‏إظهار الرسائل ذات التسميات الريف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الريف. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 19 فبراير 2020

اخلاق المدينة وحدودها


في منتصف 1971 طالب الرئيس المصري أنور السادات ، بالرجوع  لما اسماه "اخلاق القرية". وفهمنا لاحقا ان محور اهتمام الرئيس ، هو منظومة العلاقات المجتمعية التي يشكل "كبير العيلة" قطبها ومجمع الخيوط التي تربط بين أطرافها.
ولم تحمل دعوة السادات على محمل الجد ، فلا هو يعيش في قريته ولا هو ارتضى ان يدير علاقاته مع الناس ، ولا سيما النخبة المصرية ، على النحو المتعارف في الأرياف.
لكن الفكرة بذاتها - فكرة "اخلاق القرية" - تبدو راسخة الجذور في حياة العرب ، بمن فيهم أولئك الذين لم يستوطنوا الريف أبدا ، فضلا عن نظرائهم الذين هجروا قراهم منذ بواكير الشباب ، واستقروا في المدينة. انها اقرب الى نزوع متخيل او تطلع مليء بالشوق لما يعتبرونه مثلا اعلى في العلاقات الاجتماعية.
دعني أولا اذكر القاريء العزيز بأن كلمة الاخلاق الواردة هنا ، تعني اي نوع من السلوك المعرف ، اي الذي يصنفه الناس حسنا أو قبيحا. فهي لاتنطوي على مدح او  ذم. لكن السياق هو الذي يضعها ضمن دائرة دلالية تنطوي على مدح أو ذم ، كحال دعوة الرئيس السادات التي تضع الاخلاق المذكورة في سياق ايجابي بحت.
تتسم القرى بصغر كتلتها السكانية والجغرافية. ولذا نفترض ان جميع سكانها يعرفون بعضهم البعض ، بالاسم او بالانتماء العائلي  ، وان كثيرا منهم يرجع الى نسب واحد. أما نمط الانتاج والمعيشة ، فهو في العموم محدود وبطييء الحركة. من المفهوم طبعا ان الثقافة والسلوكيات (الاخلاق) والقيم والتوافقات التي تحدد نظم العلاقة بين الناس ، تتأثر كلها بالحاجات المعيشية ومصادر الانتاج وأدواته. لكن بالنسبة لكتلة بشرية صغيرة متعارفة على المستوى الشخصي ، فان المكان يتحول الى اطار لثقافة موحدة ، تدعم نظاما اخلاقيا وسلوكيا واحدا.
في القرية "يكتشف" الانسان عالما جرى تصميمه من قبل ، وليس أمامه فرصة غير الاندماج فيه. ومن هنا فان انتقال الانسان من مرحلة الطفولة الى الشباب ، تتضمن – بالضرورة – عملية ادلجة وبرمجة وتوظيب للشاب كي يندمج في الحياة الاجتماعية.
يختلف الأمر في المدينة. فالناس يأتون من خلفيات اجتماعية متباينة ، ويعملون في مواقع ومهن ومستويات مختلفة ، كما يلتقون يوميا بعشرات الناس الذي ينتمون الى مختلف الدوائر الاجتماعية والثقافات وانماط المعيشة. وهذا يجعل كلا منهم في حالة تفاعل (فعل/انفعال/جذب/ انجذاب) مع دوائر اجتماعية عديدة.  بعبارة اخرى فان الهوية الشخصية لابن المدينة ، لا تحمل لون عائلته او  لون المجتمع الصغير الذي يشبه مجتمع القرية ، هويته في حال تفاعل مع العشرات من الاشخاص الذي يراهم كل يوم ، والذين يحملون هويات وهموما متباينة. ان هوية ابن المدينة في حالة شبه سائلة ، تتغير كل يوم ، قليلا او كثيرا . وتتغير معها علاقاته مع الدوائر القريبة منه ، بمن فيهم اقاربه والمنتمين الى محيطه المباشر.
يصح القول اذن ان المدينة ليس فيها عرف عام يصنعه الناس ، كما هو الحال في الريف. عرف المدينة  مجموعة كبيرة من الاعراف المختلفة (والمتباينة او حتى المتعارضة ايضا) ، الامر الذي يجعل القانون العام بديلا ضروريا لنظيم الحياة والعلاقات بين الناس. ولهذا السبب أيضا نحتاج لقانون  لا يقتصر على تحديد الواجبات والعقوبات المفروضة على التقصير فيها. تحتاج المدينة الى قانون يرسي الاساس الاخلاقي لأعراف وتقاليد تناسب الحياة المدينية ، وتساعد في توليد نوع من الوحدة الاجتماعية او ما نسميه "روح الجماعة" في مجتمع يفتقر تماما الى ارضية تاريخية للوحدة.
الشرق الاوسط. الأربعاء - 24 جمادى الآخرة 1441 هـ - 19 فبراير 2020 مـ رقم العدد [15058]

"الفرج بعد الشدة"

|| ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احت...