الثلاثاء، 30 مايو، 2006

قرش الخليج الابيض


الخبر الذي لم يلفت انتباه الكثيرين يقول ان البنك الدولي قد دعا دول الخليج الى التركيز على الصناعات التصديرية بدل الافراط في الانشاءات المكلفة . ويمثل البنك وشقيقه صندوق النقد الدولي ابرز هيئة تعنى بالاقتصاد العالمي . فيما يتعلق بنصيحته لدول الخليج ، فهو يقول ببساطة ان ارتفاع اسعار البترول قد وفر لهذه المنطقة مداخيل تتجاوز ما تحتاجه لنفقاتها الفورية والقصيرة الامد . وان عليها ان تستثمر هذه الفرصة في جمع قرشها الابيض ليومها الاسود . لا نتمنى بطبيعة الحال ان نصل الى يوم اسود ، لكن الامور لا تجري دائما وفق ما يشتهي الانسان . ولم ننس بعد الازمات الخانقة التي اصبنا بها يوم تدهورت اسواق البترول في النصف الثاني من الثمانينات و ما زالت بعض آثارها مشهودة حتى اليوم .

نحن بحاجة الى التحرر من الارتهان المطلق لتصدير البترول الخام . صحيح انه يمثل حاجة للاقتصاد العالمي يستحيل الاستغناء عنها في المدى المنظور . لكن الصحيح ايضا ان اعتماد العالم على بترول الخليج يرجع في المقام الاول الى وفرته ورخص اسعاره . وفي اوائل الثمانينات نصح وزير البترول السعودي الاسبق احمد زكي يماني دول الاوبك بالمحافظة على معادلة مناسبة للانتاج والاسعار ، لان الارتفاعات المتوالية  ستؤدي في رايه الى عودة الامريكيين الى الالاف من ابار البترول التي اغلقت لارتفاع كلفة الانتاج . كما ستؤدي الى جعل مصادر الطاقة الاخرى –  المحطات النووية مثلا - اقتصادية . ونضيف هنا ان العالم يشهد توسعا في اكتشاف مصادر جديدة للبترول سواء في غرب افريقيا او في اسيا الوسطى وحتى في الصين . ونضيف ايضا ان تطور تقنيات الكشف والاستخراج قد اعادت الحياة الى عدد من الحقول التي اعتبرت ناضبة في خليج المكسيك وامريكا الشمالية . هذه التطورات ستقلل من القدرة التنافسية لبترول الخليج ، لا سيما اذا حافظت الاسعار على معدلاتها الحالية المرتفعة .

المشكلة ليست هنا ، فكل سلعة في العالم تواجه منافسة من سلع اخرى مماثلة او بديلة . المشكلة ان مسارا من ذلك النوع قد يوصلنا الى نقاط ارتكاز حرجة . قبل ربع قرن على سبيل المثال كنا قادرين على تدبير امورنا بتصدير خمسة ملايين برميل بسعر عشرين دولارا للبرميل . لكننا لا نستطيع اليوم تدبير امورنا حتى مع مضاعفة الرقمين . ليس فقط لان عدد سكان المنطقة قد تضاعف ، بل لان نوعية حاجاتهم وكلفة حياتهم قد اختلفت وتضاعفت بنسب اعلى . ويعرف دارسو الاقتصاد السياسي ان نقطة الاشباع الحدي للحاجات تتصاعد بالتدريج بحسب قدرة الفرد على تلبيتها . وما يعتبر في وقت ما كماليا يتحول اذا تم الحصول عليه الى ضروري ، وبالتالي فان كلفة المعيشة تتصاعد بانتظام ، ويمكن للقاريء ان يقارن بين كلفة حياته الان وكلفتها قبل عشرة اعوام كي يتلمس هذا المعنى . خلاصة القول اذن ان مداخيل البترول لا يمكن ان تستمر في التصاعد الى ما لانهاية ، وان اي مستوى تصل اليه سيتحول بالتدريج الى نقطة ارتكاز لكلفة المعيشة او نقطة اشباع حدي للحاجات الحيوية . وهذا سيعيدنا من جديد الى نفس المشكلة التي واجهناها في النصف الثاني من الثمانينات ، اي قصور الموارد عن تلبية الحاجات .
الخيار الذي يبدو بديهيا هو الاتجاه الى الصناعة كمحور لتنويع قاعدة الاقتصاد الوطني . ويمكن النظر اليها من زاويتين : الانتاج المحلي يمثل وسيلة للتخفيف من عبء الواردات ، اي اعادة تدوير النفقات ضمن حدود الاقتصاد المحلي ، وبالتالي تكرار الاستفادة من راس المال . والزاوية الثانية هي زيادة عائدات التصدير . على سبيل المثال فان تصدير برميل من البنزين او الديزل يعود باضعاف قيمة تصدير برميل من الزيت الخام ، والامر نفسه يقال عن تصدير المواد البتروكيمياوية الوسيطة المصنعة من مصادر بترولية .

طرح هذا الموضوع تكرارا في السنوات الماضية ، لكن لسبب ما فانه لم يحظ باهتمام السياسيين واصحاب القرار . ويبدو هؤلاء اكثر شوقا الى الانفاق على بناء العمارات والمطارات الضخمة منهم الى بناء المصانع وتوسيع قاعدة الانتاج الوطني . هناك من يقول بان دول الخليج عاجزة عن التصنيع لانها تفتقر الى الخبرات التقنية ، او لان شعوبها كسولة او لانها مصابة بمرض تفضيل الاجنبي على المحلي . وكل هذه المبررات هي انطباعات شخصية وليست نتاج بحث علمي . ولعل تجربة الصناعة في السعودية هي اكبر دليل على سقم هذه الاقوال ، فهي على رغم محدوديتها تمثل دليلا على القابلية الهائلة للتطور في هذا الطريق . وخلال السنوات العشر الماضية تحولت شركة سابك ، وهي محور صناعة البتروكيمياويات السعودية ، الى مصدر عالمي معروف للمواد الصناعية الوسيطة ، وحافظت على صادرات سنوية تقدر بمئات الملايين . ويمثل الموظفون السعوديون اكثر من نصف قوة العمل في هذه الشركة العملاقة . ونجاح هذه الشركة ونظيراتها دليل على ان طريق الصناعة ممكن ومثمر وقادر على تحقيق نجاحات.

توفير القرش الابيض لليوم الاسود لا يعني تخزين الاموال في البنوك ، وليس شراء استثمارات في خارج المنطقة كما يفعل بعض الاثرياء وشركات الاستثمار.  اذا اردنا النظر الى الموضوع من زاوية وطنية بحتة ، فان توفير القرش الابيض يعني توسيع وتنويع قاعدة الانتاج الوطني وزيادة مصادر التمويل المحلي ، للخلاص من الارتهان الحالي لاسواق البترول واسعاره وازماته .


الأربعاء، 17 مايو، 2006

تركي الحمد



شعرت بالحزن حين قرأت مقابلة الدكتور تركي الحمد في موقع قناة العربية الاسبوع الماضي. يمثل تركي الحمد واحدا من العلامات البارزة في ميدان الثقافة العربية المعاصرة. فهو من ذلك النوع من المفكرين الذين قد تعشقهم او قد تبغضهم، لكنك لا تستطيع تجاوزهم او اغفالهم. انشغال الناس به يذكر بالمتنبي
انام مليء عيوني عن شواردها 
ويسهر الناس جراها ويختصموا
يقول تركي الحمد انه سيهجر مسكنه بحثا عن الامان، فان لم يجده فقد يهجر وطنه كليا. اتمنى ان لا يحدث ذلك واراهن على بقية من عقل عند هؤلاء الذين ضيقوا على الرجل حتى اضطروه الى الرحيل. لكن عليهم ان يفهموا ان هذا لو حصل فسيكون لوثة في تاريخهم الى يوم الدين

كل من قرأ التاريخ يذكر بالفخر والاكبار اولئك الزعماء الذين حموا اهل الفكر واحتضنوهم، كما يذكر باشمئزاز اولئك الذين قهروا اهل الفكر وآذوهم. حين تمر السنوات ستكون اخبار اليوم تاريخا. حينئذ سيقال ان تركي الحمد المفكر البارز قد تعرض للقهر على يد «فلان» الذي اهدر دمه او تسبب في تهجيره
وسيذكر المقهور الى جانب اهل القلم. بينما يضيع القاهر في عتمات التاريخ، او ربما يذكر في صف الجلادين والقتلة. نذكر اليوم ابن سينا، ونذكر ابا حامد الغزالي، ونصير الدين الطوسي، والجاحظ، وابن رشد. عاصر كل من هؤلاء الرجال عشرات من حملة السياط والسكاكين وكتاب فتاوى القتل، فمن يذكر هؤلاء ومن يعرفهم؟. لقد تعفنوا في قبورهم وذابت سكاكينهم في التراب، بينما تحولت اقلام اولئك الى اشجار شامخة، تؤتي اكلها كل حين باذن ربها. نصيحتى لاصحاب فتاوى القتل ولمنظمي حملات التهديد والارعاب، ان يرحموا انفسهم، وان يكرموا ذرياتهم واهليهم بالعودة عن هذا الطريق الذي نهايته سوء الذكر ابد الدهر.


في ماضي الايام كان شيخي يقول لي ان الاخلاق دار والسياسة دار اخرى، ولا تدخل الثانية حتى تخرج من الاولى. ومرت الايام وفهمت ان الدارين دار واحدة، وان المشكلة لا تكمن في السياسة، بل في الشعور بالقوة والاستغناء، اي امتلاك السلطة او الرغبة فيها. بعض الناس يملكون سلطة الدولة ويملك غيرهم سلطة على القلوب

كل صاحب سلطة يرغب في القهر او يمارسه قصدا او سهوا، فالقهر هو التعبير الوحيد الحقيقي عن القوة والتميز عن الغير. لكن الاخلاق هي لجام السلطة. وهي ما يحول بين صاحبها وبين تحويلها الى اداة للقهر. يمكن لشيخ الحارة ان يقهر الناس مثلما يمكن للامير والوزير، كلا بحسب قوته ونطاق سلطته. يمكن لهؤلاء ايضا ان يتورعوا عن القهر، اذا ربطوا نوازعهم بلجام الاخلاق. واول الاخلاق هو احترام حق المخالف في الحياة والامان الشخصي، والخصوصية وحرية العقل وحرية التعبير عن الراي.
حاجة السياسة الى الاخلاق قادت الفلاسفة المعاصرين الى التمييز بين نطاقين من الحقوق الفردية: الحقوق الطبيعية والحقوق التعاقدية. الحقوق الطبيعية هي تلك المساحة من الحياة الشخصية الخاصة بكل فرد، والتي لا يجوز لشخص آخر ولا لحكومة ولا لفقيه ولا لشيخ قبيلة ان يتدخل فيها تحت اي مبرر او عنوان



تضم هذه المساحة حق الحياة الامنة، وحق الملكية واختيار السكن وحق التفكير والراي. اعتبرت هذه الحقوق طبيعية لانها جزء من جوهر انسانية الفرد، وحرمانه منها انتهاك لانسانيته.
 لا يحصل الانسان على هذه الحقوق لانه يعيش في مجتمع معين، او يدين بدين معين، او ينتمي لجماعة او طبقة اجتماعية بعينها، بل يتمتع بها لانه انسان وحسب. وبهذا فان الجميع سواء فيها: المسلم والكافر، حامل الجنسية والغريب، المرأة والرجل، الغني والفقير، المثقف والجاهل، المؤمن والفاسق. اعطانا الله هذه الحقوق ساعة ولادتنا مثلما اعطانا اجسامنا وعقولنا وارواحنا، فلا يجوز لنا ان نتخلى عن اي منها كما لا يجوز لاحد ان يسلبها منا.


جوهر الاخلاق السياسية يكمن في احترام هذه الحقوق. فمن يهدد حياة الناس، او يهدد امانهم الشخصي، او خصوصيتهم او ملكيتهم او حريتهم في التفكير والرأي، فانه يخرج بالضرورة من دار السياسة الاخلاقية، ويتحول الى جبار او جلاد. الجلاد هو من يقهر الناس بسوطه او سكينه مباشرة، والجبار هو من يستخدم هؤلاء الجلادين، او يغريهم، او يؤثر على عقولهم، اي - بشكل عام - يقرر افعالهم وان لم يشارك فيها مباشرة.

الوضع المحزن الذي عبر عنه تركي الحمد هو مثال على ما يمر به المثقفون والمفكرون واهل الراي من عسر حين يمارسون ابسط حقوقهم. وهو اشارة على الخلط المؤلم بين ما يفترض في الداعية من الالتزام بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي احسن، وبين واقع دعاة اليوم، او بعضهم على الاقل، الذين لا يميزون بين الاقلام والسكاكين. هؤلاء الذين غفلوا عن الواجبات الاخلاقية في السياسة والحياة، لا يفرقون بين مجادلة المخالف بالحكمة والعمل على اسكاته بالقوة والتهديد.


السبت، 13 مايو، 2006

العواجي وغباره وحرية رايه


تعقيب على مقالة «العواجي مثير الغبار» للاستاذ منصور النقيدان
اظن ان اخي الاستاذ منصور النقيدان قد ذهب بعيدا في نقد مسيرة الدكتور محسن العواجي وتحولاته. لم التق بشخص السيد العواجي، لكني اعرف انه يعبر عن راي شريحة معتبرة من المجتمع السعودي. قد نتفق مع قليل من ارائها ونختلف مع اكثرها، لكنها في نهاية المطاف جزء من الراي العام الذي ينبغي لكل صاحب قلم وكل داعية اصلاح ان يحترمه بغض النظر عن موقفه الخاص منه.
لم يؤخذ العواجي بجناية تعيب صاحبها، بل براي توصل اليه عقله، وعبر في لحظته عن مشاعر اراد كثير من الناس التعبير عنها، فخانهم القلم او خانتهم الشجاعة او حال بينهم وبينها ضيق المسارب وانعدام القنوات. لا اتفق مع الاستاذ النقيدان ايضا في محاولته الايحاء بان العواجي قد تجاوز «حجمه» او خرج عن حده او حاول استغلال حادثة معينة او حوادث كي يرتدي عباءة حيكت لغيره. فالبديهي ان التطلع للمكانة الاجتماعية حق ثابت وطبيعي لكل فرد. خاصة اذا استعان بكفاءته ونشاطه في الوصول الى ذلك المكان ولم يركب اعناق الناس او يستثمر جهود غيره في الانفراد بما هو مشترك بينه وبينهم.
على ان المسألة في جوهرها لا تتعلق بالعواجي شخصيا، بل بحقه في التعبير عن رأيه، وحقه في التعبير عن مشاعر تلك الشريحة من المجتمع التي يمثلها او ينتمي اليها. ربما يعيب النقيدان على الرجل اسلوبه القاسي في التعبير عن هذا الراي، او بشكل عام اسلوبه في العمل السياسي، وربما يتفق كثير من الناس معه على هذا الجانب بالخصوص. لكن لا اظن احدا يشك في ان العواجي كان شجاعا في اعلان موقفه وهو يعلم انه قد جاوز او اوشك ما اعتبره غيره خطوطا سوداء وحمراء وصفراء.
في الوقت الذي نتفهم الحاجة الى احترام اعراف اخذ بها مجتمعنا لوقت طويل، فان الحاجة تدعو - بنفس القدر - الى مناقشة الحدود النهائية لهذه الاعراف، ولا سيما حين تتصادم مع حرية الناس في التفكير وفي التعبير عن افكارهم. البلد ملك لجميع اهله، وكل واحد من هؤلاء صاحب حق في تقرير حاضره ومستقبله، وكلهم صاحب حق في اظهار القلق اذا رآها تسير في طريق لا تؤمن نهايته.
عبر العواجي عن قلقه بطريقة سلمية. وكان الاولى ان يجاب على ذلك بمثله. في هذه الايام لا يعتبر انتقاد سياسات الدولة جريمة تستوجب العقاب. ولا يظن احد ان نقدها ولو كان بمثل القسوة التي اتبعها العواجي سوف يؤدي الى الاضرار بالامن العام والاستقرار. على العكس، فلعل التعبيرعن مشاعر القلق بهذه الصورة السلمية هو صمام امان يحول دون تحوله الى مغذ للمنازعة ومشاعر العدوان.
كان دور الدكتور غازي القصيبي وزير العمل هو محور مقالة العواجي التي اخذته الى السجن. ونعرف القصيبي شاعرا واديبا قبل ان يكون وزيرا. مر بالبلاد عشرات الوزراء لا يذكر الناس اسماءهم، لكن اسم القصيبي اشهر من نار على علم، ليس لوزارته بل لادبه وفكره وشعره. ولهذا السبب بالذات فان القصيبي المفكر مدعو الى السعي بكل ما لديه من وجاهة في الدولة وفي المجتمع لاطلاق سراح العواجي. ان خطوة مثل هذه ستزيد من مكانة القصيبي في النفوس، وهي ستخفف من حنق الناقمين عليه ممن عبر العواجي عن رايهم. وفوق ذلك فهي ستعطي مثالا على التسامي فوق جراح الذات اذا تعلق الامر بحرية الراي وحرية الفكر وحرية التعبير.
اخيرا فاني اناشد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله، الذي كانت له مواقف سابقة في الحيلولة دون قمع اصحاب الراي، اناشده ان يجعل من حرية التعبير سنة في عهده. وان يشمل بعفوه السيد العواجي مثلما فعل بغيره من قبل. فالعواجي وكل صاحب راي في هذا البلد، هم راس مالها الثقافي وهم اعمدة استقرارها مهما اختلفت اراؤهم او تعارضت مع هذه السياسة او تلك.
  - 15 / 3 / 2006م