الأربعاء، 30 يناير 2019

الحرية عند أهل الفقه



||مبدأ الحرية ، رغم وضوح مفهومه وتعدد تطبيقاته في القرآن الكريم ، لم ينل حظا من الاهتمام بين مفسري القرآن واهل العلم الشرعي ، القدامى والمحدثين||

للوهلة الأولى يتخيل الناس ان القمع المباشر هو الناقض الوحيد للحرية. بعبارة اخرى ، فانت تفقد حريتك حين يتسلط عليك من هو اقوى منك ، فيحرمك من فعل ما تريد. هذا يشبه تماما ان يدفعك احدهم الى داخل غرفة ، ثم يقفل الباب عليك.
لاشك ان هذا المثال تجسيد واضح لنقض الحرية. بل ربما يكون المعنى الأول الذي يتبادر للذهن. لأن المعاناة النفسية او الذهنية التي يختبرها الانسان ،  تترجم على شكل شعور بالاذلال او المهانة من جهة ، والمسكنة أو التصاغر من جهة ثانية.
في مثل هذه الحالة ، يصعب القطع بالعنصر الاكثر تأثيرا في نفس الانسان: هل هو فقدانه لحريته ، ام هو شعوره بالمهانة ام بالصغار. ونعلم ان كلا من هذه الحالات مختلف عن الآخر ، في طبيعته ومخرجاته. 

أردت بالشرح السابق الاجابة عن سؤال: لماذا لا يشعر معظم الناس بافتقارهم للحرية ، الا حين يواجهون قهرا ماديا ، او عنفا صريحا (مثل الاسر او الحصر). ومحور مجادلتي هي ان شعور الفرد في مثل هذا  الحال ، مركز على الاذلال او المسكنة ، وليس فقدان الحرية. لكنه يقرنه بتجسيد مادي يتمثل في حالة الاسر ، التي تساوي انعدام الحرية.
يميل البشر بطبعهم الى تصور المعاني المجردة او المشاعر الداخلية ، في اشكال مادية ، يظنونها مطابقة لما في نفوسهم. لأن الاحتفاظ بالمعاني والمشاعر في حالة التجريد المطلق ، يحتاج لطاقة ذهنية وروحية كبيرة جدا ، لا يطيقها غالبية الناس.

-         ما هي اهمية هذا الكلام ، وما الفائدة منه؟
لقد حاولت – مثل غيري – استنباط مفهوم للحرية من تراثنا الاسلامي ، قابل للمقارنة بنظيره المتعارف في الفلسفة السياسية المعاصرة. فما وجدت تصويرا واضحا للفكرة ، سوى ما ينصرف الى معنيين: معنى الأسر/السجن ، ومعنى الرق/العبودية.
وبدا لي ان مبدأ الحرية ، رغم وضوح مفهومه وتعدد تطبيقاته في القرآن الكريم ، لم ينل حظا من الاهتمام بين مفسري القرآن واهل العلم الشرعي ، القدامى والمحدثين. ولهذا السبب ربما ، لم يتحول الى مبدأ راسخ في ثقافتنا العامة ، لا سيما الجزء الموروث منها ، وهو الاعظم والاكثر تاثيرا.


لتوضيح المسألة سوف أضرب مثالا بواحد من المعاني ، التي ينصرف اليها مفهوم الحرية في الفلسفة الحديثة. وهو الحرية في معنى تعدد الخيارات المتاحة امام الانسان.
الفقه هو ابرز علوم الشريعة ، ليس فقط من حيث عدد المشتغلين به في الوسط الديني ، بل ايضا لأنه الاكثر التصاقا بحياة الناس اليومية. ولهذا فليس مستغربا ان تجد الفهم الفقهي للدين ، هو السائد في مجامع العلم الشرعي وبين عامة الناس على حد سواء. وهذا ما يجعله النموذج الثابت للمقارنة بين الاسلام والاديان الاخرى ، او بينه وبين القانون الوضعي.

حيثما بحثت في علم الفقه ستجد ان مفهوم الحرية مفقود او منتقص. لا يعترف الفقه بالتنوع الديني والاجتماعي ، ولا يعترف بحق الاختيار ، كما لا يقر بحرية الاعتقاد والتعبير. ولهذا تجد ان النخبة الدينية ، تنكر دون تحفظ ، مشروعية الافهام والتفسيرات والاجتهادات الجديدة للنص الديني.  لأنها تتعارض مع مايرونه صورة وحيدة للحق. بعبارة اخرى فان الملتزمين بتقاليد المدرسة الفقهية ينكرون الحرية في الجوهر. لكنهم لايرون هذا الانكار معارضا لروح الدين والقيم العليا. لأن مفهوم الحرية السائد بينهم ، لايساوي تعدد الخيارات. ولان نقض الحرية المتعارف عندهم ينصرف الى صورة وحيدة هي الاذلال والقهر المادي.

الشرق الاوسط الأربعاء - 24 جمادى الأولى 1440 هـ - 30 يناير 2019 مـ رقم العدد [14673]
https://aawsat.com/node/1567676/

الأربعاء، 23 يناير 2019

الخبز الحافي والحرية المستحيلة



||المسألة التي تثيرها رواية "الخبز الحافي" هي تقلص خيارات الافراد او حتى انعدامها ، بحيث لا يعود الانسان قادرا على التحكم في حياته او تحديد ما يريد وما لايريد||

كتب الاديب المغربي محمد شكري روايته "الخبز الحافي" في 1972. لكنه أخر نشرها حتى 1982. خلال هذه السنوات العشر ، ترجمت ونشرت بالفرنسية والانجليزية ، ثم نشرت في 35 لغة أخرى. ربما كان خروج الرواية عن مألوف الكتابة العربية ، عاملا في اشتهارها على مستوى العالم. وهذا لا يقلل – على أي حال - من قيمتها الفنية الرفيعة ، وما أظهره الكاتب من قدرة فائقة ، في عرض تفاصيل الحياة اليومية لمجتمع غارق في الفوضى.
أثار اهتمامي في الرواية تصويرها لاشكالية التصارع بين الغرائز والخيارات العقلائية. وللمصادفة فقد قرأتها في وقت كان ذهني مشغولا بجدل المفاضلة الشهيرة بين الخبز والحرية ، وامكانية تحقيق الحرية الفردية في غياب الضرورات الأولية للحياة ، وما يقابلها من اعتبار الحرية شرطا لتمكين الفرد من اخذ حياته بيده ، بدل انتظار من ينعم عليه بلقمة العيش.
كانت هذه الجدالات الفلسفية الطويلة ، ترتسم في ذهني مثل خطوط على سبورة ، وأنا اتنقل بين صفحات حياة شكري ، التي صاغها كدراما مفجعة في روايته.
اعلم ان معظم الناس سيميل للرؤية القائلة بان الحرية أمر ثانوي عند انسان جائع. وهي رؤية اتخذها الماركسيون منطلقا للتنديد بمفهوم الحرية الليبرالي ، مقابل المساواة التي اعتبروها ذروة القيم الناظمة للحياة الاجتماعية ومبدأ العدالة.
Image result for ‫محمد شكري الخبز الحافي‬‎أعلم أيضا ان معظم المدافعين عن أولوية الحرية ، ينتمون لمجتمعات لم تذق ألم الجوع ، وما يرافقه من شعور عميق بانكسار النفس وذبول الأمل في الحياة.
القائلون بأولوية الحرية يعرضون بدورهم أدلة ، يصعب المرور عليها دون تأمل عميق في محتواها. ولعل أبرز هذه الأدلة ، هو ذلك الذي يربط بين تحرر الانسان وتبلور قابلياته الذهنية. يستطيع الانسان – وفقا لهذه الرؤية - تدبير حياته اذا تحرر من العوائق التي تعطل عقله او تكبح ارادته. بل هو قادر على التحرر النهائي من خطر الجوع واحتمالاته. نذكر مثلا ان ملايين البشر فقدوا حياتهم في المجاعات التي ضربت العالم في القرون الماضية. لكن هذه الظاهرة تقلصت بشكل كبير في الخمسين عاما الماضية. وكان اخرها مجاعة الصين الكبرى ، التي حصدت 30 مليونا بين 1958-1961. وتقدر "الامم المتحدة" المجاعات حصدت 75 ألفا من البشر في كل عام خلال العقود الخمسة الاخيرة. وهذا يعادل 10 بالمئة من ضحايا السنوات السابقة ، رغم ان عدد سكان العالم يزيد عن ضعف ماكان عليه قبل نصف قرن.
هذا التطور لم يأت بشكل تلقائي. بل نتيجة لجهود البشر في توفير الغذاء. وهو يؤكد قابلية الانسان لتدبير حياته ، واحتواء ما يواجه من تحديات ، اذا تحرر ذهنيا وجسديا مما يكبح اراداته او يعطل فاعليته.
الفارق في مستوى المعيشة مثال آخر على كون الحرية علة للتقدم ، او على اقل التقادير ، كونها عاملا محوريا في الارتقاء الاقتصادي. حيث نجد ان سيادة القانون وحمايته للحريات العامة ، قاسم مشترك بين المجتمعات المزدهرة صناعيا واقتصاديا. كما ان ضعف المنظومة القانونية الضامنة للحريات ، قاسم مشترك بين الاقتصاديات الاقل ازدهارا. ومعنى الحرية المقصود هنا هو – على وجه التحديد – تعدد الخيارات وحرية الانسان في الاختيار.
المسألة التي تثيرها رواية "الخبز الحافي" هي تقلص خيارات الافراد او حتى انعدامها ، بحيث لا يعود الانسان قادرا على التحكم في حياته او تحديد ما يريد وما لايريد. ليس نتيجة للاستبداد ، بل نتيجة للفوضى وغياب القانون. وتلك قصة أخرى ربما نعود اليها لاحقا.
الشرق الاوسط الأربعاء - 17 جمادى الأولى 1440 هـ - 23 يناير 2019 مـ رقم العدد [14666]
https://aawsat.com/node/1557356/

هيروهيتو ام عصا موسى؟

المقال الاسبوعي للصديق محمد المحمود "العنف في الثقافة العربية" أثار – كالعادة - جدلا حادا ، بعضه متصل بالموضوع ، ومعظمه انكار ع...