ، في مخطط من هذا النوع. في العام 2002 اتهم وزير الداخلية "جماعة الاخوان المسلمين" بالمسؤولية عن العنف الديني الذي شهدته المملكة والعالم ، ولا سيما مشاركة العديد من السعوديين في احداث 11 سبتمبر المشهورة[11]. وقد تكرر هذا الاتهام لاحقا. كما ان مسؤولين ورجال دين يشيرون الى ما يصفونه بمخطط تغريبي تسانده الولايات المتحدة ويستهدف فك العلاقة بين الدين والدولة. لكن جميع هذه التفسيرات ليست بريئة ، بل تستهدف غالبا تنزيه الذات عن التقصير.
في هذا السياق يشعر عدد من قادة الدولة بالارتياب في ان الشيعة السعوديين منخرطون في "خطة" او "مؤامرة" ايرانية معادية للحكم. وبعضهم يقول صراحة ان الشيعة السعوديين ليسوا مخلصين في الولاء لوطنهم . ويستدلون على ذلك بتبعيتهم لمراجع الدين المقيمين في خارج المملكة ، وتاييدهم لنظام الحكم في ايران ، وتعاطفهم مع الاحزاب الدينية الشيعية ، لا سيما حزب الله اللبناني. ويقوم ناشطون في التيار السلفي التقليدي بتقديم معلومات وتحليلات للمسؤولين الحكوميين تؤيد هذا الراي. وثمة بين رجال الدين من يتبنى فعليا هذا الراي ويكرره ، وهو ما سنشير اليه في فصل لاحق. وتجد هذه الاراء اذنا صاغية لانها تخاطب قناعة قديمة محورها الارتياب في الاقلية والشك في نوايا المخالف. كما انها – من ناحية اخرى – تتناغم مع الميل الداخلي عند الانسان لتبرئة نفسه من القصور ونسبة اسباب التقصير الى الغير ، خاصة اذا كان هذا الغير غير محبوب او غير متعاطف.
علينا بطبيعة الحال ان نميز بين "حقيقة" ارتياب رجال الدولة في طبيعة العلاقة القائمة بين ايران والشيعة السعوديين من جهة ، وبين "الاستعمال السياسي" للفزاعة الايرانية والشيعية من جهة اخرى. لان الاولى تمثل مشكلة واقعية في علاقة الطرفين تحتاج بطبيعة الحال الى معالجة صريحة. اما الثانية فهي مجرد لعبة سياسية لا قيمة لها في المعادلة الواقعية ، رغم انها تستخدم في اوقات الازمة لغرض محدد هو تثبيط الدعوات المعادية للحكومة خارج المجتمع الشيعي . فهي اذن لا علاقة لها بشكل مباشر بالمسألة الشيعية.  ولعل ابرز الامثلة على الصورة الثانية هو تعامل رجال  الدين المقربين من الدولة ، والمؤسسات الرسمية وشبه الرسمية واجهزة الاعلام المحلية مع محاولات التظاهر التي دعي اليها في 11 مارس 2011 ، ضمن ما سمي بثورة حنين. رغم ان الدعوة لم تأت من الجانب الشيعي ، الا ان تلك الاجهزة ادارت عملا اعلاميا على مدار الساعة يستهدف اقناع الجمهور بان وراء الدعوة شيعة "رافضة" او "صفويون" تحركهم الحكومة الايرانية، وان قبول تلك الدعوة يعني الخضوع لقيادة "الرافضة" الموالين لايران[12]. نحن لا نعلق كبير اهتمام على هذا ، ونعتبره نوعا من الالاعيب السياسية قصيرة الامد، رغم ان حشر الشيعة في قضايا الصراع دون مبرر منطقي هو على اي حال امر غير مقبول ومثير للالم.
زبدة القول ان انتصار الثورة الاسلامية في ايران ادى نهوض سياسي بين شيعة العالم ، ومنهم شيعة المملكة. وتمثل هذا النهوض في حراك سياسي معارض للدولة ، لا سيما خلال عقد الثمانينات. وادى ذلك الى تعميق ارتياب قادة الدولة في ولاء مواطنيهم الشيعة. وكان هذا الارتياب ارضية لتبرير مواقف وسياسات حكومية متشددة تجاه الشيعة. هذا الارتياب انعكاس للصورة الذهنية للشيعة ، التي يحملها رجال الدولة والنخبة السعودية ، الدينية وغير الدينية ، تحملهم على الظن بان العلاقة بين المواطنين الشيعة وبين ايران هي امر طبيعي ، بل وضروري. ارى هذا التصور مغرقا في التبسيط بل السذاجة . لانه يغفل حقيقة التنوع القائم في المجتمع الشيعي. كما يغفل الوضع الطبيعي لاي شعب او جزء من شعب ، له مطالب محلية نابعة من همومه الخاصة وفهمه لظرفه السياسي او الاقتصادي. وهو يغفل ايضا الحدود الواقعية للتاثير الممكن للحكومة الايرانية او غيرها على الشيعة خارج حدودها. في المملكة العربية السعودية والخليج ، كما في كل بلد ، ثمة جماعات سياسية تطالب علنا بالعدالة الاجتماعية ، بعضها متعاطف مع ايران ، وبعضها لا يضع الوضع الايراني او السياسات الايرانية ضمن اهتماماته ، وبين هذا البعض من لديه تعارض ايديولوجي او سياسي مع الحكومة الايرانية[13]

سقوط البعث العراقي : اختلال موازين القوى

طبقا لولي نصر ، فان قرار الرئيس الامريكي السابق جورج بوش باجتياح العراق واسقاط حكومة صدام حسين ، قد "ساعد في اطلاق نهوض شيعي واسع النطاق ، سوف يخلخل التوازن الطائفي في العراق والشرق الاوسط لسنوات"[14]. اهتم المحللون الاجانب بالمعنى السياسي للنهوض الشيعي. اما في العالم العربي فقد اختلط السياسي بالديني على نحو غريب. من المهم العودة تكرارا لفهم الفارق بين المعنيين. حين تنظر الى نهوض سياسي فانت تتحدث عن تغير في موازين القوى ، قابل للتحديد والمعالجة بالادوات السياسية ، مثل اعادة  صوغ العلاقة بين الدولة والقوة حديثة النهوض. في الحد الاقصى لا يتطلب الامر اكثر من ادماجها في النظام السياسي او زيادة حصتها في السياسة. وهذا امر يستطيع معظم القادة السياسيون انجازه دون مجازفة كبيرة.
عندما تنظر الى نهوض "ديني" فانت تتحدث عن اختلال في مصادر الشرعية السياسية ضمن البيئة الخاصة بالنظام السياسي. تجلى هذا البعد خصوصا في الكلام الكثير بين السياسيين والنخب – ولا سيما النخب الدينية العربية – عما اسموه بمخططات "تشييع" ، اي اختراقات "شيعية" للوسط "السني". من المفهوم ان الحكومات العربية جميعا ، حتى العلمانية والمعادية للدين منها ، تعتمد على الخطاب الديني كوسيلة لتعزيز شرعيتها ، وتأمين تواصل لين بينها وبين المجتمع. كمثال على ذلك فان الحكومة المغربية التي تعد علمانية ، اعلنت في مارس 2009 قطع علاقاتها مع ايران ، بسبب ما وصفته بنشاطات ايرانية ، يستهدف ابرزها "الاساءة للمقومات الدينية الجوهرية للمملكة والمس بالهوية الراسخة للشعب المغربي ووحدة عقيدته ومذهبه السني المالكي". واتهمت الحكومة ايران بالعمل على تشييع مجموعة من المغاربة عن طريق الإغراء المالي، ونقلت صحيفة هسبرس ان "التشييع بالنسبة للعقلية المغربية يمثل خطرا مثله مثل التنصير أو حتى التشفيع والحنبلة نظرا لاعتزاز المغاربة بالمذهب المالكي واعتباره سمة مغربية خالصة يصل إلى درجة الدفاع عنه كالتراب الوطني"[15].
قبل ذلك ، في اكتوبر 2006 حذر رجل الدين السعودي سلمان العودة مما وصفه بتغلغل مخيف للشيعة في مجتمعات سنية ، وخص بالذكر سوريا ، قائلا أن شرارة التوتر الأولى بين السنة والشيعة كانت من العراق ، وأن التمدد الشيعي في الإطار السني هو لعب بالنار[16]. وفي سبتمبر 2008 شن الشيخ يوسف القرضاوي ، وهو واحد من اكثر رجال الدين تاثيرا في الحركة الدينية المعاصرة ، شن هجوما واسعا على ما اسماه بالتغلغل الشيعي في المجتمعات السنية قائلا ان الشيعة "يهيئون لذلك بما لديهم من ثروات بالمليارات". ووجهت هذه الدعوى بانتقادات بين النخبة المصرية[17].
فجر سقوط النظام العراقي شحنة قوية من الامل والفخر بين الشيعة العرب، والسعوديين خصوصا[18]، مثلما كان صدمة هائلة للنظام الاقليمي العربي ، وهو نظام طائفي ، حتى مع ادعاء العلمانية. وهذا من الامور الغريبة التي ربما لا تجدها خارج العالم العربي. فحزب البعث "العلماني ، القومي" عزز "طائفية" النظام السياسي العراقي وسنيته ، في الوقت الذي يشكل فيه العرب السنة اقل من ثلث السكان، مثلما فعل شقيقه البعث السوري الذي اقام هو الاخر نظاما طائفيا ، يحتكر مفاتيحه العسكر العلويون على حساب الاكثرية السنية التي تشكل اكثر من ثلثي المواطنين. شعر السياسيون العرب بان سقوط صدام حسين ، سوف يخلخل الاستقرار الشكلي للنظام العربي ، وسوف يعطي ايران بوابة جديدة ، عربية الاصل ، لترسيخ نفوذها الاقليمي ودورها في اي ترتيب جيواستراتيجي يتعلق بالشرق الاوسط. اما بالنسبة لرجال الدين والناشطين"السنة" فقد نظروا الى المسألة من زاوية اخرى ، هي احتمال اجتذاب القوة الشيعية الناهضة للجمهور السني. هذه المخاوف تعززت بفعل اربعة عوامل اضافية :
 الاول: صعود نجم المحافظين الايرانيين ، ولاسيما بعد انتخاب احمدي نجاد رئيسا للجمهورية في 2005. قدم نجاد صورة عن زعيم شاب قريب من عامة الناس ، يعيش حياة بسيطة ويتحدى في الوقت ذاته الارادة الغربية. تمسك ايران بمشروعها النووي في مواجهة التصعيد الغربي المتواصل ، قدم للعرب نموذجا عن دولة مجاورة تسعى لصنع قوة تتحدى القوة الاسرائيلية ، ولا تابه بالتهديد الغربي.
الثاني: نجاح حزب الله في هزيمة الجيش الاسرائيلي في صيف 2006 ، الذي ادى الى تحول الحزب وزعمائه ، لا سيما قائده "المعمم" الى رمز للامل والمستقبل العربي ، بالمقارنة مع حكومات مستسلمة للضغط الاجنبي ونخب دينية وغير دينية عاجزة عن المواجهة.
الثالث : تواصل الحملة السياسية ضد التيار الديني الحركي في المملكة العربية السعودية وتصفية مؤسساته ومصادر قوته. العامل الثاني عزز انكسار التيار الديني "السني" بينما عزز الانتصار على اسرائيل قوة ورمزية التيار الديني "الشيعي" ، المتمثل في حزب الله على الاقل.
الرابع: الضغط الشديد الذي مارسه زعماء دينيون وقبليون عراقيون ، والذي اثمر عن اقتناع عدد مؤثر من قادة المملكة والخليج بان الحكومة العراقية التي يسيطر عليها الشيعة تتبنى استراتيجية لتصفية الوجود السني العربي. ويقال ان هيئة علماء العراق ولا سيما زعيمها الشيخ حارث الضاري كان لها السهم الاوفر من هذا الجهد ، فقد استثمرت كل فرصة ممكنة لنقل معلومات وتحليلات وشكاوى تصف في هذا الاتجاه[19].
في مثل هذا الوضع ، يجد السياسيون انفسهم في حاجة لتحديد موقعهم وموقفهم ، بالنظر لتاثير الجدل الدائر على التحالفات الداخلية والتوازنات السياسية على المستويين المحلي والاقليمي. بطبيعة الحال ، لم يكن متوقعا ان تجد النخبة السياسية السعودية ، مثل سائر النخب العربية ، نفسها في ذات الجانب الذي تقف فيه ايران. لم يكن الامر بحاجة الى قرار ، فالامور تسير في هذا الاتجاه بشكل شبه عفوي. تستمد الحكومة جانبا هاما من قوتها وشرعيتها من تاييد المؤسسة الدينية السلفية المعادية تاريخيا للشيعة ، والتي تتوقع من الحكومة موقفا يتناسب مع ما يعتبر تحديا شيعيا متصاعدا[20]. من هذه الزاوية فقد كان الكلام عن التبشير الشيعي والتمدد الايراني ضروريا ، للحكومات والنخب الدينية على حد سواء ، كي لا تفقد المبادرة ولا تتهم بالخنوع والاستسلام. تكمن المشكلة في ترك الامور دون تأمل عميق في عواقبها ومآلاتها. ذلك الكلام الذي يمكن ان يبدا دفاعيا او تبريريا ، وقد لا يستهدف اكثر من الاعتذار عن اتهام محتمل بالفشل ، اوجد حالة استقطاب شديد بين الشيعة والسنة ، فقد وجد الطرفان نفسيهما في موقع المستهدف والمظلوم من دون ذنب.
يمكن للنخبة السياسية ان تتخذ مثل الموقف السابق ، دون ان تسمح له بالانعكاس على علاقتها مع مواطنيها الشيعة. او يمكن لها ان تعتبر المسألة برمتها سياسية ولا علاقة لها بانتمائها المذهبي او انتماء مواطنيها ، او يمكن لها ان تتخذ خطوة اكثر تقدما بمناقشة الامر مع مواطنيها الشيعة لدعوتهم الى تجنب الانزلاق الى مواقف ذات طابع ديني او مذهبي متعارض مع مصالح البلد او سياساتها. في العموم هناك خيارات عديدة للتعامل مع المسألة. لكن الواقع الذي شهدناه هو غير ذلك.

الخلاصة

يمثل البعد الاقليمي عاملا مهما في التاثير على العلاقة القائمة بين الحكومة والشيعة السعوديين. استقلال المؤسسة الدينية الشيعية يمثل مصدرا للارتياب عند النخبة السياسية . كما ان رجوعهم في الامور الدينية الى فقهاء خارج البلاد يحيي ارتيابا تقليديا عند النخبة من دور الخارج وتاثيراته المحتملة . النهوض الشيعي الذي تجلى بعد الثورة الاسلامية في ايران ، واتسع بعد سقوط النظام البعثي في العراق ، زاد الطين بلة ، وعزز اختلاط المشاعر الدينية بالمخاوف السياسية. هذا وذاك كرس حالة الارتياب وعدم الثقة التي تطبع العلاقة بين الشيعة والحكومة. هناك بطبيعة الحال اتصالات كثيرة جرت وتجري دائما بغرض التفاهم وحل المشكلات التي تتفاقم بين حين واخر ، لكن الثقة الضرورية لتحويل الكلام إلى استراتيجية متكاملة لعلاج المشكل الشيعي ما زالت دون المستوى المطلوب ، إذا لم نقل انها مفقودة . توصلت الى هذا الانطباع بعد اخفاق العديد من المحاولات التي بدا ان الجميع متفق – في اول الامر على الاقل – على ضرورتها وامكانية تحويلها الى برنامج . اضافة الى هذا الانطباع الشخصي ، فقد سمعت هذا التفسير صراحة او ضمنيا من عدد من كبار المسؤولين الذين يتخذون القرار او يساهمون في صناعته.





[1] حول مبررات هذا القلق ، انظر
  Toby Jones, Embattled in Arabia, Shi‘is and the Politics of Confrontation in Saudi Arabia, Combating Terrorism Center at West Point, (June 2009), www.humansecuritygateway.com
[2] حفظ تراث الفقه الشيعي خلال الحقبة الصفوية جدلا فقهيا عنيفا سببه قبول الشيخ علي الكركي ، احد مجتهدي تلك الحقبة ، منحة مالية من الملك الصفوي. وكتب معها وضدها اربع رسائل فقهية على الاقل. انظر : محمود البستاني (محرر) الخراجيات. مؤسسة النشر الاسلامي ، قم 1992
[3] اسلام اون لاين (3 سبتمبر 2007) www.islamonline.net
[4] لبعض التفاصيل، انظر منصور النقيدان: هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. نقاش لا ينتهي 
www.montdiatna.com:8686/forum/showthread.php?t=37898
[5] لتحليل محايد حول انتفاضة 1400 (1979) ، انظر  Laurence Louėr, Transnational Shia politics: religious and political networks in the Gulf, p. 161
لتحليل حول خلفية الانتفاضة ، انظر:  Toby Craig Jones, Desert Kingdom: How Oil and Water Forged Modern Saudi Arabia, (Cambridge: Harvard University Press, 2010)  سيما الفصل السادس ص.ص. 179-216
[6]  Toby Jones, Embattled in Arabia, op. cit., p. 11
[7]  لتفاصيل اخرى حول حزب الله الحجاز ، انظر      Toby Matthiesen, Hizbullah al-Hijaz: A History of The Most Radical Saudi Shi‘a Opposition Group, Middle East Journal, Vol. 64,No. 2, Spring 2010, PP. 179-197
[8]   Toby Jones, Embattled in Arabia, op. cit., p.7
[9] عكاظ 11 فبراير 2011
[10] انظر مثلا حديث الامير نايف بن عبد العزيز ، النائب الثاني لرئيس الوزراء لوفد صحافي كويتي . جريدة السياسة 1 فبراير 2011
[11] الامير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية السعودي ، حديث لجريدة السياسة الكويتية 23  نوفمبر 2002
[12] انظر مثلا تقرير سعيد ال ثابت الذي يتحدث عن خطب جمعة وبرامج تلفزيونية حول الموضوع . شبكة لجينيات  )26 مارس 2011) http://www.lojainiat.com/index.cfm?do=cms.author&authorid=991
انظر ايضا حديث القاضي سلطان البصيري الذي يتهم  "الرافضة" وايران بالوقوف مع التحركات النسائية في المملكة. جريدة سبق (26 مايو 2011) http://www.sabq.org/sabq/user/news.do?section=5&id=24678
[13]Laurence Louër, ‘The Limits of Iranian Influence Among Gulf Shi`a’, CTC Sentinel, V.2. no.5 (May 2009). www.ctc.usma.edu/posts/the-limits-of-iranian-influence-among-gulf-shia
[14] NASR Vali, ‘When the Shiites Rise’, Foreign Affairs, July- Aug.,2006, http://www.foreignaffairs.com/articles/61733/vali-nasr/when-the-shiites-rise
لمعلومات اضافية عن المسالة الشيعية في العراق انظر : فرانسوا تويال: الشيعة في العالم، ترجمة نسيب عون ، دار الفارابي(بيروت 2007)، ص 111
[15] صحيفة هسبرس الالكترونية ، 7-3-2009. http://hespress.com/permalink/11481.html
[16] برنامج الحياة كلمة ، تلفزيون MBC ، 22 اكتوبر 2006.
حول دعوى انتشار التشيع في المجتمع السوري ، انظر :    Khalid Sindawi,  Shi'sm and Conversion to Shi'ism in Syria: Prevalence, Circumstances and Causes, Interdisciplinary Center (IDC) Herzliya 2008. http://www.herzliyaconference.org/_Uploads/2904Khalid.pdf
[18]Joshua Teitelbaum, ‘The Shiites of Saudi Arabia’, in Current Trends in Islamist Ideology, (Hudson Institute 2010), V. 10, pp.71-86, p.78, www.currenttrends.org/docLib/201009291_ct10.pdf  
[19] خلال العامين 2008 و2009 اخبرني ثلاثة من رجال الدين المقربين من دوائر الحكم في المملكة بانهم مقتنعون تماما بالمعلومات التي نقلها الشيخ حارث الضاري ، وانهم شاركوا او علموا بجهود بذلت لترتيب لقاءات بينه وبين رجال سياسة في اعلى الهرم ومستشارين مؤثرين. وقال احدهم ان معظم اللوم يقع على رئيس الحكومة نوري المالكي الذي يعتقدون انه منغمس في مخطط شيعي ايراني معاد للسنة.
[20] Joshua Teitelbaum,  op. cit., p. 76 

مشكلة الشيعة في الاطار الوطني


(هذا هو الفصل الثالث من كتاب ان تكون شيعيا في السعودية وهو منشور بالكامل على هذه المدونة)

كثيرا ما واجهني زملاء واصدقاء في المملكة وخارجها بسؤال اجده جديا ومشروعا :
-          لماذا يؤكد الشيعة على الارضية الطائفية لمطالبهم ، لماذا يتحدثون عن انفسهم كشيعة يتعرضون للتمييز ويطالبون بحقوق محددة ، رغم انهم جزء من النسيج ال وطني الواسع ، ورغم ان مطالبهم لا تختلف في جوهرها عن مطالب الاصلاحيين السعوديين غير الشيعة ؟.
-          اليست مشكلات الشيعة السعوديين هي تمظهر لمشكلات اعمق في المجتمع السعودي ككل؟.
-          واذا صح هذا التقدير ، افليس من الافضل قراءة المشكلة في الاطار الوطني العام ، وادراج المطالبة بالحل ضمن المطالبات الاصلاحية على المستوى الوطني؟.
-          بعبارة اخرى لماذا اصبح المذهب او الطائفة مؤشرا فعالا في الحراك السياسي للشيعة؟.
في كل مرة كررت الجواب نفسه : معظم زعماء الشيعة السعوديين مقتنع تماما بان المطالب الكبرى لهذه الطائفة لن تجد حلا قبل ان يبدأ الاصلاح على المستوى الوطني. لكن ثمة مطالب صغرى تتعلق بمشكلات لا يعاني منها سعودي آخر، او مطالب تحققت فعلا لبقية المواطنين لكن الشيعة بقوا محرومين منها. وهذه وتلك تستوجب جهدا خاصا لمعالجتها . بل ان وجودها حتى اليوم يستدعي اهتماما من جانب جميع السعوديين الذين يجدون استمرارها غيرلائق بهم وبوطنهم. سألني يوما مقدم برنامج  "ما لايقال" على تلفزيون البي بي سي عن مثال على تلك المشكلات التي وصفتها بالصغرى[1]، فذكرت له قصة مقبرة الدمام. يمثل الشيعة نحو 25% من سكان الدمام ، لكنهم يضطرون الى دفن موتاهم في القطيف او في الاحساء. لم يسمح لهم بالدفن في مقبرة البلدية التي ينفق عليها من المال العام ، ولم يسمح لهم بشراء ارض من مالهم وتخصيصها كمقبرة لموتاهم. نحن الان في الربع الاخير من 2011 ، وقد مضى على هذه القضية الصغيرة عشر سنوات ولم تصل المطالبات فيها الى نتيجة. وثمة عشرات من الموارد المماثلة التي لا تستطيع الانتظار حتى يستقر مبدأ المساواة بين مواطني في المملكة.
مثل هذه القضايا الصغيرة تثير اعصاب الناس وتستفزهم وتشعرهم بالمهانة في وطنهم. وهي بطبيعة الحال تشكل مصدرا ثابتا للضغط على النخبة الشيعية التي تؤمن بالاصلاح الشامل في الاطار الوطني.

الشيعة السعوديون : واقعهم وهمومهم

لا يوجد احصاء دقيق لعدد الشيعة السعوديين، لكنا نميل الى تقديرهم بنسبة تتراوح بين 15- 20% من مواطني المملكة. وتقدرهم الاجهزة الرسمية بنحو 10%  من السعوديين، اي 1.9مليون، يعيش ثلثاهم في المنطقة الشرقية ، ويتوزعون بين المحافظات الاربع الرئيسية : القطيف والاحساء والدمام والخبر[2]. يمثل الشيعة اغلبية السكان في منطقة نجران جنوب المملكة، ويسكن بعضهم المدينة المنورة وقراها، كما يعيش عدة الاف في المدن الكبرى مثل جدة والرياض. هناك بالطبع تقديرات تعسفية يتحدث عنها بعض السياسيين والمتشددين السلفيين. بعضهم قدر عدد الشيعة السعوديين بحوالي 200 الف مواطن ، وهذا الرقم اقل من العدد المثبت احصائيا عن مدينة القطيف وحدها. وقال بعضهم ان الشيعة يمثلون 5-10% فقط من سكان المنطقة الشرقية ، اي اقل من الرقم السابق. لكن هذه التقديرات المتعسفة لا تستحق التوقف او النقاش.
لا زال النظام القبلي قويا في منطقة نجران. وثمة علاقة وثيقة بين رؤساء قبيلة يام التي ينتمي اليها اغلبية السكان وبين الزعامة الدينية التي يتوارثها شيوخ عائلة المكرمي. اما في المنطقة الشرقية فليس للقبيلة او نمط العلاقات القبلية وجود يذكر.
ينتمي جميع الشيعة في نجران الى المذهب الاسماعيلي (نسبة الى اسماعيل بن جعفر الصادق). وينتمي الباقون الى التشيع الاثني عشري. واكثر هؤلاء ينتمون الى المدرسة الاصولية في الفقه. وتنتمي اقلية منهم الى المدرسة الاخبارية. وفي العقيدة تنتمي شريحة كبيرة نسبيا من شيعة الاحساء الى المدرسة الشيخية.  التيار السائد بين شيعة المملكة هو التيار الديني التقليدي. لكن الاتجاه الاصلاحي يحظى بقوة بارزة. وهو يتسع تدريجيا مع تنامي دور الاجيال الجديدة التي تميل الى نمط حياة يزاوج بين التدين والليبرالية. ويشبه الى حد ما التيارات المحافظة في اوربا.
يرجع الاخباريون الى زعيم ديني محلي هو الشيخ محمد علي ابو المكارم. ويرجع الشيخيون الى الميرزا عبد الله الحائري الاحقاقي، زعيم هذه المدرسة المقيم في الكويت. اما الزعامة الدينية بين الشيعة الاصوليين فهي موزعة. اذ يرجع 70% تقريبا الى اية الله السيستاني في النجف الاشرف واية الله صادق  الشيرازي في قم – ايران. ويتوزع البقية بين سبعة مراجع اخرين. بقيت المرجعية الدينية محلية حتى اوائل القرن العشرين ، حين جرى اغلاق المدارس الدينية المحلية "الحوزات العلمية" او التضييق عليها. وساهم هذا التطور السلبي ، مع تطورات اخرى خارج البلاد في اعادة تموضع الزعامة الدينية العليا وتمركزها في النجف الاشرف ، وسط العراق[3]. ومنذ الحرب العالمية الثانية ساد الميل بين سكان المنطقة الى "تقليد" الفقيه الذي يميل اليه اكثرية طلاب العلوم الشرعية في النجف.
والعلاقة بين الشيعة السعوديين ومراجعهم الدينيين في الخارج روحية بحتة. ولم يسبق لهؤلاء ان قاموا باي دور يستحق الاهتمام ، او حاولوا تطوير علاقتهم باتباعهم، الامر الذي ابقاها احادية الاتجاه الى حد كبير. ربما كان الاستثناء الوحيد هو ما جرى في العام 2009 ، حين وجه بعض المراجع مثل مكارم الشيرازي والسيستاني خطابات تدعو شيعة الخليج والمملكة الى تحسين علاقتهم مع مواطنيهم السنة، وتجنب النزاعات المذهبية. في المقابل ، يتمتع الزعماء الدينون المحليون بنفوذ كبير بين السكان. ويلعب بعضهم ادوارا سياسيا واجتماعية وثقافية واسعة. وتتعامل الحكومة مع بعضهم كممثل طبيعي للمواطنين الشيعة.
وكانت الزراعة نشاطا اقتصاديا رئيسيا في كل من نجران والاحساء والقطيف حتى العقد السابع من القرن العشرين. الا ان اهميتها تتدهور بسرعة، بسبب التحولات الاقتصادية في البلاد. القوة العاملة في الزراعة حاليا تتكون بشكل كلي تقريبا من كبار السن والعاملين الاجانب. اما الشباب فهم يفضلون العمل في الوظائف الحكومية والشركات الكبرى. ويهاجر معظم شباب نجران والمدينة المنورة الى المدن الكبرى مثل جدة والرياض والدمام من اجل العمل. كما هاجر ما يزيد عن 40,000 عائلة احسائية الى مدينتي الدمام والخبر لنفس السبب. ظاهرة الهجرة هذه منعدمة الى حد كبير في القطيف، فمعظم سكانها يفضلون العمل في المدن القريبة. ويرجع ذلك جزئيا الى توفر فرص العمل في المنطقة ، ولا سيما في قطاع البترول والصناعة، فضلا عن ارتفاع مستوى التعليم واهتمام السكان بتعليم ابنائهم، الامر الذي يتيح لهم فرصا وظيفية اوسع.
على المستوى المعيشي تصنف الاحساء ونجران بين المناطق الفقيرة نسبيا. وعلى وجه الدقة فانها تقع ضمن المعدل العام للمناطق الريفية . وهو يقل قليلا عن المعدل العام لمستوى المعيشة في المملكة. اما محافظة القطيف فيصنف معظم سكانها بين الطبقة الوسطى. ومستوى المعيشة فيها يزيد قليلا عن المتوسط الوطني. هناك – بطبيعة الحال - قرى تبدو ملامح الفقر واضحة على مبانيها وابنائها. لكن اكثر من نصف السكان يصنفون ضمن الشريحة المتوسطة  الدخل. ويمكن القول بكلام اجمالي ان محافظة القطيف قد نجحت في الامساك بفرصتها خلال المرحلة التي تحول فيها الاقتصاد السعودي من الاعتماد على الزراعة والرعي الى البترول والخدمات. بينما تدهورت مصادر المعيشة في بقية المناطق الريفية التي لم تجد التحول الى الاقتصاد الحديث ميسرا او سهل المنال[4].
المنطقة الشرقية التي تضم اغلبية الشيعة هي اكبر خزان طبيعي للبترول في العالم، ففيها معظم احتياطي البترول السعودي الذي يعادل مجموعه نحو 21.3% من احتياطي البترول العالمي الثابت، وتنتج ابار المنطقة 98% من بترول المملكة. كما توفر 12% من اجمالي واردات البترول الامريكية، وحوالي ثلث واردات اليابان.  ومع ضم الانتاج الصناعي الذي يتركز ايضا فيها، فان المنطقة الشرقية تساهم بما يزيد عن ثلثي الدخل الخارجي للمملكة. وتبلغ المساهمة المباشرة لقطاع البترول في الناتج القومي الاجمالي نحو 40%.
 اعتماد المملكة على هذه المنطقة يعطيها اهمية استثنائية ضمن منظومة الاقتصاد والامن القومي[5]. لكنه ايضا احد اسباب معاناتها. اذ تشعر النخبة السياسية بان وجود المصدر الرئيس لثروة البلاد في منطقة تهيمن عليها "فئة مختلفة" هو مصدر جدي للقلق. ويترجم هذا القلق غالبا على شكل تفكير امني في قضايا الشيعة وفي التعامل معهم[6]. لكن البترول ليس السبب الوحيد للمعاناة. فمناطق سكنى الشيعة تصنف – رمزيا على الاقل – كمناطق طرفية، في بلد يتميز بحكم شديد المركزية. الحكم المركزي يعني في المملكة ان جميع نفقات الدولة وتعيين الموظفين واقرار مشروعات التنمية والتطوير تتقرر في العاصمة. ولهذا فانه لا توجد حياة سياسية بالمعنى الدقيق خارج العاصمة، لان موضوعات السياسة والعمل السياسي محصورة ضمن حدودها.

وضع  قانوني غير محدد

 بالنظر الى الفارق العددي بينهم وبين مواطنيهم الاخرين ، يعتبر الشيعة اقلية. اي اقلية في بلد تحتاج الى تعريف قانوني ، يمثل ارضية ومرجعا للعديد من السياسات التي تؤثر على وضع الاقلية وعلاقتها مع الدولة ومع بقية المواطنين. هذا التعريف القانوني هو الركيزة الاساس التي تقوم عليها السياسات الخاصة بتحقيق الاندماج الوطني وتعزيز الوحدة.
لم تضع الحكومة السعودية في اي وقت من الاوقات تعريفا قانونيا محددا لوضع الاقليات الدينية او المذهبية او العرقية ضمن النظام الاجتماعي الوطني. وهي تميل – اجمالا – الى انكار وجود اقلية بالمعنى السياسي ، رغم ان هذا الانكار لم يصرح به علنا. ولهذا السبب يسود نوع من الاستغراب والاستنكار حين يجري الكلام عن وجود اقليات ، او عن حريات دينية او حقوق خاصة بالاقلية ، او حماية قانونية لتلك الحقوق.
ثمة انطباع شائع بين الكثير من المثقفين ورجال الدولة في المملكة فحواه ان التركيز على الانتماء الوطني هو البديل الصحيح عن اثارة موضوع الاقلية او الحديث عن حقوق خاصة لها. اني اميل شخصيا الى هذا المنحى ، وارى ان الانتماء الوطني الجامع يجب ان يعلو فوق اي انتماء فرعي. لكن الامر يقتضي على اي حال فهم العوامل التي تعزز الانتماء الجامع وتغني عن الاشارة المتكررة الى حقوق الاقلية. ابرز تلك العوامل في رايي هو الاقرار بوجود اقلية تتمتع بشريحتين من الحقوق: حقوق متساوية مع الاخرين وحقوق خاصة يفرضها التمايز الثقافي او الاجتماعي. وكمثل على ذلك فان الدساتير في دول العالم جميعا تفرض لغة رسمية للدولة ، لكن في الدول التي تقطنها اقليات ذات لغات مختلفة ، فان القانون يضمن الحقوق الثقافية للاقليات مثل حق التعليم بلغتها الخاصة واستعمالها في الحياة الخاصة والعامة الخ. مثال اخر هو قوانين الاحوال الشخصية. فالمتعارف ان تطبق الدولة قانونا موحدا للاحوال الشخصية ، لكن بالنظرالى الاساس الديني للكثير من بنود هذا القانون فان العدالة تقتضي استثناء الاقليات الدينية من الزامات القانون الوطني العام. ومثل هذا الاستثناء متعارف في جميع الدول تقريبا ، الديمقراطية وغيرها .
وبالنسبة للمملكة فقد استقر العرف السياسي منذ تاسيسها وحتى اوائل الثمانينات على ان يكون للشيعة في المنطقة الشرقية محكمة خاصة للاحوال الشخصية تتبع الفقه الخاص بهم ، لكن جرى خلال العقود الثلاثة الماضية تحجيم هذه المحكمة وتقزيم صلاحياتها حتى اصبحت اقرب الى دائرة توثيق منها الى محكمة احوال شخصية. وكنت في العام 1995 ضمن وفد ناقش هذا الامر مع وزير العدل يومئذ الشيخ عبد الله ال الشيخ . وقد جادلنا بان الاصل هو ان يكون النظام القانوني للبلاد موحدا لا يستثني طائفة او جماعة. وقلنا له وقتها ان مثل هذا النظام يمكن ان يكون فعالا وعادلا اذا اتسع للجميع . اما اذا وضع على نحو يلزم الناس بما يعارض قناعاتهم الدينية ، فانه سيكون بالضرورة مخالفا لمقتضيات العدل. والمعروف ان القضاء الشرعي في المملكة ملتزم بالاراء الفقهية المشهورة في المذهب الحنبلي ، وثمة تباين بين الكثير من هذه الاراء وبين نظيراتها في الفقه الشيعي. وفيما يتعلق بالاوقاف مثلا ، فان الراي السائد في مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب يذهب الى تحريم الوقف على امور تتعلق باحياء ذكر اهل بيت الرسول او الاحتفال بالمولد النبوي او ذكرى وفاة النبي وابنائه ، كما تضع قيودا على الاوقاف الخيرية العامة ، وهذه كلها مخالفة لما استقر عليه الفقه الشيعي.
عدم تحديد الوضع القانوني للشيعة ضمن النظام الوطني العام فتح الباب امام انتهاكات مثيرة لحقوق اولية. من ذلك مثلا ان امارة المنطقة وضعت معايير لبناء المساكن في المدن الشيعية ، لا تطبق في اي مكان اخر من المملكة ، وتتضمن منع بناء قبو كامل وفرض عقوبات شديدة تصل الى 40 الف ريال اذا زادت مساحة القبو عن 50% من مسطح البناء (الغي هذا الامر في 2005 بعد جهود بذلها اعضاء المجلس البلدي  المنتخبين). ومنها منع بناء صالات مفتوحة في البيوت ، ومنع بناء صالات افراح او اماكن يمكن استعمالها في اجتماعات كبيرة. مثل هذه الامور الصغيرة بررت بالحيلولة دون تحويل هذه المباني الى حسينيات. وهي بطبيعة الحال تقييد غير قانوني لحقوق المواطنين ، وقد صدر في اطار تعليمات شفهية للبلديات والشرطة. وما كانت مثل هذه الاجراءات ستتخذ لو كان ثمة تنظيم قانوني يقر مبدئيا بحق الشيعة في اقامة شعائرهم الدينية بحرية.
خلاصة القول ان تحديد الوضع القانوني للاقليات ، ومن بينها الشيعة ، هو الخطوة الاولى الضرورية لتعريف موقعها ضمن النظام الاجتماعي وما تتمتع به من حقوق. ما لم يتوفر اطار قانوني يعرف وضع الاقلية وحقوقها ، فانها ستكون – شئنا ام ابينا – عرضة للتمييز السلبي من جانب الدولة او من جانب الاكثرية. هذا التمييز قد لايكون معبرا بالضرورة عن ارادة الدولة ، لكنه في كل الاحوال منطق الامور. توازنات القوى تلعب دورا كبيرا في تحديد من يخسر ومن يربح في المجتمع السياسي. ويمثل العدد مصدرا رئيسيا للقوة. ولهذا يقال دائما ان العدالة تقتضي ربط حق الاكثرية في الحكم بالضمان المسبق لحقوق الاقلية.

سياسة التمييز الطائفي

رغم ان مسألة التمييز قديمة نوعا ما وسابقة للتطورات التي شهدتها المملكة خلال العقود الاربعة الماضية. الا انها في وضعها الراهن لا تختلف – في اسبابها ومبرراتها – عن معظم قضايا التنمية السياسية الاخرى التي تواجه المجتمع السعودي. فهي تتاثر بشكل عميق بالصراع حول التحديث. كما تتاثر بالتباين بين النمو السريع نسبيا على المستوى الاجتماعي والنمو البطيء على المستوى السياسي والقانوني.
وخلال السنوات الاخيرة ظهرت شكاوى تتعلق بالتمييز في اكثر من منطقة من مناطق المملكة ، على اساس قبلي او مناطقي او عرقي او جنسي. ويرجع هذا في اعتقادي الى عوامل بنيوية في النظام السياسي ، ابرزها قيامه على فلسفة حكم النخبة المتآلفة. اي تلك التي تقوم العضوية فيها على معايير شخصية الى حد كبير.
يمكن القول بصورة اجمالية ان التمييز يمثل ظاهرة عامة في الحياة السياسية في المملكة . وهو يتمظهر على ثلاثة مستويات :
** المستوى الاعلى (العزل) ويتعرض له الشيعة والنساء والسعوديون من اصول افريقية والمجنسون حديثا.
** المستوى المتوسط (التهميش) ويتعرض له ابناء القبائل التي لها خلفية تاريخية معارضة ، مثل يام وشمر والعجمان والخوالد ، كما تتعرض لها مناطق تحمل ذات الصفة مثل حائل والجوف. ويعتقد كثيرون ان جميع ما يوصف بالمناطق النائية تواجه المشكلة نفسها. والمناطق النائية تعبير فضفاض ، فهو يشمل مثلا جميع المناطق الواقعة جنوبي مدينة الطائف حتى حدود اليمن ، ويشمل المناطق الشمالية جميعها.
** المستوى الادنى (التحجيم) ويتعرض لها اكثر المواطنين الذين لا يرجعون باصولهم الى منطقة نجد ولا ينتمون الى المجموعات المذكورة سابقا.
بعض المنتمين الى المجموعات التي تتعرض للتمييز من المستويين الثاني والثالث يستطيعون تجاوز الحالة بصورة شخصية فقط ، اذا ارتفعت مكانتهم في النظام الاجتماعي . فاذا اصبح ثريا او شخصا مرموقا او عالما بارزا ، او اذا تحالف مع احد رجال النخبة الاقوياء ، فمن المحتمل ان يتغير وضعه. كما ان المجال مفتوح لافراد المجموعة الثالثة للارتقاء السياسي ضمن حدود معينة. في هذين المستويين يؤثر التمييز بصورة خاصة على فرص الوصول الى المناصب العامة التي يعين شاغلوها بقرار سياسي. اما المناصب الادنى فهي مفتوحة الى حد كبير ، رغم ان الوصول اليها يتاثر بالتاثير الطبيعي لتركيب الوظائف الاعلى (مثلا اذا كان الوزير او الوكيل من منطقة معينة فمن المرجح ان يبرز الانتماء الى نفس المنطقة بين شاغلى وظائف الادارة الوسطى). وجود اعضاء من المجموعتين الثانية والثالثة في مناصب ذات طبيعة اشرافية ، تسمح لها بالمشاركة في التخطيط والتمويل والاطلاع على الخطط الحكومية ، وبالتالي مساعدة اخوتهم في نفس المجموعة على الاستفادة من الفرص الجديدة . بعبارة اخرى فان التمييز في هاتين الدرجتين يمكن معالجته – جزئيا على الاقل – من خلال الصعود الوظيفي الطبيعي ، او من خلال التعاون الداخلى بين اعضاء الجماعة ، رغم انه يبقى – لاسيما بالنسبة للمجموعة الثانية - محدودا.
في المقابل فان التمييز من الدرجة الاولى غير قابل للعلاج. لان الفرص الوظيفية المتاحة لاعضاء هذه المجموعة لا تتضمن الوظائف الاشرافية او الحساسة ، او تلك التي تتيح المشاركة في التخطيط والتمويل والاطلاع على الخطط الحكومية . ربما يحصل اعضاء هذه المجموعة على وظائف ذات مردود مالي كبير ، لكنها منخفضة المستوى ، او لا تتضمن اشرافا او سيطرة . وبالتالي فان وجودهم في هذه الوظائف لا يتيح لهم استخدامها في مساعدة اخوتهم الاخرين من نفس المجموعة. هذا هو احد الاسباب التي تفسر لماذا لا يوجد بين الشيعة او النساء اوالافارقة تجار كبار او مقاولون رئيسيون .
نشير ايضا الى ان التمييز الذي يتعرض له اعضاء المجموعتين الثانية والثالثة ، ياتي غالبا من الاعلى ، اي من المستويات السياسية في الدولة ، ونادرا ما تاتي من المستويات المتوسطة والدنيا ، او من عامة المواطنين. والسبب في ذلك انهم في الغالب متشابهون مع الاخرين في معظم الجوانب بحيث يصعب تصنيفهم وفصلهم عن سائر الناس. بخلاف اعضاء المجموعة الاولى الذين يمكن التعرف عليهم من اللحظة الاولى، من شكلهم الخارجي او محل ولادتهم المثبت في الهوية الشخصية او سلوكهم الديني. ومن هنا فان الممارسات التمييزية تصدر ليس فقط عن الدوائر العليا في الدولة، بل وحتى من موظفين عاديين ، فضلا عن عامة الناس.
بالنسبة للشيعة والنساء ، فان موقف الناس العاديين منهم يتاثر بالتوجيه الديني الذي يعتبرهم ادنى من الاخرين ، او ينظر الى وجودهم كمشكلة بذاته ، او يعتبرهم غير موثوقين او صادقين الخ . وبالنسبة الى الافارقة فان خلفية التمييز ضدهم ترجع الى الثقافة العامة التي تنظر الى الاسود والافريقي باعتباره جاهلا او حقيرا او عبدا. هذه الثقافة العامة ثابتة وراسخة ومؤثرة لان الدولة لا تقوم باي جهد حقيقي لخلق هوية جامعة قائمة على ارضية المواطنة والمساواة.
تعود سياسة التمييز الطائفي الى زمن طويل جدا، وقد لاحظها باحثون امريكيون زاروا المنطقة وكتبوا عنها. من بينهم مثلا جورج ليبسكي الذي نشر كتابه في 1959[7]. يشكو الشيعة السعوديون من سياسة تمييز رسمي نشطة ، لكنها غير معلنة. تتمظهر هذه السياسة في وجوه شتى ، من بينها حرمان المواطنين الشيعة من حقوق اولية مثل حرية الاعتقاد والعبادة  وحرية التعبير والنشر، فضلا عن حقوق مدنية مثل تولي الوظائف العامة في المراتب المتوسطة والعليا.
منذ تاسيس المملكة في 1932 وحتى اليوم ، حرم الشيعة من تولي اي وظيفة في الدرجات الوظيفية الثلاث العليا (اي الخامسة عشرة، الممتازة، درجة وزير). خلال هذه المدة الطويلة حصل فرد واحد فقط منهم على المرتبة 15، وحصل آخر على وظيفة وكيل وزارة مساعد ثم سفير بالمرتبة 14[8]. وفي مجلس المنطقة الشرقية المكون من 14 عضوا تعينهم الحكومة، هناك عضو واحد فقط يمثل الشيعة، رغم انهم يشكلون نصف سكان المنطقة على اقل التقادير. وفي مجلس الشورى (وهو شبه برلمان يتالف من اعضاء يعينهم الملك) يوجد خمسة اعضاء شيعة من مجموع 150 عضوا. وفي فبراير 2009 اعاد الملك تشكيل هيئة كبار العلماء المسؤولة عن الشؤون الدينية واضاف اليها ثلاثة علماء يمثلون المذاهب الاسلامية المالكية والحنفية والشافعية، الى جانب 18 عضوا من علماء المذهب الرسمي، لكنه استثنى الشيعة من هذا التشكيل.
و لا ينحصر التمييز في الوظائف العليا، فهناك دوائر حكومية تمنع الشيعة من تولي وظائف صغيرة. فمنذ 1960 لم يعين اي شيعي رئيسا لبلدية. كما ان وزارة التربية لم تسمح بتولي اي سيدة شيعية وظيفة مديرة مدرسة بنات (عدا واحدة عينت في 2009)، ولم تسمح (حتى منتصف العام 2011) بفتح مدارس اهلية للبنات في مناطق الشيعة. كما لا تسمح وزارة التعليم العالي بتوظيف اساتذة شيعة في جامعات معينة مثل جامعة الامام محمد بن سعود والجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة وجامعة ام القرى بمكة المكرمة. ومن بين 30 جامعة تضم مئات الكليات، وصل شيعي واحد فقط الى منصب العمادة في جامعة الملك فهد في الظهران. كما لا تسمح وزارة الخارجية بتوظيف الشيعة في الكادر الدبلوماسي. وينطبق مثل هذا التمييز على جميع المؤسسات شبه الحكومية والشركات الحكومية الكبرى ومعظم الشركات التي تساهم فيها الحكومة[9]. ربما كانت شركة ارامكو – ضمن حدود معينة – استثناء من هذه القاعدة، فقد وصل بعض موظفيها الشيعة الى درجة نائب رئيس غير تنفيذي، اي ما يعادل المرتبة الثالثة في قمة الهرم. كما انها رشحت احد هؤلاء ليدير عمليات انشاء وتشغيل جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا التي وضعت تحت اشراف الشركة. وبعد نجاحه الباهر في  هذه المهمة، عين نائبا لمديرها العام في الشؤون غير الاكاديمية.

العوامل البنيوية وراء التمييز الطائفي

حرمان الشيعة من بعض حقوق المواطنة هو مثال على حرمان السعوديين جميعا من هذه الحقوق. المملكة هي ربما اقل بلدان العالم اعترافا بالحقوق المدنية للمواطنين ، بدءا من المساواة بين الجنسين الى الحريات المدنية وصولا الى المشاركة الشعبية. يرجع هذا التاخر الى عوامل في بنية النظام الاجتماعي اضافة الى العوامل السياسية ، الامر الذي يؤكد الحاجة الى اصلاح عميق يستهدف في المقام الاول اعادة صوغ النظام الاجتماعي/السياسي على اسس جديدة تنسجم مع متطلبات العصر وحاجات المجتمع الراهنة.
التمييز الطائفي بكل اشكاله هو واحد من تجليات مشكلة اعمق تتمثل في :
أ‌)        قيام النظام السياسي على فلسفة تنحو بشدة نحو التمركز الذي يقود بالضرورة الى اقصاء الاطراف.
ب‌)    عجز المجتمع السياسي عن مغادرة المرحلة التاسيسية التي ساد فيها تقليد التمركز والاقصاء، على رغم تبني استراتيجية تنموية ، كان ينبغي ان تؤدي الى توسيع قاعدة النظام السياسي ، واستيعاب جميع الشرائح التي يتألف منها المجتمع الوطني.

نمط توزيع السلطة يستثني الاطراف  

على المستوى النظري البحت، فان من الافضل للحكومة ان تستقطب ولاء الطبقات الجديدة ، من اجل توسيع القاعدة الاجتماعية للنظام السياسي ، وتعزيز الاستقرار والنظام العام وهيبة القانون. ويمكن تحقيق هذا المطلب في اطار استراتيجية شاملة لاصلاح القانون والتنظيم السياسي والادارة العامة. لكن تلك الافضلية النظرية لا تبدو جذابة للنخبة الحاكمة بسبب عوامل ثقافية وسياسية. يصنف النظام السياسي في العربية السعودية بين الانظمة التقليدية. وفلسفة الحكم هنا هي فلسفة الدولة القديمة التي تعطي لنخبة صغيرة سلطة مطلقة واحتكارا لمصادر القوة والقرار. يظهر هذا في تشكيل مجلس الوزراء مثلا منذ تشكيله في 1953 وحتى اليوم. في المجلس الحالي الذي يتالف من 29 وزيرا هناك 21 مقعدا يشغلها وزراء من المنطقة الوسطى "نجد"، (بينهم 6 امراء) و 4 من الحجاز. وتشكل المنطقة الوسطى نحو 27% من اجمالي السعوديين (احصاء 2004). وتكشف قائمة اعدها الكاتب عن التعيينات الصادرة باوامر او مراسيم ملكية لشغل وظائف مدنية في المراتب الثلاث العليا في الدولة (الخامسة عشرة ، الممتازة ، مرتبة وزير) وتضمنت تعيين 160 موظفا ، تكشف عن نسبة مماثلة ، فثلثي المعينين في هذه المراتب ينتمون الى منطقة نجد ، وتقتسم بقية المناطق الثلث الثالث ، ولم يكن بينهم سوى مواطن واحد من الشيعة[10]. توزيع الموارد العامة على هذا النحو ليس حدثا جديدا ، فهو عميق الجذور في بنية النظام السياسي. تكشف مقارنة نشرها د. حمد الوردي عن توزيع المناصب الرئيسية خلال العام 1994 ، ان المنطقة الشرقية حضيت بالحصة الاصغر على المستوى الوطني[11]:

التوزيع المناطقي لكبار الموظفين في عينة مختارة من الدوائر الرسمية 
1994
المنطقة
عدد السكان (مليون نسمة)
نسبتهم من اجمالي السكان
عدد كبار الموظفين
نسبتهم الى الاجمالي
الغربية
3.62
0.294
172
0.203
الوسطى
3.22
0.262
511
0.602
الجنوبية
2.41
0.196
84
0.099
الشرقية
1.9
0.154
36
0.042
الشمالية
1.15
0.093
46
0.054
المجموع
12.3
849


تعرف الدولة الحديثة كنتاج لعقد اجتماعي يمنح الحكومة صفة تمثيل مواطنيها، كما يمنحها السلطات اللازمة لادارة مصالحهم. يرسي هذا العقد مبدأ "المواطنة" كارضية قانونية ومعيارية للعلاقة بين المجتمع والدولة. ويضمن القانون حقوق المواطنين كما يحدد واجباتهم، بغض النظر عن اصولهم العرقية او جنسهم او انتمائهم الديني او مكانتهم الاجتماعية او ميولهم السياسية. قيام الحكم على ارضية التعاقد بين المواطنين والحكومة يعني على وجه الدقة ان الحكومة تعرف نفسها كممثل لمصالح المواطنين وارادتهم واشخاصهم. وهذا يقتضي طبعا ان يعامل الشعب بجميع شرائحه واطيافه على قدم المساواة ، وان يتمثل بصورة متساوية في جميع اجهزة الدولة.
هذا على المستوى النظري. لكن واقع الحال في المملكة لا زال بعيدا عن هذه المرحلة، فبدلا من الدستور او القانون الاساسي المتعارف في الملكيات الدستورية ، هناك ما يعرف بـ "النظام الاساسي للحكم" الذي صدر في 1992 وهو وثيقة مختصرة لا تذكر الا القليل جدا عن حقوق المواطن، وتعطي للملك سلطة مطلقة من دون محاسبة او مسؤولية. كما لا يوجد مجلس وطني يمثل الشعب، فمجلس الشورى يعين اعضاؤه من قبل الملك، وهو لا يملك سلطة المحاسبة او اصدار القرارات او التشريع او التفتيش ، فضلا عن تعيين او عزل المسؤولين السياسيين.
فيما يتعلق بفلسفة الحكم ، فانه لا يوجد اي تصريح شفهي من جانب مسؤولين كبار كما لا توجد اي وثيقة رسمية ، منذ تاسيس المملكة وحتى اليوم ، تشير الى "علاقة تعاقدية" بين المجتمع والدولة. كما ان النظام الاساسي لا يعتبر الشعب مصدرا للسلطة، ولا يقر بحقه في مراقبتها او محاسبتها. ولا ينظر الى اعضاء مجلس الشورى كممثلين لمناطقهم، رغم ان هذا يؤخذ بعين الاعتبار عند تعيينهم. فيما يتعلق بالاقليات، فان الحكومة لا تعترف رسميا بوجود اقليات في البلاد لها حقوق خاصة، ولا تعترف ايضا بوجود تنوع مذهبي او اثني يستوجب استثناءات او ضمانات خاصة في القانون.
كان الملك عبد الله قد اكد في اكثر من مناسبة على اهتمامه بردم الفجوات بين الاطياف المختلفة التي يتشكل منها المجتمع السعودي. كما عبر عن انزعاجه من اتخاذ هذا التنوع مبررا للتمييز. وكذلك فعل ولي العهد السابق ، المرحوم الامير سلطان بن عبد العزيز. ومن قبلهم المرحوم الملك فهد. الا ان هذه التعبيرات لم تتطور الى اجراءات قانونية ومؤسسية لمعالجة الشكاوى المتعلقة بالتمييز، ولا سيما بالنسبة للمجموعات الثلاث الاكثر معاناة من سياسات التمييز، اي الشيعة والنساء والسعوديين من اصل افريقي.
زبدة القول ان التمييز الطائفي ضد الشيعة هو جزء من مشكلة اوسع نطاقا. تتمثل – من جهة – في اهمال النواتج الاجتماعية والثقافية لتحديث الاقتصاد والادارة. وتتمثل – من جهة اخرى – في تمسك النخبة السياسية بنظام الدولة القديمة الذي لا يفسح مكانا للمجتمع للتعبير عن نفسه او المشاركة في صناعة القرار السياسي.

ظرف انتقال يتطاول

كان من المقدر ان يتغير هذا الحال مع تبني الدولة لفكرة التحديث ، ولا سيما في العقد السابع من القرن العشرين . وان يحصل جميع السعوديين على فرص متساوية في النظام السياسي ، وان يساعد النشاط الاقتصادي الجديد في  ردم الفجوات التي تفصل بين المواطنين.
طيلة العقود الاربعة الماضية كانت فكرة "التنمية" اهتماما ثابتا للحكومة السعودية. لكن هيمنة النمط التقليدي على الثقافة والحياة العامة ، حصر اغراض التنمية في الجانب الاقتصادي. في 1971 تبنت الحكومة اول خطة للتنمية الاقتصادية ضمن سلسلة خطط قصيرة الامد، يمتد كل منها خمس سنوات، وتستهدف بصورة محددة تنشيط الاقتصاد الوطني ورفع مستوى معيشة المواطنين وتطوير الادارة الحكومية.
الدافع الرئيس للتركيز على الاقتصاد والادارة هو ايمان المخططين بنظرية التنمية الكلاسيكية التي تقول بان النشاط الاقتصادي محرك فعال للتغيير في مختلف جوانب الحياة، من انماط المعيشة الى القيم المعيارية ونظم العلاقات الاجتماعية. لكن المخرجات السياسية والثقافية لتحديث الاقتصاد لم تكن واضحة جدا لاصحاب القرار السياسي (وهم فريق اخر غير مخططي التنمية) ، وهي بالتاكيد غير مرغوبة.
 ظن الجميع ان اعادة توجيه مداخيل البترول لتطوير البنى التحتية ، وتوسع التعليم ، واتصال المناطق اقتصاديا ، سوف يكشف للحكومة عن الامكانات البشرية المتنوعة التي تحفل بها البلاد ، كما سيكشف للمواطنين انفسهم عن الفرص التي يتيحها الاقتصاد الجديد. لكن هذه الظنون لم تكن في محلها. فقد بقيت السياسة بايديولوجيتها وتقاليدها القديمة هي الموجه الرئيس للاقتصاد: تحرك الاقتصاد بالفعل وظهرت انعكاساته على المجتمع ، لكن مفاعيله السياسية بقيت مجرد استعداد وتطلع ، ولم تتحول الى واقع. نحن الان في وسط الطريق ، مجتمع سياسي يعيش نظامين متعاكسين: اقتصاد يتجه بسرعة نحو الحداثة ، وسياسة تتمسك بشدة بتقاليد الماضي.
يعرف دارسو التنمية ان النظام الاجتماعي التقليدي يبدأ في الانكسار بعدما يتلقى صدمة الحداثة. منظومات القيم ونظم العلاقات التي يقوم عليها النظام القديم لا تعود قادرة على توفير الشرعية السياسية اللازمة لاستقرار النظام والمحافظة على الاجماع الوطني[12]. لا ينحصر الامر في فهم الناس لانفسهم وعلاقتهم بالدولة ، بل يتعداه الى دور الدولة نفسها. في المرحلة التقليدية كان دور الدولة محدودا جدا ، وكان الناس يسيرون حياتهم دون تدخل من جانبها. مع ازدياد مداخيل الدولة واتجاه الدولة لتحديث الاقتصاد ، تضخم الجهاز الحكومي واتسع دوره ، فاصبح حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية لعامة الناس. فيما مضى كان قطاع عريض من السعوديين لا يعرف من الدولة الا رموزا قليلة ، وهناك قرى لم تر من الدولة غير العمدة او رجل شرطة او مندوب الزكاة. هذا الحال بدأ يتلاشى سريعا في منتصف السبعينات ، فاصبحت الدولة حاضرة من خلال المدرسة والمستوصف والكهرباء ومركز الشرطة والطريق المرصوف ، ومن خلال قروض السكن وقروض الزراعة.
متزامنا مع هذه التحولات ، تغيرت مسارات الاقتصاد ونظم المعيشة. المزارعون والصيادون وصغار الحرفيين الذين اعتادوا على تدبير عيشهم من هذه المصادر ، وجدوا انفسهم على الهامش. فثمة وظائف جديدة تستدعي جهدا اقل وتوفر دخلا اعلى. لكنها مشروطة بخروج الفرد من عزلته في القرية كي يكون جزءا من حياة المدينة او متصلا بها.  وهذه جميعا فرضت على كل فرد ان يحمل الهوية الوطنية ، وان يستخرج شهادات ميلاد لابنائه ، اي ان يتحول الى رقم ضمن ملايين الارقام في سجلات الدولة. من هذه النقطة البسيطة اصبح الفرد مرتبطا بجهاز الدولة الكبير، واصبحت الدولة وقوانينها ومتطلباتها وخدماتها حاضرة بشكل يومي في حياة كل فرد.
لكن هذا ليس الاثر الوحيد. لاحظ ديفيد ابتر ، المفكر الامريكي المعروف ، ان التحديث يقود الى تحول عميق ومتشعب في نظام العلاقات الاجتماعية. ويظهر جليا في تغير ادوار الناس ومكانتهم في سلم العلاقات الاجتماعية ، وقيمة تلك الادوار والمواقع[13]. ملاك المزارع الذين كانوا في الماضي وجهاء  البلد ، اصبحوا اشخاصا عاديين. واحتل واجهة المجتمع – بدلا منهم - كبار موظفي  الدولة والشباب الذين استوعبوا حقائق الاقتصاد الجديد ، وحصدوا ثروة من خلال التفاعل معه وركوب موجته. رجال الدين وشيوخ القبائل الذين تمتعوا في الماضي بسلطة اجتماعية لا تنازع ، لم يعودوا قادرين على فرض ارائهم على الشباب الذين حصلوا على تعليم حديث واكتسبوا علاقات جديدة واكتشفوا عالما مختلفا عن عالم القرية المحدود. و- بطبيعة الحال – فان اولئك الذين سادوا يوما ، لم يعودوا قادرين على ممارسة سلطة مطلقة ، فقد احيلت هذه الى مركز الشرطة والقضاة والاجهزة الحكومية الاخرى التي احتكرت حق الامر والنهي والتنظيم ، ومنعت سائر الناس من التمتع بهذه السلطة.
هذه التحولات ، ومن بينها خصوصا الحضور الفعال لرموز الدولة في حياة الناس اليومية ، تولد بالضرورة نوعا من التزاحم بين ارادات الناس وبين حدود القانون. بين نظام معيشة اعتاد عليه اكثر الناس ونظام جديد لم يالفوه ، بين سلطة يسمعون بها ولا يرونها ، وسلطة حاضرة امامهم في كل ساعة من ساعات يومهم. لا يمكن تحديد مسار وحيد لنتائج ذلك التزاحم. فهو قد يثير مقاومة شرسة تعادي كل جديد ، وقد يفكك عرى المجتمع ويحوله الى ما يشبه قطيعا من دون راية او دليل ، او ربما – وهذا احسن الاحتمالات – يطلق في داخل المجتمع ارادة للتفاعل واعادة انتاج التقاليد والاعراف القديمة على نحو يتناسب مع القيم واساليب العيش الجديدة ، وهكذا يتصالح التراث مع الحداثة[14].  
لكن الامور لا تجري دائما على النحو الامثل. بل ولا يمكن التنبؤ – في  غالب الاحيان - بما يترتب على عمليات التحديث من ردود فعل في المجتمع. في كل الاحوال فان اي مجتمع يتعرض لصدمة الحداثة ، يدخل في مرحلة انتقالية مليئة بالتحولات ويسودها انعدام اليقين[15]. امد المرحلة الانتقالية يرتبط بحجم الجهد المبذول لاستيعاب التحولات الجديدة وتسكينها ، بالتوازي مع تخفيف الاضرار الناتجة عن تدهور المنظومات القديمة. لهذا السبب يلح دراسو التنمية في العالم الثالث على التنمية الشاملة التي تهتم – بموازة الاقتصاد - بتطوير النظام السياسي والقانوني للبلاد لاستيعاب الادوار الجديدة والنظم الثقافية غير المعتادة. في هذا السياق، يفترض – نظريا على الاقل – ان تطور الحكومة فلسفة الحكم وقاعدته الاجتماعية ومصادر شرعيته. وان تبدأ في اعداد الاطارات المؤسسية الضرورية لاستيعاب التوازنات الاجتماعية الجديدة والادوار الجديدة التي سيفرزها التحديث. وان تتجه خصوصا الى  الطبقات الجديدة، كي تعيد بالتوافق معها بناء الشرعية السياسية والاجماع الوطني على ارضية قيمية جديدة ، تتضمن خصوصا قيم المساواة والمسؤولية المتبادلة واعتبار المواطنة وحقوق المواطن ثوابت معيارية تنظم وفقا لمقتضياتها الحياة العامة والعمل السياسي.

الانعكاسات الثقافية للتنمية الاقتصادية

خلال الاربعين عاما التي مضت على اول خطة تنموية، تغير وجه المملكة كليا. فالبلد الصحراوي الفقير، اصبح اليوم بين اسرع الاقتصادات نموا في الشرق الاوسط واكثرها انفتاحا على التقنيات الجديدة. ويظهر تاثير هذا التطور خصوصا في قطاع التعليم العام حيث تضاعف عدد الطلاب في المراحل الثلاث قبل الجامعية عشر مرات (من 0.474 مليون الى 4.02 مليون) في الفترة بين 1970-2007[16]. وانعكس هذا التطور بشكل مباشر على الثقافة العامة وانماط المعيشة، فقد بلغ معدل التحضر 83% من عدد السكان في 2004[17] بعدما كان اقل من 30% في 1970.  فيما يتعلق بانفتاح الجمهور على مصادر المعلومات فقد قدر احد الباحثين المحليين معدل وصول الافراد السعوديين الى القنوات التلفزيونية الفضائية بما يتجاوز 89% ، وذكرت احصائية لهيئة الاتصالات ان عدد المشتركين في خدمة الانترنت بلغ 11.4 مليونا في 2010[18].  هذا يعني ان كل بيت سعودي اصبح مجهزا بوسيلة التقاط القنوات الفضائية التي لا يخضع كثيرمنها للرقابة ، وان اكثر من نصف الشباب السعوديين يستعملون الانترنت.
في كل المجتمعات، تؤدي مثل هذه التحولات الى تغيير الهويات الفردية والمكانة الاجتماعية والتطلعات. ويقود ذلك بالضرورة الى ظهور مطالب جديدة وتوازنات قوى اجتماعية مختلفة وانماط ثقافية وتعبيرات غير مألوفة. ينعكس هذا خصوصا على العلاقات بين الافراد والمجموعات من جهة ، ومراكز السلطة والنفوذ من جهة اخرى. يتزايد شعور الناس بذاتهم وخصوصياتهم وعناصر تمايزهم، ويزداد الحاحهم على اقرار المجتمع الوطني والدولة بهذه الخصوصيات باعتبارها "حقوقا".
حدث هذا بشكل تدريجي على امتداد العقود الثلاثة الماضية ، في كل قرية ومدينة سعودية. لكن رد الفعل الرسمي لم يكن متوافقا او متناسبا. وفي الحالات التي شهدت رد فعل ايجابيا، فان استجابة الحكومة كانت محدودة جدا ومتاخرة في الغالب. لعل ابسط الامثلة على ذلك هو صدور نظام الحكم الاساسي واقامة مجلس الشورى واقرار نظام الحكم اللامركزي في العام 1992، رغم انه كان على اجندة الحكومة منذ 1964. ومن امثلته ايضا نظام الجمعيات الاهلية الذي ما زال حبيس الادراج ، رغم مرور اربعة اعوام على اقراره في مجلس الشورى، ورغم ان النقاش حوله يرجع الى بداية العقد الماضي[19].
تباطؤ الحكومة في التعامل مع التحولات الجارية في المجتمع والثقافة العامة ، يرجع جزئيا الى قلق من القبول بمبدأ تحديد السلطة او توسيع دائرة المشاركين فيها، او وضعها تحت الرقابة العامة. ويرجع من ناحية اخرى الى مقاومة المؤسسة الدينية التقليدية لمبدا التحديث بكل تجلياته، وضغطها المتواصل على الدولة للالتزام بالاعراف والتقاليد الموروثة ، التي توصف بانها اكثر تعبيرا عن صفاء الاسلام. ويعتقد رجال الدين ان التحولات المذكورة هي جزء من مخطط يدعمه الغرب وبعض رجال الدولة الذين يوصفون بالليبراليين ، ويستهدف فرض نمط حياة علماني يقود بالضرورة الى تهميش الدين واقصاء رجال الدين او تقليص نفوذهم[20].
اختارت الحكومة السعودية طريقة مزدوجة في التعامل مع الضغوط المعاكسة للتحديث. فيما يتعلق بالاقتصاد فان الحكومة قد اغفلت تماما ضغوط المؤسسة الدينية. وواصلت سياسات التحديث، حتى في الجوانب التي تثير غضب رجال الدين[21]. بموازاة هذا الموقف – الذي يبدو ميالا الى التحديث – اغفلت الحكومة جميع المطالب الخاصة بالانفتاح الثقافي والاصلاح السياسي والقانوني. وحاولت توجيه غضب رجال الدين نحو المطالب الاصلاحية. واستثمرت حقيقة ان التيار الاصلاحي يتشكل اساسا من ناشطين سياسيين ومثقفين من خارج التيار الديني السلفي ، وربما معارضين له. وهكذا نجحت الحكومة في تحويل اهتمام المشايخ والتيار الديني التقليدي بشكل عام ، من مقاومة مشروعها لتحديث الاقتصاد ، الى مقاومة دعوات الاصلاح السياسي والثقافي. وشهدنا خلال تسعينات القرن العشرين ظهور اراء لرجال دين تشكك في الدعوة للديمقراطية والحريات العامة والتعددية الثقافية ، بل وفي قيم المواطنة المتساوية ، بحجة انها معتقدات غربية او ان الداعين اليها علمانيون فاسدون ومتاثرون بالغرب. والحقيقة ان هذا التكتيك قد اوقع الدولة في مشكلات داخلية ومشكلات مع الدول الاخرى. فرجال الدين التقليديون الذين اصبحوا اكثر قوة ونفوذا في عهد الملك فهد ، هم الذين يعيقون الان محاولات الحكومة لتخفيف العزل المفروض على النساء واصلاح القضاء ومناهج التعليم. كما يعيقون محاولاتها لتقديم صورة جديدة عن المملكة تتسم بالتسامح واللين، بعدما تضررت كثيرا اثر الهجوم على نيويورك في 11 سبتمبر 2001، ووصمت بتشجيع التطرف الديني او التساهل مع المتطرفين، وتضررت علاقاتها – لهذا السبب – مع الولايات المتحدة واوربا.

تمرد على التقاليد وخوف من الحداثة

خلاصة القول ان المجتمع السعودي خرج فعلا من المرحلة التقليدية ، لكنه لم يدخل تماما في مرحلة الحداثة. تحديث الاقتصاد انتج تحولات في جوانب الحياة المختلفة . لكن الدولة اغفلت تماما اقامة الاطارات القانونية والمؤسسية التي يفترض ان تستوعب وتنظم الوضع الجديد. لهذا فاننا لا نزال في ظرف انتقالي ، ليس بالتقليدي تماما وليس بالحديث تماما ، او اننا نعيش حياة مزدوجة ، تظهر فيها حداثة على المستوى الاقتصادي والمعيشي ، الى جوار حياة ثقافية وسياسية تسيطر عليها تقاليد قديمة وغريبة عن روح العصر ومتطلباته. بدأ هذا الظرف الانتقالي في 1971 ، وكان يفترض ان ينتهي بعد عقد او عقدين من الزمن. لكنه طال اكثر مما ينبغي، ولعله سيطول اكثر واكثر. ويشهد هذا الظرف صراعا مريرا بين طرفين: الاول هو الطبقات الاجتماعية الجديدة التي تريد الحصول على موقع يتناسب مع قيمتها الفعلية ومساهمتها في حياة البلاد واقتصادها، والثاني هو الطبقات التقليدية التي تضم النخبة السياسية وكبار رجال الدين. يشترك الفريقان في القلق من تاثير التحديث والتحولات الاجتماعية على نفوذهما اللامحدود.
ظهرت تجليات هذا الصراع في مناسبات عديدة. لكن يمكن القول – مع بعض التحفظ – ان معظم السعوديين الذين عايشوا فترة الطفرة النفطية وبدايات التنمية ، قد نجحوا في ايجاد موالفة من نوع ما ، بين تطلعاتهم التي بعثتها التحولات الجديدة وبين التقاليد التي ورثها المجتمع واعتاد عليها. ولهذا فان ميولهم تتسم – في غالب الاحيان – بالمحافظة. وهذا يشمل حتى اولئك الذين تلقوا تعليما متقدما في الدول الغربية.
لكن الامر مختلف عند الاجيال الجديدة التي لم تعرف حقبة الطفرة ، فضلا عما قبلها. هؤلاء يظهرون ميولا اكثر وضوحا نحو الاستقلال والاحتجاج على الاوضاع السائدة والتطلع للتغيير. وكمثل على هذا المنحى فان عدد الشباب الذين حاولوا الحصول على منحة دراسية في دول غربية تجاوز المئة الف خلال السنوات الخمس الماضية. وطبقا لبيانات رسمية في اغسطس 2011 فان عدد الطلبة السعوديين في  الجامعات الاجنبية ضمن برنامج الملك عبد الله للابتعاث تجاوز 120,000. وتصل نسبة الفتيات بينهم الى 23%. واستقطبت الجامعات الامريكية وحدها 37% هذا العدد[22]. رفض عدد من رجال الدين هذا البرنامج واعتبروه قناة لتغريب المجتمع السعودي[23] . لكن كبار مسؤولي الدولة يرونه وسيلة لتجديد الادارة والاقتصاد وتخفيف الاحتقان الداخلي. بعيدا عن هذه الاعتبارات فاننا نستطيع التاكيد بان الاف الاسر السعودية لم توافق على ارسال ابنائها للخارج لو لم يحدث تحول داخلي في ثقافتها ونظرتها للمستقبل وتقديرها لمسارات الامور في البلاد. النتيجة الواقعية لسياسة الابتعاث الموسع ستكون بالتاكيد تحولا واسع النطاق في الثقافة العامة وتوازن القوى في المجتمع السعودي خلال السنوات القليلة القادمة. من بين عشرات الالاف الذين اقاموا في دول غربية لمدة خمس سنوات في المتوسط ، سياتي الاف بثقافة جديدة وتطلعات مختلفة ، سوف تضيف بالتاكيد زخما لحراك اجتماعي جديد يؤدي بالضرورة الى تفكيك النظام النظام الاجتماعي التقليدي.
تقدم المطالبات السياسية التي اعلنت في مارس 2011 مثالا على اتجاهات التحول في المجتمع السعودي. من بين خمس بيانات تدعو للاصلاح ، حمل البيان الذي تبناه التيار الديني الاصلاحي نحو 8500 توقيع، وحمل البيان الذي تبناه المثقفون ذوو الميول الليبرالية نحو 1500 توقيع. ويظهر بين الموقعين عدد من الاسماء البارزة من مفكرين ورجال دين واداريين ورجال اعمال . ويدعو كلا البيانين الى انتقال سلمي نحو الملكية الدستورية ، وضمان الحريات العامة ، وسيادة القانون.
لم يكن الشيعة استثناء من هذه التحولات العميقة في المجتمع السعودي. طور الجيل الجديد من الشيعة السعوديين هوية مختلفة اقل تاثرا بالموروث المذهبي والديني، اكثر شعورا بالوطن وهمومه ووجودهم فيه، واعمق اهتماما بتحولات العالم الجديد العلمية والتقنية والفلسفية. ويعتبر اقبال الشباب الشيعة على دراسة العلوم الجديدة مؤشرا هاما على هذا الاتجاه. ففي الوقت الذي يتجه 76% من طلبة الجامعات السعوديين لدراسة العلوم الاجتماعية والانسانية[24]، فان هذه النسبة تقل عن 47% بين طلاب محافظة القطيف. حتى العام 1990 كانت الحريات الدينية هي المطلب الرئيس للشيعة، لكن هذا المطلب تراجع في السنوات التالية الى المستوى الثالث او الرابع لصالح المساواة، حرية التعبير، والمشاركة السياسية، التي اصبحت تحتل المراكز الثلاث الاولى في قائمة اهتمامات الاجيال الجديدة. وظهرت تجليات هذا التحول في  نوعية المهن التي يشغلونها، وفي التوسع الكبير لنشاطهم الثقافي والسياسي، ولا سيما ذلك الذي يركز على قضايا حقوق الانسان. وتجلى ذلك التحول بوضوح في التظاهرات التي شهدتها القطيف والاحساء بين اواخر فبراير حتى اواخر مارس 2010 ، فقد كانت الشعارات الداعية للحريات العامة وسيادة القانون والمواطنة المتساوية والغاء التمييز الطائفي هي الاكثر بروزا وتكرارا ، واختفت تماما الشعارات ذات الطابع الديني والمذهبي.

تعثر محاولات الاصلاح على المستوى الوطني

كان ثمة أمل ، منذ العام 2003 على الاقل ، بأن عجلة الاصلاح السياسي سوف تتحرك ، وعول كثير من الناس على تولي الملك عبدالله للعرش. بالنسبة للشيعة كان الاعتقاد السائد بان الملك عبد الله جاد في معالجة ملف التمييز ، فقد عبر صراحة وفي اكثر من مناسبة عن استنكاره للتمييز ، ورغبته في اقرار المساواة بين السعوديين. وشهدت شخصيا ثلاثة لقاءات على الاقل مع الملك ، اكد خلال كل منها على اهتمامه الشديد بانهاء المشكل الطائفي وقناعته بان الدولة هي المسؤول المباشر عن اغلاق هذا الملف. كما انه استقبل بالترحيب المقترحات الواردة في وثيقة "شركاء في الوطن" وخصص وقتا واسعا للحديث مع زعماء الشيعة الذين اجتمعوا به لتقديم الوثيقة. واستقبل قبل ذلك وفدا كبيرا من المثقفين الذين تحدثوا معه حول وثيقة "رؤية لحاضر الوطن ومستقبله" التي تضمنت هي الاخرى بندا يدعو الى تصفية سياسات التمييز . والحقيقة ان جميع السعوديين كانوا يعولون على نوايا الملك والوعود المخلصة التي قدمها خلال السنوات الخمس السابقة لتوليه العرش. وانعكس هذا الامل على صورة الملك في الصحافة الاجنبية وفي نفوس السعوديين. كما تعزز الامل في ان البلاد مقبلة على اصلاحات جوهرية  من شأنها ان تجسر الفجوة المشهودة بين المجتمع والدولة . لكن خلافا لما هو متوقع فقد تعثر هذا المسار بعد تولي الملك عبد الله للعرش في 2005 ، او اتجه نحو اهداف مختلفة عن تلك التي تطلع اليها الجمهور السعودي في السنوات الخمس الاولى من القرن الجديد.  وهذه بعض الامثلة :
1- لعل ابرز التحولات التي شهدتها المملكة خلال هذه الفترة هي اتساع هامش الحرية المتاح للصحافة المحلية ، وتزايد ميل الحكومة لاتباع اسلوب اللين وغض النظر في تعاملها مع اصحاب الراي المختلف . وقد اثمر هذا عن تغير ملموس في المناخ الاجتماعي العام. الا ان هذه التحولات تجري من دون تاسيس قانوني ، وبالتالي فهي غير مضمونة وغير محددة ، ولا يمكن لأحد ان يستند اليها كحق مكتسب يمكن المطالبة به او التاسيس عليه. من الناحية القانونية ، لازالت الصحافة تخضع لنظام المطبوعات والنشر القديم الذي استعمل مبررا لتكميم الافواه في الماضي. وكان المنتظر ان يواكب التغير العام في المناخ تعديل مواز في النظام كي يستوعب المتغيرات الجديدة ، لكن هذا الامر لم يتحقق. وهذا يعني ان الحكومة تستطيع – نظريا على الاقل – العودة الى سياسات التقييد القديمة لو شاءت. في الحقيقة فان حرية التعبير هي واحدة من ابرز القضايا الاشكالية في المملكة والتي تدار بطريقة في غاية الغموض. من ذلك مثلا ان نظام المطبوعات يمنع اصدار صحف او انشاء اذاعات او محطات بث تلفزيوني دون ترخيص . وتعتمد الحكومة سياسات متشددة جدا في منح هذا النوع من التراخيص. رغم ذلك فهناك ما يزيد على 50 قناة فضائية يملكها افراد سعوديون (عدا الشبكات الكبيرة مثل MBC, ART, Orbit). وتبث 15 قناة على الاقل من الاراضي السعودية . هذه القنوات ليست مرخصة لكنها ليست ممنوعة ايضا ، وتعرف الحكومة مقراتها واصحابها والعاملين فيها ، لكنها لا تمنحها الترخيص القانوني ولا تغلقها ، فهي في منطقة رمادية بين المنع والترخيص. مثل هذا الاسلوب يجعل هذه الاعمال في حالة قلق دائم . وفي سبتمبر 2010 اغلقت وزارة الاعلام "قناة الاسرة" الفضائية بحجة عدم حصولها على ترخيص ، مع ان حالها لا يختلف عن عشرات القنوات الاخرى.
2- تعطيل الانظمة التي تؤسس لاصلاحات هي مثال اخر على تعثر المسار الاصلاحي. ونشير مثلا الى استمرار تعطيل نظام المرافعات الشرعية (1421) ونظام الاجراءات الجزائية (1422)  التي اجيزت قبل عقد من الزمن ، وكان ينظر اليها كواحد من اهم مرتكزات اصلاح القضاء.
3- التباطؤ في اقرار وتوسيع المشاركة الشعبية . كمثال على ذلك فقد شهدت المملكة في العام 2005 اول انتخابات عامة في تاريخها ، لاختيار نصف اعضاء المجالس البلدية. لكن الدورة التالية التي كان مقررا عقدها في 2009 تأجلت لمدة عامين لاصلاح اللائحة المنظمة لعمل المجالس كما قيل. وفي السنة التالية كشف عن توجه وزارة التجارة الى الغاء انتخابات مجالس الغرف التجارية وهي – نظريا على الاقل – مؤسسات غير حكومية منحت حق انتخاب نصف مجلس ادارتها منذ زمن طويل[25]. وفي فبراير 2009 اعاد الملك تعيين اعضاء مجلس الشورى خلافا لوعد سابق بان هذه الدورة ستشهد انتخاب نصف الاعضاء.
4- انحراف مسار الحوار الوطني: كانت وثيقة "رؤية لحاضر الوطن ومستقبله" قد تضمنت دعوة للحكومة لعقد مؤتمر للحوار مع ممثلي مناطق المملكة حول العلاقة بين المجتمع والدولة ولسماع همومهم جميعا، كمقدمة لوضع ما يمكن اعتباره وثيقة اجماع وطني حول الاصلاحات المطلوبة. لكن بدلا من ذلك اعادت الحكومة انتاج الفكرة على شكل حوار بين المواطنين انفسهم وليس بينهم وبين الحكومة. والحق ان المؤتمر الاول الذي عقد في منتصف يونيو 2003 كان مبشرا ، رغم انه بدا اميل الى ما يمكن وصفه بمحاولة جس نبض متبادل بين الحكومة والاطياف الوطنية المشاركة ، جس نبض لحدود ما يمكن مناقشته ونقده. ولهذا كان المؤتمر الثاني الذي عقد في ديسمبر 2003 استثنائيا في مستوى نقاشاته واتجاهاتها وبالطبع نتائجه. وشارك في هذه الدورة شخصيات مؤثرة كانت تعتبر – في الجملة – مستبعدة من النقاشات الرسمية او شبه الرسمية.  ونجح في رسم صورة جديدة للمجتمع السعودي كمجتمع متعدد مذهبيا وثقافيا[26].
 لكن لسبب ما فقد جرى تهميش المؤتمر في السنوات اللاحقة ، واصبحت اجتماعاته روتينية تدور حول مسائل ثانوية. كما انخفض مستوى التمثيل و – تبعا له - مستوى النقاش بصورة ملموسة. وعلى اي حال فان المؤتمر الذي تحول الى دائرة حكومية تحمل اسم "مؤسسة الملك عبد العزيز للحوار الوطني" لا يملك آلية لتحويل توصياته الى قرارات، كما ان الحكومة لم تعلن ابدا التزامها بتلك التوصيات. ولهذا فان مؤتمرات الحوار السنوية فقدت اهميتها واهتمام الجمهور بها. علق السعوديون امالا عريضة على مؤتمر الحوار الوطني ، واعتقد كثيرون انه سيستمر بمثل ما بدأ به من جدية وملامسة للقضايا الكبرى ، وان الدولة ستأخذ توصياته بعين الاعتبار. لكن هذه الامال خابت جميعا ، وظهر ان مؤتمر الحوار لم يكن اكثر من عود كبريت ، يشتعل مرة واحدة هي الاولى والاخيرة.
في الوقت الحاضر يميل الاصلاحيون الى الاعتقاد بان الحكومة قد طرحت ملف الاصلاح جانبا ، ولم يعد موضع نقاش في دوائر النخبة السياسية على اي مستوى[27]. فيما يتعلق بالشيعة فهناك مؤشرات على تراجع في الحريات الدينية بعدما شهدت تحسنا ملموسا منذ 1993[28]. تعثر مسار الاصلاح على المستوى الوطني اصاب معظم السعوديين بخيبة امل قاسية. وكان الشيعة بين اكثر من تجلت في انفسهم هذه الخيبة. منذ العام 2001 اصبحت مفاهيم "الوحدة الوطنية" و"الهوية الوطنية" و"الولاء للوطن" بين اكثر المفاهيم شيوعا في نقاشات الشيعة السعوديين. وتراجعت تبعا لذلك الهموم الخاصة بالطائفة. وكان الظن السائد ان الاصلاح المأمول على المستوى الوطني سيقود بالضرورة الى ارساء اساس قوي لمبدأ المساواة الذي هو جوهر مطالب الشيعة ومحور همومهم.
عملت النخبة الشيعية بجدية كاملة مع الهيئة الحكومية لحقوق الانسان ، ومع الجمعية الوطنية لحقوق الانسان ، على امل ان كثيرا من المطالبات المزمنة ستجد حلا من خلال هاتين المؤسستين. كما تكثفت اللقاءات مع قادة الدولة ومدراء الاجهزة الحكومية. الا ان الامور سرعان ما اتجهت الى الجمود. وبلغت خيبة الامل اقصاها في اوائل 2009 حين قرر الملك عبد الله توسيع هيئة كبار العلماء باضافة رجال دين يمثلون جميع المذاهب الاسلامية لكنه استثنى الشيعة من بينهم. وقد فهم الشيعة هذا الموقف كتعبير عن عدم جاهزية الدولة لاحداث تغيير جوهري في موقع الشيعة ضمن النظام السياسي.
قبل ذلك كان وزير العدل قد تخلى عن وعد سابق باعادة النظر في قرارات سابقة تقضي بتقليص صلاحيات محكمة الاوقاف والمواريث الشيعية ، واوقف تبعا لذلك سلسلة اجتماعات بين خبراء يمثلون المحكمة الشيعية واخرين يمثلون وزارة العدل ، اقيمت بتوجيه من الملك عبد الله ، وكان هدفها هو التوصل الى صيغة توفيقية للائحة عمل المحكمة ، تجمع بين مطالب الشيعة ومطالب الوزارة.
وفي سياق مقارب اتخذت محافظة الاحساء سلسلة اجراءات مشددة تستهدف التضييق على الشيعة في ممارسة شعائرهم الدينية ، وتضمنت عقوبات بالسجن على رجال دين وناشطين اجتماعيين ، كما اغلق مسجد يستعمله الشيعة للصلاة في مدينة الخبر ، واعتقل القائم عليه بعدما رفض توقيع تعهد بالامتناع عن فتحه.
لم يكن لهذه الاجراءات المفاجئة اي مبرر واضح. وفي الوقت نفسه رفض المسؤولون الحكوميون اعتبارها تغييرا مقصودا في سياسة الدولة تجاه الشيعة. لكن بصورة عامة فقد انعكست سلبيا على كل المسارات التي كان يؤمل ان تؤدي الى اصلاح علاقة الدولة مع مواطنيها الشيعة ، بما فيها جهود الهيئة الحكومية لحقوق الانسان ونظيرتها الجمعية الوطنية لحقوق الانسان.
في اعتقادي ان توقف هذا المسار كان انعكاسا مباشرا لتعثر مسار الاصلاح السياسي على المستوى الوطني ككل ، وانه يرجع الى نفس المبررات والاسباب. وقد ادى - كما سلف – الى تراجع في ثقة الشيعة بحكومتهم وتراجع في الامال التي سبق ان عقدوها على تغيير تاريخي مع وصول الملك عبد الله الى العرش.

خلاصة

ناقش هذا الفصل جملة من التحولات التي تمر بها المملكة منذ اوائل السبعينات. وهي تكشف ان التمييز الذي يتعرض له الشيعة هو واحد من اعراض مشكلة بنيوية يعاني منها المجتمع السياسي السعودي ككل. بناء عليه يمكن القول ان حالة التوتر القائمة في المجتمع الشيعي هي تمظهر لمشكلة اوسع نطاقا يعانيها المجتمع السعودي كله. لكنها ربما تبدو اكثر حدة وحرجا في مناطق الشيعة لوجود عوامل اضافية ، مذهبية وسياسية ، مثل التي عرضناها في فصول اخرى من هذا الكتاب.
التباين بين التحديث السريع نسبيا في قطاعي الاقتصاد والادارة الحكومية ، والبطيء جدا على المستوى السياسي والقانوني ، ولد خطوط انكسار في المجتمع ولا سيما بين الاجيال الجديدة. من بين ابرز خطوط الانكسار تلك هي تدهور ثقة الجيل الجديد بالدولة وتراخي شعورهم بهيبة القانون ، فضلا عن تضاؤل اهتمامهم بمنظومات القيم التي كانت حتى وقت قريب حافظة للنظام الاجتماعي ومصدرا لشرعية النظام السياسي. مثل هذه التطورات التي تحصل بشكل تدريجي ، ونادرا ما تظهر على السطح ، تؤدي الى بروز توترات وانقسامات في طول المجتمع وعرضه ، لكنها تتمظهر بشكل اكثر وضوحا في المناطق التي تعتبر – تقليديا – ساخنة.
 تاسيسا على هذا التحليل ، فان كثيرا من المحللين ورجال النخبة الاصلاحية يستبعدون حصول تغييرات جذرية في تعامل الحكومة مع الشيعة خارج اطار مفهوم شامل للاصلاح السياسي والقانوني على المستوى الوطني. هذا لا يستثني – بطبيعة الحال – امكانية التحسن في جوانب محددة ، من اجل تخفيف التوتر او ترحيله ، او لتجاوز ظرف محلي او اقليمي محدد ، كما حصل في بعض الاحيان ، او بسبب تحسن عام في الظرف السياسي على المستوى الوطني. لكن هذا يبقى ضمن حدود ضيقة ولا يرقى الى مستوى ما يتطلع اليه الجميع ومن بينهم الشيعة ، من اصلاح يعيد بناء علاقة المجتمع والدولة على اساس تعاقدي وتمثيلي.
زبدة القول اذن ان المشكل الرئيس للشيعة السعوديين هو التمييز الطائفي ، وان مطلبهم الرئيس هو المساواة على قاعدة المواطنة. هذا يندرج كما هو واضح ضمن المطلب العام للاصلاحيين على المستوى الوطني. لكن – من ناحية اخرى – فان عدم اقرار الدولة بالوجود القانوني للشيعة كأقلية لها حاجات متمايزة عن بقية السعوديين ، اوجد ظروفا تستدعي النظر في هذه المسألة كموضوع قائم بذاته. السعوديون ككل ، حكومة وشعبا ، بحاجة الى استيعاب التحديات المنبعثة من وجود اطياف متعددة في المجتمع الوطني. تتمايز ثقافيا او تاريخيا او مذهبيا.
في الصفحات التالية سوف نلقي الضوء على فكرة التعدد هذه ، كيف يمكن ادارتها ، وكيف يؤدي اغفالها الى تعقيد اشكاليات البناء الوطني والاستقرار.

 




[1]  برنامج "ما لايقال" تلفزيون بي بي سي العربي ، 1 ابريل 2011 .
[2]  مصلحة الاحصاءات العامة – تقديرات السكان لعام 2010 (شوهدت في 13 ابريل 2012)  http://www.cdsi.gov.sa/socandpub/resd
[3]Crisis Group International, The Shiite Question in Saudi Arabia, Middle East Report N°45 – 19 Sep.2005, p. 2
[4]  حول التاثيرات المبكرة لصناعة البترول على اقتصاديات المنطقة ، انظر عبد الله السبيعي :  اكتشاف النفط واثره على الحياة الاقتصادية في المنطقة الشرقية 1933-1960 (الرياض 1988)
[5] حول التحديات الجيوسياسية لهذه العلاقة ، انظر:
James Leigh, Shia Islam and oil geopolitics, Energy Bulletin (23/12/2008), www.energybulletin.net/print/47558
[6] Joshua Teitelbaum, ‘The Shiites of Saudi Arabia’, in Current Trends in Islamist Ideology, vol. 10, Hudson Institute, Washington, DC, August 21, 2010, www.currenttrends.org/research/detail/the-shiites-of-saudi-arabia
[7] G. Lipsky, M. Ani, M. Bigelow, F. Gillen, T. Larson, A. Matthews, C. Royce, S. Gillen,  Saudi Arabia, Its People Its Society, Its Culture, ( HRAF Press, 1959)
[8]  اعلى المراتب الوظيفية في المملكة هي مرتبة وزير وتليها المرتبة الممتازة ثم المرتبة 15. ويعين شاغلوها بامر ملكي ، ثم المرتبة 14 ويعين شاغلوها بمرسوم ملكي (صادر عن الملك بصفته رئيسا للوزراء).
[9] For a recent documentation on the issue, see: Human Rights Watch, Denied Dignity, Systematic Discrimination and Hostility toward Saudi Shia Citizens, (September 2009)
[10] جمعت معلومات القائمة من تقارير وكالة الانباء السعودية الرسمية في الفترة بين ابريل 2008 وابريل 2011. واستخدم مؤشر التعيين في اطار "نظام الوزراء ونواب الوزراء وشاغلي المرتبة الممتازة" كمؤشر بحث في موقع الوكالة على الانترنت.
وذكر تقرير لوزارة الخدمة المدنية للعام 2010 أن عدد الموظفين على مرتبة وزير 120 اضافة الى 150 موظفا بالمرتبة الممتازة،و 450 على المرتبة 15 و 616 على المرتبة 14 التي تعادل مرتبة وكيل وزارة مساعد (جريدة الوطن 8 مايو 2011 . www.alwatan.com.sa/Local/News_Detail.aspx?ArticleID=52993&CategoryID=5). وحسب معلوماتنا يوجد 6 مواطنين شيعة على هذه المراتب ، بينهم خمسة في المرتبة 14 وواحد في المرتبة 15.
[11] د. حمد الوردي : البيروقراطية والتمثيل البيروقراطي والتكافؤ في المملكة العربية السعودية ، مركز دراسات الوحدة العربية ، (بيروت 2006) ، ص 92
[12] David Held, Political Theory and the Modern State, (Cambridge  1989), p. 88
[13] David Apter, The Politics of Modernization, (Chicago, 1965), p. 61
[14] Razi, G., ‘Legitimacy, Religion, and Nationalism in the Middle East’, The American Political Science Review, vol. 84, no. 1 (Mar., 1990) 69-91: p. 72
[15]   David Held, op. cit.
[16] لتفاصيل اخرى انظر وزارة التربية والتعليم، البيانات الاحصائية : www.moe.gov.sa/stat/index.htm
[17] احمد الجار الله: اطلس السكان الرقمي للمملكة العربية السعودية، (جامعة ام القرى، مكة، 2004) http://uqu.edu.sa/page/ar/68800
وقال تقرير ان شبكة فيس بوك تضم 3 ملايين مشترك في المملكة، انظر   Dubai School of Government, Arab Social Media Report, (Jan 2011)
www.dsg.ae/LinkClick.aspx?fileticket=-WvgLGPQ9G0=
[19] العربية نت 18 يناير 2008.  www.alarabiya.net/save_pdf.php?cont_id=44370 
[20] صدر خلال العقدين الاخيرين من القرن المنصرم العديد من الكتب والرسائل والفتاوى تربط فكرة الحداثة بالغزو الفكري الأجنبي والمؤامرة على الإسلام، من بينها مثلا : عبد العزيز البداح: حركة التغريب في السعودية-2010 ، حسن الهويمل : الحداثة بين التعمير والتدمير - 1992، عوض القرني : الحداثة في ميزان الإسلام -1988، سعيد الغامدي: الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها-2003، عبد الرحمن الزنيدي: العصرانية في حياتنا الاجتماعية- 1995، جمعان الزهراني: اسلوب جديد في حرب الاسلام – 1989، وغيرها. وجميع الكتب المذكورة نشرت بدعم هيئات دينية رسمية او اهلية.
[21] من الامثلة على هذا ان الحكومة رفضت منح اي ترخيص لاقامة بنوك اسلامية، رغم ان هذه التجربة الجديدة ابتكرها مستثمرون سعوديون اقاموا بنوكا في دول اخرى، ورغم الحاح كثير من المشايخ على فرض هذا النظام في المملكة.
انظر ايضا مذكرة النصيحة التي تعبر عن رد فعل ناشطي التيار السلفي على هذه السياسة: www.tajdeed.org.uk/ar/posts/list/123.page
[23]  انظر مثلا: الشيخ عبد المحسن العباد  : خطر التوسع في الابتعاث على بلاد الحرمين (18-7-1431) موقع المشكاة www.almeshkat.net/vb/showthread.php?t=93819
[24] فهد العرابي الحارثي: مبحث في مشكل التخلف، مركز اسبار للبحوث (يناير 2009) . www.asbar.com/ar/contents.aspx?c=508
[26] انظر نص توصيات المؤتمر، موقع التجديد العربي http://www.arabrenewal.net/index.php?rd=AI&AI0=2804
[27]  For a recent evaluation of Saudi politics under King Abdullah, see : The Kingdom of Saudi Arabia, 1979-2009: Evolution of a Pivotal State, The Middle East Institute, (Washington, DC 2009).
[28] في سبتمبر 2009 اصدر النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء امرا بمنع الشيعة من اقامة مساجد او حسينيات او مقابر خارج مدن القطيف والاحساء ونجران، ومنع استخدام المساكن والاستراحات في اقامة العبادات والاعمال الدينية الخاصة بالشيعة. ونص امر اخر صدر في اكتوبر عن امير المنطقة الشرقية محمد بن فهد على تكليف الاجهزة الامنية بمراقبة الشيعة في المدن للتاكد من عدم خرق القرار السابق. انظر شبكة راصد الاخبارية www.rasid.com/artc.php?id=33105