الأربعاء، 29 أغسطس، 2007

ميكنة الإدارة شيء.. وجودة الخدمة العامة شيء آخر



قرار مجلس الوزراء بتوحيد ادارات تقنية المعلومات في كل وزارة هو خطوة أخرى ضمن برنامج اقره المجلس في بداية العام الماضي (2006) بهدف تحويل المعاملات الحكومية إلى معاملات الكترونية خلال خمس سنوات. وخصص للمشروع مبلغ ثلاثة مليارات ريال. من الناحية الشكلية على الاقل نرى اجهزة الكمبيوتر في جميع الوزارات وفروعها والدوائر التابعة لها.
 لكن وجود هذه الاجهزة لم يقربنا من مفهوم الحكومة الالكترونية التي ينشدها جميع المخططين في عالم اليوم. امامنا على سبيل المثال تجربة وزارة التعليم العالي، فقد توقع الجميع ان تكون السباقة في تطبيق المفهوم لانها الجهة التي تعلم الناس جميعا كيف يمتلكون ناصية التكنولوجيا الرقمية. لكن ولشديد الاسف فان حالة استعلامات الوزارة وموقعها الالكتروني هي ابسط دليل على الفارق بين ما يقال على الورق وما يجري على الارض. يكفي الانسان مراجعة الوزارة شخصيا أو هاتفيا أو زيارة موقعها على الانترنت ليعرف أي تكنولوجيا واي حكومة الكترونية سوف نصل اليها الآن أو في المستقبل القريب
على أي حال فان المجال يضيق عن بسط هذه الهموم التي يعرفها كل الناس. وما يهمنا في هذه السطور هو التأكيد على الاطار المفهومي الذي يندرج فيه مفهوم الحكومة الالكترونية أو تسويد التعاملات الالكترونية بشكل اعم. افترض ان هذا الاطار هو تحقيق «الجودة النوعية» في اداء الدوائر الرسمية. وهو يعني على وجه التحديد انجاز الخدمات العامة على افضل وجه بأقل كلفة في اسرع وقت. اذا اعتبرنا هذه العناصر الثلاثة اهدافا للتطوير، فان تطبيق التعاملات الالكترونية يمثل احدى الوسائل الضرورية للوصول اليها. لكن انجازها بصورة كاملة يتوقف على مقدمات اخرى، قانونية ومالية وادارية
على المستوى القانوني، نحن بحاجة إلى مراجعة انظمة ولوائح العمل السائدة حاليا، ووضعها جميعا امام اسئلة محددة، منها مثلا: كم من الاجراءات المقررة في تلك اللوائح يعتبر ضروريا، وما هي هذه الضرورة على وجه التحديد، وما هي كلفتها من حيث الوقت والمال على الموظف والمواطن، وما هي البدائل الممكنة.
سوف اضرب مثالا على هذا بواقعة محددة. طفل لابوين سعوديين ولد خارج المملكة، بلغ السابعة عشرة فاحتاج إلى استصدار بطاقة شخصية، بحسب اللوائح الجارية فان من واجبه اثبات مشروعية دخوله إلى البلاد، لكن الامر حدث قبل سبعة عشر عاما، والجواز الذي دخل به حين كان رضيعا مفقود. خلال هذه السنوات جميعها كان الولد مقيما في البلاد ويدرس في مدارسها، وقد سبق لاخوته الذين ولدوا في الخارج مثله ان حصلوا على بطاقات شخصية. لكن حسب التعليمات فان عدم توفر الجواز يقتضي بحثا وربما قرارا من اعلى مرجع في الاحوال المدنية. يستغرق الامر شهورا مع ان الموافقة شبه مضمونة كما في كل الحالات المماثلة، تدور المعاملة بين العديد من الدوائر والموظفين، رغم ثبوت جنسية ابويه وسبق اخوته في المعاملة وكونه مقيما مؤكدا في البلاد (من خلال سجلات المدارس على الاقل).
 هذه المعاملة تكلف المواطن والدائرة الرسمية الكثير من الوقت والمراجعات (وكلها ذات قيمة مالية)، مع ان الجميع يقول لك بان جميع المعاملات المماثلة تنتهي بالموافقة بسبب القرائن الاخرى.السبب الوحيد لهذه المعاملة الطويلة هو ان الموظف المباشر وكذلك مديره المباشر لا يملك الصلاحيات الضرورية للموافقة أو الرفض. هذه المعاملة هي نموذج عن عشرات في مختلف دوائر الحكومة. والواضح انه لا يمكن حلها الا باجراءات قانونية تتلخص في مراجعة اللوائح واعادة هيكلة الصلاحيات.
على المستوى الاداري، ينبغي لكل وزارة الطلب من فروعها تحديد وقت اقصى لكل معاملة واخبار المراجعين بهذا باعتباره حقا لهم. ومنح الفرصة للمراجع كي يتظلم اذا تعرض للتأخير أو الاهمال. في نفس السياق ايضا فاننا نحتاج إلى تمييز دقيق بين المعاملات التي تحتاج إلى «موافقة» من الادارة الحكومية، وتلك التي تحتاج فقط إلى «علم» الدائرة بحدوثها. من ذلك مثلا الزام المواطنين بالكثير من التراخيص من البلدية أو وزارة التجارة أو غيرها من الوزارات.
وفي المنطقة الشرقية مثلا، انت تحتاج إلى موافقة وزارة الزراعة وشركة ارامكو اذا اردت استخراج صك ملكية لمزرعة. الواضح ان جوهر هذه الموافقات هو «عدم الاعتراض» أو ما يعرف احيانا بالعلم والخبر وليس الموافقة بمعناها الفني، لانه ليس لاي من هذه الدوائر شأن بما هو ملك ثابت للاشخاص بحسب رأي القاضي الشرعي.
هذه المعاملات تستغرق الكثير من الوقت والمال والجهد، وربما يجتهد موظف فيعترض على جانب من المعاملات لا يخص دائرته، وكثيرا ما تعطلت المعاملات لهذا السبب. والخلاصة اننا بحاجة إلى اعادة تعريف المقصود بالموافقات الرسمية، هل هي مجرد تبليغ لأخذ العلم ام هي حقا طلب موافقة على اثبات الملك، واذا كان الاخير هو الصحيح فيجب ان يسأل القاضي : وما شأن البلدية أو ارامكو في ذلك طالما ان المزرعة مملوكة في الاصل؟
مختصر القول ان تحقيق الجودة النوعية في العمل الحكومي هو اطار اوسع من مجرد الميكنة أو الانتقال إلى المعاملات الالكترونية. هذا التحول هو خطوة، لكن تحقيق الجودة بكمالها يتوقف على مقدمات اخرى، قانونية وادارية ومالية. ولنا عودة للموضوع في وقت اخر.
عكاظ   29 أغسطس /2007  العدد : 2264

الاثنين، 27 أغسطس، 2007

مجتمع الأحرار.. ومفهوم الحرية


شيوع الحريات الفردية والعامة لا يؤدي الى الفوضى ولا يؤدي الى التحلل من الضوابط الاخلاقية كما يجادل التقليديون. الانسان بطبعه ميال الى المسالمة والتعقل والتعاون مع اقرانه. وحتى في حال التنافس فانه مستعد للتوافق على ترتيبات تتيح له وللغير الحصول على حقوق أو مكاسب متساوية. هذه فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهذا ما ثبت من تجارب الامم التي آمنت بالحرية وطبقت مقتضياتها. وهي تجارب تكررت على مدى زمني طويل، مما يؤكد سلامة الاساس الذي قامت عليه. مجتمع المواطنين الاحرار اقرب الى المسالمة والمساومة والتعاون من مجتمع العبيد والمقهورين.

لكن الحرية في مجتمع مدني يحكمه القانون ليست مثل الحرية في مجتمع الغابة. فالمجتمع المدني يقوم على مبادئ وقيم وضوابط تجعل الحرية ممكنة وفعالة ومنزهة في الوقت نفسه عن الفوضى والتفلت. تلك المبادئ ليست قوانين قمع، بل تقاليد حياة وتوافقات بين الناس تشكل قاعدة لما يعرف في علم السياسة بالاجماع الوطني. من تلك المبادئ مثلاً:

أ) توضيح الحدود الفاصلة بين المجالين الشخصي والعام. يتمثل المجال الاول في عدد من الحقوق الثابتة للفرد بغض النظر عن أي قانون أو تعاقد، وابرز هذه الحقوق هي حق الحياة، حرية الرأي، وحق التملك. في هذا الحريم لا سلطة لاي جهة على الفرد سوى سلطة ضميره. كما لا يجوز وضع قوانين مقيدة له، مثل تحديد ما ياكل الانسان وما يشرب وما يقرأ وكيف يفكر.. الخ. القانون الوحيد الذي يجوز اتخاذه في هذا الصدد هو القانون الذي يكفل ويحمي الحريم الشخصي ويمنع خرقه أو
التدخل فيه.

 أما المجال العام فيتمثل في مساحة العمل والتفاعل المشتركة بين المواطنين، التي يحصلون فيها على حقوق اضافية (مدنية) تقابلها واجبات ومسؤوليات عليهم تجاه بقية اعضاء المجتمع. وهي الثمن الذي يدفعه الفرد مقابل التمتع بفضائل الحياة الاجتماعية. يلعب القانون وسلطة الدولة دورا هاما في تحديد وتنظيم هذا المجال. ويجب على المواطنين الالتزام بالحدود والضوابط التي يقررها القانون، لانها الوسيلة الوحيدة لكي يحصل كل منهم على حقوق متساوية مع الغير.

ب) لكل فرد حق ثابت في التعبير عن رأيه في مجتمعه وطريقة عمله واستراتيجياته وما يسعى اليه من اهداف، سواء جاء رأيه متوافقا مع الراي السائد أو مختلفا معه. ويكفل القانون لكل فرد حق التعبير عن ارائه تلك من خلال الاطر القانونية السلمية.

ج ) يتألف المجتمع من افراد متكافئين، ولا يوجد فرد في هذا المجتمع اعلى قيمة أو ارفع مكانة من الاخر، على نحو يتيح له سلطة الزام الاخرين برأيه أو قناعاته أو اخلاقياته أو القيم التي يؤمن بها أو طريقة العيش التي ينتهجها. جميع القيم تعتبر شخصية، يلتزم به من اراد، من دون فرض أو الزام، مالم تتحول الى قانون عام.

يقوم المجتمع المتسالم على قيم توافقية، بمعنى ان الالتزام بها قائم على الاقناع والرغبة الفردية وليس الالزام الخارجي من جانب الفرقاء الاقوى في المجتمع. وعلى هذا الاساس تقوم المساواة بين الرجال والنساء في الحقوق والواجبات ورفض الرق وعبودية البشر ورفض استغلال الغير أو حرمانه من ثمرات جهده.

د) مع احترام القناعات والمبادئ والاعراف السائدة في المجتمع، فان أي قيمة أو عرف أو فكرة أو مبدأ لا يكتسب قوة القانون ولا يجوز الزام الافراد به الا اذا جرى اقراره من خلال المؤسسات المكلفة بوضع القوانين والتشريعات، أي تلك التي لها حق قانوني في وضع الزامات أو قيود على حرية المواطن.

على انه لا بد من التذكير بان نطاق تطبيق القانون محصور في المجال العام، فلا يجوز فرض قوانين تنطوي على تدخل في الحريم الخاص للافراد مثل فرض رؤية محددةة، أو طريقة في الحياة أو اللبس أو المأكل، أو طريقة في التفكير والتعبير عن الافكار، أو تحديد لحق الملكية أو العمل أو التصرف العقلائي في الاملاك الخاصة.

بناء على هذا فليس من حق أحد أن يلزم عامة الناس بنظام قيم محدد أو قناعات معينة أو اجتهاد خاص أو منظومة من الاخلاق والقيم ولو كانت في رأيه فاضلة أو صحيحة. فهذه الامور كلها متروكة للافراد وهم يختارون ما شاؤوا ويتحملون المسؤولية عما تقود اليه خياراتهم الشخصية.

على ضوء هذه المبادئ الاربعة وصف المجتمع المدني المحكوم بالقانون بأنه مجتمع تعاقدي توافقي، يرتبط افراده بخيوط متينة من المصالح المشتركة والافهام المشتركة حتى لو تباعدوا في النسب أو المذهب. هذا النظام الاجتماعي هو اذن تعبير عن وحدة اختيارية بين افراد متكافئين وليس جبرا عليهم ولا سجنا لعقولهم وابدانهم. من هذه الزاوية فان النظام الاجتماعي هو ثمرة لمجموع ارادات الافراد الذين وجدوا مصلحتهم في العيش معا، وبالتالي فان الهوية الاجتماعية، هي حصيلة اشتراك الافراد جميعا في تقرير ما هو اصلح لحياتهم.

http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20070827/Con20070827135158.htm
 عكاظ - الإثنين 14/08/1428هـ ) 27/ أغسطس /2007  العدد : 2262

مقالات ذات علاقة :

الاثنين، 13 أغسطس، 2007

الحرية التي يحميها القانون والحرية التي يحددها القانون



يقال احيانا ان اعظم الافكار قد يكون اكثرها بساطة اذا قيل في الوقت المناسب. والوقت المناسب هو الظرف الذي يحتاج الناس فيه الى جواب عن سؤال محدد او حل لاشكالية محددة. واظن ان مفهوم الحرية الذي عرضه ايسايا برلين في منتصف الخمسينات من القرن العشرين هو واحد من هذا النوع من الافكار التي قدمت اجابة بسيطة عن سؤال اكثر بساطة، لكنها حظيت باستقبال حافل بين اهل الفكر والسياسة على السواء.

لا بد ان جميع القراء قد سمعوا بالعبارة التي يكثر تردادها، وفحواها انه لا توجد حرية مطلقة، وانه لا بد من تقييد الحريات الفردية بالقانون او الاخلاق.. الخ. هذه الفكرة بذاتها كانت موضع انشغال الناس في اوربا في السنوات القليلة التي تلت الحرب العالمية الثانية. قبل الحرب مال معظم مثقفي اوربا الى نموذج الدولة الليبرالية الكلاسيكية، التي لا تتدخل في حياة الناس ولا في السوق الا في اضيق الحدود. لكن هذه الفكرة تراجعت بعد الحرب الى حد كبير بالنظر الى عاملين:

 اولهما الدمار الهائل الذي شهدته مختلف البلدان، مما استوجب جهدا منظما وجمعيا لاعادة الاعمار، وهذا يستدعي بطبيعة الحال تخطيطا وادارة مركزية لتوزيع الموارد.

 اما السبب الثاني فهو تفاقم الاتجاه الى التخطيط المركزي في اوربا الشرقية والصين، وهو اتجاه حقق في تلك الحقبة المبكرة بعض النجاحات الملموسة على المستوى الاقتصادي لفتت أنظار الاوربيين. معظم المثقفين كان واعيا بجوهر المشكلة المطروحة. على احد الجانبين هناك بلد يحتاج الى اعادة بناء وبالتالي حكومة قوية وقادرة على التدخل.

 وعلى الجانب الثاني، كان ثمة قلق من ان القبول بتدخل الدولة في السوق وفي حياة الناس سوف يحولها الى «غول» عصري، يبتلع الحريات المدنية ويقيم نظاما تحكميا شديد الوطأة، شبيها بالغول السياسي الذي كتب عنه توماس هوبز في القرن السابع عشر.

ولم يكن كثير من هؤلاء المثقفين قلقا على حريته فقط، بل كان قلقا من ان منح الدولة سلطات غير محدودة، قد يدفعها الى الطغيان وربما الدخول في حروب جديدة، مثلما فعلت حكومة هتلر، التي استغلت سلطاتها المطلقة فورطت المانيا في حرب ضروس اكلت الاخضر واليابس. ولو لم يكن الامر على هذا النحو لاستطاع المجتمع الالماني معارضة اتجاه الحكومة العدواني واعاقة انزلاقها نحو الحرب. كان السؤال الذي شغل الناس يومئذ:

هل نغامر بمنح الدولة سلطات مطلقة لاعادة تنظيم حياتنا وازالة آثار الحرب ؟. أي: هل نقدم المصلحة المادية الواضحة على الحريات المدنية، ام نحافظ على هذه الحريات ولو ادى الامر الى تعطيل الاعمار؟. من الواضح ان غالبية الناس سوف تميل الى الخيار الاول، لان ضغط حاجات الحياة اليومية اشد من ان يقاوم. لكن المثقفين وقادة الرأي نظروا الى نهاية المسألة وليس بدايتها.

قدم ايسايا برلين حلا بسيطا، خلاصته التمييز بين مفهومين للحرية سلبي وايجابي. ينطبق المفهوم السلبي للحرية على المساحة الخاصة بالحياة الشخصية التي يتصرف الفرد فيها وفقا لقناعاته الخاصة ومن دون تدخل احد، سواء كان شخصيا او قانونيا. من ذلك مثلا حرية التفكير والتعبير والاعتقاد، وحرية الانسان في العيش والعمل كما شاء طالما لم يزاحم الغير.

طبقا لرأي برلين فان هذا النوع هو التجسيد الابسط لمفهوم الانسانية، ويعد حرمان الانسان منه انتقاصا من انسانيته. ولهذا وجب ان يحمى بالقانون لا ان يحدد بالقانون. فلا يجوز اصدار قانون يحد من حريات الناس الشخصية التي اودعهم الله اياها يوم خلقهم. اما الحرية الايجابية فيتجلى تطبيقها في المساحة التي يشترك فيها الفرد مع غيره من ابناء المجتمع. 

بعبارة اخرى فهي منظومة الحقوق والحريات التي يحصل عليها الفرد بالاتفاق مع بقية اعضاء الجماعة، وهي لهذا السبب حرية يقررها القانون وتوضع حدودها بالتوافق والتراضي. قال برلين انه يمكن للمجتمع منح الحكومة حق التدخل في المجال الثاني شرط التزامها بحماية الاول والامتناع عن اختراقه.

قد يكون من العسير تحديد فاصل دقيق بين المساحتين، لكن ما يمكن قوله هنا هو ان لكل فرد شريحة من الحريات الاساسية التي ينبغي احترامها على الدوام وفي جميع الظروف، لانها شرط للانسانية. واظن ان هذا يوضح المجال الذي يجوز فيه تحديد الحرية من دون ان يعد التحديد طغيانا، وذلك الذي لا يجوز للمجتمع الاقتراب منه لانه حرم خاص للفرد يفعل فيه ما يشاء، ولا يخضع لغير رقابة ضميره ومن فوقه رب العالمين.

http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20070813/Con20070813132014.htm
عكاظ الإثنين 30/07/1428هـ ) 13/ أغسطس /2007  العدد : 2248
             
مقالات ذات علاقة :
· عن الحرية والاغـتراب            

الأحد، 5 أغسطس، 2007

السعادة الجبرية: البس ثوبنا أو انتظر رصاصنا



المدينة الفاضلة والمجتمع المثالي هي اجمل احلام البشر وأعلى تطلعاتهم. لكنها في الوقت نفسه سابع المستحيلات، والسعي وراء المستحيل عبث لا جدوى وراءه. رغم انها مجرد حلم فانها غير ذات ضرر، بل ربما كان التأمل فيها مفيدا في المقارنة بين واقع الحال وبين المثال الاعلى. نحن بحاجة إلى نقد متواصل للواقع كي نستطيع تطويره. فالجمود والتخلف يبدآن في اللحظة التي يقرر الناس انه «ليس في الامكان ابدع مما كان» وانهم قد وصلوا إلى نقطة الكمال الكلي اي «نهاية التاريخ». إذا كان الامر كذلك فما هي اهمية الموضوع اذن؟.

تكمن اهمية المسألة في الصور الاخرى للدعوات المثالية، وهي صور موجودة في مجتمعنا وفي الكثير من المجتمعات الاخرى، دعوات تصور لاتباعها عالما افتراضيا، خياليا، لكنها تجعلهم يؤمنون بوجوده المادي أو إمكانية ايجاده. من ذلك مثلا كتاب الشيخ ابو بكر الجزائري «الدولة الاسلامية» الذي يصور مدينة خالية من العبث والاهواء وأسباب الفحش، هذه المدينة ليس فيها تلفزيون أو اذاعة بل ميكروفونات تبث القرآن الكريم طوال اليوم كي لا تفوت الناس فرصة الاستماع إلى كلام الله. وهي مدينة لا تدرس فيها البنات غير العلوم المتعلقة بتدبير المنزل وحسن رعاية الزوج والاطفال.

 اما الاعمال الاخرى التي تستدعي عمل النساء فتختص بها بنات الفقراء المحتاجات للعمل دون بنات الاغنياء. وهي مدينة لا يوجد فيها اجنبي أو غير مسلم، وربما لا توجد حاجة للاتصال بالاجانب والتعامل معهم. كتب الشيخ هذا الكتاب قبل ظهور القنوات الفضائية والانترنت، وقبل تبلور فكرة العلاقة الحيوية مع العالم. ولو قدر له ان يعيد كتابته اليوم فلربما غير الكثير. لكنه على اي حال نموذج عن تطلعات مثالية موجودة ولها اتباع في مجتمعنا وغير مجتمعنا.

. ليست المشكلة في وجود تطلعات من هذا النوع، بل في ايمان اصحابها بأنها (حق مطلق)، وان على الناس ان يأخذوا به والا وقعوا في الاثم والخطيئة. ويزيد الطين بلة تحول بعض اولئك من محاولة اقناع الناس باللين إلى التشنيع عليهم وجبرهم والتفكير في تدميرهم بل والعمل احيانا على تدميرهم. ولو قدر لهؤلاء ان يحصلوا على مصدر قوة فربما لا يترددون في اختصار الزمن. إن بطلقة واحدة أو قنبلة تنهي مهمة تحتاج الكثير من الوقت لو اريد انجازها من خلال الجدل والنقاش العقلاني. في العام 1981 أعلن الخميني ما وصف بالثورة الثقافية التي كان اول خطواتها إغلاق الجامعات من اجل (تطهيرها). وفي 1996 اغلقت حركة طالبان جامعة كابل ومحطة تلفزيونها الوحيدة وجميع مدارس البنات.

 وفي العام 2000 نسفت تمثال بوذا ضمن حركة استهدفت التخلص من الاثار التي تشير إلى عصور ما قبل الاسلام. وفي العام الماضي، سمعنا جميعا اعلان تنظيم القاعدة عن اقامة «الدولة الاسلامية في بلاد الرافدين» وتضمن ذلك الاعلان تجريما لكل من خالف هذه الدولة الافتراضية وهدرا لدمه باعتباره خارجا عن الدين واجماع المؤمنين. فكان اصحاب هذه الدولة يقولون للجميع البس ثوبنا والا فانت ميت. هذه الخطوات التي اكتشف اصحابها خطأها لاحقا، تشير إلى نمط من التفكير يزاوج بين الخيال والحقيقة، كما يزاوج بين الدعوة والجبر.

اشرنا في مقال سابق إلى ان المثاليين، سواء كانوا وعاظا أو سياسيين أو حركيين أو فلاسفة أو مفكرين أو اتباعا لهؤلاء واولئك، يتفقون على اعتبار أنفسهم «الفئة الناجية» أو «حلف المطيبين» أو «جماعة اهل الحق» وان قلوا، وان اراءهم تنطوي على وصف للحقيقة الكاملة. وهم يتحدثون عنها كواجبات ملزمة لعامة الناس. كما يصنفون الناس إلى صالح وفاسد، من دون ان يكلفوا انفسهم مشقة سؤال هؤلاء الناس عما إذا كانوا يريدون ذلك أم لا، وما إذا كانوا يقبلون به أم لا، وما إذا كانوا يفهمونه أم لا.

وكأن عامة الناس قطيع اغنام يساق من حظيرة إلى مرعى ومن مرعى إلى حظيرة، في اوقات محددة ولاغراض محددة، قررها صاحب القطيع لغاية في نفسه، أو فهم اتبعه، أو علم ظن انه يملك كماله. يريد المثاليون السعادة للانسان من خلال ايصاله إلى المجتمع-الحلم. وهذا يقتضي حسب رأيهم التزام الناس جميعا باستراتيجية العمل التي يفترض ان توصلهم إلى هذه الغاية.

 اما من عارض فيعتبر خارجا عن الاجماع ومثيرا للفتنة، ومستحقا للقمع والعقوبة. انها –بعبارة أخرى– سعادة جبرية يفترض حصولها في المستقبل، وعلى الانسان ان يقبل بها ويقبل بالوسائل التي توصل اليها حتى لو تحمل بعض الناس أو ربما جميعهم قدرا من التعاسة والالم في الحاضر. انها اذن سعادة في الحلم ثمنها تعاسة في الواقع.
http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20070805/Con20070805130119.htm
عكاظ الأحد 22/07/1428هـ ) 05/ أغسطس /2007  العدد : 2240